لقاءات الخليج ترسم البدايات وتراكم الخبرات “كنت شاهدًا”

مجلس التعاون وهو في بداية عقده الخامس، ومنذ التأسيس في 25 مايو 1981م، لم يكن حدثـًا إقليميًّا عابرًا، ولم تكن قممه المتعاقبة لقاءات روتينية تخطف بصرك فيها عدسات المصورين، بل كانت تجمعًا يجمع ويؤثر ويقرر مستقبل الأجيال، ويرسم مكانة الخليج بين الأمم في زمن لا يعترف إلا بالمكانة والإمكانات ومواجهة التحديات.

القمم – أيضًا – لم تكن سياسية واقتصادية فقط، بل كانت ملتقى قادة ومنتدى عملي لبناء القدرات، وعرسًا إعلاميًّا كبيرًا، من خلال مشاركة قادة ونجوم الإعلام من الخليج والعالمين العربي والدولي، ليتحول الحدث إلى احتفالية إعلامية كبيرة ومبهرة، وورش مهنية وعملية حية لتبادل الخبرات والتجارب بين الأجيال والتأثير في مستقبلهم وأدائهم.

والقمم الخليجية وعلى مدى العقود الأربعة الماضية كانت ملتقى عصف، تلتقي فيها برواد الإعلام الكبار من الخليج والعرب وإعلام المهجر، وتتحاور معهم لتتعرف على مفاهيم جديدة في الإعلام، والأداء من خلال رؤية الحقائق ومقابلة الرموز وليس السماع عنهم والحوار معهم لا الحوار حولهم.

كانت بدايتي مع القمم الخليجية من خلال مشاركتي بقمة الكويت (نوفمبر عام 1984م)، التي حضرتها لأول مرة كإعلامي في بداية خطواته العملية، فكانت نقطة الانطلاق نحو أفق أوسع من التجربة ومعرفة العمل الخليجي عن قرب، معتمدًا على الجمع بين تحدي البدايات والانبهار بالمشاركة وسط نجوم الإعلام الخليجيين والعرب.

تخيل أن تكون بدايتك خليجيًّا في (قمة الكويت) ضمن وفد إعلامي يرأسه الإعلامي والقيادي المحفز للشباب محمد حيدر مشيخ، وتعد رسالتك الإعلامية التلفزيونية اليومية ليقرأها المذيع والرمز الإعلامي الكبير غالب كامل صاحب البراعة في الإلقاء والأداء والحوار وهيبة الشخصية والعمل بدقة وحرص وتواضع، ثم يخرج عملك المخرج الكبير وصاحب الروح الجميلة المخرج الكبير ناصر الصقيه.

ومن جديد يزورني الحظ الجميل مرة أخرى لأشارك في تغطية قمة (أبو ظبي 1986م)، لتتعزز التجربة بالعمل مع نماذج أخرى محفزة، نعم كنت محظوظًا وأنا أعد رسالتنا التلفزيونية الإعلامية اليومية ليتوجها بصوته الرائع وصورته البهية وأدائه المبهر، الرمز الإعلامي والمذيع الكبير ماجد الشبل، لتترسخ عندي قناعة دائمة أن “الإعلامي الرصين لا يشيخ”، وأن الثقافة رصيد تراكمي وسلاح مؤثر وأساسي للمذيع خصوصًا وللإعلامي عمومًا.

بعد هذه البدايات التي رسمت الهوية وأكدت أن قمم الخليج صانعة لطريق النجاح، استمرت رحلتي مع العمل الخليجي برفقة عمالقة وإعلاميين ورموز أثروا في مسيرتي اللاحقة، وما أجمل أن تشق طريقك بين الكبار عملاً وتعاملاً لتتعلم وتتعلم وتتعلم.

كانت القمم الخليجية بصدق ملتقى للحوارات الإعلامية الواسعة وبناء العلاقات، وتبادل الخبرات بروح واحدة امتزج فيها عمق التجارب مع طموح الشباب والإيمان بتعاقب الأجيال.

ردهات مقر الوفود الإعلامية وقاعات المراكز الصحفية كانت تعج بقامات وثقافات متنوعة وحوارات ثرية يشارك فيها وزراء الإعلام ورؤساء تحرير الخليج الصحف الخليجية، فترى فيها وتلتقي وتناقش طارق المؤيد، ومحمد السنعوسي، وتركي السديري، وخالد المالك، وهاشم عبده هاشم، ومحمد الوعيل، وخليل الفزيع، وعثمان العمير، وعبد الرحمن الراشد، وماجد الشطي، وفوزي خميس، وعرفان نظام الدين وعلي الجابري، وفيصل المرزوق، ومحمد الصقر، وغيرهم الكثير.

تذهب إلى وحدات المونتاج ومركز التبادلات والأقمار الصناعية، فترى رموز فنية مثل محمود حناوي، ونبيل بوهزاع، وأحمد زويد، وعبد الله المبيريك وغيرهم، لتتشكل معها قواعد معرفية جديدة وكبيرة.

القمم الخليجية كانت تجربة حية ومؤثرة في أجيال عديدة من إعلاميين الخليج تلفزيونيًّا وإذاعيًّا وصحفيًّا، ومن هنا نؤكد أن مجلس التعاون ليس فقط عملاً سياسيًّا أو تعاونـًا اقتصاديًّا أو عسكريًّا أو صحيًّا أو تعليميًّا، بل هو أشمل من ذلك مستندًا على أبعاد الدم والعرق والدين والمكان والزمان والأسرة المترابطة، مجلس التعاون أسسه الآباء ليستمر ويبقى ويتطور، وجامعة تعلم فيها وتخرج منها كثير من القيادات والإعلاميين.

أمواج الخليج تنشد بتباهي جميل:

“خليجي وأفتخر إني خليجي”.

وأخيرًا ودائمًا “احمدوا ربكم على نعمة الخليج”.

 

نيران صديقة

التجاذبات الإعلامية والقانونية الحالية بين شركات التقنية العالمية، المهيمنة على يوميات الناس بتطبيقاتها الرقمية، وبين أنظمة الدول الداخلية حول حقوق الملكية الفكرية وإعادة بث المحتوى وصناعة الأخبار، فتح آفاقًا جديدة لإحياء وسائل الإعلام التقليدية وبخاصة الصحافة، من خلال مرحلة إنعاش قد تمدّ الحياة المؤقتة لها وسيجبر الدول على سن قوانين لحماية حقوق المحتوى العابر للفضاء والحدود.

المؤشرات تظهر أن الفترة الذهبية التي عاشتها الشركات الرقمية العملاقة مثل: “جوجل وفيسبوك” وغيرها لفترة من الزمن، قد أوشك على الانتهاء، فها هي الصحافة الأوروبية والاسترالية تنجح في إقناع حكوماتها وبرلمانات بلدانها في سن وفرض قوانين ملزمة ضد هذه الشركات لحملها على الدفع مقابل المحتوى، في إجراء يعد علامة فارقة في فضاء الإعلام الجديد!!.

تأتي هذه التطورات في الوقت الذي تراجعت فيه أسهم وسائل الإعلام التقليدية، جراء خسائرها الفادحة لحصصها في السوق الإعلاني لصالح شركات التقنية، وفي الوقت الذي أوشك الكثير منها على التلويح بكلمة الوداع، ولهذا فإن احتمالية تعميم السيناريو الأوربي والاسترالي بتوقيع اتفاقيات إعادة نشر المحتوى بمقابل مادي يعد إكسير الحياة الذي أعاد الأمل إلى ظهور إعلامي أكثر تنظيماً، وأجدى قيمة ومضموناً.

لقد مرت الصحافة خلال السنوات الماضية بفترة عصيبة، وعملت ما في وسعها للتخفيف من حجم الضرر الذي طالها على كافة الأصعدة، أما وقد لاحت بارقة الأمل في إمكانية الحصول على مقابل مالي مستحق قد يعوض جزء من خسائر عدم البيع، وتكدس الأعداد من دون قراءة، فقد آن الأوان إلى العمل على التحول الرقمي الحقيقي إن أرادت البقاء والانتشار والتوسع المستقبلي، وبخاصة أنها الأدرى بالممارسة المهنية، بصورة تنعكس إيجاباً على نوعية المحتوى وحصريته، وكيفية تقديم صحافة استقصائية جاذبة للمتابعين ومحفزة للمعلنين.

إن التغير الذي يشهده العالم في المجال الإعلامي، يوجب التنبه إلى أنه يشكل ظاهرة قد تقود إلى تعزيز عولمته، على نحوٍ تهيمن وتسيطر فيه الشركات الرقمية على مجتمعات العالم بلا جيوش ومن دون حواجز لغوية أو عرقية أو.. أو..؛ لتكون امتدادًا للشركات المتعددة الجنسيات التي نشأت قبل نحو أربعمائة عام وسيطرت على دول وغيرت حدودها وأنظمتها كأداة استعمارية.

السيطرة على المجتمعات سيكون أكثر ربحًا وأفضل تأثيرًا وبأقل التكاليف بعد أن هيمنت الشركات الرقمية العالمية على المشهد والمشاهد والمستمع والمطلع بلا حدود، وأصبحت توجه المحتوى بلا ثمن!!!.

النيران الصديقة التي صوبتها التقنية على الإعلام التقليدي والصحافة تحديدًا هزت العمل الإعلامي وغيرت مفاهيمه، وأكدت أهمية وحاجة الإنسان إلى المعرفة، وإلى حاجة الدول والتكتلات الدولية والإقليمية إلى التعامل مع ظاهرة عولمة الإعلام وفق قوانين وأنظمة تدرك تفاصيله وتستشرف آثاره ومستقبله؛ صحيح أن الموجة الاسترالية قد تكون الشعلة التي ستعيد حقوق وتنعش وسائل إعلامية تقليدية بعضها تنازع وأخرى تعيش على أجهزة مؤقتة يؤجل جاهزيتها للدفن النهائي وكأن كل سراب هو الماء، غير أن الأكثر تأثيراً هو من يملك المنتج الإعلامي الأكثر حضوراً في ساحة الانترنت!!.

وفي الأخير، نحن متفائلون أن ملاك الصحف وصناع المحتوى، في حال حصلت على حقوقها، سيتوقفون قريباً عن تريد قول المتنبي:

وَالهَجْرُ أقْتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ

أنَا الغَريقُ فَما خَوْفي منَ البَلَلِ

شعبوية إعلامية

لا شك في أن الشعبوية كانت موجودة منذ القدم، ولكن استخدامها كمفهوم ومصطلح بدأ في أواخر القرن التاسع عشر بهدف تعزيز الديموقراطية في أمريكا ودعم الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، قبل أن يتطور المفهوم كأداة من أدوات الليبرالية.

ومن المؤكد أن الخطاب الشعبوي يستغل الناس العاديين من أجل الوصول إلى الشهرة والهيمنة تحت ذريعة حماية المصالح، كما أن الشعبوية تستخدم للهجوم والتلاعب باهتمامات الناس لغايات محددة.

كل هذه التعريفات والأنماط يعكسها الإعلام ويستغلها الساسة و”عابرو سبيل المشهد الإعلامي”؛ بحثــًا عن النفوذ والشهرة والاهتمام والمال ولفت الانتباه.

في الإعلام بكافة أنواعه هناك نماذج تستخدم الشعبوية للبروز والشهرة والثروة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقائق والأحداث والمبادئ.

ومن المؤكد – أيضًا – أن الإعلام الرقمي وسّع من دائرة هذه النماذج لأهداف تسويقية لا تهتم بالمحددات والمعايير؛ لأن الهدف المرسوم هو الشهرة والأضواء ومن بعدها (الطوفان)!!.

مـَنْ يتابع الإعلام يعرف أن هناك أسماء تتسلق على أي شأن؛ لأنها لا يهتم بالتخصص أو المعرفة أو معايير المهنة وأخلاقياتها، ولهذا ترى كثير من هؤلاء يقلب هواه وفقًا للطلب أو المرحلة أو (وين ما مال الهواء مالي)، فاليوم هو إعلامي سياسي وغدًا رياضي ثم اقتصادي ثم خبير فضاء ومحلل طقس وصولاً إلى أن يكون إعلاميًّا مؤثرًا في الشأن العام.

هذا التنقل الزائف والعجيب يوصله إلى تنوع الشرائح وازدياد المتابعة، والأخطر أن يكون تأثير مثل هذه النماذج سلبيًّا في الحقائق والتاريخ والجغرافيا.

“ويكيبيديا” وعاء إعلامي متسع لكل معرفة، لكن الوصول للحقائق الثابتة أصبح سهلاً مثل سهولة تغييرها.

إن التخصص يعزز المعرفة وينميها ويجددها، أما إذا كان الهدف هو دغدغة المشاعر وزيادة الأرصدة وارتفاع عدد المتابعين فهذا شأن آخر يضمن استمرار ولادة نماذج “ويكيبيديا الشهيرة”.

المشكلة الكبرى أن غالبية الباحثين عن الشهرة والشعبوية هم الأكثر تبديلاً للمواقف وتبريرًا للأخطاء وتسويقـًا للخطايا، وكأنهم يمتثلون قول إبليس كما ورد في القرآن الكريم { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }(سورة الحشر، آية 16)، ولهذا كان إبليس أكثر الشعبويين  وعوداً وغروراً وشهرة ونزغًا للقلوب وتغييرًا ورفضًًا للحقِّ والعلم والثوابت.

“جوبلز” وزير الدعاية الألماني الشهير، صاحب مقولة “إكذب إكذب حتى يصدقك الناس”، لو كان حيًا لخجل من الكذب والافتراء والتهافت على الأضواء؛ على الرغم من أن “جوبلز” ومبدلي الحقائق وجوه متعددة لخطوات الشيطان.

المؤكد أن يقول الشعبوي مجازًا: “كلّ الطرق تؤدي إلى الشهرة”، وإذا ضاقت الدروب فما أوسع فسحه (الروغان)؛ لأن رأس مالها اعتذار عن محطات التشويه والدجل قبل الوصول إلى رحاب الشهرة والمال.. وتستمر الحياة!!!

الرقص مع الهواء

ما بين رواية “طواحين الهواء” للكاتب الإسباني “ميغيل سابيدرا” وبطلها الباحث عن بطولات خيالية بحصان هزيل،
(دون كيشوت) وبين رواية “الرقص مع الذئاب” للكاتب (مايكل بلاك) وتركيزها على الصراع بين المكونات البشرية الأمريكية، تعددت الأسماء والرقص واحد.

الإعلام أحد أهم عناصر الحياة، ولهذا لو تعمقنا في الروايتين في إطارهما العام لوجدنا أن الإعلام بطبيعته يُعلّم الإنسان على الرقص بين المتناقضات والحقائق والأوهام والتجاذبات.

لا شك في أن الإعلام برمته وسيطرته وأساليبه أمريكية، وتعدد وسائله بين إعلام تقليدي أو رقمي أو تواصل اجتماعي، انعكس على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فتحول الإعلام القادر على التأثير والتغيير والتجييش إلى أدوار استبدال الصور وإسقاط القيادات أمريكيًّا وعالميًّا متنقلاً بين الحروب العالمية إلى الحرب الباردة إلى حرب فيتنام إلى فضيحة ووترجيت إلى حرب النجوم ثم إلى إسقاط الدول والأنظمة وإبراز الحركات المتطرفة، وأخيرًا إلى صراعات كورونا والمنظمات الدولية وقرصنة الكمامات والقفازات وصولاً إلى حادثة “لا أستطيع أن أتنفس” التي حولت الساحة العالمية عمومًا والأمريكية خصوصًا إلى صراعات عرقية وحقوقية وسياسية وانتخابية.

وإذا كان الذئب عوى في فيلم “الرقص مع الذئاب” رافضًا التدمير بين البشر، فإن البطل يختم مغامراته وتحدياته قائلاً: “سأرحل بحثـًا عن أناس يمكن أن يصغو إليّ”.

ما يحدث حاليًّا في الولايات المتحدة الأمريكية هو استقطاب كبير وحاد بين الحزبين السياسيين الجمهوري والديموقراطي لما قبل استحقاق الانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر 2020م.

لا شك في أن الصراع تحول إلى كسر عظم بين الحزب الجمهوري والرئيس (دونالد ترامب) من جهة والحزب الديموقراطي ومرشحه (جون بايدن) واليسار والإعلام الأمريكي المؤثر في الجهة المضادة.

“ترامب” اعتمد على تكرار (Fake News) ضد وسائل إعلامية أمريكية وتجاهل أسئلة مندوبيها بسبب التنافس الحزبي ومعارضتها لسياساته الداخلية، لكنها توسعت إلى مواجهات وخلافات سياسية وقانونية بين الرئيس الأمريكي وأهم المواقع الإعلامية، مثل: “تويتر، وفيسبوك” مهددًا باتخاذ إجراءات قانونية تصل إلى وقفها بعد حادثة حذف تغريداته ومشاركاته في هذه الوسائل.

الإعلام شريك أساسي في المؤسسات الأمريكية وصوت قوي ومؤثر في تشكيل الرأي العام، ولكن الرئيس “ترامب” – أيضـًا – ظاهرة قيادية غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي، ولهذا تحول الصراع إلى قوة تراقص الشارع بأجندات سياسية وانتخابية يرقبها العالم بحذر واهتمام متابعًا مسرحية تراجيدية ودراما سوداء.

العام الطويل (2020م) وضع العالم على مسرح كبير ليراقص الهواء على أحلام اللقاح الموعود المفقود، وصراعات السياسة ليغني لهم (كوفيد 19) بتحدي “الليل عاده بأوله”، ثم يرد مجازًا “الفيروس لا يزال فيروسًا أكثر من اللازم”.

المستقبل عن بُعد

مع بداية ظهور (كوفيد 19) خفية في نهاية 2019م في الصين قبل أن يُعلن على استحياء في نهاية شهر يناير الماضي عن اكتشاف أول حالات مرضية، ثم مفاجئة منظمة الصحة العالمية الدنيا بأسرها بتصنيف الفيروس كوباء في شهر مارس الماضي، تجلت التناقضات بسبب هيمنة (كوفيد 19) على الرأي العام العالمي، وتأثيرها في تفاصيل الحياة اليومية للبشرية سلبًا وإيجابًا، وأصبح الإنسان يصحو على إجراءات ويمسي على أخرى.

صاحب اليد الطولى والبارز الأكبر في متابعة الجائحة كان الإعلام التقليدي والرقمي، ووسائل التواصل الاجتماعي التي لقيت في هذه الأزمة مادة لا تنتهي، وجدلاً بين العامة والأطباء والعلماء، وأهل السياسة والتجارة ومراكز البحوث.

من أوجه التأثير الإعلامي لهذه الجائحة التدخل في تقييم الأداء السياسي والصحي والمعيشي للدول، وكيفية تعامل منظمات العمل الدولي.

متابعة (كوفيد 19) طغى على هياكل البثِّ التلفزيوني والإذاعي ومحتوى رسائل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أدى بالمواطن العادي إلى ركوب الموجة والمشاركة في الأزمة، من خلال رسائل في “تويتر” و”سناب شات” و”الفيسبوك” و”الواتساب” وغيرها، بل وتحول إلى مصدر مشوش لعمل الأطباء المتخصصين ومراكز البحوث، ولم يقف عند النقل فقط،  بل وصل بالإنسان البسيط إلى اقتراح إجراءات حياتية ومعيشية وطبية لمواجهة الفيروس الخطير.

تردد وتناقض وبطء القرار الصحي الدولي، والضخ الإعلامي المكثف والمشاركة الشعبية في مواجهة الجائحة أسهم في بروز مفاهيم جديدة للحياة في المستقبل.

المتابعة الإعلامية المركزة لانتشار الوباء ورقابة الالتزام بالتعليمات في الشوارع والأسواق والعمل أوجد آثارًا مهمة في يوميات البشر، منها تطبيق مفهوم “الحياة عن بُعد” الذي شمل العلاقات الإنسانية والتواصل، والعمل، والتسوق، والتدريب والترفيه.

الكوادر الطبية أو “الجيش الأبيض” كانوا أبطال المواجهة بتحديهم للمخاطر، إلا أن الإعلام بكافة أنواعه كان فارس الساحة والمستفيد الأول من التناقضات والمتغيرات، لأنه اعتاد على صنع الأزمات ومتابعتها والتربح بها ومنها ومعها.

في الأخير منظمة الصحة العالمية تقول: “نحن نتعلـّم” والإنسان يردد: “نحن نتألم”.

إعكورونا!!!

في ظلِّ القلق والاهتمام العالمي الواسع وغير المسبوق بانتشار مرض كورونا المستجد (كوفيد 19) وتعديه للحدود وعبوره السريع للقارات أصبح الهاجس الكبير للإنسان متابعة مستجدات هذا المرض الخطير وما صاحبه من زخم إعلامي مكثف سبب الهلع والخوف من الانتظار المجهول.

في مقال سابق ليّ تحدثت عن “من يصنع الآخر، الأزمة أم الإعلام؟” ودور الوسيلة الإعلامية في صناعة الأزمات وتعزيز انتشارها من دون النظر لأي معايير أو محددات، ومعها أصبح المتابع يمسي على معلومة ويصبح على واقع آخر ولو كان على حساب الحقيقة.

هناك رابط كبير بين الكورونا والإعلام، بخاصة في مجالي السرعة والانتشار، ولا شك في أن كورونا الإعلام وتأثيره أخطر من المرض المعروف نفسه، بل إن الحالة قد تتحول إلى وباء مهني.

ليس تشاؤمًا، لكن ما يجري في الإعلام بخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي و(الواتساب)، وما يسمى بمشاهير التواصل الاجتماعي، من تمصدُر وترهيب وتركيز على نصائح غير متخصصة ونقل مقاطع قديمة وعدم الاستناد على مصادر موثوقة، كل ذلك وغيره كثير حوّل ما يجري إلى (إعكارونا) متفشية، فيها كثير من الإقصاء والتباهي المزيف وعدم الوعي.

أي أمراض كانت، ومنها كورونا المستجد، تنحسر ويتم إيجاد علاج لها بمشيئة الله، لكن كيف نعالج مرض فيروسات كورونا الإعلام؟!

المسألة ليست بحاجة إلى عقاقير ومضادات بل إلى عزل فكري وتشريعات إعلامية تحد من إيجاد الأزمات بين أفراد المجتمع وتخطي الحدود إلى إيجاد حملات تأزيم متضادة بين الشعوب.

الإعلام سلاح قوي، بل أبلغ من الرصاص، وكورونا الإعلام أفتك من كل الأوبئة لأنه يصوب نحو جدران المجتمع المطرز عليها لوحة مكتوب عليها “آفة الأخبار رواتها” وتحتها نقش جديد “آفة الإعلام فيروساتها”، وعلى المتضرر قياس الحرارة والضغط ومعدل التنفس، فقد يكون أصيب بعدوى فيروس كورونا الإعلام، وبالتالي الدخول في إجراءات الحظر والعزل وعدم مخالطة البشر بأفكار محبطة وأسطر مضللة ورؤية معتمة!

إذا أردت الراحة.. ابتعد عن متابعة مصابي “كوفيد الإعلام” كي تعيش في سعادة وسلام، وخذ الاحترازات والتحذيرات من مصادرها المؤكدة والمتخصصة، وليس من السّاعين إلى الشهرة والأضواءو”الترزّز” ولو كان على حساب صحة الإنسان وسلامة المجتمعات.

Media Hackathon

من المؤكد أن التسارع والتوسع الكبير في مجالات الإعلام وتأثيرها في ثواني وتفاصيل الحياة البشرية لم يكن ليتحقق إلا بالاعتماد على التقنية ووسائل الاتصال الرقمي، لتكون هي المحرك الأساسي لحياة الإنسان.

ولا شك في أن تأثير التقنية لم يعدّْ كالبدايات بعد أن أصبحت تطوراتها متسارعة جدًّا، مما أدى إلى بروز أنماط إعلامية واتصالية وتقنية جديدة منها: الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز الذي يدمج بين المحتوى الرقمي والواقع الحقيقي، وصحافة البيانات، والإنتاج الإعلامي المعتمد على استخدامات التطبيقات ووسائل الاتصال، ومنها: صحافة الموبايل، والجرافيك، وبرمجيات تحسين الصوت والصورة، وغيرها كثير.

كل هذه المستجدات تحتم العمل على تجمع مهني مبدع لدفع آلاف الموهوبين من شباب وشابات الخليج لإظهار قدراتهم ونشر إبداعاتهم مع نظرائهم من العالم، بل ومنافستهم في ساحة تتسع لكل إبداع، علمًا بأن كبرى شركات التقنية ومواقع إنترنت الأشياء بالعالم يقودها شباب من آسيا وأوروبا الشرقية.

فكرة (الهاكاثون) تقوم على تجمع يبتكر ويتبنى الأفكار المبدعة في مجالات تطوير البرمجيات التي هي المحرك الأساس للمستقبل.

ولا ننسى أن المملكة العربية السعودية نظمت في عام 2018م (هاكاثون الحج) بمشاركة نحو ثلاثة آلاف مبرمج من خمسين دولة بهدف تطوير تطبيقات وتقنيات تسهل أداء الحجاج لمناسكهم وتطور الخدمات المقدمة لهم، وبالفعل كان حدثــًا عالميًّا كبيرًا جعله أكبر تجمع هاكاثون في العالم ودخوله في موسوعة جينس للأرقام العالمية القياسية.

قد يرى البعض أن هناك العديد من الملتقيات والمنتديات الإعلامية الكبرى في المنطقة، لكنها تظلّ ساحة مغلقة لتبادل الأفكار والتجارب بشكل سردي لا يعتمد على التنافس أو الابتكار، مع الأخذ في الاعتبار مبادرة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بإقامة “هاكاثون الإعلام”، والتي اطلقتها خلال فعاليات منتدى أسبار الدولي عام 2019م، ويُنتظر أن تكون مهنية عملية لا نظرية أكاديمية.

أعتقد أن إقامة (هاكاثون الإعلام الخليجي) سيحقق التطوير والريادة في عصر تتسيده التقنية التي تسيطر على العالم، حتى أن مفهوم الجيوش التقليدية تبدل إلى حروب إعلامية وإلكترونية وبرمجيات تؤثر وتعطل وتسيطر.

الأحلام الكبيرة تتحقق بفكرة صغيرة تتحول إلى واقع يقرأ الحاضر ويستشرف المستقبل. أراهن أن شباب وشابات الخليج يحتاجون إلى الدعم والتشجيع والتمكين، فهم يفكرون بإيجابية وإبداع وتميّز، وعلينا دعم أفكارهم وتحويلها إلى واقع مؤسس لمستقبل أفضل وأجمل، فكأنهم يتبعون الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عندما قال: “أنا أفكر إذًا أنا موجود”.

جلباب الإعلام وجلبة الأضواء ..!

عندما كتب الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس، عام 1982م، روايته الشهيرة “لن أعيش في جلباب أبي”، والتي تحولت إلى أحد المسلسلات العربية التلفزيونية المهمة وأطولها، لم يدر بخلده أنها ستكون قاعدة إعلامية ربطت
‒ أيضًا ‒ بين الجلباب والجلبة.

الرواية بشكلها “الدرامي” اهتمت بالبحث عن النجاح والتحدي والقفز على الصعاب.

لكن ما الرابط بين الرواية والإعلام؟!

وتحديدًا بين الجلباب والإعلام ..!

الروائي الكبير، وهو مَن بيت إعلامي يتمثل في والدته الإعلامية
“روز اليوسف”، ركز في روايته على اهتمام البطل بجذب انتباه الآخرين لتغطية عجزه المادي والاجتماعي والتعليمي.

ومن هنا استخدم عدد من إعلامي “راكبي الموجة” هذا المحور للبحث عن الأضواء والانتشار بسهولة حتى ولو تطلب الأمر مخالفة الواقع والحق وعكس الوقائع والحقيقة، ولتحقيق هذا الهدف اتبعوا قاعدة “لنلبس جلباب الإعلام ونخلع رداء الحقائق” لأن الأمر يحتاج مراحل تبدأ بالتكوين ورسم الهالة ثم الانتشار ولفت الانتباه وعند انكشاف الحقيقة يعودون إلى الاعتذار والتبرؤ من مرحلة ما قبل الشهرة والجلبة.

منذ مدّة أصرّ أحد المتقدمين على تجربة مذيع أن يعرف رأيي وتقييم تجربته
– على الرغم من عدم اختصاصي ‒ فسألته: لماذا ترغب في أن تكون مذيعًا تلفزيونيًّا؟ إجابته كانت صادمة، لكنها صادقة، قال لي: أريد أن أصبح شخصًا معروفـًا، بخاصة عندما أدخل الأسواق برفقة زوجتي وحتى يعرفني الناس ويتحدثون عنّي!!.

المفترض ألا تكون الشهرة على حساب المبادئ وأسس مهنة الإعلام، لكن هناك عدد من إعلاميي “راكبي الموجة” لديهم القدرة على الجمع بين المتناقضات وتغيير المواقف وصولاً إلى المنفعة والأضواء.

إذًا فالجلباب أصبح فضفاضًا أمام المهنة والفكرة والحقيقة والمبدأ، حتى ولو من منطلق “خالف تعرف”.

وحتى لا يتحول الإعلام من مهنة ورسالة سامية ومرآة أمة إلى مهنة من لا مهنة له لابد من التدقيق والتنظيم والمحاسبة.

أخيرًا .. تابع المشهد الإعلامي التقليدي والجديد ووسائط التواصل الاجتماعي، ثم ردد كلمات الشاعر السعودي الكبير إبراهيم خفاجي (مالي ومال الناس .. ومالك ومال الناس .. لما حبيتك ما خذت رأي الناس .. خلينا في الحاضر .. ننسى اللي كان).

أما أصحاب الجلباب والجلبة فسيكملون بالقول:

ويا من يحاسبنا .. يلقى الجواب أصعب!!.

كيف تصبح إعلاميـًّا معروفـًا من أول مقال أو تغريدة؟

كثيرًا منا مرَّت عليه كتيبات أو تساؤلات، مثل: كيف تتعلم اللغة الإنجليزية في أيام؟ وكيف تكوّن ثروة كبيرة في ساعات؟ أو كيف تصبح شاعرًا أو مثقفـًا في شهر؟

هذه الأسئلة، وإن كانت سابقـًا محفزة وتتلاءم مع مرحلة ما قبل التواصل الاجتماعي، إلا إنها تغيرت بحكم تعدد المصادر والتطورات الإعلامية والتقنية بشكل سريع ومتلاحق.

من السهل أن تكتب مقالاً قصيرًا أو تغريدة عابرة ليتم تقديمك في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية والملتقيات العامة كإعلامي وصحفي معروف، وتكتسب شهرة تتجاوز سهر العلماء وأفكار الأدباء ونبوغ الأطباء وبراعة الأذكياء!!

في المجال الرياضي، وهو ساحة عشق كبيرة لكافة شعوب الأرض، كانت العلاقة بين الإعلام والرياضة علاقة تحدي وشهرة قائمة على الإثارة المطلوبة التي لا تقفز على المبادئ والحقائق، وتعتمد على التنافس في الملعب.

الإعلام الرياضي في مجمله أفضل ساحة لتسليط الأضواء، فالطريق سهل ومبسط، يقوم على الانتقاد المستمر، والتلاعب بالعبارات ومشاعر الجمهور، وتبديل المواقف والألوان وفق المزاج العام، لتتحول إلى قلم معروف وصاحب رأي سديد.

تستطيع التغريد أو الكتابة بعدة كلمات عن نقاط خلافية أو قانونية، أو تتبنى لون فريقك المفضل أو رأيك المبجل، لتكون صوتــًا جهوريـًا وعالـمـًا شعبويـًّا يلامس الغمام، ثم تبدأ الانتشار ليبدأ بك المشوار مع اللقب الأسهل “الإعلامي الكبير والمعروف” الذي ليس له محددات.

في الخليج كبار الصحفيين والإعلاميين بدأوا من الكتابة الرياضية وبنهج مختلف يتفق مع طبيعة كل مرحلة، ولكنه حاليـًا في أفق متسع لا حدود ولا شريعة له، على الرغم من أن الإبداع لا يتوقف والساحة تتسع للجميع.

أخيًرا أطلق “اللون الذي بداخلك” وستجد الترحيب والتمجيد بين الجماهير، كعنتر كل الأزمنة ممتشقـًا سيفك وممتطيًّا حصانك (الأبجر)، فعلاً إنها مهنة سهلة لا تحتاج إلى علم أو جهد أو محددات، وبابـًا مشرعـًا للجميع نحو الشهرة ومقدمة الصفوف، وبما إن التنافس الرياضي يحتاج إلى ملعب لا بد لنا من الاستشهاد بقول المثل: “اللي تكسب به العب به”، وعلينا كجمهور أن نردد “اللي ما يشتري يتفرج”.

من يصنع الآخر

تسارعت الأحداث والمتغيرات المتلاحقة لتلقي بظلالها على الساحة الإعلامية التقليدية والجديدة، وتعددت المبتكرات الإعلامية الحديثة فتنامت النظريات والمصطلحات الإعلامية القديمة الجديدة، وبرز للمتابع المتخصص العديد من الموضوعات المؤثرة والمهمة في واقع ومستقبل الإعلام، مثيرة لكثير من التساؤلات!.

فمن ظهور «أول مذيع «روبوت» قارئ للنشرات الإخبارية مستنسخـًا لصوت وصورة المشاهير من المذيعين، إلى بروز نظرية «الضخ الإعلامي المكثف» بهدف التأثير في الرأي العام وتكريس حقائق محددة، إلى مصطلح «غسل الأخبار» الذي تقوم فيه خلايا عديدة بتدوير الأخبار والإشاعات بين وسائل إعلامية محددة معتمدة على النقل والإسناد لمصادر غير معروفة بهدف التضليل والتأثير والإضرار، إلى تزايد اعتماد الأخبار الزائفة (Fake News) بشكل متزايد في الصراع بين السياسيين والإعلاميين بعد أن رددها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في صراعه مع وسائل إعلامية لها أجندات حزبية.

هذه المتغيرات المتلاحقة تركتنا نسبح في دهشة سؤال كبيرة .. «مـَن يصنع الآخر..الأزمة أم الإعلام؟».

عبر التاريخ القريب كان الحدث الأبرز هو تسيد شبكة (CNN) الأمريكية للمشهد الإعلامي العالمي بعد أن أبرزتها أزمة احتلال العراق لدولة الكويت وحرب تحريرها عام 1991م، لتتحول إلى إمبراطورية الصوت والصورة والبث المباشر من خلال استغلالها لهذه الأزمة الدولية الكبرى.

المتغيرات الجديدة وتطورات الاتصال الجماهيري المتسارعة ووسائل التواصل الاجتماعي قلبت هذه المعطيات وحولتها إلى واقع معاكس، بمعنى أن الوسيلة الإعلامية قد يكون لها دورًا مؤثرًا في صناعة الأزمات وتعزيزها وانتشارها على نطاق أوسع من دون النظر لأي معايير أو محددات، ومعه أصبح المتابع يمسي على معلومة ويصبح على واقع آخر، بمعنى أن الدقيقة ثابتة والحقيقة متغيرة!!!

ولعل الأخطر في هذه العملية الاتصالية مشاركة وتأثير أي متلقي في المحتوى والرسالة وتعزيز الانتشار، مما جعل الرأي العام داخل الدول وخارجها يتشكل ويتبدل بشكل سريع ودائم وفق المجموعات الإلكترونية من دون قيود أو حدود، مما صنع ميادين جديدة للصراع.

تأثير التقنية من خلال التواصل الاجتماعي حولت الإعلام الجديد إلى مسرح إعلامي افتراضي، مما أثر في الحقيقة وعزز من النجومية الفردية الباحثة عن المتابعة والشعبوية.

الوسيلة التقليدية قد تتجاوز بعض الحقائق، ولكن مستخدمي التواصل الاجتماعي أصبحوا يؤثرون في القرار والمشهد الإعلامي بأكمله، مما سيوجد مزيدًا من الأزمات ووسائل الإعلام، لتستمر المطاردة من دون توقف ويبقى السؤال: 

من يصنع الآخر .. الإعلام أم الأزمة ؟!!.