الأمين العام يؤكد على دور مجلس التعاون في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي

بمناسبة الذكرى الأربعين لقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية

أكد معالي الدكتور نايف الحجرف، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، على الدور الكبير والمحوري الذي يقوم به مجلس التعاون منذ التأسيس في عام 1981م في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، باعتباره ركيزة الاستقرار في المنطقة ومحرك ازدهارها وتنميتها.

جاء ذلك خلال الندوة الافتراضية التي نظمها معهد دول الخليج العربية في واشنطن في 26 مايو الماضي، بمناسبة الذكرى الأربعين لقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

واستعرض معالي الأمين العام مسيرة مجلس التعاون المباركة في خدمة دوله وأبنائه، من خلال الإنجازات والتنمية التي شهدتها الأربعون عامًا الماضية منذ قيام المجلس في 25 مايو 1981م، ونجاحه في تعزيز مرجعيته الإقليمية وتفاعله وحضوره الدولي، الذي جعل منه شريكًا صادقًا وموثوقًا في ميادين البناء والتنمية والتقدم وتعزيز الأمن والاستقرار.

وشدد الدكتور الحجرف على إيمان مجلس التعاون بالتفاعل الإيجابي مع المجتمع الدولي في ملفات الأمن والطاقة والتنمية والاقتصاد، حيث يدشن مجلس التعاون العقد الخامس في أعقاب “قمة السلطان قابوس والشيخ صباح”، التي احتضنتها محافظة العلا في 5 يناير 2021م، والتي شكلت انطلاق مرحلة جديدة في مسيرة مجلس التعاون، والذي سيبقي حريصًا على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي
– وأيضًا – التنسيق والتعاون مع الأشقاء والأصدقاء لما يمثله ذلك من دعم وتعزيز الأمن العالمي.

وتناول معاليه جهود مجلس التعاون في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مستشهدًا بجهود مجلس التعاون في تعزيز الأمن في اليمن منذ عام 2011م عندما قدمت المبادرة الخليجية، والتي شكلت أحد المرجعيات الثلاث لحل الأزمة في اليمن، والتي كانت بمثابة خارطة طريق لولا انقلاب ميليشيات الحوثي على الشرعية وما تسبب به من تداعيات لا زال الشعب اليمني يعاني منها بسبب تعنت الحوثي ورفضه التجاوب مع المبادرة السعودية لوقف إطلاق النار وبدء العملية السياسية، مثمنًا جهود كلاً من المبعوث الأممي لليمن – وأيضًا – مبعوث الولايات المتحدة لليمن، والعمل معهما للتوصل إلى حل دائم للأزمة اليمينة، معبرًا عن شجبه واستنكاره لاستمرار جماعة الحوثي باستهداف المملكة العربية السعودية، داعيًّا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه تلك الاعتداءات المتكررة.

وأكد معالي الأمين العام على الموقف الثابت والمبدئي لمجلس التعاون في دعم الحكومة الشرعية في اليمن، واستعداد مجلس التعاون لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار اليمن، وفق قرار المجلس الأعلى، شريطة انطلاق العملية السياسية لاستعادة الأمن والاستقرار في اليمن .

واستعرض الدكتور الحجرف العلاقات بين مجلس التعاون وكلاً من المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية، وأهمية التنسيق والتعاون من خلال عدد من اللجان والفرق التي تعمل على تعزيز ذلك في مجالات عدة لخدمة الأهداف والمصالح المشتركة، موضحًا علاقات مجلس التعاون مع جمهورية العراق على ضوء مذكرة التفاهم الموقعة في عام 2019م، والمشاريع المشتركة بين الطرفين، ومنها: “الربط الكهربائي للشبكة الخليجية مع جنوب العراق”، مؤكدًا بأن أمن واستقرار العراق مهم لمجلس التعاون.

وثمن معالي الأمين العام العلاقات بين مجلس التعاون وجمهورية مصر العربية، وما تمثله من أهمية إستراتيجية لتعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مؤكدًا على الدور المحوري لجمهورية مصر العربية، وارتباط أمن مجلس التعاون مع أمن مصر في مواجهة التحديات، مستذكرًا دور مصر في التوصل إلى هدنة في غزة بعد ما شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة من اعتداءات مؤخرًا.

وحول لبنان، أكد معاليه على الموقف التاريخي لمجلس التعاون مع الشعب اللبناني الشقيق في كل الأحوال والظروف، والتي كان آخرها انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس عام 2020م، حيث سارعت دول المجلس بمد جسر جوي من المساعدات والمستلزمات الضرورية لمساعدة الأشقاء في لبنان، متمنيًّا أن تسارع الطبقة السياسية في لبنان بتغليب مصلحة لبنان وسيادته، والإسراع بتشكيل حكومة كفاءات تنقذ لبنان ليسترد دوره وعافيته تحقيقًا لمصلحة لبنان واللبنانيين.

وفيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني، أكد معالي الأمين العام على أهمية جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي، مستذكرًا ترحيب مجلس التعاون بالاتفاق الذي أعلن عنه في عام 2015م، والذي كان مأمولاً أن يحد من سلوك إيران المزعزع للأمن والاستقرار في المنطقة، غير أن الواقع يثبت عكس ذلك، داعيًّا إيران إلى احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، واحترام سيادة الدول، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية ووقف دعم المليشيات المسلحة.

وأكد الحجرف على أهمية طرح وجهة نظر مجلس التعاون والتساؤلات المشروعة حول مفاوضات البرنامج النووي التي عُقدت في فيينا، كون مجلس التعاون معنيًّا بتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بحكم الجوار الجغرافي المباشر مع إيران، وقياسًا على مشاركة كلاً من: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية والصين واليابان وكوريا الجنوبية، مجتمعين في المفاوضات سداسية الأطراف في عام 2003م حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية كدول جوار مباشر.

وفي هذا الصدد رحب معالي الأمين العام بتفاعل واهتمام الولايات المتحدة الأمريكية مع قضايا المنطقة، مؤكدًا على أهمية العلاقات الإستراتيجية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة الأمريكية في كافة المجالات، ومتطلعًا لتعزيز هذه العلاقات لخدمة المصالح المشتركة وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وحول أولويات العقد الخامس لمجلس التعاون، أكد الدكتور الحجرف على أن الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة، وأن دول المجلس تتمتع بمقومات تمكنها من القيام بدور رئيسي كمحرك اقتصادي من خلال الشراكات الإستراتيجية ومفاوضات التجارة الحرة مع عدد من الدول والتكتلات الإقليمية، ومن خلال خطط ورؤى وبرامج التنمية في دول المجلس، مستعرضًا الجهود الاستثنائية للمملكة العربية السعودية في رئاسة قمة مجموعه العشرين خلال عام 2020م، وكذلك جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في استضافة معرض
(إكسبو 2020 – 2021م) في مدينة دبي، وأخيرًا استعدادات دولة قطر لاستضافة  كأس العالم لكرة القدم في 2022م، كل هذه الفعاليات والأحداث العالمية والتي تعكس مكانة دول مجلس التعاون وتفاعلها الإيجابي وإسهاماتها المتميزة مع المجتمع الدولي وتعزيز التنمية والاستقرار والأمن، ليكون التكامل الاقتصادي من أولويات العقد الخامس لمسيرة مجلس التعاون.

التعاون الخليجي المشترك محور لقاءات الأمين العام في مسقط والمنامة والدوحة والرياض

ضمن الجهود الداعمة لمسيرة مجلس التعاون المباركة، ومن أجل التشاور بما يحقق تطلعات وشعوب دول مجلس التعاون، وفقا لرؤى وتوجيهات قادة دول المجلس، حفظهم الله ورعاهم، والتي توجت بإعلان العلا، التقى معالي الأمين العام لمجلس التعاون بعدد من كبار مسؤولي الدول الأعضاء.

ففي 20 يناير الماضي التقى معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بصاحب السمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع بسلطنة عمان، ومعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العماني، وذلك بمسقط.

كما قام معالي الأمين العام بزيارتين لمملكة البحرين ودولة قطر يومي 21 و22 فبراير، اجتمع خلالهما مع  الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية في مملكة البحرين، رئيس المجلس الوزاري في دورته الحالية، بالمنامة، والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري، في الدوحة.

فيما استقبل الدكتور نايف الحجرف، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بمقر الأمانة العامة بالرياض، الشيخ الدكتور أحمد ناصر المحمد الصباح، وزير الخارجية بدولة الكويت، في 16 فبراير.

تم خلال الاجتماعات تناول مسيرة مجلس التعاون والجهود المبذولة من أجل تعزيزها والتشاور بما يحقق تطلعات وشعوب دول مجلس التعاون.

كما تمت مناقشة الأوضاع الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، والحرص على تعزيز مكانة مجلس التعاون والحفاظ على مكتسباته، ودوره في تعزيز الأمن والسلم الإقليمي، واستعراض مجالات التعاون الخليجي المشترك المتعلقة بمسيرة مجلس التعاون، وسُبل دعمها وتعزيزها.

كما جرى خلال الاجتماعات بحث مسيرة العمل الخليجي المشترك في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على ضوء مخرجات قمة العلا، حرصًا على تعزيز دور المنظومة الخليجية وتحقيق غاياتها وتطلعات شعوبها.

وتضمنت الاجتماعات مناقشة العلاقات الإقليمية والدولية لمجلس التعاون، وأهمية تعزيزها والدفع بها لخدمة المصالح المشتركة، ولتعزيز الأمن والاستقرار ودور مجلس التعاون في دعم الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي.

الرياض عاصمة “العشرين” في قمة العام “الاستثنائي”.. إدارة سعودية لإرادة عالمية باتجاه تعافي الصحة والاقتصاد

-أكبر اقتصادات العالم توحّد جهودها لرسم “طريق ما بعد الجائحة” في أول دورة تشهد قمتين في عام واحد.

-أول مركز إعلامي “افتراضي” يخدم الصحفيين وينقل فعاليات الحدث لملايين المشاهدين حول العالم.

بدءًا من نهايات عام 2019م وحتى قبل أسابيع قليلة، قادت المملكة العربية السعودية جهود أكبر الاقتصادات العالمية لتتخطى البشرية مرحلة نوعية من التحديات في عام استثنائي، كانت جائحة كورونا المستجد (كوفيد – 19) عنوانه الأبرز، وذلك من خلال اجتماعات قمة العشرين التي اختتمت أعمالها باجتماع القمة خلال يومي 21و22 نوفمبر عام 2020م، حيث رأس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود قمة قادة العالم، عبر اجتماع افتراضي تمَّ بثـّه من خلال الوسائط الإعلامية والمرئية المختلفة، بمشاركة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز،  ورؤساء وزعماء الدول الأعضاء، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون، ورئيس وزراء فرنسا إيمانويل ماكرون، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الصين شي جين بينغ، وقادة المنظمات الدولية والإقليمية.

كلمة الملك.. طمأنة وتحفيز

في كلمته، لفت خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، إلى أن هذا العام كان عامـًا استثنائيـًّا حيث شكلت جائحة كورونا المستجد صدمة غير مسبوقة طالت العالم أجمع خلال فترة وجيزة، مضيفـًا أن هذه الجائحة سببت للعالم خسائر اقتصادية واجتماعية، ومؤكدًا «شعوبنا واقتصاداتنا تعاني من هذه الصدمة، إلا أننا سنبذل قصارى جهدنا لنتجاوز هذه الأزمة من خلال التعاون الدولي».

وشدد الملك سلمان على أنه مع الاستبشار بالتقدم المحرز في إيجاد لقاحات وعلاجات وأدوات التشخيص لفيروس كورونا، إلا أنه لا بد من الاستمرار في دعم الاقتصاد العالمي، وإعادة فتح الاقتصاد وحدود الدول لتسهيل حركة التجارة والأفراد، بالإضافة إلى تقديم الدعم للدول النامية، للحفاظ على التقدم التنموي المحرز على مرِّ العقود الماضية، ومواصلة رعاية الفئات الأكثر احتياجـًا والدول المنخفضة الدخل، كما دعا خادم الحرمين الشريفين إلى العمل على تهيئة الظروف التي تتيح الوصول للقاحات بشكل عادلٍ وبتكلفة ميسورة لتوفيرها لجميع الشعوب، وكذلك العمل في الوقت ذاته للتأهب بشكلٍ أفضل للأوبئة المستقبلية.

كما جدد العاهل السعودي التأكيد على ما اتفق عليه قادة المجموعة في قمتهم غير العادية في مارس الماضي بحشد الموارد العاجلة ودعم الجهود العالمية للتصدي لهذه الجائحة، واتخاذ تدابير استثنائية لدعم الاقتصادات المحلية، مشيرًا إلى واجب الدول تجاه الارتقاء لمستوى التحدي خلال هذه القمة وطمأنة الشعوب وبعث الأمل فيهم من خلال إقرار السياسات لمواجهة هذه الأزمة، مضيفـًا «علينا في المستقبل القريب أن نعالج مواطن الضعف التي ظهرت في هذه الأزمة، مع العمل على حماية الأرواح وسـُبل العيش».

وأكد الملك سلمان أن التجارة محرك أساسي لتعافي الاقتصادات، وهو ما كان وراء إقرار “مبادرة الرياض” بشأن مستقبل منظمة التجارة العالمية، بهدف تحفيز النظام التجاري متعدد الأطراف وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية، كما أشار إلى أن مجموعة العشرين هي المنتدى الأبرز للتعاون الدولي وللتصدي للأزمات العالمية، مؤكدًا ثقته بأن الجهود المشتركة خلال قمة الرياض سوف تؤدي إلى آثار مهمة وحاسمة وإقرار سياساتٍ اقتصادية واجتماعية من شأنها إعادة الاطمئنان والأمل لشعوب العالم.

ولي العهد السعودي.. “قوتنا في وحدتنا”

ظلَّ ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، برؤيته التنموية الطموحة يتابع عن قرب، على رأس الجهود التي بذلتها فرق العمل السعودية في إنجاح هذه القمة الاستثنائية، وخلال كلمته، في ختام أعمال القمة، أكد سموه أن رئاسة المملكة لمجموعة العشرين كرست جهودها لبناء عالم أقوى وأكثر متانة واستدامة، ويتوازى ذلك مع ما تشهده المملكة من تحول اقتصادي واجتماعي كبير، مسترشدين فيه برؤية المملكة 2030م.

وأوضح ولي العهد السعودي أن المجموعة شكلت رابطـًا جوهريـًّا بين الدول العشرين، وأكدت أهمية دورها في التعامل مع القضايا الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية، مضيفـًا: “في ظلِّ  تفشي فيروس كورونا (كوفيد – 19) وتبعاته المؤثرة صحيـًّا واقتصاديـًّا واجتماعيـًّا، كان تعاوننا أكثر أهمية من أي وقت مضى، وتعاملنا معـًا في هذا التحدي بجدية تستوجبها مسؤولية صون حياة الإنسان وحماية سـُبل العيش وتقليل الأضرار الناتجة عن هذه الجائحة ورفع الجاهزية لمواجهة الأزمات المستقبلية”.

وأشار الأمير محمد بن سلمان إلى أن قيادة المجموعة في قمتين خلال رئاسة واحدة لمجموعة العشرين تُعدُّ سابقة هي الأولى منذ تأسيس المجموعة، كما سلط الضوء على المبادرة التي قدمتها السعودية خلال هذه القمة للإسهام في “الوصول إلى أدوات التصدي للجوائح”، عبر ثلاثة أهداف هي: تشجيع البحث والتطوير والتوزيع للأدوات التشخيصية والعلاجات واللقاحات لجميع الأمراض المعدية، وتشجيع وتسهيل التمويل الدولي للتأهب للجوائح العالمية، وتدريب المختصين في الأوبئة بجميع أنحاء العالم.

“قوتنا تكمن في وحدتنا” عبارة تضمنتها كلمة سمو ولي العهد السعودي التي أكدت كذلك “أن هذه الأزمات تذكرنا بإنسانيتنا وتستنهض فينا المبادرة والعطاء”، مشيرًا إلى أن تبعات الجائحة لم توقف العمل على محاور جدول أعمال رئاسة المملكة والمتمثلة في: تمكين الإنسان، وحماية كوكب الأرض، وتشكيل آفاق جديدة، وهي المحاور التي أكد الأمير محمد بن سلمان أنها أصبحت الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى من أجل تجاوز الأزمات، وتحقيق تعافٍ شامل ومستدام، وتشكيل عالم أفضل للجميع.

رؤية سعودية وطموح عالمي

تتواكب الرؤية التنموية السعودية “2030م” مع تطلعات الازدهار العالمي، وكان هذا واضحـًا في الالتقاء عند كثير من التوجهات الإستراتيجية المشتركة التي انعكست على أوراق عمل اللقاءات والنقاشات العلمية المتواصلة عبر القارات، والتي رسمت خارطة تفاعلية افتراضية لنقاش الموضوعات ذات الصلة بتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، ودعم البنى التحتية والأسواق المحلية والتنمية المستدامة، وتعزيز دور القطاع الخاص وحركة التجارة والاستثمار، بجانب تحسين الآليات الاقتصادية ومكافحة الفساد وتمكين المرأة، وتأهيل الشباب وتهيئتهم لسوق العمل، وتوسيع نطاق التعليم والتدريب، وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتفعيل التقنية كعامل حاسم في التحولات المؤدية إلى تسريع النمو الاقتصادي وتنويع وسائله.

اغتنام الفرص للأرض وسكانها

مثّلت استضافة السعودية لمجموعة العشرين فرصة رائدة على مستوى الخليج والعالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، معبرة عن مكانة المملكة على الصعيد الدولي، وقد حملت القمة شعار “اغتنام فرص القرن الواحد والعشرين للجميع” وتمحورت عناصرها الأساسية حول ثلاث نقاط، كان أولها “تمكين الإنسان” من خلال تهيئة الظروف التي تمكن الجميع، لا سيّما المرأة والشباب، من العيش الكريم والعمل والازدهار، أما المحور الثاني فكان “الحفاظ على كوكب الأرض” من خلال تعزيز الجهود الجماعية لحمايته، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن الغذائي والمائي والمناخ والطاقة والبيئة، بالإضافة إلى المحور الثالث وهو “تشكيل آفاق جديدة” من خلال تبني إستراتيجيات جريئة وطويلة المدى لمشاركة منافع الابتكار والتقدم التقني.

كورونا.. المحور الطارئ والأهم

لم يكن العالم يعرف شيئًا عن تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) عندما بدأت الاجتماعات الأولى لأعمال هذه القمة، ولكن فيما بعد أصبح هذا المحور الطارئ هو المحور الأهم للقمة، وكانت هذه تجربة استثنائية في حد ذاتها، وأمام ضرورة المعالجات الآنية والإستراتيجية لهذه الأزمة، لم يؤثر هذا التغير الجذري في أعمال القمة، بل على العكس تمامـًا، فقد منحها بـُعدًا جديدًا من العمل والتعاون والتنسيق لمواجهة الجائحة، حيث سيطر هذا الموضوع على العناوين الرئيسة لمجموعة العشرين، مقترنـًا بتطلعات الشعوب إلى استعادة العافية الاقتصادية والحياة الطبيعية، وقد عمل ممثلو دول الاقتصادات الكبرى من خلال هذا المحور على مساعدة الدول الأكثر احتياجـًا لتخفيف آثار الجائحة، كما تمَّ وضع إستراتيجيات تصبُّ في تعزيز أنظمة الرعاية الصحية، والتأهب للأوبئة والتهديدات الناشئة على مجال الصحة.

 قطاع الأعمال ومسؤوليات التحول

قصة نجاح سعودية تجسدت من خلال تهيئة البيئة لمجتمع الأعمال وللمسؤولين والتنفيذيين، من أجل تشكيل الصورة النهائية لهذا الحدث العالمي على مدى عام كامل، وذلك عبر لقاءاتها التي أقيمت تحت عنوان: “التحول من أجل النمو الشامل” واستلهمت خبرات المشاركين عبر الحدود والقارات، وترجمت رؤاهم وأفكارهم في (25) توصية رئيسية و(69) مقترحـًا تمَّ اعتمادها جميعـًا في البيان الختامي.

 وقد تكونت هذه المجموعة من فرق عمل ضمت أكثر من (676) شخصـًا من أكثر من عشرين دولة وأكثر من (1200) مسؤول حكومي، ناقشوا عبر أكثر من (41) لقاءً افتراضيـًّا، و(26) اجتماعـًا، و(15) نقاشـًا حواريـًّا، أبرز أولويات العالم في مجالات التحول الرقمي، والنزاهة والامتثال، إضافة إلى مستقبل العمل والتعليم، والاستدامة، والطاقة، والمناخ، التمويل والبنية التحتية، والتجارة والاستثمار.

الابتكار، كان خيارًا إستراتيجيـًّا ركزت عليه مجموعة الأعمال في التعامل بمرونة مع التحديات التي واجهتها رئاسة هذا العام بما علقه عليها العالم من آمال عريضة، وقد قدمت المجموعة تقريرًا حول «الانطلاق السريع للاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد الجائحة»، كما أصدرت بيانات مشتركة كثيرة مع منظمات عالمية تدعو إلى العمل التعاوني في مختلف المجالات، فضلاً عن إقامة فعاليتين افتراضيتين ركّزتا على معالجة تأثير الوباء والتعامل مع الموجة الثانية، وعقد شراكة مع غرف التجارة والمنظمات في دول العشرين لاستضافة سلسلة فعاليات تحت عنوان: «حوار مجموعة الأعمال السعودية الدولي».

بنك الأفكار الرصيد الأثمن

كانت مجموعة الفكر المعروفة اختصارًا بـ(T20) بمثابة بنك الأفكار لإيجاد الحلول للتحديات الراهنة والمستقبلية وتقديم التوصيات للقادة بشأنها، وهي واحدة من ثماني مجموعات تشكل هيكل إدارة قمة العشرين في عام 2020م التي ترأستها السعودية، وتتولى هذه المجموعة استنتاج السياسات العامة وتسهيل عملية التواصل والتفاعل بين مجموعة العشرين، اعتمادًا على البحث العلمي والتنسيق مع الهيئات والمراكز الفكرية من أجل تلمس أكثر القضايا إلحاحـًا وفق احتياجات كل مرحلة في مختلف أنحاء العالم.

وقد شارك مركزان بحثيان سعوديان، هما مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في أعمال هذه المجموعة التي اشتملت على (11) حلقة افتراضية ناقشت عدة محاور منها: كيفية تطوير وتعزيز الإمدادات، والاستفادة من التكنولوجيا والرقمنة، وإيجاد حلول لقضايا الطاقة والتغير المناخي، والمرأة والشباب، والتكنولوجيا والابتكار، والتعددية، والتنمية الاقتصادية، والتمويل، والأمن الغذائي، وإمكانية الحصول على المياه، وآليات مواجهة المشكلات المعقدة.

واستهدفت المجموعة من خلال حلقات العمل التي عقدتها رسم أطر لمستقبل يسوده الازدهار الاقتصادي والاستدامة والشمول لدول العالم، وكانت أبرز توصياتها تتعلق بتعزيز الاقتصاد الدائري للكربون، وتعزيز التمكين والمساواة الاقتصادية للجنسين، وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال السياسات والبرامج المبتكرة، وتحسين قدرة مجموعة العشرين على تنفيذ ومراقبة خطة التنمية المستدامة لعام 2030م، التي اعتمدتها الأمم المتحدة على الرغم من الأزمة، كما مثلت نقاشات مجموعة الفكر قاعدة معرفية تحتوي على كثير من الدروس المستفادة التي يمكن أن تقدمها المجموعة للدول التي ستتولى رئاسة مجموعة العشرين مستقبلاً.

ضمت مجموعة الفكر (11) فريق عمل، مثلت القوام الرئيس لهذه المجموعة المعنية بتقديم المشورة في مجال البحوث والسياسات التابعة لمجموعة العشرين (G20)، وقد استقبلت هذه المجموعة في هذا العام حوالي (146) موجزًا بحثيـًّا من أكثر من (600) باحث، وهي الأعلى في استقبال البحوث المشاركة، مقارنة بنظيراتها من مجموعات الفكر المشاركة في قمم العشرين السابقة، حيث بلغت الأبحاث في دورة الأرجنتين نحو (80) بحثـًا، فيما بلغت البحوث المقدمة في اليابان (104) أبحاث.

شباب العشرين.. رهان الحاضر

يومـًا بعد يوم يتبوأ الشباب مراكز أكثر تأثيرًا في قيادة مجتمعاتهم ودولهم، وتنشأ الوزارات والمؤسسات الحكومية التي تخصص لاستثمار طاقاتهم، لهذا كانوا جزءًا أصيلاً في قمة العشرين، وذلك عبر مجموعتهم المعروفة اختصارًا بـ ( Y20) والتي أدارت نقاشات بالغة الأهمية سلطت الضوء على ضرورة مشاركة الشباب في عمليات إعادة تأهيل وتطوير القوى العاملة، ونادت بأهمية إصلاح الأطر التعليمية وبناء أرضية مناسبة؛ لتجويد الخدمات وتحسين مهارات الكفاءات الشابة، إضافة إلى أهمية تطوير ريادة الأعمال، وتعزيز تمثيل القادة الشباب لبلدانهم، واكتشاف قدراتهم في صُنع القرار.

وفي مجموعة من اللقاءات الواقعية والافتراضية، أدار الشباب من دول مجموعة العشرين وخارجها، حوارات معرفية مهمة، تمخضت عن مجموعة سياسات من ضمنها خارطة طريق 2025م، والتي تلخص ما يحتاجه الشباب لمستقبل أفضل وأكثر شمولاً،  وقد حرص أكثر من (60) شابـًا من الدول الأعضاء بمجموعة العشرين على تمثيل جمهور الشباب في العالم أجمع، في مناقشة ثلاثة محاور رئيسية تمثلت في: “الجاهزية للمستقبل” الذي يشمل الاستعداد لمواكبة تحديات المستقبل والتغلب عليها، و”تمكين الشباب” الذي يركز على تنمية المهارات القيادية وإعداد القيادات الشابة في ظل عالم متغير، و”المواطنة العالمية” لحلِّ مشكلات الشباب على نحوٍ فَعّال مع الأخذ في الحسبان الاختلافات الثقافية والتنوع المرجعي.

بعد العمل لما يقارب العام على وضع تصورات عملية حول القضايا الشبابية الأكثر إلحاحـًا، تمَّ تتويج هذه الحوارات بانعقاد قمة شباب العشرين التي تمّت إدارتها على مدى (3) أيام من العاصمة الرياض افتراضيـًّا، سلّمت مجموعة شباب العشرين خلاصة أعمالها إلى قادة مجموعة العشرين (G20)، بما تضمنته من الدعوة إلى ضمان حصول الشباب على وظائف في المستقبل، وعلى تحسين بيئات العمل، كما أكدت على ضرورة إيجاد منصة مبتكرة للتعاون الدولي في هذا المجال، وقد حصلت أعمال مجموعة شباب العشرين لهذا العام على إشادات واسعة، ووصفت بتحقيقها قفزة نوعية في السياسات الخاصة بالشباب.

قمة العشرين في أرقام

لا شك في أن الأرقام هي اللغة التي يتحدثها الجميع في القمة الاقتصادية الأكبر في العالم، وقد كانت هذه النسخة من قمة العشرين زاخرة بكثير من الإحصاءات والمعلومات التي مثلت معايير لقراءة الأحداث وطريقة لامتلاك صورة عن نوعية التحديات وجهود مواجهتها، ولعل من أهمها جائحة كورونا المستجد (كوفيد–19) وما ترتب عليه من كلفة ومسؤوليات، حيث تمَّ ضخ (11) تريليون دولار في الاقتصاد العالمي خلال رئاسة السعودية لمجموعة العشرين، كما تمَّ رصد (21) مليار دولار لسدِّ الفجوة التمويلية الصحية على الصعيد العالمي، و(14) مليار دولار لتعليق ديون الدول النامية ومنخفضة الدخل خلال عام 2020م، كما تمَّ توفير أكثر من (300) مليار دولار من خلال بنوك التنمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لدعم هذه الدول.

تـُعدُّ قمة الرياض القمة الخامسة عشرة لمجموعة العشرين، التي تأسست في العام 1999م، وتضم اليوم (19) دولة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، وتـُعدُّ السعودية الدولة العربية الوحيدة في المجموعة التي يمثل سكانها قرابة ثلثي عدد سكان العالم، كما تستحوذ دولها على قرابة (80%) من إجمالي التجارة الدولية، وقد شهد عام رئاسة السعودية قمة العشرين أكثر من (170) اجتماعًا على المستوى الوزاري وعلى مستوى مجموعات العمل ومجموعات التواصل، وَتـَمَّ الاتفاق على أكثر من (20) بيانـًا وزاريـًّا في إطار المجموعة، بينما أشرف أكثر من (300) مختص سعودي في المجال التقني على البنية الرقمية لاجتماع القمة التي انعقدت للمرة الأولى في تاريخها عبر الوسائط الافتراضية، وبأكبر عدد من الاجتماعات التي عقدت عبر برامج الشبكات المرئية.

مواكبة إعلامية بحجم الحدث

على الرغم من الجائحة التي منعت الحضور الفعلي لقيادات مجموعة العشرين وقيّدت تحركات الوسائل الإعلامية والصحفيين الذين اعتادوا تغطية هذه المؤتمرات والقمم، إلا أن هذا لم يمنع الإعلام من مواكبة هذا الحدث الكبير بموارد بشرية ومنظومات تقنية وفنية وفرت التغطية بمختلف أنماطها المرئية والمقروءة والمسموعة، كما لم يمنع ذلك اللجان المنظمة للقمة من تجهيز مركز إعلامي متخصص في العاصمة الرياض، ظل يعمل على مدار الساعة خلال الفترة من 15 – 22 نوفمبر، واستفاد من خدماته أكثر من (250) صحفيـًّا مثلوا عددًا من القنوات والصحف والمواقع الإخبارية العالمية.

وقد طبق المركز معايير الوقاية والتباعد الاجتماعي لضمان سلامة الصحفيين، في الوقت الذي لم تنته فيه الجائحة بشكل تام، وإن كانت حدتها قد تراجعت بشكل واضح في السعودية خلال أيام انعقاد القمة، وقد رافق وجود هذا المركز إقامة موقع إلكتروني يبثُّ  التغطية اليومية المباشرة لأعمال القمة ليصبح بذلك بمثابة المركز الإعلامي “الافتراضي” ما مكّن ملايين المتابعين من الإعلاميين وغيرهم من التعرف على مستجدات الاجتماع العالمي الأهم على مستوى الاقتصاد.

فضلاً عن ذلك، وفرت المملكة خدمة مجانية للأقمار الصناعية والألياف والتوزيع الرقمي للبثِّ المباشر لقمة قادة المجموعة، بجانب الاستوديوهات التليفزيونية وشاشات العرض ومراكز التحرير وخدمات التواصل وساعات البثِّ المباشر التي ارتكزت كلها على وسائل اتصالات وتقنية متطورة اعتمدت على شبكات الجيل الخامس، وعلى (11) موقعـًا مزودًا بأعلى التغطيات اللاسلكية المثالية لعقد الاجتماعات والحوارات الافتراضية، لمساعدة الإعلاميين على أداء عملهم الصحفي والإخباري في بيئة رقمية وفنية ولوجستية متميزة.

ولم يتوقف التنظيم السعودي عند توفير الحلول الذكية للإعلاميين وللمشاركين، بل شمل كذلك الإسهام الثقافي للتعريف بالثقافة السعودية ذات التراث الغني والتنوع الحضاري والازدهار الملموس، وقد أتاح ذلك لمرتادي المركز الإعلامي من الإعلاميين من جميع أنحاء العالم أن يتعرفوا على ماضي المملكة وحاضرها وما تطمح إليه مستقبلاً في ظل رؤية 2030م.

معرض الشارقة الدولي للكتاب 2020م.. تواصل ثقافي يملأ مسافات التباعد الاجتماعي

أول عناوين التعافي من قلب الخليج ..

بعد أشهر من توقف الفعاليات على إثر جائحة كورونا المستجد، عاد معرض الشارقة الدولي للكتاب وعاد معه القراء ليتنفسوا بشائر تعافي الحياة عبر عناوين الكتب، وذلك خلال الفترة من 4 – 14 نوفمبر الماضي، بمشاركة (1024) دار نشر من (73) دولة، من بينهم (186) ناشرًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبأكثر من (80) ألف عنوان كتاب، في دورة استثنائية اختير لها عنوان “العالم يقرأ من الشارقة”، وَتُعدُّ أول فعالية ثقافية جماهيرية يتمَّ تنظيمها واقعيًّا منذ إجراءات الإغلاق المرتبطة بالوباء.

الحدث الثقافي الخليجي الكبير، الذي انطلق للمرة الأولى في عام 1982م، ويصنف ضمن أكبر معارض الكتاب في العالم، عاد مجددًا ليصافح محبي الثقافة والفكر والإبداع مع اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية لضمان سلامة الزوار والمرتادين والناشرين، فيما تمَّ تحويل الأنشطة الثقافية المصاحبة إلى حيـّز الفضاء الإلكتروني، غير أن هذه المتغيرات الطارئة التي تتم للمرة الأولى لم تغير شيئـًا في حقيقة أن انعقاد المعرض جاء تعبيرًا رمزيًّا قويًّا عن الثقة والأمل في مواجهة التحديات، وعن الثقافة القادرة دومًا على ابتكار طرق للتواصل والتأثير واللقاء.

وفي حين تمَّ تأجيل عدد من الفعاليات الحضورية وأنشطة التكريم إلى العام المقبل، فقد تمَّ خلال هذه الدورة تطبيق مجموعة من الحلول التقنية المتقدمة، وذلك لضمان التعقيم والالتزام بالمسافات الآمنة، كما تمَّ إطلاق منصة (الشارقة تقرأ) لحضور الندوات والحوارات عن بُعد، والتي بلغ عددها (64) فعالية حوارية وندوة ثقافية بمشاركة (60) كاتبًا ومفكرًا عربيـًّا وعالميـًّا.

مؤتمر للناشرين

وخلال الأيام الأربعة التي سبقت انعقاد المعرض، شارك (317) ناشرًا، و(33) متحدثـًا في فعاليات “مؤتمر الناشرين”، حيث ناقشوا تطورات صناعة النشر وتحدياتها، كما مثل المؤتمر فرصة للإعداد والتجهيز لبرنامج المعرض بندواته وحواراته وقضاياه.

نظم المعرض كذلك عددًا من ورش العمل الافتراضية المتخصصة في مهارات وفنون تقديم محتوى إعلامى وإبداعى ضمن فعاليات (محطة التواصل الاجتماعي)، كما شهد تنظيم “الدورة السابعة من مؤتمر المكتبات” خلال الفترة من 10 حتى 12 نوفمبر، لمناقشة محور رئيس يعنى بـ”مواجهة المكتبات وأمنائها لتحديات الوضع الجديد” بمشاركة (12) متحدثـًا و(300) متخصص ومكتبيّ من مختلف أنحاء العالم.

جلسات حوارية

بالإضافة إلى ما سبق، نظم المعرض ثماني جلسات حوارية بعدة لغات أجنبية تجمع حولها نخبة من الكتّاب والمثقفين الإماراتيين مع كتّاب وأدباء أوروبيين من إسبانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا وغيرها.

كما اهتم المعرض بثقافة الأجيال الجديدة بتعاونه مع وزارة التربية والتعليم الإماراتية لعقد جلسات خاصة للطلاب أتاحت الفرصة أمامهم للالتقاء بالكتّاب والمفكرين والمبدعين بشكل مباشر عبر برامج التواصل المرئي.

وخلال الجلسات الحوارية الافتراضية، التي نظمها المعرض للمرة الأولى في تاريخه، طرح المتحدثون جملة من الرؤى والأفكار الملهمة في مجالات الفكر والأدب، والتي شكّلت في مجملها حالة حوارية ملهمة امتدت عبر الفضاء الافتراضي، وكان معرض الشارقة منصتها الأولى، ومدير نقاشها.

مستقبل الكتابة

في ندوة “الكتابة كمهنة جديدة”، تطرقت مؤلفة الروايات البوليسية البريطانية كارين ميلي جيمس، والمخرجة والكاتبة المسرحية اللبنانية لينا خوري، إلى أثر المسرح والرواية البوليسية في ملامسة هموم الأفراد والمجتمعات، لا سيما في ظل الأزمات التي تشهدها العديد من الدول، ومن ذلك جائحة كورونا وتداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والثقافية، ودعت الندوة القراء لزيادة معارفهم حول خبايا الأزمات وأسرارها، وكشف الأحداث التي تدور في مجتمعاتهم من خلال قالب روائي أو عمل مسرحي، يقود إلى التفكير في الأحداث التي تحيط بالناس.

سلطت هذه الندوة الضوء على إيجابيات لمسها الكثيرون خلال الجائحة، ومن ذلك استئناف مشاريع الكتابة والتأليف، وإعادة تقييم الأوضاع الراهنة، والتأمل في السلوكات والأولويات في الحياة، وتقدير الفرص والنعم، وجميعها أفكار تصبُّ في زيادة الوعي بالعالم وتحسين العلاقة به، كما ألقت الندوة الضوء على أهمية الكتابة المسرحية، والتي يفترض أن تقوم على مجموعة من التساؤلات التي يطرحها الكاتب المسرحي على نفسه، ومنها: لماذا أقوم بهذا العمل؟ وما أهميته وارتباطه بواقع المجتمع؟ وما تأثيره المتوقع في إدراك المجتمع؟ وما رسالتي التي أودُّ إيصالها؟

 وفي ندوة أخرى، أكد الروائي الكويتي أحمد الرفاعي أنّه لا يشعر بالهواجس التي يعتقد الناس أن الكاتب يمر بها قبيل الشروع في العمل الروائي، مؤكدًا في المقابل أنه يندمج ويعيش أحداث كتاباته، ويتقمص مختلف شخوص الرواية على جميع تناقضاتها، كما نصح الكتـّاب الصاعدين بإثراء رصيدهم اللغوي، وزيادة معارفهم بالمفردات، وطرق توظيفها، والإلمام بالمعايير الصحيحة للكتابة الروائية، ومحاولة الحصول على مؤهل أكاديمي في هذا المجال، والتوجه إلى الدورات المتخصصة في الحالات التي يتعذر فيها الالتحاق بالمؤسسات الأكاديمية، ومواصلة مطالعة وقراءة الروايات، والأدب، والعلوم، والشعر، للتعرف على مختلف الأساليب الكتابية.

 بدوره، أكد الكاتب روبرت كيوساكي، مؤلف أكثر الكتب مبيعًا “الأب الغني والأب الفقير” أن كتابه يحاول أن يغطي غياب منهج التثقيف المالي الذي ينبغي أن يكون إلزاميًّا ضمن المدارس، وتحدث المؤلف الياباني الذي هاجر إلى أمريكا عن العناصر الأربعة التي تشكل عالم الأعمال وهي: الموظف، والشركة الصغيرة، والشركة الكبيرة، والمستثمر، وقال: “هناك أربعة أنواع من الناس، وإذا أراد الإنسان أن يكون ناجحـًا في عالمنا اليوم، فعليه محاولة الانتماء إلى أكثر من فئة في الوقت ذاته، فمن الجيد للموظف أن يصبح مستثمرًا أيضًا”.

 من جانبها، أكدت الروائية والشاعرة اللبنانية الكندية نجوى ذبيان، أن الأدب قادر على تمكين المرأة وإسماع صوتها للعالم، وقالت: “إن قصة كل إنسان فريدة ومختلفة عن قصص غيره من البشر، سواءً كانت القيود والتحديات مجتمعية أو ثقافية، ولهذا يتوجب علينا أن نمعن النظر في داخلنا، ونسمع الصوت الذي ينادينا، وأن نعرف هويتنا ونكون على طبيعتنا”، وأضافت في جانب آخر “الاعتراف بوجود الألم يشير إلى حاجتنا للقيام بأي شيء للتخلص منه، وفي معظم الأحيان، أصعب قرار يتخذه المرء هو القرار الواعي لتغيير ظروفه”.

ومن الجدير بالذكر، أن المعرض حظي بتغطية إعلامية من هيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون، بمختلف قنواتها وإذاعاتها ومنصات التواصل الاجتماعى الخاصة بها، والتي وضعت برنامجـًا كاملاً لتغطية فعاليات المعرض يتناسب مع برامج المعرض وفعالياته الاستثنائية، تضمنت نقلاً مباشرًا للفعاليات، وحوارات مع ضيوف المعرض، بالإضافة إلى برامج خاصة، كما قدم مركز التدريب الإعلامى سلسلة من الورش التي أقيمت عن بُعد، تعنى بتسليط الضوء على أفضل ممارسات النشر المكتبى وفنون ومهارات التصميم الجرافيكي، وكتابة السيناريو وغيرها.

الأمين العام يؤكد سعي المجلس لتحقيق الأمن في المنطقة والرخاء لشعوبها

خلال مشاركته في اجتماع مجلس الأمن لمناقشة الوضع الراهن في منطقة الخليج

أكد معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الدكتور نايف الحجرف، أن نجاح مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتفاعله الإيجابي مع المجتمع الدولي وتعاطيه المسؤول مع قضايا التنمية الشاملة بوأت المجلس مكانة مرموقة على مستوى العالم، لتترجم الأحداث والفعاليات التي تستضيفها دول المجلس ذلك النجاح شواهد على أرض الواقع، فرئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين، وتنظيم مدينه دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة لفعاليات معرض (إكسبو2020 – 2021م)، واستضافة دولة قطر لبطولة (كأس العالم 2022م)، كلها فعاليات دولية تعكس إيمان مجلس التعاون بالتفاعل والعمل مع دول العالم المحبة للسلام والاستقرار لخدمة البشرية جمعاء وفي كافه المجالات.

جاء ذلك خلال مشاركة الأمين العام في اجتماع مجلس الأمن لمناقشة الوضع الراهن في منطقة الخليج، الثلاثاء 20 اكتوبر 2020م، عبر الاتصال المرئي، بدعوة من جمهورية روسيا الاتحادية رئيس الاجتماع.

وأشار الدكتور الحجرف إلى أن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن يمثلان المرجعية الدولية التي تبنت مبادئ الأمن والسلم والعيش الآمن لجميع شعوب العالم، من خلال المحافظة على النظام الدولي والمبادئ الأساسية التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، والتي ترتكز على القانون الدولي، واحترام حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والاحترام المتبادل لسيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها، واعتماد الطرق السلمية لحلِّ الخلافات وعدم استخدام القوه أو التهديد بها، ونبذ كافة أشكال الإرهاب والتطرف والعنف، ومن أجل ذلك كله تأتي مشاركة مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتؤكد الالتزام الكامل بتلك المبادئ والإيمان الراسخ بدور الأمم المتحدة  ومجلس الأمن، والدعم المستمر والتقدير لجهودهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العالم أجمع.

وأضاف الأمين العام: “لقد آمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه في عام 1981م بتلك المبادئ، وحرص على تضمينها في نظامه الأساسي، وانخرط مع المجتمع الدولي بإيجابية وتفاعل مع قضاياه العادلة، ومدّ يدّ التعاون لكافة الدول المحبة للسلام ومنظمات الأمم المتحدة والمجموعات والمنظمات الدولية الأخرى، للعمل على تعزيز مبادئ التسامح والتعايش بين الأمم والشعوب، وتحقيق الاستقرار والرفاهية للجميع وتعزيز الأمن والسلم الإقليمي والعالمي، فعكست مسيرة المجلس خلال الأربعين سنة الماضية نجاح دول مجلس التعاون في المحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة على الرغم من التحديات، وكذلك تحقيق التنمية الشاملة لشعوب دول المجلس وتحقيق مراكز متقدمة في مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها، والحفاظ على إمدادات الطاقة العالمية، كما قامت دول المجلس بالوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي بدعم جهود مكافحة الإرهاب ونبذ التطرف وتجفيف منابعه، إضافة إلى مسارعة دول المجلس بتقديم العون والمساعدات الاقتصادية والإنسانية لجيرانها والدول المحتاجة، كما دعمت منظمات الأمم المتحدة ولجان الإغاثة لضمان قيامها بدورها على أكمل وجه في خدمة المحتاج ونصرته في مواجهة ويلات الحروب والكوارث الطبيعية والفقر، ولعل جائحة كورونا
(كوفيد – 19) شهدت مسارعة دول المجلس لتقديم العون والمساعدة لمختلف دول وشعوب العالم”.

السعي للأمن والرخاء

ونوّه الحجرف إلى أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية آمن –أيضًا– بحقِّ الشعوب في العيش الآمن وبالرخاء والاستقرار، مشيرًا إلى أن مجلس التعاون سعى لترجمة هذا الإيمان على أرض الواقع لما فيه خير الجميع واستقرار المنطقة وتوفير البيئة المناسبة للتركيز على التنمية الشاملة والبناء والتقدم، كما سعى في الوقت نفسه للمحافظة على مكتسباته ومنجزاته واستقرار دوله وشعوبه، والتي تمثل ركيزة أساسية لأمن واستقرار منطقة الخليج العربية، تلك المنطقة المهمة والحيوية والمحورية في الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي، مضيفـًا: “إلا أن ذلك لم يكن دائمًا واقع الحال، فمنطقة الخليج اليوم وعلى الرغم من روابط الجوار والتاريخ التي تشترك فيها دول المنطقة نجدها منطقة ساخنة وتعاني من توترات مستمرة سببها عدم الالتزام بمبادئ القانون الدولي وعدم الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، الأمر الذي نتج عنه التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس وعدم احترام سيادتها وزعزعة استقرارها”.

وأشار الأمين العام إلى أنه من المؤسف أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ عام 2011م على وجه الخصوص، اتخذت من أسلوب العداء والعنف وزعزعة الاستقرار في المنطقة نهجًا لها لتحقيق أهدافها السياسية، حيث تعرضت بعض دول المجلس لاعتداءات متكررة من قبل إيران ووكلائها في المنطقة، كالهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، والأعمال الإرهابية التي ثبت دعم إيران لها في عدد من دول المجلس، كما قامت إيران بدعم أعمال العنف في عدد من دول المنطقة، وتدريب وتمويل وتسليح التنظيمات الإرهابية والطائفية فيها، الأمر الذي تسبب في انتشار العنف وعدم الاستقرار في بعض دول المنطقة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، بالإضافة إلى المعاناة الإنسانية التي نشاهدها يوميًا في تلك المناطق أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي ومجلس الأمن. وقدم الأمين العام شكره لمعالي الأمين العام للأمم المتحدة على ما ذكره بخصوص اليمن، مشيرًا إلى أن ما يعانيه اليمن اليوم هو نتائج متوقعة تتطلب تسليط الضوء وبوضوح على الأسباب التي أدّت به إلى ما هو عليه.

رفض التدخلات الإيرانية

وأكد الأمين العام لمجلس التعاون أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، كما عبر عن رفض المجلس التـّام لاستمرار تدخلات إيران في الشؤون الداخلية لدول المجلس وكافة دول المنطقة، مؤكدًًا ضرورة إيقاف دعمها للمليشيات والتنظيمات الإرهابية والطائفية، التي تسهم بشكل رئيسي في تأجيج الصراعات وإطالة أمدها، كما أكد رفض المجلس القاطع لمحاولات فرض الوصاية على دول المجلس وشعوبها.

وفيما يتعلق بخطر الانتشار النووي في منطقه الخليج، قال الدكتور الحجرف: “لقد أكد مجلس التعاون على ضرورة وجود اتفاق دولي شامل يضمن منع إيران من الحصول على السلاح النووي بأي شكل من الأشكال، ودعا إيران إلى الوفاء بكامل التزاماتها للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعاون الكامل مع مفتشي الوكالة، ومع تأكيد المجلس على حقِّ دول المنطقة في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، فإنه يطالب بالالتزام بكافة الإجراءات الاحترازية لضمان سلامة المنشآت النووية”، مذكّرًا بأن استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) يهدد أمن الخليج واستقراره، ومشيرًا إلى أن مجلس التعاون قد دعا إيران للاستجابة لمساعي دولة الإمارات العربية المتحدة لحلِّ القضية عن طريق المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، إلا إن إيران لم تستجب لتلك المساعي واستمرت في احتلال تلك الجزر.

وقال الأمين العام: “إن الوصول لأمن منطقة الخليج المطلوب وتعزيزه وصيانته يتطلب الالتزام التـّام بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها هيئة الأمم المتحدة ونصَّ عليها ميثاقها وأكدتها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وذلك لاستعادة الثقة بين كافة دول المنطقة، والتوقف عن اللجوء للقوة والعنف وزعزعة الاستقرار كوسيلة لحلِّ الخلافات، ولتحقيق ذلك عرض مجلس التعاون لدول الخليج العربية على إيران وفي أكثر من مناسبة أن يتمَّ الالتزام بشكل واضح لا لبس فيه بمبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام نظمها السياسية وسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية، ونبذ العنف والإرهاب والطائفية، وتلك المبادئ مستمدة من ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلسكم الموقر”، منوّهًا إلى أن الكرة الآن في ملعب إيران لتقوم بإظهار رغبتها، بالأفعال قبل الأقوال، في تحقيق السـّلم والاستقرار في المنطقة، عن طريق تدابير ملموسة ومقنعة لبناء الثقة مع جيرانها لما فيه أمن واستقرار المنطقة وشعوبها، ودعم للاستقرار العالمي.

الموقف الراسخ

وأضاف الدكتور الحجرف: “لا يمكن الحديث عن تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج من دون التأكيد على موقف مجلس التعاون الثابت من القضية الفلسطينية ودعم الشعب الفلسطيني في حقـّه في قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967م، وعودة اللاجئين ووقف الاستيطان وفق مبادرة السلام العربية، وقرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة”.

وَخَتمَ الأمين العام لمجلس التعاون باستذكار فقيد الكويت والخليج، حيث قال: “بالأمس القريب ودع مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنطقة الخليج العربية والعالم أجمع صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، قائد عاصر أحداث المنطقة وأسهم في صنعها، عمل للسّلم، وآمن بالحوار، وسارع إلى تقريب وجهات النظر وحلِّ الخلافات، مؤمنًا بغد ومستقبل أفضل للمنطقة وشعوبها والعالم أجمع، ولعل العمل على تعزيز هذا الفكر وترجمته تحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن أكبر تقدير للأمير الراحل ورسالة الأمن والسّلم والحوار والتنمية والتعاون التي آمن بها، ونحن اليوم ندعو لها ونتمسك بها”.

الرياض تدشن التعاون الدولي لانطلاق الذكاء الاصطناعي كمحرك للتنمية الاقتصادية والتحول الرقمي

من خلال قمة افتراضية نظمتها “سدايا”..

بينما تتسارع خطى البشرية نحو المستقبل، يكبر حجم التحديات وتصبح الحاجة أكبر إلى حلول نوعية، وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي، ليس فقط باعتباره نتاجًا طبيعيًّا للتقدم التقني وتسهيل حياة الإنسان، بل كذلك كخيار جدي يمكنه الإسهام في مواجهة الأزمات، بما فيها تلك التي قد تحدث من دون سابق إنذار، ويكون لها أثرها الصحي والاقتصادي والاجتماعي، خصوصًا بعد أن عاش العالم هذا الموقف خلال جائحة كورونا المستجد (كوفيد – 19) والتي وضعت الإمكانات العلمية والتكنولوجية في قلب الرهان العالمي من أجل احتواء الأزمة وتخفيف آثارها وتسريع استعادة وتيرة الحياة الطبيعية.

مثلت عناصر هذه المقدمة أسبابًا موضوعية وراء اختيار عبارة “الذكاء الاصطناعي لخير البشرية” عنوانـًا للقمة الافتراضية التي أقامتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) خلال يومي 21 و 22 أكتوبر 2020م برعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، وذلك في بادرة تهدف إلى أن تجعل من الرياض منطلقـًا للتعاون الدولي في تطوير مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وقد شهدت أحداث القمة العالمية (30) جلسة شارك فيها ما يقارب من (60) متحدثــًا من وزراء، وقادة لكيانات عالمية، وأكاديميين، ومستثمرين، ورواد أعمال من (20) دولة، بحثوا معـًا واقع ومستقبل وقضايا الذكاء الاصطناعي، وسلطوا الضوء على أحدث بحوثه وتقنياته، وعلى دوره في بناء الحياة والمستقبل، بجانب أنه يمثل أحد سـُبل التحول إلى العصر الجديد الذي يتسم بالتغير السريع، كما مثلت القمة منصة تحفيزية للمبدعين في مجال الذكاء الاصطناعي بجوائز تجاوزت قيمتها مليون ريال سعودي.

آفاق العمل لمستقبل الجميع

أكد ولي العهد السعودي أن العام 2020م يعد عامـًا استثنائيـًّا لاختبار إمكانات الذكاء الاصطناعي مع بداية ظهور حالة عالمية جديدة تشهد إعادة تعريف لأساليب الحياة والأعمال والتعلـّم، مما يدعو الجميع إلى الاستفادة من هذه التقنية في سبيل الارتقاء بالمجتمع والاقتصاد، وهو التوجه الذي ترجمته المملكة بإطلاق الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي.

وأشارت كلمة سمو ولي العهد، التي ألقاها نيابة عن سموه رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، إلى ضرورة ردم الفجوة الرقمية بين دول العالم المتقدم والنامي، كما وجهت الدعوة إلى المبدعين والمستثمرين وقادة الرأي إلى الانضمام إلى المملكة والعمل بروح التعاون في هذا الاستثمار الطموح؛ من أجل بناء تجربة نموذجية ورائدة، تقدم المشاركة على التنافس، وتركز على سـُبل الاستخدام الموثوق والمسؤول للذكاء الاصطناعي، لمساعدة العالم في إطلاق قيمة البيانات ومستقبل الذكاء الاصطناعي لبناء اقتصاديات المعرفة والارتقاء بالأجيال الحاضرة والمستقبلية، بما يخدم البشرية ويحقق مصلحة المجتمعات كافة.

 الإستراتيجية الوطنية .. انطلاقة سعودية نحو تنافسية عالمية

في اليوم الأول من القمة تمَّ الإطلاق الرسمي للإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي “نُسدي”، الهادفة إلى لعب دور محوري في رسم مستقبل البيانات والذكاء الاصطناعي على مستوى المملكة العربية السعودية والعالم، كما ستكون أساسًا رقميًّا لتمكين البرامج والقطاعات الحكومية والخاصة في مختلف المجالات بما يحقق رؤية المملكة 2030م، وذلك من خلال تطوير وتبني تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، وتوفير بيئة جاذبة، وبنية تحتية عالية المستوى، ومنظومة للاختبارات والتجارب، وحوكمة للبيانات، بالإضافة إلى توفير تطبيقات مبتكرة ومستدامة ومفيدة وأخلاقية خاصة بالبيانات والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى تحقيق أفضل استفادة ممكنة من أفضل قدرات هذه التقنية المتقدمة.

تمَّ بناء الإستراتيجية اعتمادًا على عدة أبعاد تتمثل في ترسيخ موقع المملكة كمركز مرجعي في تمكين أفضل تقنيات البيانات، وبناء مقومات تنافسية عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير القوى العاملة في المملكة، وبناء البيئة التشريعية المناسبة للشركات والمواهب المتخصصة، وجذب التمويل الفعال والمستقر للفرص الاستثمارية، فضلاً عن تمكين المؤسسات البحثية المتخصصة وتحفيزها، وتصبُّ هذه الأبعاد في تحقيق عدة أهداف بحلول عام 2030م، منها الوصول إلى أعلى (15) دولة في الذكاء الاصطناعي، والوصول إلى أعلى (10) دول في البيانات المفتوحة، وتأهيل أكثر من (20) ألف متخصص وخبير في البيانات والذكاء الاصطناعي، وجذب استثمارات بما يقارب (75) مليار ريال في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وتحفيز ريادة الأعمال والإسهام في توفير أكثر من (300) شركة ناشئة في هذا المجال.

شراكات دولية تعد سكان مدن ذكية لجودة حياة أعلى

تُعدُّ الشراكة مع الخبرات العالمية مرتكزًا مهمًا في تحقيق إستراتيجية المملكة في الذكاء الاصطناعي، وقد تمَّ الإعلان عن عدد من الشراكات مع الانطلاقة الرسمية للإستراتيجية خلال القمة، شملت مذكرات تفاهم مع شركات تقنية عالمية لقيادة الابتكار وتوظيف البيانات واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل مدن سعودية ذكية في المستقبل، تتمتع بأعلى المواصفات العالمية المبتكرة، بما يلبي احتياجات ورغبات السكان ويرتقي برفاهية وجودة الحياة، فضلاً عن تحقيق معايير اقتصادية واجتماعية وبيئية، وتطوير مجالات الأمن والسلامة والاستدامة، والنقل، والتخطيط الحضري، والطاقة، والتعليم، والصحة، وغيرها.

كما تمَّ التوقيع مع البنك الدولي لتأسيس شراكة إستراتيجية ضمن جهود المملكة الموجهة لتسريع التقدم التقني في هذه البلدان، وقد كانت هذه الشراكات جميعها محل تقدير الجهات الدولية ومسؤولي الشركات الكبرى المشاركة في القمة، حيث أبدوا الجاهزية لتسخير تجاربهم وخبراتهم لدعم هذا التعاون العالمي لخدمة البشرية، كما عبروا عن الاعتزاز بالاستثمار في التحول الرقمي في المملكة، وكان من تصريحاتهم ما قاله “فيليب لوي”، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة “علي بابا” للحوسبة السحابية: “نتطلع إلى إحداث تغييرات إيجابية في حياة السعوديين وتقديم مساهمتنا في تحقيق رؤية 2030م”.

الذكاء الاصطناعي لخدمة النماء وحقوق الإنسان

يُعدُّ تشجيع استخدام التكنولوجيا عبر العالم واحدًا من أبرز أوجه المسؤولية الاجتماعية وأكثرها ملامسة لاحتياج الناس، لهذا شهدت القمة عقد اجتماع المائدة المستديرة الخاص بالهيئة الاستشارية للذكاء الاصطناعي التابعة للأمم المتحدة، بهدف تنسيق القدرات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي ومساعدتها على الاندماج وتوحيد الجهود وتطوير الحلول الرقمية لدعم جاهزية البلدان النامية لتعزيز الذكاء الاصطناعي الموثوق به والآمن والمستدام، وإمكانية توظيفه في دعم حقوق الإنسان وتحقيق السلام والازدهار في المجتمعات الأكثر فقرًا.

إلى جانب ذلك فقد ركزت أعمال القمة على دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الأنظمة التعليمية وتحسين جودة التعلـّم وسهولة الوصول إليه، كما دعا المشاركون إلى زيادة نطاق المشاركة في هذه التقنية التي سيكون لها تأثيرها في الجميع، وهو ما يتطلب إيجاد منظومة معترف بها عالميـًّا تتولى حشد الموارد وتوفير الدعم للجهات الرسمية لتبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، واعتمادها لتلبية مختلف متطلباتها الاقتصادية.

أول مسابقة تجمع الإبداع الفني بالذكاء الاصطناعي

شهدت القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في المملكة إطلاق مسابقة “آرتاثون الذكاء الاصطناعي للفن”، والتي تُعدُّ المسابقة الأولى التي تجمع بين الإبداع الفني والذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وهي إحدى مبادرات القمة التي تهدف إلى تسليط الضوء على الإمكانات الإبداعية لتقنيات الذكاء الاصطناعي وإيجاد الوعي لفوائده الإيجابية التي تعود على البشرية، وضمت المسابقة (20) فريق عمل شارك عبرها أكثر من (300) مشارك ومشاركة من مختلف أنحاء العالم.

وأكد وزير الثقافة السعودي، الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، أن الفنون تشهد وثبة جديدة في أدواتها الإبداعية، مشيرًا إلى دور المسابقة في الاستثمار في الإنسان وتنمية قدراته بوصفه جوهر التنمية، كما أشاد الوزير بالمبادرات النوعية التي شهدتها أعمال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وبالنتائج المرجوة لاهتمام المملكة بالذكاء الاصطناعي كأداة إستراتيجية في بناء المستقبل والتخطيط له، لا سيما في وجود المواهب المبدعة والشراكات الدولية.

قمة العشرين ودور التقنية في التعافي من الجائحة

اعتمدت هذه القمة لتقام بشكل سنوي، وتكون بمثابة المنصة العالمية الأولى لحوارات الذكاء الاصطناعي، كما أقيمت في ذات العام الذي تستضيف فيه المملكة قمة العشرين، حيث قادت السعودية اقتصاديات العالم الكبرى نحو مختلف الفرص ذات العلاقة بتفعيل محركات التنمية الاقتصادية والتي يُعدُّ التحول الرقمي أكثرها تأثيرًا.

كما تزامنت هذه القمة العالمية كذلك مع المواجهة الآنية وطويلة الأمد لجائحة كورونا المستجد (كوفيد – 19)، حيث كان دور التقنية في جهود التعافي من الجائحة جزءًًا حيويًّا من الحوارات الإستراتيجية التي ناقشها المشاركون خلال القمة، بالإضافة إلى الجلسات الوزارية العامة وورش العمل التي استهدفت تأسيس منظومة فعّالة ومؤثرة للذكاء الاصطناعي من خلال أربعة محاور رئيسية؛ هي: نرسم عصرًا جديدًا، والذكاء الاصطناعي والقيادة، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، ومستقبل الذكاء الاصطناعي.

الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميرًا لدولة الكويت

بإعلان مجلس الوزراء الكويتي

بعد أن ودعت الكويت أميرها الراحل، الشيخ صباح الأحمد الصباح، وفي انتقال سلس للحكم في البلاد، أُعلن الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميرًا للبلاد، يوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2020، ليصبح الحاكم السادس عشر لدولة الكويت، وهو القيادي الذي تولى مهام ومناصب مهمة في تاريخ الكويت.

ويعد الشيخ نواف أحد القادة الذين يملكون تاريخًا كبيرًا في الجانبين السياسي والعسكري، من خلال المهام الوطنية التي كلف بها طوال مسيرته في العمل ضمن حكومة دولة الكويت، مطورًا وداعمًا للتنمية وبناء الإنسان والمكان منذ الستينات الميلادية.

كما يتمتع الشيخ نواف بخبرةٍ سياسية كونتها شخصيته البارزة كأحد أبناء الأسرة الحاكمة الكويتية، إلى جانب توليه ولاية العهد على مدى 14 عامًا  منذ 2006، ويذكر للشيخ نواف إسهامه على المستوى الدولي في دعم وبناء التكامل الأمني الخليجي والعربي، وتفعيله في دول مجلس التعاون والدول العربية.

النشأة والمسيرة القيادية

ولد الشيخ نواف الصباح في الخامس والعشرين من يونيو عام 1937م، في مدينة الكويت، وهو الابن السادس لحاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح، الذي حكم البلاد في الفترة ما بين عامي 1921 و1950.

نشأ الشيخ نواف في قصر دسمان، بيت الحكم أثناء إمارة والده أحمد الجابر، وتلقى تعليمه في الكويت، ضمن مدارسها النظامية، وهو ثالث وزير داخلية ورابع وزير دفاع في تاريخ الكويت، وصاحب أطول فترة على رأس وزارة الداخلية بعد سعد العبدالله، حيث ترأسها ما بين عامي 1976 حتى 1986.

وترأس الشيخ نواف الصباح العديد من المناصب المهمة، حيث بدأ رحلته في العمل السياسي في فبراير 1962، عندما تولى منصب محافظ محافظة “حولي” الكويتية، حيث تمكن من تحويل المحافظة التي كانت عبارة عن قرية إلى مدينة حضارية وسكنية وتجارية، حتى أصبحت مركزًا مهمًا للنشاط التجاري والاقتصادي الكويتي، واستمر مسؤولا عن محافظة “حولي” لمدة 16 عامًا.

كما تولى الشيخ نواف منصب وزير الدفاع في يناير 1988، حيث طور العمل بشقيه العسكري والمدني، وعمل على تحديث وتطوير معسكرات وزارة الدفاع ومدها بكافة الأسلحة والآليات الحديثة لتقوم بواجبها الوطني في الدفاع عن البلاد.

واهتم الشيخ نواف إبان إدارته لشؤون الدفاع في الكويت بإيفاد البعثات إلى الدول الصناعية العسكرية للتدرب على قيادة الطائرات العسكرية وكافة أنواع الأسلحة والمدرعات والمدافع التي يستخدمها الجيش الكويتي.

وحرص أيضًا على تضمين عقود شراء الأسلحة بنودًا توجب تدريب العسكريين الكويتيين عليها وصيانتها، وفتح المجال واسعًا لانخراط أبناء الكويت في السلك العسكري وإعطائهم الكثير من الامتيازات.

قراءة في تغطية الإعلام الخليجي لأزمة كورونا (COVID 19)

مقدمة
ألقت أزمة (كوفيد 19)، التي وصلت لدول مجلس التعاون نهاية يناير الماضي، بظلالها على كافة مجالات الحياة، وتفاعل الإعلام في دول المجلس مع الجائحة وتأثر بها، سواء على مستوى الممارسات أو طريقة العمل، وأدت الجائحة إلى تصدر أخبارها كافة الوسائل الإعلامية بمختلف أشكالها، قنوات تلفزيونية، محطات إذاعية، وصحف، وأضحت العنوان الأبرز للأحاديث الإعلامية بكافة أطيافها.
الإعلام في دول مجلس التعاون تأثر كثيرًا بتلك الجائحة من حيث الممارسات الإعلامية خلال الأزمة، بل إن الكثير من الخطوات المهمة في مسار المهنة حدثت أثناء الفترة ذاتها.
ومن خلال هذه القراءة، رصدنا أبرز الممارسات الإعلامية التي كانت حاضرة، مع التركيز على التحولات الرقمية ومستوى الشفافية وأساليب التوعية التي مورست، بالإضافة إلى دور مشاهير التواصل الاجتماعي، وكيف تمكنت وسائل الإعلام من صناعة محتوى مختلف.
تتشكل هذه القراءة من ثمانية محاور رئيسية، بالإضافة إلى توصيات عامة، وهي: “فايروس الجائحة يجتاح الورق، وحضور التغطية الميدانية، ورقمنه الإعلام الخليجي، وروافد مهمة، وتنوع المحتوى، والشفافية والمصداقية، وأساليب التوعية، وتكرار المعلومات وتوصيات”.

المحور الأول: فايروس الجائحة يجتاح الورق
أقدم عدد من المؤسسات الإعلامية في دول مجلس التعاون على خطوة إيقاف طباعة الصحف الورقية خلال فترة جائحة كورونا، معللين ذلك بأن الورق قد يُسهم في انتقال العدوى بين متداوليه، الأمر الذي دفع باللجنة العُمانية العليا للتعامل مع فيروس كورونا (كوفيد 19) إلى وقف الطباعة الورقية للصحف والمجلات والمنشورات بمختلف أنواعها ومنع تداولها، ومنع بيع وتداول الصحف والمجلات والمنشورات التي تصدر خارج السلطنة، كما قرر المجلس الأعلى للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة الأمر ذاته مؤقتــًا، وفي السعودية نجد أن صحيفتي “عكاظ” و”مكة” قامتا بإيقاف نسخهم الورقية مؤقتــًا.
هذه الخطوة الاحترازية من قبل المؤسسات الإعلامية أعطت إيحاءً بأن لها بُعدًا مهنيـًّا أيضًا، خصوصًا وأن الحديث كان يدور كثيرًا خلال الأعوام الخمس الماضية حول خطوة تحول الصحف من الورقية إلى الإلكترونية، وسط تخوف المؤسسات الإعلامية من الإقدام على هذه الخطوة لاعتبارات عديدة، ويجب على مراكز الدراسات بالمؤسسات الصحفية التوجه نحو قياس مدى القدرة على هذا الانتقال وكيفية تقبل الجمهور له، ويمكن قياس ذلك من خلال أعداد متصفحي مواقع الصحف ومرتادي حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كما يمكن للإعلان أن يكون واحدًا من أهم تلك المعايير التي يمكن على ضوئها قياس مدى إمكانية الانتقال الكامل للإصدار الإلكتروني، بيد أن الظروف الاقتصادية المصاحبة لأزمة كورونا أثرت كثيرًا على السوق الإعلاني، مما يجعل معيار الإعلان في تلك الفترة ليس مقياسًا.
التحول من الجانب الورقي إلى الإلكتروني لم يكن مقتصرًا على تغير في منصة الظهور فحسب، بل حتى في مضمون ذلك المحتوى، بالبحث في المقام الأول عن الخبر وأسبقيته، خصوصًا وأن عددًا من تلك الصحف كانت تعتمد قبل أزمة كورونا على (ما وراء الخبر) بالبحث عن تفاصيله وخلفيته، من دون التركيز على الأسبقية كونها كانت تصدر ورقيًّا في اليوم الذي يلي الحدث، غير أن قرار التحول الإلكتروني أثناء الأزمة جعل مضامين المحتوى الإخباري للصحف مركزًا على الأسبقية بشكل أكبر، وهذا ما ظهر جليًّا في أنماط كتابة الأخبار، كما حضر التحديث الفوري للصفحات الرئيسية في مواقعها الإلكترونية بشكل ملفت، ما يعكس الممارسة المهنية الصحيحة لمفهوم الصحف الإلكترونية لا النشر الإلكتروني، كما أن التحديث الفوري لم يكن مقتصرًا على الصفحات الرئيسية لمواقع تلك الصحف، بل امتد
‒ أيضًا ‒ للملاحق الداخلية للصحيفة.

وشهدت حسابات الصحف عبر شبكات التواصل الاجتماعي حضورًا مواكبًا للحدث من خلال جانبين رئيسيين:
1-سرعة التعاطي مع الأحداث والنشر السريع، ما جعل المتابعين في تلك الشبكات يعتمدون على ما ينشر في حسابات الصحف.
2-القدرة على صناعة مواد خاصة بشبكات التواصل، سواءً نصية أو مرئية.

المحور الثاني: حضور التغطية الميدانية
امتازت وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون بالتواجد الميداني أثناء تغطيتها للأزمة، باختلاف منصات الإعلام ووسائله، من خلال عدد من الأوجه والأساليب التي حررت المواد الإعلامية من القوالب الإخبارية الجاهزة، التي تتلقاها من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، لتصنع المواد الميدانية حالة من التوازن في المحتوى، وتوزع الجهد الميداني على عدد من الأماكن، مثل:

1-المؤتمرات الصحفية لمسؤولي الصحة بدول مجلس التعاون.
2-التواجد الميداني في المستشفيات والمراكز الطبية.
3-الاستطلاعات في أماكن المواد التموينية.
4-المقابلات والتغطيات الآنية لوصول رعايا دول المجلس إلى بلدانهم.
هذه المرتكزات الأربعة التي استندت عليها وسائل الإعلام الخليجية في تغطيتها أنتجت مضمونـًا مختلفًا تمكن من تغذية وسائل الإعلام بشكل مميز، بل إن الكثير من المحتوى المتداول في شبكات التواصل الاجتماعي كان صنيعة ذلك المحتوى الميداني، واتضح ذلك بشكل أكبر على صفحات الصحف الخليجية، إذ اعتمدت صفحاتها الأولى على المواد الميدانية، بينما اتجهت صفحاتها الداخلية لتقارير وتحقيقات أُجريت خلال الأزمة، وكذلك الحال للمحتوى الإذاعي والتلفزيوني، سواء في مواد نشرات الأخبار أو محتويات البرامج.
ويمكن القول : إن الأعمال الميدانية والاستقصائية رجّحت كفة وسائل الإعلام التقليدية خلال الأزمة، خصوصًا وأن الجهات الرسمية، وعبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كانت حريصة على نشر المعلومات بشكل فوري، وبالتالي كانت وسائل الإعلام بحاجة ماسّة لصنع محتوى مختلف يتمثل في الجانب الميداني.
إن حجم العمل الاستقصائي والميداني الكبير خلال أزمة “كورونا” يفتح نافذة لتلك الوسائل لصناعة جانب توثيقي للتغطية، والحرص على صناعة أفلام وثائقية مما تمتلكه من مخزون هائل من التغطيات والمعلومات المتوافرة لديها، كما أنه من المهم الإشارة إلى أن العمل الميداني لوسائل الإعلام الخليجية ما كان ليتحقق لولا دعم وتشريع حكومي لتلك الممارسات الإعلامية، وتوفير المناخ المناسب لهم للقيام بذلك، سواء من حيث التعاون في توفير المعلومات أو الشفافية وسرعة التجاوب مع استفسارات وسائل الإعلام.
هذا التميز النوعي والمختلف لوسائل الإعلام من خلال تغطيتها للحدث أعاد الكثير من المتلقين لمتابعة الإعلام التقليدي، الأمر الذي يجعل تلك الوسائل مطالبة بالمضي قدّمًا في صناعة محتوى ميداني مميز قادر على جذب المتلقي والتقليل من المواد الإعلامية الجاهزة.

المحور الثالث: رقمنة الإعلام الخليجي
دفعت أزمة كورونا بوسائل الإعلام في دول مجلس التعاون إلى تنشيط وتفعيل حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي ومواقعها الإلكترونية بشكل كبير، بخلاف ما كان سابقــًا، وتمكنت من تقديم نماذج في كيفية التواجد في تلك الشبكات بما يتوافق مع خط سير الوسيلة المهني، ويمكن القول: إن أبرز ثلاثة أشكال تواجدت بها وسائل الإعلام التقليدية عبر منصاتها في الإنترنت والإعلام الرقمي كانت على النحو التالي:

1-المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية.
2-حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”.
3-حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”.

أولاً: المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية
تواجدت وسائل الإعلام الخليجية بشكل جيد ومتفاعل ومتجدد عبر مواقعها الإلكترونية، خصوصًا أن بعض الصحف الخليجية أوقفت صدور نسخها الورقية، كما ذكرنا سلفًا، ما جعلها مطالبة بتفعيل محتوى مواقعها الإخبارية بشكل كبير، من خلال تحديث المعلومات بشكل فوري، وملاحقة المستجدات أولاً بأول، ولم تكتفي وسائل الإعلام الخليجية في مواقعها الإلكترونية بضخ المواد الإخبارية فحسب، بل حرصت ‒ أيضًا ‒ على استحداث عدد من التقنيات، مثل الوسائط المتعددة والخرائط التفاعلية لمتابعة مستجدات الحالات المصابة، ومنها على سبيل المثال؛ صحيفة الرؤية الإماراتية التي وضعت خريطة تفاعلية عبر موقعها ترصد مستجدات الإصابة بالفيروس وإحصاءات الحالات.

ثانيًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”
كان التعاطي في “تويتر” هو الأبرز والأكثر متابعة من قبل المتلقين، وعليه فقد حرصت وسائل الإعلام الخليجية عبر حساباتها في “تويتر” على انتهاج ثلاثة خطوط أساسية في التغطية، تمثلت في الآتي:

1-مواكبة أهم الأحداث والأخبار الصادرة من الجهات الرسمية أو وكالات الأنباء.
2-إعادة نشر محتوى الوسائل التقليدية عبر منصة “تويتر”، سواء كان مسموعًا أو مرئيًّا أو مكتوبًا أو على هيئة تصاميم انفوجرافيكس.
3-صناعة محتوى خاص وحصري لحساباتها في “تويتر” قبل أن يتم بثـّه عبر المنصات التقليدية.

ثالثـًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”
في منصة “يوتيوب” نجد أن الكثير من وسائل الإعلام التقليدية حرصت على تغذية حساباتها، وخصوصًا القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي حرصت على تحديث صفحاتها بشكل سريع، وبالذات برامج القناة والفيديوهات التوعوية المنتجة، والتي تضمن من خلالها عودة المشاهد، كما قدمت بعض الصحف نموذج الصحافة التلفزيونية من خلال حساباتها في “يوتيوب”، مثل صحيفة القبس الكويتية التي غذت حسابها في “يوتيوب” بالعديد من التقارير والاستطلاعات والتحقيقات الميدانية، لتكون رافدًا مهمًا وحيويًا لما تنشره الصحيفة ورقيًّا.
هذا التميز الكبير من قبل وسائل الإعلام الخليجية في التواجد عبر فضاء الإعلام الرقمي يمثل دافعًا كبيرًا لها للاستمرار في تفعيل تلك الحسابات، والاستفادة من بقية الشبكات لتقديم محتوى يتواءم مع كل شبكة وجمهورها، كما أن وسائل الإعلام التقليدية، وبخاصة التلفزيون، قامت باستخدام “الهاشتاقات” التي أُطلقت للتوعية أثناء الجائحة، في حين قامت بقية الوسائل بتوظيف تلك “الهاشتاقات” عبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي خصوصًا حينما يتم تناول الأخبار المتعلقة بمستجدات الجائحة.

المحور الرابع: روافد مهمة
لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا وجوهريًا في التأثير في المواطن والمقيم في دول مجلس التعاون خلال الجائحة، وبخاصة من قبل مشاهير شبكات التواصل، إذ قام العديد منهم بجانب توعوي عبر رسائلهم التي بثـّوها من خلال حساباتهم في شبكات التواصل.

ويمكن تصنيف الدور الإيجابي للمشاهير خلال الأزمة في ثلاث فئات رئيسية، هي:

1-مشاهير تعرضوا للإصابة بالمرض:
تعرض عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي للإصابة بفيروس كورونا (كوفيد 19)، وقام عدد منهم بتغطية تفاصيل الإجراءات الطبية التي أجريت لهم، والأعراض التي مرّت عليهم، بالإضافة إلى استعراض الخدمات الطبية المقدمة للمرضى المصابين بالفيروس، ما زاد من وعي المتلقين حيال ذلك، وتصدرت إصابات هؤلاء المشاهير أحاديث المتابعين عبر منصات التواصل.

2-مشاهير خضعوا للحجر الطبي
البعض الآخر من مشاهير التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون كانوا متواجدين خارج بلادهم عند بداية الأزمة، ما جعلهم يوثقون الجهود المبذولة في الإجلاء، وفور عودتهم وثقوا الجهود المبذولة في اختبارات الفحص والخدمات المقدمة في الحجر الصحي، كما قاموا بجانب توعوي للمتلقين عبر نقل النصائح الطبية التي تلقوها من الجهات الرسمية والموجهة للعائدين من دول تفشت فيها الإصابة بالفيروس.

3-مشاهير قاموا بالتوعية
الفئة الثالثة من المشاهير تفاعلوا مع الجائحة بالحرص على تقديم معلومات موثوقة حول المرض وكيفية الوقاية منه وأبرز الخطوات الاحترازية في ذلك، مستندين على البيانات والتعليمات الصادرة من وزارات الصحة والهيئات الطبية، بالإضافة إلى محاولتهم تقديم النصح بالتباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل، ولاقت تلك الرسائل تفاعلاً كبيرًا من متابعيهم.

وشكل تفاعل عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون مع الأزمة رافدًا مهمًا لوسائل الإعلام التقليدية الخليجية عبر عدد من الأوجه:
-متابعة أخبار المشاهير وأنشطتهم خلال الأزمة، سواء من تعرض للإصابة أو من كان في الحجر المنزلي.
-كثير من المواد الإعلامية بنيت من خلال محتوى صنعه عدد من مشاهير تلك الشبكات.
-قام عدد من المشاهير بتناول كثير من المواد الإعلامية عبر حساباتهم والتعليق عليها، ما شكل ترويجـًا إيجابيًّا لهذه المواد.

في المقابل نجد أن بعض المشاهير قاموا بدور سلبي أثناء الجائحة، وتمثل ذلك في جانبين أساسيين:
1-اختراق الأنظمة واللوائح الموضوعة من قبل الجهات المعنية، سواء من حيث عدم التقيد بمواعيد الحظر أو عدم اتباع الإجراءات الاحترازية.
2-نقل معلومات غير صحيحة أو غير دقيقة، سواء حول الإجراءات الصادرة بخصوص الجائحة أو من خلال تمرير معلومات طبية مغلوطة.
من جانب آخر وقع بعض مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون في فخ عدم وجود مضمون يطرحه خلال فترة الأزمة، خصوصًا وأن الكثير من المحتوى الذي كانوا يقدمونه سابقـًا يرتكز بشكل أساسي إما حول تفاصيل حياتهم اليومية الطبيعية، أو المحتوى الإعلاني المدفوع، ويمكن تلخيص مسببات نضوب المحتوى لدى هؤلاء المشاهير في الاعتبارات الآتية:

1-الكساد الكبير للإعلانات خلال الأزمة.
2-خصوصية المنزل عند بعضهم، لذا احجموا عن النشر أو قللوا منه طيلة فترة الحظر.
3-جزء كبير من المحتوى الذي يقدمه المشاهير يعتمد على الحياة اليومية الطبيعية ولقاء الأصدقاء أو المقالب التي تصنع، وجميعها غابت أثناء الأزمة.
4-اللجوء إلى صناعة محتوى سلبي، من خلال توثيق عدم التقيد بالأنظمة ومخالفة القوانين، ما أنتج مقاطع غاب عنها المضمون الإيجابي المنتظر.

المحور الخامس: تنوع المحتوى
امتازت وسائل الإعلام الخليجية بقدرتها على تنويع المحتوى المقدم خلال أزمة كورونا، فبالإضافة إلى اعتمادها على المواد الجاهزة من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، والتي تعدُّ خطوة إيجابية ومهنية، سعت إلى التنوع في مضامين ما قدمت، ومن دون أدنى شك في أن أخبار الجائحة هي ما تصدرت تلك الوسائل، إلا أن أساليبها اتسمت باختلاف الطرق المقدمة، حيث ظهر العديد من البرامج التي أُنتجت بسبب الأزمة، في حين تمَّ تغيير مسار عدد من البرامج القائمة لتكون مختصة بنقل أحداث ومستجدات الأزمة، وصحفيًّا نجد أن عددًا من التبويبات والملاحق أُنشئت لتناول الجائحة، ويمكن التفصيل في تنوع المحتوى في الإعلام الخليجي على النحو  الآتي:

أولاً: تلفزيونيًّا
القنوات الخليجية منحت أخبار الجائحة وتطوراتها صدارة الاهتمام، وحاولت إضفاء زوايا وأبعاد أخرى للمحتوى المقدم، فقناة “سما دبي” على سبيل المثال؛ قدمت رسائل توعوية للمقيمين على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين استقطب تلفزيون الكويت العديد من الأسماء الفنية لاستغلال حضورهم في تقديم نصائح للمشاهدين عن الجائحة، كما شاهدنا عددًا من العروض المرئية التي تحاكي الطفل من خلال أعمال كرتونية أو موشن جرافيكس، وشاهدنا القناة السعودية تغطي تبعات الجائحة عبر كافة المجالات من خلال سلسلة برامج.
الجانب الإخباري كان عنصرًا أساسيًّا وثابتًا فيما تقدمه القنوات، إلا أنها تحررت من الجانب الإخباري البحت، وحرصت على استخدام أنماط أخرى للمواد المقدمة.

ثانيًا: إذاعيًّا
حرصت الإذاعات عبر الأثير على تناول أمور الجائحة من خلال زوايا عدة، شملت تأثير الفيروس على الجانب النفسي لدى أفراد المجتمع، ومدى تخوفهم من ذلك، وكيفية تبديد تلك المخاوف، حيث استضافت العديد من المختصين في هذا الجانب، كما حرصت الإذاعات على تناول جوانب متنوعة للأزمة.

ثالثـًا: صحفيًّا
استطاعت الصحف تغذية صفحاتها بالعديد من التقارير والتحقيقات والحوارات والمقالات التي كانت مواكبة للحدث، وتناولت تفاصيله وأبعاده، ولا تكاد تخلو صحيفة خليجية في أي يوم من تلك الفنون الصحفية المتناولة للأزمة من زوايا عديدة ومختلفة، وحرصت على عدم الاكتفاء بالجانب الإخباري أو البحث عن أبعاد أخبار كورونا من الجانب الصحي فقط، بل سعت من خلال تلك الممارسات الصحفية للبحث عن أبعاد الأزمة وأبرز المجالات التي عانت خلالها، عبر استضافة المختصين للحديث عن تلك التأثيرات.
وعلى الرغم من كثافة الأخبار أو المحتوى المتعلق بجائحة كورونا في وسائل الإعلام الخليجية، إلا أن تلك الوسائل حافظت في الجزء المتبقي من محتواها على بقية الأحداث والتغطيات البعيدة كل البـُعد عن الجائحة، في محاولة لكسر رتابة المحتوى مراعاة لذائقة المتلقي وحفاظــًا عليه.

المحور السادس: الشفافية والمصداقية
تكثر الأخبار المغلوطة وغير الصحيحة خلال الأزمات، وتتكاثر خلالها الشائعات بشكل كبير، الأمر الذي يجعل منها بيئة خصبة لولادة الإشاعة، بيد أن المتتبع لوسائل الاعلام الخليجية يدرك أن تلك الوسائل قامت بدورها التوعوي، من خلال المتابعة المهنية للخبر وعدم بث أيّ معلومات مغلوطة، على الرغم ممّا عجّت به شبكات التواصل الاجتماعي من سيل هائل من الاجتهادات والأخبار الخاطئة، غير أن تلك الوسائل لم تنجرف خلف تلك الطروحات، ولم تتبن منها معلومات قبل التثبّت من مصدرها، ويمكن قياس مصداقية وسائل الإعلام الخليجية عبر أكثر من جانب، من أهمها:
-ندرة البيانات الصادرة من جهات رسمية لنفي محتوى صادر عن وسيلة إعلامية.
-عدم نفي وزارات الصحة في مؤتمراتها الصحفية معلومات تمَّ طرحها من إعلاميين منتسبين لتلك الوسائل الإعلامية.
-عدم وجود أخبار مغلوطة متداولة في شبكات التواصل مصدرها وسيلة إعلام تقليدي.  

ويمكن إرجاع هذا التميز في جانب المصداقية لتلك الوسائل إلى عدد من الجوانب، هي:
-حرص وسائل الإعلام الخليجية على الالتزام بمصادر المعلومات الرسمية.
-قوة مصادر تلك الوسائل في الوصول للمسؤول والتثبت من المعلومات.
-كفاءة العاملين في الحقل الإعلامي.
-شفافية الصوت الحكومي وسرعة تجاوبه مع وسائل الإعلام.
ولأن الحديث عن المصداقية في وسائل الإعلام الخليجية، لا بد من أن نشير للتميز الذي شهدته المؤتمرات الصحفية لمختلف القطاعات، وبخاصة القطاع الصحي، حيث كانت سرعة التجاوب والشفافية المطلقة عنوانين واضحين وصريحين لها، وسببًا رئيسيًّا في ووأد أي إشاعة يمكن أن تولد.

ويمكن تصنيف الأسئلة الواردة في المؤتمر الصحفي على النحو التالي:
-أسئلة من واقع التفاصيل التي يدلي بها المتحدثون في المؤتمر.
-أسئلة من صميم ما يدور في أذهان المواطنين.
-أسئلة حول تقارير المنظمات الصحية المحلية والخليجية والدولية.

كما اتسمت أسئلة الإعلاميين بالإيجابية لأكثر من اعتبار، هي:
-أسئلة واضحة ومباشرة.
-أسئلة في صميم الحدث من دون التطرق لأمور جانبية.
-عدم التكرار في الأسئلة.
-أسئلة دقيقة مبنية على استفهامات لا آراء.
-عدم وجود أسئلة ضعيفة أو ركيكة أثارت استغراب المتحدث أو تعجبه.
ولا يمكن هنا أن نغفل جانبًا غاية في الأهمية أسهم في جودة الأسئلة المطروحة، حيث إن بعض الجهات الصحية قامت خلال المؤتمرات الصحفية بفرز الأسئلة قبل طرحها، وبخاصة المؤتمرات التي تتم عن بُعد، بغية عدم وجود أسئلة مكررة أو غير واضحة أو بعيدة عن الموضوع الرئيس.

ومن المعايير التي يمكن الاعتماد عليها لقياس جودة الأسئلة المطروحة في المؤتمرات الصحفية، الآتي:
-محتوى ثري في الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، بني على إجابات تمت خلال المؤتمرات الصحفية.  
-تغذية شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها بمحتوى تلك المؤتمرات وتناقله، والبعض من تلك الإجابات وصل لـ”الترند”.
-كثير من محتوى وكالات الأنباء ناتج عن أسئلة المؤتمر.

المحور السابع: أساليب التوعية  
نجحت وسائل الإعلام الخليجية في التغطية الإخبارية للجائحة بشكل جيد وملفت، من خلال المتابعة الدقيقة لمستجدات الأخبار وما ورائها، كما أسهمت
– أيضًا – في الجانب التوعوي عبر أشكال عديدة، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

1-نقل الرسائل المباشرة:
وذلك من خلال نقلها لرسائل وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول مجلس التعاون، تلفزونيًّا وإذاعيًّا وصحفيًّا، وتكرار النصائح والإرشادات من خلال الفواصل وفي مقدمة البرامج وخواتيمها، كتذكير بالرسائل التوعوية الواردة من المؤسسات الصحية.

2-صناعة محتوى توعوي:
قامت وسائل الإعلام والمنظمات المتخصصة في دول مجلس التعاون بصناعة مواد توعوية عبر الحصول على آراء ومعلومات إضافية من الخبراء ومراكز الدراسات، أو من خلال ترجمة وإعادة صياغة المحتوى المقدم من وزارات الصحة بأسلوب متنوع ومناسب لكل فئات المجتمع وأطيافه؛ ما سهل عليهم فـَهم المعلومات والإرشادات الواردة.

3-توظيف الـ”هاشتاقات” لمواكبة مراحل الأزمة:
واكبت وسائل الإعلام الخليجية مراحل الأزمة، من خلال اعتماد عنوان المرحلة ووضعه في “هاشتاق” مثبت في شاشة القنوات التلفزيونية، بالإضافة لتوظيفه بالشكل المناسب من مقدمي البرامج الإذاعية والتلفزيونية لترسيخه في عقل ووجدان المتلقي من أجل تحويله إلى سلوك عملي يعطي النتائج المرجوة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول المجلس بذلت جهودًا اتصالية في هذا الجانب تحديدًا، فبالإضافة إلى تفوقها في التعاطي مع الأزمة من حيث الشفافية وسرعة المعلومة، فإنها ‒ أيضًا ‒ قامت بدور إيجابي في تذليل وتبسيط المصطلحات الطبية، كما قامت بترجمة تلك المنشورات التوعوية بلغات أخرى لتصل بالشكل الأمثل للوافدين.

ومن منظور شمولي، تماشت دول مجلس التعاون مع المعايير الدولية في إدارة الأزمة إعلاميًّا، وقدمت نموذجًا يحتذى به، وذلك من خلال العناصر الآتية:
1-سرعة بث المعلومة.
2-الشفافية.
3-التحديث الفوري للمعلومات.
4-الإجابة عن استفسارت وسائل الإعلام والجمهور.
5-تفعيل منصات خدمة المستفيدين.
6-تبسيط المصطلحات لكل فئات وشرائح المجتمع بمختلف أعمارهم.
7-ترجمة المحتوى المنشور لأكثر من لغة.
والمتتبع للرسائل التوعية الصادرة تجاه الجائحة، سواء من قبل الجهات الحكومية أو من خلال ما صنعته وسائل الإعلام من تقارير وتحقيقات واستطلاعات وأعمال وثائقية، كانت اللغة التوعوية المستخدمة تتسم في معظمها بالإيجابية والإرشاد من دون اللجوء إلى أسلوب التخويف والترهيب ولا لغة التهوين.

المحور الثامن: تكرار المعلومات
أسهم تكرار المعلومات المقدمة في المؤتمرات الصحفية للجهات الصحية في إحساس الجمهور بالملل، خصوصًا وأنه يبحث في كل مرّة عن معلومات مختلفة تخص الجائحة، الأمر الذي تسبب في تراجع نسب المتابعة لتلك التحديثات، على الرغم من تزايد أعداد الإصابات، وتكرار ذات الأسلوب المتبع والمحاور الأساسية نفسها التي يتم التحدث عنها جعل المتابع يبحث عن معلومات من مصادر أخرى، والعديد من المتابعين عبروا عن انتقادهم لتكرار المعلومات المقدمة من قبل المتحدثين في المؤتمرات، والأمر ذاته ينطبق على وسائل الإعلام التقليدية من حيث تكرار النصائح المقدمة، على الرغم من تنوع المحتوى المعروض في تلك الوسائل وحرصهم على متابعة أبعاد الجائحة من عدة زوايا، غير أن الركيزة الأساسية والمتمثلة في تكرار المعلومات، وبخاصة النصائح، أسهم في تناقص أعداد المتابعة بشكل أو بآخر.

وكان يمكن لوسائل الإعلام اتباع عدد من الأساليب للتغلب على سلبية التكرار، ومن بينها:
1-البحث المستمر عن معلومات جديدة حول الوباء وآخر الاكتشافات الطبية المتعلقة بالجائحة.
2-عدم تكرار النصائح ذاتها بشكل يومي في نفس القالب، والتنسيق مع الجهات الطبية للتركيز على الإرشادات التي تتوافق مع كل مرحلة من مراحل الأزمة.
3-تكثيف المحتوى القصصي المتعلق بالجانب الإرشادي، وبخاصة في الإنتاج المرئي.
4-اختيار قصص إنسانية تحكي تجارب مع المرض، مثل قصص الكوادر الطبية أو المصابين بالمرض أو من تسببوا في نقل الفيروس إلى أسرهم ومعارفهم.

التوصيات العامة:
-زيادة المحتوى المقدم للمقيمين في دول مجلس التعاون باختلاف لغاتهم.
-تطوير وتكثيف صناعة المحتوى المرئي الموجه للطفل.
-التوسع في توظيف حسابات المؤسسات الإعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي، وصناعة محتوى إعلامي مختلف ونوعي مناسب للبث من خلالها.
-أهمية وجود الإعلامي المتخصص، وتهيئة كوادر إعلامية وتدريبهم في هذا المسار.
-إخضاع تغطيات كل وسيلة إعلامية إلى التقييم، وقياس مدى إقبال الجمهور على المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي لتلك الوسائل.
-التركيز على تطوير العمل الميداني كمًّا وكيفــًا.

فصل المقال ما بين الصحة والإعلام

لم يتوقف النقد الموجه لوسائل الإعلام منذ أن أعلنت “سيلفي بريان”
(Sylvie Briand)، مديرة التحضير لمخاطر الأمراض المعدية في المنظمة العالمية للصحة بأن جائحة (كوفيد 19) تخفي وراءها جائحة أخرى، إنها الجائحة الإعلامية.
لقد تناوب على هذا النقد أهل مهنة الطب، والكتّاب والمثقفون، ورجال السياسة، والفاعلون في المجتمع المدني، وحتى الصحافيون ذاتهم!

اتفقوا كلهم تقريبًا على خطورة التّخمة الإعلامية التي أصبح الجمهور يعاني منها جراء التغطية الإخبارية المفرطة لجائحة (كوفيد 19) بكل اللغات، إذ يذكر على سبيل المثال أن القنوات التلفزيونية الإخبارية الفرنسية خصصت (74.9%) من وقت بثها لجائحة كورونا خلال أسبوع فقط من (16 – 22 مارس 2020م) وفق الدراسة التي أعدّها المعهد الوطني للسمعي –  البصري الفرنسي؛ بمعنى أن كل قناة تلفزيونية بثت ما يعادل (13) ساعة و(30) ثانية في اليوم عن هذه الجائحة!

لم يحدث في تاريخ التلفزيون أن حظي أي حدث بمثل هذه التغطية المباشرة والمتواصلة على مدار ثلاثة أشهر.

لقد كادت القنوات التلفزيونية الشاملة والعامة تتحول إلى قنوات متخصصة في الأخبار، نظرًا لتركيزها المكثف على التغطية الإعلامية للجائحة المذكورة، وأعادت القنوات التلفزيونية الإخبارية النظر في برامجها فاستغنت عن بعضها لصعوبة التصوير أو التسجيل في الاستوديوهات، نظرًا للتدابير الصحية المتخذة، وكيّفت بعضها الآخر مع الوضع الصحي العالمي لمواكبة تطور انتشار الجائحة محليًّا ودوليًّا.

إن الأمر لم يقتصر على التلفزيون الفرنسي، بل شمل مختلف القنوات التلفزيونية الدولية، وحتى المحطات الإذاعية والصحف والمواقع الإخبارية في شبكة الإنترنت، لقد وجدت المنصة الرقمية المختصة في الرصد الإعلامي: (تاغا داي Tagaday) أن ما نشرته عينة تتكون من ثلاثة آلاف صحيفة وموقع إعلامي فرنسي في شبكة الإنترنت عن الجائحة المذكورة، خلال الأسبوع الثالث من مارس الماضي، يزيد على (250) ألف مادة صحفية، وحتى وكالات الأنباء العالمية التي من المفروض أن توجه موادها الإعلامية إلى وسائل الإعلام المحلية والدولية وبعضًا من القطاعات الاقتصادية والمالية والعسكرية أصيبت هي الأخرى بــ”الوباء الإعلامي”، فوكالة الأنباء الفرنسية على سبيل المثال التي من المعروف أنها تنتج أقل عدد من برقيات الأنباء يوم الأحد، الموافق لإجازة نهاية الأسبوع، نشرت (1563) برقية يوم الأحد 15 مارس المنصرم، جلّها عن (كوفيد 19)، أي بمعدل زيادة يقدر بـ(130) برقية عمـّا تنشره يوميًا.

يعتقد البعض أن الإطناب في الحديث الإعلامي عن هذه الجائحة هو نتيجة منطقية للضغوط التي تمارس على وسائل الإعلام أثناء الأزمات من لدن السلطات العمومية، والمجتمع الطبي، والمجتمع المدني، وحتى الجمهور، ففي ظل الأزمات تتحول وسائل الإعلام إلى مشجب تعلق عليه كل المشاكل والصعوبات التي تعاني منها مختلف قطاعات المجتمع، فنادرًا ما تفلت من الاتهام سواء بالإطناب الذي يؤدي إلى المبالغة في الحدث ومنحه أكثر من حجمه، مثلما جرى مع وباء “أنفلونزا الخنازير”، أو الاهتمام الضعيف به مما يؤدي إلى الاستهانة به.

جائحة العصر

نظرًا لتصنيف (كوفيد 19) ضمن الأمراض الناشئة أو جائحة العصر، فإن التخمة الإعلامية التي رافقته أفرزت ظاهرتين: الظاهرة الأولى وتعتبر تقليدية، وتتمثل في أن التركيز على هذه الجائحة أفضى إلى تجاهل ما يحدث في العالم، إذ يبدو أن الزمن توقف فيها ولم يجر في الكون أي شيء غيرها، والأكثر من هذا أن السياق الذي تنشط فيه وسائل الإعلام في العديد من البلدان يتصدى لأي معارضة إعلامية لهذه التخمة.

يذكر في هذا الإطار “ستيفان جوردن”، رئيس تحرير المحطة الإذاعية الفرنسية “فرنس أنترن” أنه حاول أن ينجو من “الوباء الإعلامي” المذكور، فاقترح بثّ برنامج إخباري قصير بعنوان: “أخبار العالم باختصار بعيدًا عن كوفيد”، لقد نبع هذا المقترح من قناعته بأن المحطة الإذاعية التابعة للقطاع العام يجب أن تؤدي خدمة عمومية يستفيد منها الجميع، لكن لم يستطع هذا البرنامج الصمود أمام “الإنزال الإعلامي” المتضمن الأخبار عن فيروس الكورونا المستجد، حيث تراوح عدد متابعيه في الموقع الإلكتروني للقناة ما بين (10 – 20) ألف متابع، قد يقول البعض : إن هذا العدد مقبول جدًّا، لكنه متواضع إن قارناه بمليوني متصفح لبعض المواد الإعلامية التي نشرت في الموقع ذاته، أو بمشاهدي التلفزيون الذين بلغ عددهم عشرين مليون متابع للأخبار في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية التي استأثرت بالحديث عن الجائحة المذكورة.

ما وراء التخمة

يتساءل الفيلسوف الفرنسي (آلان كونت سبونفيل Alain Conte Sponville) عن عائد هذه التخمة الإعلامية إن علمنا أن القنوات التلفزيونية التي استحوذت على أكبر عدد من جمهور وسائل الإعلام قدمت الأخبار المتواترة عن عدد المصابين بالعدوى وضحاياها على الصعيد المحلي وفي العالم، واتجهت إلى بثِّ القصص الإخبارية ذات البـُعد الإنساني من خلال إجراء مجموعة من المقابلات التلفزيونية مع بعض المصابين بهذه الجائحة أو الذين تعافوا منها أو الذين فقدوا عزيزًا بسببها؟ ويؤكد بأن الإطناب في ذكر الإحصائيات أو بثـّها يجعلها فاقدة القيمة ما لم تطرح في سياقها ولا تقدم بنوع من النسبية، فلماذا لا نقارن بين عدد الفرنسيين الذين قضوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والمعدل الشهري للفرنسيين الذين غادروا عالم الأحياء نتيجة حوادث المرور أو بسبب الأمراض المزمنة؟  أو عدد ضحايا (كوفيد 19) مقارنة بعدد ضحايا (الأنفلونزا الإسبانية) التي أودت بحياة (50) مليون شخص أو ضحايا مرض (فقدان المناعة المكتسب) أو حتى (9) ملايين شخص الذين تحصد أرواحهم المجاعة سنويًّا منهم ثلاثة ملايين طفل!

إن إعلام الجمهور عن طريق هذه الإحصائيات المفصولة عن سياقها والمشحونة بالقصص ذات البـُعد الإنساني والدرامي رفع درجة القلق والخوف الذي يدفع إلى البحث عن مزيد من المعلومات والأخبار عن هذه الجائحة، لقد أصبح للخوف مفعول كرة الثلج وسط الجمهور يزداد عدده بتدحرجها.

إن أكبر “مكسب” حققته وسائل الإعلام المختلفة من جائحة كورونا هو استعادة ثقة جمهورها في بلدان الديموقراطيات، الثقة التي تآكلت تدريجيًّا منذ ما أصبح يُعرف بحادثة “تميشورا” في نهاية عام 1989م، لقد استغلت وسائل الإعلام الكبرى، خاصة القنوات التلفزيونية التي شرعت في البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، المظاهرات المعادية لنظام (تشاوتشيسكو) برومانيا، وأخرجت جثث الذين وافتهم المنية من مستشفى بوخارست وأظهرتهم كأنهم ضحايا رصاص المخابرات الرومانية، فشحنت حركة الاحتجاج والسخط على نظام (تشاوتشيسكو) التي لم تنته إلا بشنقه هو وزوجته، ونقلت هذا الحدث مباشرة عبر الأقمار الصناعية.

وبانكشاف هذه الحيلة أو الخديعة سحبت نسبة كبيرة من الجمهور ثقتها في وسائل الإعلام، وتراجعت هذه الثقة – أيضًا – بعد أحداث برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001م، حيث ازداد شك قطاع واسع من الجمهور فيما قدمته وسائل الإعلام من معلومات عنها، إذ كان يعتقد أنها كانت تخفي الكثير من المعلومات عن هذا الحدث المأساوي، ويرجح البعض أن ميلاد مفهوم صحافة المواطن ولد من رحم هذا الشك.

مـَن المستفيد؟

يعتقد البعض أن المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي هي أكبر مستفيد من هذه الجائحة، نظرًا للسيل الهائل من الأخبار المتدفقة فيها، وارتفاع عدد متابعيها، لكن ما يلاحظ أنها شكلت مشتلاً للأخبار المزيفة، ففي البداية كان رواد هذه المواقع ينشرون الأخبار غير الدقيقة عن مصدر هذه الجائحة، وطرق انتشارها، وكيفية الوقاية منها نظرًا لجدّتها، ولقلة المعلومات الطبية عنها الموثوق في صحتها أو لتضاربها، لكن هذا السبب المنفرد لا يفسر كثرة انتشار الأخبار الملفقة وسرعة انتشارها، لقد شكلت الصحة مثار جدل كبير، وساحة للنزاع، فمعارضة اللقاحات في العديد من بلدان العالم لازالت مستمرة منذ سنوات، والحديث عن الطب يشوبه القلق والخوف دائمًا، هذا إضافة إلى أن مختلف الجمعيات المعارضة أصبحت تتحكم في تقنيات الاتصال وأسراره، خاصة وأن العدة الرقمية أصبحت في متناول الجميع، ليس هذا فحسب، بل إن الشركات الكبرى المصنعة للأدوية وتسويقها انساقت عبر هذه المنصات والمواقع في صراع تجاري مغلف بالحديث الطبي عن ظهور أجيال جديدة من هذه الجائحة وفاعلية الأدوية لعلاجها، ومدى قدرة بعض الشرائح الاجتماعية على مقاومتها، مثل الأطفال والنساء، والزعم بمناعة أبناء القارة الإفريقية من ذوي البشرة الداكنة ضد هذه الجائحة.  

أمام وفرة الأخبار عن هذه الجائحة وسرعة انتشارها، اتجهت وسائل الإعلام إلى نقلها من مصادرها الموثقة عبر البيانات والمؤتمرات والمقابلات الصحفية وطورت قدرتها على التحري في صحتها.

تحوّل

لقد أعطت هذه الجائحة دفعة قوية لما أصبح يعرف بـ (الترنسميديا Transmedia) أي المادة الإعلامية التي تتجاوز الوسيلة الإعلامية الواحدة، بمعنى أنها تنشر وتعرض أو تُبثُّ عبر أكثر من وسيلة إعلامية، هذا ما بينه موقع صحيفة “لوموند” الفرنسية التي نشرت الكثير من المواد ذاتها عبر نشراتها الإخبارية التي ترسل إلى المشتركين على الساعة السابعة صباحًا، وفي الموقع الإلكتروني وفي الصحيفة الورقية.

وفرضت صحيفة “لوموند” الفرنسية أسلوب التغطية المباشرة والمتواصلة لجائحة (كوفيد 19) على مدار (24) ساعة لمدة (84) يومًا، وأنشأت صفحة خاصة لتساؤلات القراء عن كل ما يتعلق بهذه الجائحة في موقعها الإلكتروني، إذ يذكر أن صحافييها أجابوا على ما بين ألفين وثلاثة آلاف سؤال يوميًّا، وكلفهم البحث عنها ساعات طوال في فحص آلاف الصفحات والمواقع المتخصصة، وهكذا تحول الخبر الصحفي إلى حوار مع القراء.

لقد زعزعت جائحة (كوفيد 19) الاعتقاد الراسخ بهيمنة العولمة الإعلامية التي محت الحدود المحلية للإعلام، وعززت ما يعرف بــ”القرب الجغرافي” و”الوجداني”، على الرغم من أن هذه الجائحة ظهرت في الصين في آخر شهر من السنة الماضية إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تهتم بها إلا في 24 فبراير 2020م، وهو تاريخ سقوط أول ضحية أمريكية من ضحايا هذه الجائحة.

لقد تجاهلت وسائل الإعلام الفرنسية موت سائح صيني في فرنسا بسبب هذه الجائحة يوم 14 فبراير الماضي، ولم تهتم بها إلا بعد (12) يومًا من هذا التاريخ، أي بسقوط أول ضحاياها من الفرنسيين وبعد بداية انتشارها في إيطاليا الدولة المجاورة.

وكالعادة لم تنج الأخبار عن هذه الجائحة من التأطير المحلي الذي سيّس الموضوع الطبي، لقد استغلتها وسائل الإعلام الأمريكية لتأجيج الصراع الدائر بين الجمهوريين والديموقراطيين عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ووظفتها الأحزاب الفرنسية لتعزيز برامجها السياسية، فحزب اليمين المتطرف الفرنسي، على سبيل المثال؛ لم ير أي علاقة بين تزايد عدد الذين لقوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والسياسة الليبرالية الجديدة التي دعت إلى تقليص الميزانية المخصصة للرعاية الصحية التي تُعدُّ من صلب المسؤولية الاجتماعية للدولة.  

أعاد صياغة البرنامج بما يتوافق مع ظروف جائحة كورونا جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج يعقد “عن بـُعد” الاجتماع الثالث لمسؤولي التدريب الإعلامي

بدعوة من جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج وتنظيمه، عقد مسؤولي التدريب في الجهات الإعلامية الرسمية في دول مجلس التعاون اجتماعهم الثالث، وذلك عبر الاتصال المرئي الذي تمَّ بتاريخ 23 يونيو 2020م، وشارك في الاجتماع، إلى جانب ممثلي الدول الأعضاء، الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك.

تمَّ خلال الاجتماع استعراض ما نـُفذ من برامج التدريب الإعلامي المعتمدة للعام 2020م، وهي: دورة “تحرير الأخبار” التي عُقدت في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 12 ‒ 16 يناير 2020م، ودورة “فن إعداد النصِّ الإذاعي والتلفزيوني والمسرحي” والتي أقيمت في دولة الكويت خلال الفترة من 2 ‒ 6 فبراير 2020م، إضافة إلى دورتين تدريبيتين تمَّ تنظيمهما عبر تقنية الاتصال المرئي خلال جائحة كورونا، وكانتا بعنوان: “إدارة الأزمات إعلاميـًّا”، حيث نُفذت الأولى بتاريخ (5) مايو 2020م لمسؤولي الأخبار في إذاعات الهيئات الأعضاء، والثانية بتاريخ (13) مايو 2020م لمسؤولي الأخبار بتلفزيونات الهيئات الأعضاء.

كما بحث الاجتماع تنفيذ خطة التدريب المساندة عبر الاتصال المرئي، والتي تشتمل على خمس دورات تدريبية، من بينها دورتان اثنتان من الدورات المقرّة سابقًا، وثلاث دورات جديدة أُضيفت لبرنامج التدريب عن بُعد.

وناقش المجتمعون خطة الدورات التدريبية المعتمدة التي لم يتمكن الجهاز من تنفيذها بسبب ظروف الجائحة، ولا يمكن إقامتها عبر تقنية الاتصال المرئي، واتفقوا على عقد اجتماع قريب لبحث إمكانية تنفيذها خلال الربع الأخير من العام الحالي 2020م، أو تأجيلها وإلحاقها بخطة التدريب للعام القادم (2020/2021م).