برامج “التوك شو”: عندما يتحول الحوار التلفزيوني إلى (فُرْجَةُ)

لعل الكثير لاحظوا بمتعة، وربما باندهاش، تزايد عدد برامج الحديث الاستعراضي (Talk Show) في القنوات التلفزيونية العربيّة والأجنبيّة، والتي شكلت أرضية إضافية للتنافس المحتدم فيما بينها، لكن القليل منهم يتساءل عن السبب الذي أدى بالحديث (Interview) أو “المقابلة التلفزيونية”، التي تعتبر نوعًا من الأنواع الصحفية التقليدية، مثل الخبر أو التقرير الصحفي، لتصبح برنامجًا تلفزيونيًّا قائمًا بذاته يغري المشاهدين والمعلنين معًا، أو يحاول التفكير فيما ينجرّ عن تزايد هذه  البرامج على الصناعة الإعلامية، وما يترتب عنها في مجال السياسة والثقافة والفن.

في تعريف “الحديث الاستعراضي”

يعرف الحديث الاستعراضي ” توك شو” بأنه برنامج إذاعي أو تلفزيوني يتراوح بين الخفّة والجدّة، ويتناول شتى المواضيع ذات الصلة بقضايا المجتمع ويتسم بطابعه الترفيهي، وبقدرته على تحقيق الفرجة عبر الحوار والمناقشة التي تجمع “مذيع/صحافي” وضيف أو مجموعة من الضيوف من المشاهير أو صانعي الأحداث السّياسيّة أو الثقافيّة أو الفنيّة أو الرياضيّة وغيرها، يتداولون الآراء والمعلومات والتجارب والخبرات والمشاعر والأحاسيس.

يعتقد الكاتب ميسون وين (Munson Wayne)، صاحب كتاب “الكل يتكلم: الحديث الاستعراضي في ثقافة الميديا”، الذي صدر باللّغة الإنجليزيّة عام 1993م، أن برنامج “التوك شو” أصبح نوعًا ثقافيًّا يشكل إنتاجه مصدرًا حيويًّا لاقتصاديات التلفزيون ويسهم في بناء الخطاب العمومي، وتشكيل المعرفة لدى قطاع واسع من المشاهدين.

يثير “التوك شو” الكثير من السجال، وحتىّ النزاع ليس بسبب مواضيعه غير المألوفة وحتّى الجريئة فحسب، ولا للخطاب الذي ينتجه والذي يتسم بالجرأة وحتى الطيش أحيانًا فقط، بل لكونه أصبح ظاهرة إعلامية مؤثرة، يقترح شكلاً من الترفيه الذي يثير خلافًا سياسيًّا وأخلاقيًّا، مثلما أشارت إليه الباحثة “كورنيليا إيلي” (Cornelia Ilie) من جامعة “مالمو” (Malmö) بالسويد، إذ تعتقد أن هذا النوع من البرامج يحمل في طياته مجموعة من المفارقات إن لم تكن تناقضات، إذ يجمع بين ما هو خاص وما هو عام، وما هو مؤسساتي وما هو شعبي، وبين التجربة الشخصية والعامة، وبين خبرة الراسخين في العلم وتجربة العامة من الناس، وبين الاتصال الشخصي الشِّفَاهِيِّ  والاتصال الجماهيري.

تاريخ “التوك شو”

ترجح بعض المصادر أن تاريخ “توك شو” يعود إلى بداية البثّ التلفزيوني في نهاية أربعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكيّة، على الرغم من أن جهاز التلفزيون لم يكن آنذاك منتشرًا بشكل واسع، وقد استثمرت الشبكات التلفزيونيّة الكبرى الأمريكيّة: “أي بي سي” (ABC)، و”سي بي أس” (CBS)، و”أن بي سي” (NBC) في هذه البرامج إذ بلغ عددها نصف عدد البرامج التي كانت تبثـّها في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ولعل التاريخ يحتفظ باسمين ساهما في ترسيخ هذا البرنامج و تطويره، الأول هو الصحافي ومنتج الأفلام الأمريكي “فيل دوناهو” لأنه أول مـَن تبنى هذا النوع التلفزيوني الذي كان يسمى آنذاك “برنامج النقاش مع الجمهور” أو “برنامج النقاش في الاستوديو”، والثاني هي “أوبرا ونفري” (Oprah Winfrey) التي تربعت على عرش هذا البرنامج منذ عام 1984م.

انطلقت برامج الحديث الاستعراضي في التلفزيون من الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى بلدان أمريكا الجنوبية وكندا وأوروبا والبلدان العربيّة، وعلى الرغم من القالب العام الذي يجمع هذه البرامج  وخضوعها للمنطق الاقتصادي إلا أنها تلوّنت بالمزاج الوطني الذي يطبع كل بلد، وبتقاليده الثقافيّة، ففي فرنسا على سبيل المثال؛ اتسمت برامج الحديث الاستعراضي بنزعتها اللسانية والأدبيّة على الرغم من محتواها الترفيهي، بينما اتجهت في إيطاليا إلى أسلوب البهرجة والسخرية، وبالإضافة إلى انشغالها بالقضايا السّياسيّة الراهنة، بخاصة في أثناء الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة، ركزت هذه البرامج في الولايات المتحدة الأمريكية على المواضيع الاجتماعية، وعلى متاعب الحياة اليومية لقطاع واسع من المواطنين الأمريكيين وعلى حقوقهم المدنيّة، وأبرز مثال على ذلك برنامج “أوبرا ونفري”، والتي تقول عنها الكاتبة المصرية وخبيرة التخطيط وإدارة البرامج الثقافية للأشخاص ذوي الهمم “رشا إرنست”: “إنها استطاعت خلال (25) سنة من العطاء أن تمنح الفرصة لمشاهدي برنامجها للإبحار معها داخل ذواتهم ليكتشفوا مـَن هم، وليعترف كل واحد منهم بما في داخله ببساطة الأطفال ونضوج البالغين”.

لقد ظلـَّت “أوبرا ونفري” طيلة (4561) حلقة من برنامجها مثابرة على تحرير ضيوفها من خوفهم ومن شعورهم بالدونية وإحساسهم بالعار جراء الاعتراف بأخطائهم، وقد حوّلت برنامجها إلى ورشة يشارك فيها المشاهدون لتقويم السلوك وتعزيز التضامن الاجتماعي وإحياء النزعة الإنسانية التي سحقتها عقلانية السوق الفظـّة وجنوح السياسة الهوجاء.

السؤال

لماذا تحوّل الحديث التلفزيوني إلى برنامج قائم بذاته مُتَبَّلاً بالاستعراض والتسلية؟!

للإجابة عن هذا السؤال يمكن الإشارة إلى وجود جملة من الأسباب الاقتصاديّة والتقنيّة والثقافيّة، وهي ذاتها تقريبًا التي دفعت بالأغنية لتتحول إلى “فيديو كليب”، ففي ستينيات القرن الماضي كان التلفزيون يبث الأغاني بنوع من البساطة والتلقائية تضاهي تلقائية أداء المطربين آنذاك، وبدءًا من الثمانينيات أصبح العرض التلفزيوني للأغنية يتطلب مُنْتِجا تلفزيونيًّا أو سينمائيًّا، وفريقًا تقنيًّا متكاملاً يسهر على إنتاجه، يقوده مخرج تلفزيوني يستلهم عمله من سيناريو معد مسبقًا، فيُصور المغني ومـَن يرافقه في العرض من فنانين وممثلي الأداء في أماكن مختلفة، ويعزز بمؤثرات مرئية ذات إيقاع متسارع وسط ديكور مبهر، هذا فضلاً عن ابتلاعه ميزانية ضخمة.

لقد تبلور برنامج “التوك شو” في سياق ثقافي هيمن فيه الاستعراض على مختلف الأنشطة بدءًا بالرياضة وصولاً إلى السياسة، فعيون الكاميرا أصبحت هي الحاكم على السياسيين، بل إن تصويت الناخبين أصبح رهينة الصور التلفزيونية للمترشحين في الانتخابات النيابية والرئاسية، ولما يقدمونه من استعراض أمام كاميرات التلفزيون، فـ”تمشهدت” نشرات الأخبار هي الأخرى، أي تحولت إلى استعراض كبير، وتحوّل مذيعوها إلى نجوم ينافسون أبطال الأفلام والمسلسلات ولاعبي كرة القدم في الشهرة، وأصبح السرد التلفزيوني يُبنى دراميًّا من خلال إبراز الضحايا في النزاعات المسلحة، والفيضانات، والزلازل، والانفجارات، والحرائق، والأمراض الفتاكة مما يثير العاطفة والقلق.

خصائص

في ظل هذا السياق الثقافي، اكتسى برنامج “التوك شو” جملة من السمات، نذكر منها التركيز على الجمهور، فإن غاية هذا البرنامج هو بلوغ أكبر عدد من المشاهدين وإثارة تفاعلهم معه سواء كانوا داخل الاستوديو أو خارجه، وذلك بإبداء رضاهم على ما يدلي به هذا الضيف أو ذاك أو الاعتراض على ما يقوله، المهم ألا يظلّ هذا الجمهور محايدًا وساكنًا.

ويطبع كل مذيع برنامج “التوك شو” بطابعه الشخصي؛ نظرًا لكونه أضحى شخصية إعلامية مؤثرة، فهو الذي يحفز ضيوفه على الحديث، وهو الذي يتحكم في مجرى الحديث التلفزيوني ويوجهه، ويتبنى إستراتيجية “تسخين النقاش” سواء بالاستفزاز أو التواطؤ لدفع الضيف إلى الاعتراف أو التخلي عن تحفظه أو بتتبيل حديثه بالنوادر والنكت، وقد يكتسب ضيوف بعض هذه البرامج صيتًا وتزداد شعبيتهم، إذ يذكر على سبيل المثال؛ برنامج “التوك شو” الأدبي “أبوستروف” (Apostrophe) الذي كان يعده ويقدمه الصحافي “برنارد بيفو” (Bernard Pivot)، في التلفزيون الفرنسي – القناة الوطنية – الذي دفع به ليصبح علامة بارزة في الحياة الأدبيّة الفرنسيّة ومحفز دور النشر.

لقد خطب كثير من الكتّاب والروائيين وده ليحلّوا ضيوفًا على برنامجه، لأن ظهورهم التلفزيوني بجانبه يعني ضمان ارتفاع مبيعات كتبهم، وقد سبق لرئيسي فرنسا الراحلين: “فرنسوا ميتران وجيسكار ديستان” أن شاركا في هذا البرنامج من أجل كسب شرعية أدبيّة ونقديّة والظهور أمام الفرنسيين كمثقفين وليس سياسيين وحكام فقط.

يقوم هذا البرنامج على الاعتراف أو المواجهة التي تتحقّق بفضل طبيعة المواضيع الخلافية المختارة أو الشخصيات التي يستضيفها والتي تكون مثار جدل أو في اختيار جمهور الاستوديو الذي تمنح له فرصة التدخل والتعليق على ما يصرح به الضيوف وحتى التصويت على أدائهم أو منحهم علامة على ذلك.

وفي العموم، يفضل السياسيون المشاركة في برامج ” التوك شو” بجانب الفنانين والرياضيين والكتّاب للترويج لكتبهم التي تروي سيرتهم الذاتية أو لتقديم شهادتهم أو خبرتهم في إدارة الشأن العام، مثلما يجري في برنامج “لم ننم بعد” الذي كان يقدمه المذيع “لوران روكي” (Laurent Ruquier)، ويبثّ لمدة تزيد على ثلاث ساعات في التلفزيون الفرنسي في ساعة متأخرة من الليل في نهاية الأسبوع، فضلاً عن السعي لتجديد الثقة فيهم من خلال البروز كأشخاص عاديين وإنسانيين مثل بقية الضيوف: يمزحون ويلقون النكات، ويتأثرون، ويمكن أن يتحدثوا بصدق.

وإن كانت برامج “توك شو” أنزلت الخطاب التلفزيوني إلى الشارع، فقد دفعته للانزياح إلى “الشعبوية” بهدف الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين لرفع نصيب القناة التلفزيونيّة التي تبثّه من عائدات الإعلان، وفي هذه النزعة تتجلى خاصية خطاب هذا النوع من البرامج، حيث يقول عنه الكاتب “باتريك إمي” في كتابه المعنون بـ “كلمة التلفزيون وعُدّة التوك شو”: “إن سجل خطاب هذا البرنامج يفضل “إيتوس” éthos)) الضيوف؛ أي أسلوبهم لجذب المشاهدين وتماهيهم معهم “والباتوس” (pathos)، أي قدرة الضيف على إثارة عاطفة المتلقّي وإلهاب مشاعره، على حساب “اللوغوس” (logos)، أي عقل الضيوف وبلاغتهم وحججهم”.

وكان هذا الخطاب مؤسسًا لفلسفة التداخل بين الإعلام والترفيه، ولتجسيد هذه الفلسفة لجأت بعض برامج “التوك شو” إلى المزج بين أشكال التعبير: الشهادات، الجدل، سرد النكت والحكايات المشوقة، الألعاب، الشرائط السمعية، مقتطفات مصورة من أفلام أو مسرحيات، قراءة مقاطع من نصوص وغيرها مما يجعل “التوك شو” برنامجًا هجينًا.

لا يحتاج إنجاز برنامج “التوك شو” إلى ميزانية ضخمة، إذ تكلف الحلقة الواحدة التي تبثّ في القنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة حوالي مائة ألف دولار أمريكي، وهذا خلافًا للمسلسل الدرامي الذي تكلف إحدى حلقاته مليون دولار أمريكي! وبالمقابل قد يجني “التوك شو”، الذي يبث قُبَيل زمن ذروة البثِّ أو في السهرة، مبالغ مالية عالية من عائدات الإعلان تفوق ما تجنيه المسلسلات التلفزيونيّة.

نعتقد أنه آن الأوان ليهتم البحث العلمي بتداعيات “التوك شو” على “تعليب” الثقافة وتسلية السياسة.

أخيرًا؛ هل يمكن القول عن برنامج “التوك شو” إنه الأداة التي تجسد ما قاله الروائي والفيلسوف الإيطالي “أنبرتو إيكو” عن التلفزيون: “إنه يُبَلِّد المثقفين، ويثقف الذين يعيشون حياة بليدة”؟.

المحتوى متعدد الحواس

قبل عدة سنوات وخلال زيارة العاصمة الهولندية أمستردام كانت ليّ أول تجربة مشاهدة محتوى متعدد الحواس يعتمد على أكثر من حاستي السمع والبصر، حيث كانت التجربة في متحف “هذه هولندا”.

كانت التجربة تتلخص في شرح تاريخ هولندا من خلال غرفة سينمائية محدودة الحجم في المتحف، بحيث يطلب من كل زائر (مشاهد) ربط حزام الأمان المخصص له في المقعد، ومن ثم تتقدم مقاعد المشاهدين مسافة أمتار محدودة قبل بدء الفيلم، والمقاعد عبارة عن صف واحد مشترك لحدود (10) أشخاص، ثم يبدأ الفيلم بشرح تاريخ هولندا، ومع كل مشهد من مشاهد الفيلم تكون المؤثرات حسب الموقف، فعند زيارة حقول الورد كانت رائحة الورد تفوح طبقـًا للمشهد وتختفي بعد انتهاء المشهد، وعندما يتخلل المشهد زيارة لمزارع تفوح رائحة شبيه بالمحتوى، بينما يتساقط الرذاذ عند مشاهدة محتوى  الأمطار، أما عندما كان الحديث عن الناقل الوطني في الجو فكانت نفحات الهواء على الحضور، وخلال مختلف المشاهد كان الحضور يتأرجحون في الهواء الطلق وفي مختلف الاتجاهات صعودًا وهبوطًا وفي مختلف الاتجاهات بحسب المحتوى المشاهد عبر الشاشة السينمائية نصف الدائرية.

كانت التجربة جميلة ومختلفة، فمن ناحية كانت مسلية وممتعة ومن ناحية أخرى وأهم بقيت القصة عالقة في الذاكرة لا لشيء أكثر من أنها رويت بشكل مختلف، وتمـَّت إضافة مؤثرات مختلفة تعزز من الحضور الذهني في القصة، ولم تستند على الطريقة الكلاسيكية في إنتاج المحتوى والمتمثل في التركيز على حاستي السمع والبصر.

خلال العقود الماضية أرتكز المحتوى الإعلامي على حاستين فقط، وهما السمع والبصر، ويعود ذلك إلى أن تفعيل الحاستين في المحتوى أسهل من توظيف الحواس الثلاث المتبقية، وهي اللمس والشم والتذوق، وهو ما يفسر كذلك تطور التقنيات المرتبطة بالنظر كالشاشات بشكل أكبر من التطور الذي يحدث في حاسة السمع وبقية الحواس.

اليوم يواجه الإعلام وصناعة المحتوى ثلاثة تحديات إستراتيجية، يتمثل الأول في حجم المحتوى الذي يتم صناعته يوميًّا ومشاركته عبر مختلف منصات العرض بما في ذلك المنصات الرقمية، بينما يتمثل التحدي الثاني في إمكانية جذب اهتمام المشاهد أو الجمهور المستهدف للمحتوى، وأما التحدي الأخير فهو مواكبة لغة صناعة المحتوى من حيث التطورات التقنية وإمكانية توظيفها في المحتوى، وهذه التحديات تقود إلى تساؤل مهم يتمثل في كيف يمكن تطوير صناعة المحتوى مع الأخذ في الاعتبار التطورات التقنية ومسارات تفاعل واندماج المشاهد مع المحتوى؟

تهدف أهمية توظيف الحواس في المحتوى إلى تطوير طريقة عرض القصة، ونقل المشاهد من مرحلة مشاهدة المحتوى إلى الإحساس به، أو بلغة أخرى أن يصل المشاهد إلى مرحلة يشعر فيها أنه جزء من القصة، وبذلك يقل تأثير العنصر الوسيط في نقل الرسالة وزيادة استيعاب المشاهد للمحتوى ورفع تأثير المحتوى، والأهم من كل ذلك إيصال الرسالة الإعلامية للجمهور المستهدف، ويمكن مشاهدة هذه التحولات في مجالين رئيسين:

المجال الأول: تطوير طريقة عرض الأفلام السينمائية

ظهرت تقنيات في الآونة الأخيرة تتيح توظيف الحواس الخمس في المحتوى، ويتمثل ذلك في توظيف حاسة اللمس من خلال تحريك المقعد، وإضافة حاسة الشم وبقية المؤثرات مثل الأمطار والرياح والثلج وغيرها، ليتسنى للمشاهد استيعاب القصة بشكل أفضل، وتشق هذه التقنية طريقها عالميًّا، حيث تتوافر اليوم في أكثر من (65) دولة حول العالم، وبات بعض الأفلام السينمائية العالمية متوافرة بذات التقنية، وتمكن الملايين حول العالم من مشاهدة المحتوى بهذه الطريقة الجديدة، مما يفتح نوافذ جديدة، ويضمن استمرار دور السينما في تقديم رسالتها مع التطورات الإعلامية التقنية الأخرى والتي باتت منافسة للسينما في مجال إنتاج وعرض المحتوى.

المجال الثاني: التطور الضخم الذي حصل في تقنيات الإعلام الغامر وبخاصة تقنية الواقع الافتراضي

باتت طرق توظيف بعض الحواس الخمس أو جميعها في المحتوى واردة جدًّا وبإمكانات متاحة للأفراد، حيث تتوافر تقنيًّا منتجات لتوظيف حاسة أو أكثر في المحتوى مثل توظيف حاسة اللمس في المحتوى، ويمكن تنفيذها من خلال مقعد بخاصية الاهتزاز أو ارتداء ملابس متخصصة ترتبط بنظارة الواقع الافتراضي، أما تفعيل حاسة الشمِّ فيمكن أن تتمَّ من خلال منتجات لتعزيز حاسة الشم ترتبط كذلك بنظارة الواقع الافتراضي، إضافة إلى توافر كثير من التقنيات التي تمكن من مشاهدة المحتوى بتوظيف الحواس الخمس، مثل غرف صغيرة يمكن للمشاهد من خلال تواجده فيها من الإحساس بمختلف المؤثرات، مثل الشم واللمس والحرارة وغيرها من المؤثرات التي تنقل المشاهد لمراحل جديدة في استيعاب المحتوى والتفاعل معه.

اما على مستوى تفعيل الحواس في الواقع الافتراضي، فسبق تجربة مشاهدة محتوى تمَّ خلاله تفعيل أربع حواس في المحتوى، بالإضافة إلى السمع والبصر إذ تمَّ تفعيل حاسة الشم واللمس، حيث كانت الأفلام متنوعة وبمجرد الاطلاع على مشهد محدد يتم تفعيل إما حاسة اللمس أو الشمّ في المحتوى مثل الحرارة للتوعية بحرائق الغابات والروائح العطرية عند مشاهدة محتوى ذي علاقة بالغابات ورائحة عوادم السيارات خلال مشهد للسير في المدينة وغيرها من المؤثرات، وكانت النتائج مذهلة من حيث حجم التأثير والإحساس بمستوى عالٍ من التفاعل، وهو ما يفتح مسارات جديدة للتفاعل مع المحتوى بالشكل الذي سيطور من طريقة عرض المحتوى وإبراز القصة بشكل مختلف وليكون المشاهد أو المستخدم جزء منها، والسؤال الأهم كيف يمكن توظيف الحواس في المحتوى؟

توظيف الحواس الثلاث المتبقية يمكن أن يتم بناءً على أهمية الحاسة في المحتوى، ويكون ذلك من خلال استيعاب كيف تعمل الحواس وطريقة تفاعلها مع البيئة الخارجية وطرق تحليلها للمعلومات وإرسالها للدماغ البشري، فعلى سبيل المثال؛ تعد حاسة الشم أسرع تأثيرًا وترتبط بشكل كبير بالذاكرة، بينما تكمن أهمية تفعيل حاسة اللمس في الرفع من درجة شعور المشاهد بحسب المحتوى، مع الأخذ في الاعتبار مراعاة المدة الزمنية بين تفعيل ذات الحاسة لتحقيق تأثير عالٍ خلال تفعيلها في المحتوى، ويبقى التحدي الأكبر كيف يمكن كتابة القصة في ظلِّ تفعيل جزء من الحواس الثلاث المتبقية أو جميعها؟

الحقيقة أن لغة كتابة المحتوى بتفعيل الحواس الثلاث المتبقية لا زالت غير متوافرة علميًّا، لكن تتم تجربتها عمليًّا بشكل مستمر.

الخلاصة:

تعزيز تفاعل المشاهد مع المحتوى يُعدُّ نقطة تحول مهمة في صناعة المحتوى والتي بدورها ستنقل المشاهد لمراحل جديدة من الإحساس والتفاعل مع المحتوى وهو ما يتطلب الاستعداد للمرحلة القادمة من خلال تطوير الأدوات الإعلامية وإعادة تقييم طرق كتابة المحتوى، والاستفادة من التجارب الناجحة في توظيف الحواس في المحتوى في قطاعات أخرى، مثل التسويق والألعاب لفتح آفاق جديدة بالشكل الذي يعزز من وصول الرسالة الإعلامية للشرائح المستهدفة، مع الأخذ في الاعتبار لغة العصر والتحولات الحديثة في صناعة المحتوى.

ربحية وسائل الإعلام.. معادلة دخل الإعلان وأمن الأوطان!

يخطئ مـَن يقيس ربح وسائل الإعلام بحجم إيرادات الدخل الإعلاني الذي تحققه؛ فهذا البـُعد، الذي ينحصر في تطلعات الوسائل، لا يعدو أن يكون في حقيقة أمره سوى هدف هامشي أمام مطلب أعمق وأشمل يرتبط بكينونة دول الوسائل وتعول عليه من دون استثناء، بوصف الإعلام أحد معززات استقرارها ونمائها وازدهارها التي قد لا تستتب عندما يضعف: إخبارًا وتعريفـًا، ورقابة، وتصحيحـًا لمغالطات أو إشاعات كيدية تربك الجهود وتحبط المعنويات، وتقوض الآمال والطموحات.

من هذا المنطلق، فإن الخط الفاصل في تقسيم المتخصصين لوسائل الإعلام، من حيث ملكيتها، إلى نوعين: حكومي وخاص، يتحول في هذا السياق إلى خط وهمي خاصة في أثناء الأزمات وفي إطار التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات.

صحيح أن هناك اختلافـًا في سمات كل نوع؛ حيث تغلب على طابع الإعلام الحكومي الرسمية، ويمثل في كثير من أشكاله سياسات الدول وشخصيتها، بل إنه يتسم بخضوعه التـّام لتحكّمها مباشرة أو عبر وسيط يتناغم في تشغيله لها مع تلك السياسات، في حين إن الإعلام الخاص يبدو – عيانـًا – لجمهوره بأنه متفرد تمامـًا في إدارته، ومنعتق من القيود التي تطوق النوع الأول، كما أنه – على الرغم من وجود خيوط خفية وعلاقات وثيقة بين قياداته وحكومات الدول التي تنتمي لها الوسائل – يحظى بمرونة أعلى تمكن من إخفاء الصلة، ليتمكن من خلال ممارسته المهنية التي يفضلها الجمهور ويثق في معلوماتها، وبفضل التوازن الأقرب للمهنية في تغطيته للأحداث، من الانسياب بسلاسة إلى عقول الناس، ومن القدرة على إقناعهم بدقة المضامين وموضوعية الطرح، وبخاصة فيما يتعلق بالأخبار، وبالتالي يستطيع تشكيل المواقف، والسيطرة على ما يسمى بالرأي العام، الذي يـُعدُّ قوة حاسمة في التماهي مع القرارات والتفاعل معها إيجابـًا أو سلبـًا.

إن قدرة بعض وسائل الإعلام المهارية في إخفاء انتماءاتها، عبر تجنبها للألوان الرسمية، هي السبب الرئيس في إبقاء فكرة الفوارق بين النوعين جلية ومقنعة، وظهور الحدود والحواجز، وبخاصة في الدول التي تحمل لواء حرية التعبير، وهو ما جعل الأهداف الإستراتيجية الموحدة بين النوعين ومقاصدهما الحقيقة غير بائنة، ولا تظهر إلى السطح إلا حينما يتعرض الأمن الوطني للتهديد، فيصبح توحد المواقف أمرًا حتميـًّا إما طوعـًا أو كرهـًا، ولا عذر حينها لمن يتأخر أو يتغيب عن الساحة، إذ تبرز الخطوط الحمراء بشكل تلقائي لا يمكن للحكومات أن تقبل بالاقتراب منها؛ بل إن الشعوب نفسها ترفض وقتها مبدأ الحيادية المهنية الإعلامية في هذا الأمر.

في هذا الجانب تحضر بقوة قصة تسريح قناة الـ(NBC) الأمريكية لمراسلها الأمريكي الشهير، النيوزلندي الأصل، “بيتر أرنيت” (Peter Arnett)، الحاصل على جائزة بوليتزر، التي تـُعدُّ أعلى جائزة عالمية في مجال الصحافة نظير تغطيته النوعية لحرب فيتنام بسبب نوعية تقاريره، وذلك حين وافق في عام 2003م على طلب التلفزيون العراقي بمقابلته، فعلى الرغم من دعم القناة لموقفه ابتداءً بحجة أنها كانت مجاملة مقبولة منه، إلا أنها غيرت موقفها بشكل مفاجئ، وتخلت عنه لأنه، كما قالت القناة، وفقـًا لما نشرته الجارديان البريطانية: “صرح للعراقيين في وقت حرب، وكان خطأً أن يعبر عن ملاحظاته وآرائه الشخصية حينها”.

هذه الخطوة، التي كانت ستُعدُّ تعسفيةً، ومخالفةً لحقوق الإنسان، لو أقدمت عليها وسيلة إعلامية تنتمي للدول النامية، لم تكن الأولى مع الصحفي نفسه، بل سبقها تصرف مماثل من محطة (CNN)، في إجراءين غريبين يُلقيان بظلال الشك القريب إلى الثبوت على دور الحكومة الأمريكية، وتحديدًا وزارة الدفاع، في إقصائه وتنصل القناتين منه.

فقد كان بيتر أرنيت مراسلاً للمحطة العالمية الإخبارية إبان حرب تحرير الكويت عام 1991م، ولتميزه في تغطية الحروب والصراعات، وحرصـًا منها على توحيد الرسالة التي تصدر من الوسائل الإعلامية عبر مصدر واحد لكافة القنوات ولملايين المشاهدين حول العالم ويكون تحت أنظارها، رأت الحكومة العراقية أن تطرد جميع الإعلاميين الأجانب والإبقاء على أرنيت فقط، الذي وجد في ذلك فرصة ذهبية ليكون المصدر الحصري لأخبار يتعطش إليها الجميع، فآثر أن يبقى النزيل الإعلامي الوحيد في فندق الرشيد في بغداد في يناير من عام 1991م، فحظي حينها بتسهيلات استثنائية من الجانب العراقي، حتى أنه مُنِح مفاجأة لم يتوقعها، حين نـُقل مكمم العينين إلى إحدى ضواحي العاصمة، ليجد نفسه في أحد المخابئ، وجهـًا لوجه مع الرئيس صدام حسين ليُجريَ مقابلة تاريخية تـُعدُّ من أهم المواد الإعلامية التي وثقت أحداث الحروب، وربما الحروب أجمع.

استمر أرنيت في موافاة العالم بتغطياته لآثار الضربات الموجهة للداخل العراقي، إلى أن جاءت القشة التي أججت غضب الحكومة الأمريكية؛ يوم كشف بالأدلة عن حقيقة ادعاء جيشها ضرب أحد مصانع الأسلحة الكيماوية، الذي برهن المراسل على أنه لم يعدو عن كونه مصنعـًا لبودرة حليب الأطفال، ولم تتسبب هذه المعلومة في ردّة فعل عنيفة من الجهات الرسمية فحسب؛ بل نال صاحبها انتقادات حادة من كافة الأطراف مؤسساتٍ وأفرادًا؛ بما في ذلك أشهر الصحف العالمية “نيويورك تايمز” التي وصفت تواجده في العراق بأنه “خدمة لبغداد أكثر من واشنطن”، وهذا التعبير الصريح بحدِّ ذاته يؤكد بقوة أن قيم “الموضوعية” و”الحيادية” المطلقة، حتى لدى أعتى الوسائل الإعلامية، حكومية أو خاصة، لا تَصدُق إلا لدى المنظرين.

مثل هذا الإجراء يكشف بجلاء عن خيوط العلاقة بين الحكومات ووسائل الإعلام، وهو ما يجعل الأولى تتدخل لصالح الأخيرة عندما تتعرض للتحديات التي قد تتسبب في إضعافها، بغض النظر عن طبيعة ملكيتها، فاستقلالية الوسائل ومؤسساتيتها لا يعني تخلي الحكومات عنها في حال الأزمات التي قد تعتريها، حتى لدى أكثر الدول مناداة ببقاء الوسائل سلطة رابعة، ذات وظيفة رقابية على كافة السلطات، ليس في أمريكا فحسب؛ بل حتى في القارة الأوروبية، ففي السنوات الأخيرة، لم تقف كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا – على سبيل المثال لا الحصر – مكتوفة الأيدي تجاه تهديد طوفان شركات الاتصال والمعلومات الرقمية العملاقة وأدواتها، لمكانة وسائل إعلامها المؤسساتية المحلية ومقوماتها، فكان أن تدخلت بقوة لمعالجة تراجع إيراداتها الإعلانية عبر فرض جملة من التشريعات الصارمة التي تلزم الشركات الكبرى، بخاصة قوقل والفيسبوك وتويتر، بدفع مقابل لوسائلها المحلية عن أية مواد إعلامية مستقاة منها، بوصفها المصدر الرئيس، كجزء من حقوقها الفكرية.  

ولم ينحصر هذ التدخل في تلك الدول، بل إن الاتحاد الأوروبي بأكمله اتخذ خطوات مماثله، كما أن بريطانيا هي الأخرى استشعرت خطورة الأضرار التي طالت وسائل إعلامها، وطالبت بشكل رسمي بالحفاظ على مكانة وسائل الإعلام، في خطوة من شأنها أن تمنع مسخ إعلامها الوطني العريق، وقدمت اعتراضها في صيغة دعوة لتدخل الحكومات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد صرح وزير الثقافة والخدمات الرقمية أوليفر داودن، بجملة تـُعدُّ مؤشرًا على أهمية إعادة النظر في الفوضى الراهنة بما يضبطها، حين قال: نحن ندخل عصرًا جديدًا يملي على الشركات الرقمية أهمية استشعارها لمسؤولياتها وضرورة الالتزام بها تجاه الأطفال ومستخدمي منصاتها، لإعادة الثقة في نشاط النشر الإعلامي.

هذه الدعوة لإعادة الثقة في نشاط النشر الإعلامي هو ليس فقط مجرد الانتصار للوسائل المحلية لتواصل وظيفتها المعتادة، وإنما لأهمية أدوارها الرصينة للدول والحكومات، فلم يكن لدول أوروبا أن تسمح لأحد أن يتعرض بالتعطيل لمكائنها الإعلامية ذات الدور السيادي المهم، وما من شك في أن هذا التصدي لأي تهديد خارجي لأذرعها الإعلامية سيقابله تصدي مواز لأي تهديد داخلي، مهما كان نوعه، بما في ذلك الضعف الذي قد يعتري أساليب أداء الإدارة العليا وكوادرها البشرية والفنية، في حال عجزت عن مواكبة التطور المذهل في تقنيات الاتصال، فالأخذ بيدها في الحالات التي تنتكس فيها أوضاعها، هو في واقع الأمر جزء من الحفاظ على الأمن الوطني نفسه.

هل يكون الذكاء الاصطناعي طوق النجاة للإعلام؟

الذكاء الاصطناعي هو بوصلة الحياة، وهو علامة التفوق والنمو والاقتصاد والريادة، وعلى مدى عقود تمَّ توظيفه في قطاعات متنوعة وكانت آثاره عظيمة في تحقيق وثبات نوعية على أصعدة مختلفة تشمل المبيعات والتوقعات المستقبلية والتعرف على الاهتمامات والشرائح المستهدفة، لكن ماذا عن الإعلام؟!

قبل الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام لا بد من الإشارة إلى أن من المتوقع أن تضيف التقنية للاقتصاد العالمي أكثر من (15,7) ترليون دولار بحلول عام 2030م، ما يشير إلى مساهمة التقنية واستخداماتها في المستقبل ودخولها في مختلف القطاعات.

إعلاميًّا استخدمت أغلب وسائل الإعلام العالمية تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات محدودة جدًّا للآن مثل تجربة وكالة “أسوشيتد برس” في إنتاج أكثر من ثلاثة آلاف مادة وبالمثل صحيفة “النيويورك تايمز”، والتي تستخدم التقنية في تعرّف شرائح القراء وتطلعاتهم ومن ثم إعداد محتوى بناء على ذلك، فضلاً عن وجود تطبيقات تتيح كتابة نص إبداعي بالكامل ككتابة نص فيلم ورواية وتقارير صحفية وغيرها من أنماط الكتابة الإبداعية من دون تدخل بشري.

 والحقيقة أن كل ما ذكر أعلاه لا يعدّ سوى جزء محدود جدًّا من أهمية التقنية وما يمكن أن تقدمه؛ لأنها قادرة على أن تكون في عمق عمليات إنتاج المحتوى وتسويقه وتقدير تطلعات الشرائح الحالية والمستقبلية، ولعل أحد أهم وأنجح تجارب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام تجربة منصة نتفليكس والتي سنتناولها في هذا المقال بالتفصيل لإبراز أهمية التقنية وكيف نجحت قيادة نتفليكس في توظيف التقنية لتحقيق نمو ضخم في عدد المشتركين من ستة ملايين وثلاثمائة ألف  مشترك في العام 2006م لحوالي (200) مليون مشترك في العام الحالي.

يـُعدُّ الذكاء الاصطناعي العامود الفقري لعمل نتفليكس وهو أحد أسباب تقدم ونمو المنصة وزيادة عدد مشتركيها باستمرار، فالمنصة متاحة في أكثر من (190) دولة حول العالم ولدى الشركة أكثر من (100) مليون منتج إعلامي من أفلام ومسلسلات وغيرها، فوجود هذا العدد الكبير من المشتركين بلغات مختلفة في أقطار مختلفة يجعل من إنتاج وإدارة المحتوى وتقديمه لكل شريحة من شرائح المشتركين بما يلائمهم تحديـًّا ضخمـًا جدًّا من الناحية المالية والإدارية والتقنية ولولا توظيف حلول الذكاء الاصطناعي لكان من الصعب إن لم يكن المستحيل النمو والتواجد حول العالم بأكثر من (20) لغة يشكل المحتوى باللغة الإنجليزية قرابة (55%) من إجمالي المحتوى فقط، وفي نفس الوقت تبلغ تكاليف إنتاج بعض الأعمال مئات الملايين فمسلسل (The Crown) على سبيل المثال بلغت تكلفة إنتاج الحلقة الواحدة (13) مليون دولار ومسلسل (House Of Cards)، وتبلغ تكلفة إنتاج الحلقة الواحدة (4) ملايين دولار ونجح في استقطاب أكثر من ثلاثة ملايين مشترك (مليوني مشترك من الولايات المتحدة ومليون مشترك من حول العالم)، كل ذلك يطرح تساؤل مهم وهو أن المنصة لا يمكن أن تغامر باستثمار مثل هذه التكاليف الضخمة في أعمال قد لا تحقق النجاح المطلوب فكيف نجحت المنصة في اتخاذ القرار في إنتاج مثل هذه الأعمال الضخمة والمحافظة على تواجدها العالمي؟

بلغت تكلفت إنتاج المحتوى بنيتفليكس أكثر من (6) مليار دولار سنويًّا وتوفر المنصة أكثر من مليار دولار سنويًّا باستخدام حلول الذكاء الاصطناعي وهو ما مكنها من تحقيق تفوق نوعي من خلال معرفة كل شريحة من شرائح المتابعين وتقديم محتوى يتناغم مع تطلعاتهم، ويمكن إيجاز استخدام المنصة للذكاء الاصطناعي في خمسة مسارات رئيسية على النحو التالي:

المسار الأول: الإنتاج

باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن لنتفليكس اختيار الممثل الأنسب للفيلم أوالمسلسل والمدينة والموقع الذي يتمُّ التصوير فيه والطقس والوقت الأنسب (ليلاً أو نهارًا) وأكثر من ذلك ليشمل تحديد الميزانية التقديرية للعمل وفريق العمل الأنسب ويمتد إلى ما بعد الإنتاج كاستخدام طريقة المونتاج الأفضل والمؤثرات كل ذلك يعطي تصورات واضحة عن العمل ومسارات الإنتاج بما يتوافق مع تطلعات المشتركين ويقلل من إمكانية إهدار موارد مالية في أعمال قد لا تناسب الجمهور.

المسار الثاني: الإعلان

تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد الوسائل الإعلانية الأنسب للترويج للمحتوى الإعلامي والشرائح المستهدفة ليضمن تواجد المحتوى أمام الشرائح المستهدفة بدلاً من الاعتماد على خبرات فريق التسويق والتي قد لا تتطور بنفس مقدار التغير في سلوك المشتركين، أو أنهم لا يمثلون مختلف شرائح المشاهدين فكريًّا.

المسار الثالث: الغلاف

ويتمثل في تحديد تصميم الغلاف الأنسب للفيلم، ويتم اختياره باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال تحليل آلاف اللقطات في الفيلم أو المسلسل للحصول على أنسب لقطة لتكون الغلاف ضمن قائمة الأفلام والمسلسلات وأهمية ذلك تكمن في أن الغلاف سواء للفيلم أو المسلسل يؤدي دورًا رئيسـًا في اختيار المشتركين لمشاهدة المحتوى بنسبة تزيد على (80%) وأن عملية بحث المستخدم عن الفيلم تستغرق قرابة دقيقتين، وبالتالي يعدُّ الغلاف أحد أهم أسباب مشاهدة المحتوى، فالاختيار الدقيق للغلاف ينتج عنه مئات الملايين من ساعات المشاهدة يوميًّا.  

المسار الرابع: قائمة التوصيات

بدأ العمل على حلول للتوصيات في العام 2006م عندما طرحت الشركة مسابقة بقيمة مليون دولار للأفراد والمجموعات لتطوير لوغارتميات تسهل على المنصة تحديد قائمة المنتجات والمسلسلات الأنسب وإضافة تصنيفات جديدة للأفلام، ونتج عن هذه اللوغارتميات توفير أكثر من مليار دولار سنويًّا وتطوير أكثر من (75) ألف تصنيف ووضع قائمة بالأفلام المناسبة للمشتركين من خلال تحليل نتائج المشاهدين الذين سبق أن شاهدوا نفس الفيلم مما يسهل على المستخدمين مشاهدة المحتوى الأنسب لهم، وكنتيجة لاستخدام التقنية فنسبة دقة التوصيات تصل لأكثر من (75%) وهي نسبة تُعدُّ عالية جدًّا وتسعى المنصة لرفع المعدل لضمان مناسبة التوصيات للمستخدمين وفي نفس الوقت فإن هذا ما يفسر أحد أسباب اختلاف نسخة المحتوى المقدم في كل منطقة في العالم، ومن أهم أهداف توظيف حلول الذكاء الاصطناعي في هذا المسار هو زيادة دقائق المشاهدة وزيادة عمليات البحث عن عناوين الأفلام والمسلسلات الأنسب وزيادة ولاء المشتركين للمنصة والمحتوى المقدم كل ذلك من خلال تحليل نوع المحتوى ووقت المشاهدة والجهاز المستخدم في المشاهدة وطريقة تفاعل الجمهور مع خلال تبني تصورات واضحة عن مدى مناسبة المحتوى للمشتركين، ولذلك من باب المبالغة يقال: إنهيوجد أكثر من (190) مليون نسخة من نتفليكس في إشارة إلى قدرات المنصة على تقديم توصيات مناسبة لكل مستخدم.

المسار الخامس: جودة الصورة

من خلال تحليل البيانات لجميع المناطق يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي معرفة الخوادم الأكثر استخدامًا وقت الذروة ليتم تحويل بعض المشتركين لخوادم بديلة مما يسهم في المحافظة على جودة الصورة والحصول على تجربة مشاهدة مميزة.

الخلاصة: تُعدُّ نتفليكس اليوم أكبر منصة مشاهدة محتوى في العالم ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تنجح نتفليكس في اكتساح أسواق جديدة وضمان توافر المحتوى المناسب لمختلف شرائح المتابعين من دون استثمارات ضخمة في حلول الذكاء الاصطناعي، وهذا ما يوضح كيف أن صناعة الأفلام في هوليود لم تتطور بشكل كبير خلال العقود الماضية بينما الوضع مختلف بالنسبة لنتفليكس، والسبب في ذلك أن نتفليكس تستثمر قرابة (10%) من إيراداتها في حلول الذكاء الاصطناعي والتي بدورها ترفع من جودة المحتوى المقدم ومناسبته لمختلف شرائح المشتركين، ولا تقف النتائج على ذكر أعلاه على الرغم من أهميته، بل يتعدى ذلك لقياس نسبة مشاهدة الأفلام وعدد الدقائق في كل محتوى ومعدل إتمام مشاهدة المحتوى ومعدل الرضى العام عن المحتوى وغيرها الكثير من المؤشرات التي تعطي تصورات واضحة لتقييم الإنتاج وفي نفس الوقت تمكن المنصة من تجاوز أكبر تحدي يواجهها والمتمثل في المحافظة على ملايين المشتركين شهريًّا من خلال تلبية احتياجاتهم من المحتوى واستقطاب الشرائح الجديدة وليس أقدر من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقدير وتنفيذ الأهداف لا سيما أن التقنيات متوافرة عبر خدمات أمازون للإنترنت، ما يعطي مساحة أكبر لنتفليكس في التركيز على تطوير وابتكار المنتجات، وتعزيز إنتاج محتوى يناسب المشتركين، كل ذلك يمثل طوق النجاة للإعلام مع انخفاض معدلات المشاهدة لضمان استمرار الصناعة في تقديم رسالتها.

إعلام الأزمات بين الحرية والمسؤولية

لا يزال السؤال قائمًا عن الدور الذي يتعين أن تؤديه وسائل الإعلام إبان الأزمات التي تمثل تحديًّا لوسائل الإعلام، وهو ما أكدته جائحة كورونا التي عصفت بالعالم وغيرت الكثير من أوجه الاستقرار، وجعلت من الإعلام أحد الفاعلين الرئيسين في تلك الأزمة بظروفها الاستثنائية.

لقد كانت هناك معضلة أمام الإعلام بمختلف أنواعه في كل دول العالم من حيث التوازن بين توخي الدقة والموضوعية وتحقيق السـّبق، بل الجدل حول كيفية العمل في ظل سرعة الأزمة وتعدد جوانبها: هل يجب أن يكون إعلامًا تقريريًّا يكتفي بسرد المعلومات وتحديثها أولاً بأول؟ أم يجب أن تكون التوعية هي هدفه؟

ولا نستطيع أن نجزم بأن هناك مسارًا واحدًا اتخذته كل وسائل الإعلام في دول العالم، إذ لا يرتبط ذلك بطبيعة الأزمة فحسب بل بأمور أخرى عديدة، منها القوانين التي تنظم العمل الإعلامي في كل دولة، والقدرات الاحترافية لممارسي مهنة الإعلام، ومدى تطور وسائل الاتصال، وجميعها عناصر مهمة للأداء الإعلامي، إلا أن الأمر الذي بدا واضحًا من دون ريبة هو التحام وسائل الإعلام مع الجهود الرسمية للدول، بل تجاوز الأمر ذلك في محاولة لتوظيف وسائل الإعلام ضمن الحروب الكلامية إبان احتدام أزمة كورونا، ويثير ذلك تساؤلاً مهمـًا مؤداه، كيف تـُسهم وسائل الإعلام في تعزيز المصالح الحيوية للدول إبان الأزمات؟

فعلى الرغم من أن كل الدول، حتى تلك التي تضع ضوابط على أداء وسائل الإعلام، ليس بإمكانها السيطرة بشكل كامل على تدفق الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تُعدُّ منافسة لوسائل الإعلام، فإن هناك حالات تمَّ خلالها توظيف الإعلام لتعزيز المصالح الحيوية للدول.

ويعكس ذلك أمرًا مهمًا هو أنه مهما بلغت درجة الحرية الممنوحة لوسائل الإعلام في أي دولة في العالم إلا أنه خلال الأزمات التي تهدد الأمن القومي للدولة فإن وسائل الإعلام تتماهى مع التوجهات الرسمية للدولة، وتصبح مهمتها تفسير وتبرير توجه الدولة في هذا الاتجاه أو ذاك.

وتأسيسًا على ما سبق فإن بعض الدول قد أولت دور الإعلام خلال الأزمات اهتمامًا كبيرًا فيما عُرف بـ”إعلام الأزمات”، وهو المصطلح الذي حظي باهتمام كثير من الباحثين والأكاديميين المهتمين بحقل دراسة الأزمات عمومًا، وقد سعى بعضهم للربط بين الإعلام وطبيعة الأزمة كالقول “الإعلام الأمني” أو “الإعلام الحربي”، وما تعنيه تلك المصطلحات من تخصص ومهنية لممارسي الإعلام في هذين المجالين، بالإضافة إلى حرص كثير من الدول على تعيين متحدث إعلامي خلال الأزمات على أن يكون ذا مؤهلات متميزة ولديه قدرات علمية وعملية للعمل في ظلِّ  الظروف الضاغطة للأزمات والتي لا تتيح الكثير من الوقت وتتطلب تحديثـًا سريعًا للتطورات بأسلوب علمي يتسم بالإقناع والارتكاز على معلومات موثقة.

ومع أهمية ما سبق ففي اعتقادي أن دور الإعلام خلال الأزمات يحتاج إلى صياغة إستراتيجية مسبقة من خلال دورات تدريبية بدأتها الدول بشأن إعلام الأزمات.

وما أعنيه هنا بتلك الإستراتيجية التي بالطبع سوف تتباين من دولة إلى أخرى وفقـًا لظروفها هي أنها يجب أن تتضمن ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: “ما قبل الأزمة”

من خلال تسليط الضوء على المخاطر التي من شأنها أن تؤدي إلى أزمات، وذلك بشكل دائم وليس بشكل موسمي مؤقت، فقبل جائحة كورونا كانت القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية هي محور اهتمام وسائل الإعلام في كل دول العالم مع اهتمام ضئيل بالقضايا الطبية سوى نشر معلومات طبية بشكل أسبوعي، إلا أن تلك الجائحة قد أظهرت مدى الحاجة إلى الإعلام الطبي لما له من دور توعوي مهم.

المرحلة الثانية: “خلال الأزمة ذاتها”

 من خلال صياغة إستراتيجية متكاملة لعمل وسائل الإعلام الرسمية للدولة في أثناء الأزمات، سواء من خلال تحديد المتحدث الرسمي في كل المجالات أو كيفية إدارة الأزمة في ظل التنافس المحتدم مع وسائل التواصل الاجتماعي التي ربما تروج شائعات قد تزيد من حدة الأزمة بما يزيد العبء على وسائل الإعلام سواءً لمتابعة مستجدات الأزمة وتقديمها للجمهور أو التصدي للشائعات التي أضحت جزءًا من الحروب النفسية بين الدول، بل إن هناك دولاً تخصص قنوات وميزانيات لتلك الحروب.

المرحلة الثالثة: “ما بعد الأزمة”

لوحظ أن وسائل الإعلام في بعض الدول ينتهي عملها بانتهاء الأزمات، وإذا كان ذلك يُعدُّ أمرًا جيدًا لأنه من مهام الإعلام عدم التهويل، فإن ما أقصده هو كيفية استثمار وسائل الإعلام لنتائج الأزمة، وربما قدمت وسائل الإعلام الصينية نموذجًا لذلك من خلال الترويج للمساعدات التي قدمتها لكثير من دول العالم خلال جائحة كورونا، بل حتى على مستوى الرأي العام الداخلي في الصين من خلال إرسال صور وشهادات موثقة وتقارير شاملة عن وحدة الشعب الصيني في مواجهة تلك الجائحة.

ملخص القول؛ إن التطور الذي طرأ على طبيعة الأزمات وتداعياتها يتطلب إستراتيجيات وخططًا إعلامية في الدول كافة تتوازى مع ذلك التطور ومتطلباته.

(صحافة الحلول) .. إشعال شمعة أفضل من رَجَمِ الظـّلام

لا غرو إن وصف مناصرو “صحافة الحلول” (Solutions Journalism) جائحة كرونا بالقول المأثور”رب ضارة نافعة”. كيف لا وهم يرون أن المعنى الكامل لهذا الضًّرْب من الصحافة تجلى في ظلِّ الإنزال الإعلامي الكثيف الذي حاول أن يواكب انتشار هذه الجائحة وتداعياتها المخيفة. بالفعل لقد حظي (كوفيد – 19) بتغطية إعلامية مركزة ومتواصلة وغير مسبوقة في تاريخ وسائل الإعلام، فآلاف الأخبار والمواد الصحفية تنشر يوميًّا بكل اللغات عن ارتفاع عدد المصابين بهذه الجائحة  وأشكال انتقال عدواها والتدابير التي اتخذتها الدول للوقاية منها، ناهيك عن المئات من البرامج الإذاعية والتلفزيونية وأشرطة الفيديو التي تتقاسمها وسائل الإعلام المسموعة و”السمعية/البصرية” ومواقع التواصل الاجتماعي الذي تتابع، من دون كلل، خارطة انتشار هذه الجائحة على الصعيدين المحلي والعالمي: إحصائيات مخيفة عن تزايد عدد الوفيات، وشهادات مقلقة عن متاعب الطاقم الطبي في التكفل بالمصابين، وخطب السياسيين والأطباء المنذرة بالخطر القادم مع موجتها الثانية.

باختصار تلتقي كل هذه الأخبار والتصريحات والتحليلات الصحفية التي تتقاسمها وسائل الإعلام المختلفة في رفع منسوب القلق وربما اليأس في أوسط الجمهور. لقد ارتفع هذا المنسوب إلى درجة أن منظمة الصحة العالمية نصحت الناس بعدم الإفراط في متابعة أخبار هذه الجائحة حفاظـًا على صحتهم العقلية؛ لأنها تعلم أن الحجر الصحي الذي طـُبق في العديد من بلدان العالم شجع الناس على متابعة الأخبار بشكل مكثف.

في هذا الجو المشحون بالقلق والخوف اتجهت بعض وسائل الإعلام إلى طمأنة الناس إن لم تبعث فيهم الأمل من خلال تقديم العديد من أمثلة التعاضد والتضامن في هذه المحنة الصحية، واستعراض أشكال العون التي تقدم للمحتاجين سواء في شكل أقنعة ومحلول مطهر ومواد غذائية أو الاطمئنان على كبار السن الذين يعيشون منفردين وفي عزلة وقضاء حاجتهم من السوق، وسعت إلى تقصي الأخبار عن آخر التطورات في مجال العلاج الناجع في مقاومة الإصابة بعدوى (كوفيد – 19). إذ يمكن أن نذكر على سبيل المثال؛ خبر شفاء العجوز الإيطالية التي تبلغ من العمر (95) سنة بعد إصابتها بجائحة (كوفيد – 19)، الذي نشره موقع “هافينغتون بوست” (Huffington Post) الإخباري، وتناقلت صورها وسائل الإعلام المختلفة في العالم لبعث الأمل في المصابين الذين تزايد عددهم مع مرِّ الأيام، ولشققِّ طريق الأمل دائمًا راحت بعض وسائل الإعلام تدرس التجربة الفيتنامية التي قاومت جائحة (كوفيد – 19) بأقل الخسائر الممكنة وأشادت بها منظمة الصحة العالمية، ليس هذا فحسب، بل حاولت فـَهم الخطة التي اعتمدت عليها كوريا الجنوبية والسويد في حماية مواطنيها من هذه الجائحة متمنية أن تستفيد منها بقية الدول الأوروبية التي ارتفع عددضحاياها.

إن السؤال المطروح  كالتالي: هل تمثل الأمثلة التي ذكرت أعلاه “صحافة الحلول”؟ 

ما صحافة الحلول؟   

بدأ مفهوم صحافة الحلول في التداول الواسع في الأوساط المهنية والأكاديمية في عام 1996م، على الرغم من أن ممارستها تعود إلى أكثر من عقدين، وتوصف بالصحافة البناءة، وصحافة الأثر. ويقصد بها تلك الصحافة التي تقوم بتحليل المعلومات المتعلقة بالمبادرات التي تقدم إجابات ملموسة وعملية لمشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويقول “ألريك هايجروب” (Ulrik Haagerup)، مدير الأخبار في الهيئة الدنماركية للإذاعة والتلفزيون الرسمية، ومؤلف كتاب “الأخبار البناءة” الصادر في عام 2017م، عن هذه الصحافة:  “إنها تحاول توثيق الصلة بجذور الصحافة وتمنح للناس رؤية دقيقة، قدر الإمكان، للعالم الذي نعيش فيه، فالمعالجة الإعلامية الحالية للأحداث تجعل الناس يؤمنون بأن العالم في حالة أكثر سوءًا مما هو عليه في الواقع، فصحافة الحلول لا تتجاهل المشكلات”، ويضيف قائلاً: “إننا نريد من صحافة الحلول أن نكون أكثر مصداقية، تنظر إلى العالم بعينين أثنين، فتظهر الأشياء التي ليست على ما يرام، لكنها تستعرض – أيضًا – تلك الأشياء التي يمكن أن تكون على ما يرام”.

إذًا، صحافة الحلول ليست صحافة الشعور بالاكتفاء الذاتي ومداهنة الأشخاص والمؤسسات، والحديث بلغة “ليس بالإمكان القيام بما هو أفضل مما هو موجود”، فوسائل الإعلام التي تقدم كل شيء بإيجابية مطلقة تبيع الوهم، وتضر جمهورها بالقدر ذاته من الضر الذي تسببه وسائل الإعلام التي ترى سلبية كل شيء ، فالصحافة تملك نظرة سوداوية للعالم، وتسحب النزعة السلبية على كل ما تذكره، تثبط عزائم الجمهور وتدفعه إلى اليأس من تحسين الأوضاع. 

إنّ وجود صحافة الحلول لا يلغي دور الصحافة  كــ”كلب حراسة”، وهي الصفة التي ألصقها بعض الكتَّاب بما تقوم به وسائل الإعلام في البلدان الغربية، فالصحافة البناءة لا تنتج خطابًا تنديديًّا عبر ما تنشره، بل تطرح المشكلات، وتكشف عن التحديات، وتشير إلى الصعوبات، لكنها تبرز في الوقت ذاته الإمكانات  المتوافرة لتجاوزها وتستعرض المبادرات والحلول، وإنّ لم تجد حلاًّ فتكتفي بإبراز تجارب الصمود والمثابرة ومقاومة هذه الصعوبات، وتقدم بورتريهات لأصحابها.

يرى البعض أن صحافة الحلول تستمد مقوماتها من علم النفس الإيجابي، والتي ترجمتها الصحافية الدنماركية “كاترين غيلدنستد”، على صعيد الممارسة بإضافة سؤال “وماذا الآن” إلى الأسئلة الخمسة الكلاسيكية المعروفة في صياغة الخبر الصحفي، وهي: مَن؟ متى؟ أين؟ ماذا؟ ولماذا؟ وهذا تعزيز للمسؤولية الاجتماعية المنوطة بوسائل الإعلام.

الضرورة

لم تعدّْ الحاجة ماسة إلى استخدام صحافة الحلول فحسب، بل إلى ضرورة تطويرها أيضًا، وذلك لجملة من الأسباب، نذكر منها استشراء النزاعات المسلحة المدمرة في العالم، وتنامي الخوف من جنوح الدول إلى التسلح المفرط وتخزين الأسلحة النووية، وتفاقم أثار الاحتباس الحراري على البيئة، والتلاعب الجيني بالمواد الغذائية وتأثيره الخطير في صحة الإنسان، وتزايد ظاهرة التصحر في الكرة الأرضية، وتفشي أوبئة غامضة وغير معروفة لم يصل الأطباء والإخصائيون بعد إلى فك كل أسرارها، وتوالي الأزمات الاقتصادية التي ترافقها في الغالب حروب تجارية، وغيرها من المآسي التي تعج بها نشرات الأخبار في القنوات التلفزيونية، فتبعث على الكآبة والإحباط.

هذا إضافة إلى تنافس وسائل الإعلام من أجل تحقيق السـّبق الصحفي وتدافعهم في نقل الأحداث بشكل مباشر لحظة وقوعها، مما يعيق فـَهم الصحافيين والجمهور لما يجري في العالم لأنه يُبثُّ مجزأ ومبتور في نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية، فتنفخ في بـُعده الدرامي وتشحنه بالإثارة لتتلاعب بمشاعر الجمهور، وتتركه متأرجحًا بين الخوف والذعر.

تؤكد “دونيس بادن”، الأستاذة بجامعة ساوثهامبتون في بريطانيا والمختصة في علم النفس الإعلامي، أن القراء يميلون فعلاً إلى العناوين الصاخبة والمثيرة التي تخيفهم في الصحف، لكنهم يدركون أن الصورة السلبية التي تنقلها وسائل الإعلام لا تعبر عن حقيقة العالم، وهذا الأمر يدركه جيدًا الذين يعانون من التهميش والإقصاء، مثل سكان ضواحي الحواضر الأوروبية الكبرى من أبناء المغتربين، وسكان العشوائيات وأحياء الصفيح من الزنوج وأبناء جنوب أمريكا في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يقولون ؛ إن وسائل الإعلام الكبرى لا تتذكرهم إلا إذا حدثت جريمة في حيهم أو تمَّ القبض على أحد أبنائهم الذي يمارس تجارة المخدرات أو في أثناء مشاركتهم في أحداث الشغب، وتتجاهل الأعمال الخيرية التي يشاركون فيها، والمبادرات التي يقومون بها بين الحين والآخر من أجل تنظيف محيطهم وتهيئة ساحات لممارسة الرياضة أو الأنشطة الثقافية، وهذا التجاهل يذكرنا بما جاء في التقرير الذي أعدّه الأستاذ الإيرلندي” شون ماكبرايد” في عام 1981م، عن الخلل العالمي في مجال الاتصال والإعلام، والذي بيّن فيه أنّ بلدان العالم الثالث لا تظهر في كبريات وسائل الإعلام العالمية إلا إذا اجتاحتها الفيضانات ونشب فيها نزاع عرقي مسلح، أو عمّتها المظاهرات وأعمال الشـّغب، أو تعرضت لزلزال قوي، أو إعصار أو كانت مسرحـًا لانقلاب عسكري!

إن جنوح وسائل الإعلام إلى تقديم صورة غير دقيقة عن العالم الذي نعيش فيه قد أدى إلى تراجع ثقة الجمهور فيها بنسب متفاوتة من مجتمع إلى آخر، وتوجه هذا الأخير إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تفلح هي الأخرى في تقديم صورة متوازنة عمّا يجري في المجتمعات”، هذا إضافة إلى أن تكنولوجيا الاتصال الراهنة قد غيرت قواعد الإنتاج والتوزيع للإعلاميين التقليديين، فأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر ما شاء من أخبار غير موثوق فيها، خاصة أن المنافسة بين المنصات الرقمية تشجع على التعجيل في نشر الأخبار أولاً، ثم التحري عن صحتها مع مستخدميها، وأسهمت هذه الممارسة في تزايد الأخبار المزيفة التي تحدث بلبلة في صفوف المتابعين لمستجدات الأحداث التي يحمل بعضها قدرًا كبيرًا من القلق.

تجارب   

يذكر المدافعون عن “صحافة الحلول” العديد من التجارب الرائدة، مثل تلك التي خاضتها  صحيفة “الغارديان” (Guardian The) البريطانية، التي أحتل موقعها في شبكة الإنترنت المرتبة الثالثة عالميًّا عام 2012م، من ناحية عدد زوارها بعد موقعي صحيفة “ديلي مايل” (The Daily Mail) و”نيويورك تايمز” (The New York Times). لقد أنشأت صحيفة “الغارديان” ركنتًا اسمته: “نصف مملوء” (Half Full) في عام 2016م، وحمل العنوان الفرعي التالي: “الحلول، والابتكارات، والإجابات”، وذلك رغبة منها في فتح المجال للتفاؤل والتأكيد على أن تغيير العالم نحو الأفضل يظل في نطاق الممكن، وقد أسهم هذا الركن في كسب عدد جديد من القراء الراغبين في الخروج من قتامة الأخبار.

وخاضت بعض القنوات التلفزيونية بعض التجارب المماثلة في نشراتها وبرامجها الإخبارية، لتعيد النظر في بعض الصور النمطية التي التصقت ببعض البلدان، مثل: مبادرات الفلاحين في كولومبيا لتحويل حقول “الكوكا” التي يصنع منها مخدر الكوكايين، الذي يهرب إلى الخارج، إلى مزارع الكاكاو الذي تصنع منه الشكولاتة، وربورتاجات عن إثيوبيا حرّرتها من صورة الجفاف والمجاعة التي التصقت بها ردحـًا من الزمن، لتفسر كيف أصبحت بلدًا صناعيًّا حديثـًا جاذبًا للاستثمارات وذات طراز معماري معاصر، وربورتاجات عن روندا التي تغلبت على آثار حربها الأهلية المدمرة لتصبح البلد النموذج في إفريقيا في مجال التطور الاقتصادي والتنمية الاجتماعية ونظام الحوكمة (governance)، والربورتاجات التي تنقل المبادرات التي قامت بها بنغلاديش لصدِّ سيول الفيضانات التي كانت تغمر العاصمة داكا، وغيرها من المبادرات الإيجابية في كثير من مناطق العالم.

لا يفهم مما سبق أن “صحافة الحلول” تهتم بالشأن الخارجي فقط، بل إنها وجدت أساسًا لمعالجة القضايا المحلية من أجل تحرير المبادرات الفردية والجماعية ودفع المواطنين للاهتمام بالقضايا ذات الصلة بالشأن العام، مثل تلك التي ترمي إلى امتصاص البطالة، وتحسين ظروف المعيشة، ومكافحة التلوث وحماية البيئة، والوقاية من الأمراض، والقضاء على الأمية، وتمكين المواطنين من الثقافة والعلاج وغيرها.

لقد أضحت “صحافة الحلول” تقليدًا راسخـًا في بعض المؤسسات الإعلامية، فهيئة الإذاعة والتلفزيون الدنماركية تبثُّ يوميًّا ربورتاجين وفق متطلبات هذه الصحافة. ودأبت الصحيفة السويسرية ” تاغس أنزيغر” (Tages Anzeiger) على نشر مادة صحفية يوميًّا تنتمي إلى “صحافة الحلول”.

لقد تحولت “صحافة الحلول” إلى حركة اجتماعية مدنية تستقطب كثير من ممتهني العمل الصحفي والفاعلين في المجتمع المدني في أكثر من بلد، يمكن أن نذكر على سبيل المثال؛ الجمعية الفرنسية المسماة “مراسلو الآمال” التي تصدر منشورات وموضوعات تخدم فلسفة هذا الضرب من الصحافة، وقد امتدت هذه الحركة إلى العالم الافتراضي، حيث تمَّ إنشاء منصة رقمية بعنوان: “سبارك نيوز” (Sparknews)، وهي عبارة إنجليزية مركبة من كلمتين: “نيوز” وتعني الأخبار، و”سبارك” وتعني التحفيز، أي الأخبار المحفزة على الفعل والنشاط، وهذا ما تحاول القيام به في نشاطها اليوم، إذ دعت إلى تخصيص يوم  25 يونيو، ليكون يومًا عالميًّا لصحافة الحلول، وقد شاركت فيه (55) صحيفة عالمية في عام 2016م، تمَّ فيه تبادل نماذج من صحافة الحلول ونشرها مجانـًا ليطلع عليها القراء من مختلف البلدان. ويقول “كريستيان دو بوسردون” (Christian de Boisredon) الذي أنشأ هذه المنصة في عام 2012م: “إننا نريد من الصحافيين أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: ألا يوجد أي طريق آخر، حل آخر كلما تناول مشكلة أو قضية في كتابتهم الصحفية؟”

لقد نشأت برامج إذاعية وتلفزيونية وصحف ومجلات في كنف حركة “صحافة الحلول” مثل مجلة “أسبك وريكا” (Usbek & Rica) الأسبوعية الفرنسية التي أصبحت تباع عن طريق الاشتراك فقط، وهذا ما أدى بكثير من محترفي العمل الإعلامي إلى الاعتقاد بأن الصحافة البناءة ستخرج الصحافة ككل من أزمتها.

المنقذة

لعل محترفي العمل الصحفي في فرنسا هم الأكثر تفاؤلاً بمقدرة صحافة الحلول على معالجة أزمة الصحافة، وهذا انطلاقـًا من النجاحات التي حققتها بعض الصحف الفرنسية التي أوشكت على الإفلاس، مثل صحيفة “نيس ماتن” (Nice Matin) في عام 2014م. يقول المسؤول عن قسمها الرقمي: “إنّ توجهنا إلى صحافة الحلول رفع عدد المشتركين في موقعنا في شبكة الإنترنت من (2000) إلى (6000) مشترك، وأن الفيديو الذي تمََّ بثــّه عبر موقع “فيسبوك”، والذي شرحنا فيه كيف أن مدرسة في فرنسا استطاعت أن تقلل من نفايتها بنسبة (80%) قد شاهده أكثر من (1.7) مليون شخص، وتمَّ تقاسمه (30) ألف مرة!

واستطاعت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية رفع عدد مبيعاتها في السوق بنسبة (24%)، وهذا بفضل ما تنشره من مواد تصـّبُ في خانة “صحافة الحلول”، وقد برهنت هذه التجارب وغيرها بأن سعر الإعلانات التي تنشر أو تبثُّ في الربورتاجات التي تندرج في الخانة ذاتها تكون في الغالب أغلى من مثيلتها التي تبثُّ في بقية البرامج.

إن القول: إنممارسة الصحافة البناءة تشكل مخرجـًا للصحافة من أزمتها العامة يحتاج إلى نقاش متعمق، لأنه يحمل قدرًا كبيرًا من التفاؤل، فسُنُونُو (خُطّاف) واحد لا يصنع الربيع كما يقول المثل الفرنسي.

القوة الناعمة في الإعلام (3)

باعتباره من أهم أدوات القوة الناعمة ووسيلة قوية للتأثير في الشعوب.

في هذه المقالة وباعتبارها الجزء الأخير من هذه السلسلة، سيتم عرض بعض النماذج التي نجحت في تسخير أدوات القوة–وخاصة أداة الإعلام–للنهوض بدولها ومجتمعاتها، والتأثير في الرأي العام سواء كان ذلك محليـًّا أو دوليـًّا.

انفراد المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين

من نعم الله على المملكة العربية السعودية بأن سخر لها أحد أقوى أدوات القوة الناعمة على مستوى العالم، من دون أي تدخل للبشر، فمجرد وجود هذين البيتين العظيمين على هذه الأرض المقدسة جعل من المملكة قائدة للعالم الإسلامي، وزرع يقينـًا في قلوب الآخرين – سواء كانوا أصدقاء أو أعداء – بأن كل ما قد يصيب هذه البلاد سيكون كل مسلم معنيـًّا به.

بذلت الحكومة السعودية خلال السنوات الماضية جهودًا كبيرة لخدمة زوار بيت الله، ولكن غالبـًا ما كان الإعلام الخارجي يركز على الأمور السلبية المصاحبة لما يوصف بأنه من أكبر التجمعات البشرية السنوية، كما كان الإعلام المحلي مقصرًا في عملية نقل الصورة الواضحة لما يتم تقديمه من خدمات للحجيج.

وفي السنوات القليلة الماضية حصل تغيير جذري من خلال استحداث الحكومة لأساليب جديدة عملت على إبراز تلك الجهود.

لقد نجحت الحكومة السعودية في الاستغلال الأمثل لوسائل الإعلام من خلال نقل صورة حديثة عن جميع الخدمات والفعاليات التي تقدمها لزوار المملكة، وتمثل ذلك في النقلة النوعية الواضحة لعملية إنتاج مواد مرئية تميزت بطريقة عرض جاذبة، بالإضافة إلى ترجمة تلك المواد لأكبر عدد من اللغات؛ لضمان وصولها لأكبر عدد من المستهدفين، فقد نجحت المملكة في انتاج أفلام وثائقية غير اعتيادية عن الحرمين الشريفين وما يتبعهما، مثل مصنع الكسوة وبئر زمزم ومجمع طباعة القرآن الكريم، حيث تفردت تلك المواد الوثائقية عن سابقاتها بأنها كشفت عن معلومات غير معروفة لدى عامة الناس، كما تميزت بأساليب عرض شائقة تجبر الناظر على الاستمرار بمتابعتها من دون كلل، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من المؤثرين في وسائل الإعلام الجديد، ما أسهم في جذب فئة من الشباب لم تكن مهتمة بهذا الشأن.

وفي نطاق موازٍ، عززت المملكة العربية السعودية من موقعها الإسلامي الريادي، من خلال الإعلان عن عدد من المشاريع الضخمة المرتبطة بهويتها الإسلامية مثل إنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، وحصر أكثر من (500) موقع شاهد على التاريخ الإسلامي للبلاد، وتأهيل عدد من المواقع التاريخية الإسلامية الكبرى، مثل جبل النور وغاري حراء وثور والحديبية ومعركتي أحد والخندق والوسط التاريخي لمدينة بدر.

مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة

تعد التجربة الإماراتية في استغلال قوتها الناعمة – وخاصة  استغلال الأدوات الإعلامية – تجربة ناجعة وسباقة من خلال تطبيق مبادئ القوة الناعمة منذ تأسيسها في العام 1971م، وذلك على يد المؤسس المغفور له –بإذن الله –الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومن هنا ارتأت حكومة دولة الإمارات ضرورة استكمال هذا النهج وتطويره من خلال تشكيل مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات في إبريل من العام 2017م، حيث كانت أول مهمة لهذا المجلس هي استحداث إستراتيجية القوة الناعمة للدولة، والتي رأت النور في سبتمبر من العام نفسه مستندة على عدد من الأهداف وهي:

تطوير هوية موحدة للدولة في كافة المجالات الإنسانية والاقتصادية والسياحية والإعلامية والعلمية.

تطوير شبكات دولية فاعلة مع الأفراد والمؤسسات حول العالم بما يخدم أهداف الدولة ومصالحها.

ترسيخ سمعة الدولة كدولة حديثة، منفتحة، متسامحة ومحبـّة لكافة شعوب العالم.

إن اقتناع حكومات دولة الإمارات المتعاقبة بأهمية عكس صورة مشرفة عن الدولة من خلال قوتها الناعمة، أدى إلى نتائج متميزة لا يمكن حصرها ولكن يمكن ذكرها على سبيل المثال:

تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة الدول العربية في مؤشر القوة الناعمة للعام 2020م بالإضافة إلى حصولها على المركز الثامن عشر عالميـًّا في نفس المؤشر.

تميّز السياسة الخارجية لدولة الإمارات من خلال عقد التحالفات العسكرية والاتفاقيات الاقتصادية مع أقوى الدول في العالم.

إن هذه السياسة الرصينة والمتزنة شجعت معظم دول العالم على استقبال الحاملين لجواز السفر الإماراتي من دون قيود، فبحسب منظمات التصنيف العالمية يعدُّ الجواز الإماراتي أقوى جواز سفر في العالم، حيث يسمح لحامله بدخول ما يقارب (180) دولة من دون تأشيرة.

في مجال الأعمال والاستثمار استطاعت الدولة استقطاب أكثر من (50%) من المكاتب الإقليمية للشركات الأجنبية في الشرق الأوسط.

وفقـًا للتصنيفات العالمية يعدُّ اقتصاد دولة الإمارات ثاني أقوى اقتصاد عربي على الرغم من عدم اعتماده على النفط، كما صعدت الإمارات في العام 2018م إلى المرتبة التاسعة والعشرين على مستوى العالم ضمن مؤشر الدول الأعلى في الناتج المحلي الإجمالي.

الكويت .. السبق في استخدام القوة الناعمة

قبل استقلال دولة الكويت في العام 1961م، كان حكامها يديرون شؤون الدولة الداخلية فقط في حين كانت بريطانيا تدير الشؤون الخارجية للكويت، وبانسحاب البريطانيين أدرك قادة الكويت أهمية امتلاك أدوات تغني عن صغر مساحة الدولة وضعف الإمكانات العسكرية.

لقد كانت الكويت صاحبة السبق في المجال الإعلامي بمنطقة الخليج العربية، وذلك قبل عقود من استقلالها، ولكن بعد الاستقلال ارتأت الحكومة الكويتية ضرورة استغلال ريادتها في هذا المجال لفرض قوتها الناعمة على المستوى الإقليمي، فقامت بالترويج للإنتاج الدرامي والسينمائي والإذاعي الكويتي والذي اعتبر الأقوى بعد مصر في المنطقة العربية، كما قامت بإنشاء محطات إرسال تلفزيوني خارج حدود الكويت بهدف تدعيم مكانتها الثقافية.

وتميزت الكويت بأنها كانت صاحبة السبق في مجالات عدة بالمنطقة، مثل التعليم النظامي والمهرجانات والفعاليات الترفيهية والرياضية، بالإضافة إلى التنمية والاستثمار وتقديم المساعدات الإنسانية لمختلف دول العالم.

هذه الأدوات أسهمت بشكل فعال أثناء احتلال الكويت في العام 1990م، فقد استطاعت دولة الكويت، وفي فترة قصيرة نسبيـًّا، جمع أكثر من (30) دولة في تحالف على الأرض بهدف تحريرها، وهو ما حدث في فبراير من العام 1991م.

القوة الناعمة الأمريكية

تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤشر القوة الناعمة للعام 2020م وهو موقع تميزت به لسنوات طويلة، ويعود ذلك لتفرد أسلوبها في فرض الهيمنة الأمريكية على المجتمع الدولي، من خلال إعلامها واقتصادها وقوتها العسكرية والسياسية، بل يعتقد عدد من الخبراء والباحثين بأن مصطلح “العولمة” لم يعدّْ دقيقـًا في وقتنا الحالي، حيث يرى كثير أن المصطلح الواجب استخدامه هو “الأمركة”، وذلك نظرًا إلى التأثير الأمريكي في مختلف دول العالم وتمكنها من صبغ المجتمعات بالصبغة الأمريكية، حتى وصل الأمر إلى أن المجتمعات الأوروبية لم تستطع مواجهة هذا الطوفان الأمريكي وهي المجتمعات التي تعتز بتاريخها وثقافتها.

ومن المثير للإعجاب أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت استغلال قوتها العسكرية في ميادين القوة الناعمة، فمجرد نشر فكرة امتلاك هذه الترسانة العسكرية أدى إلى تحقيق مكاسب قد لا يمكن تحصيلها من خلال استخدام القوة الصلبة.

كما أن الولايات المتحدة استطاعت –بتفرد– استغلال قوتها الصلبة مجتمعة مع الأشكال الأخرى للدبلوماسية الدولية، ويتجلى هذا النموذج في التعامل الأمريكي مع الملف الكوري الشمالي، فبالإضافة إلى استمرار فرض العقوبات القائمة على هذه الدولة، لم تتوانى الحكومة الامريكية في الترويج عن انفتاحها واستعدادها لفتح أبواب الحوار والتعهد بإبرام الاتفاقيات مع كوريا الشمالية، ويسمى هذا النموذج المعتمد على المزج بين استخدام كل من القوة الناعمة والقوة الصلبة بـ”القوة الذكية”.

وفي منحنى آخر، استطاع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تغيير الفكرة السائدة عن قوة المؤسسات الإعلامية الأمريكية والتي توصف بأنها امبراطوريات إعلامية، وذلك من خلال استغلاله للانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي او ما يسمى بـ “الإعلام الجديد”.

لقد استطاع الرئيس الأمريكي من خلال مؤتمراته الصحفية وتغريداته في حساب تويتر –المجاني – أن يواجه عمالقة الإعلام الأمريكي مثل CNN وNBC وABC، بل اتهم هذه المؤسسات الإعلامية بعدم النزاهة وروج بأنها تفتقد للمعايير الصحفية، وأنها ليست عدوًا لترامب نفسه بل للشعب الأمريكي، وقد تعدى ذلك إلى تصريحه بأن الولايات المتحدة لم تعدّْ تتمتع بحرية الصحافة.

 وللتأكيد على قوة الإعلام الجديد في مواجهة الإعلام التقليدي، فقد تمكن ترامب في العام 2018م من إجبار نحو (350) صحيفة أمريكية على تنظيم حملة موحدة لنشر مقالات افتتاحية في يوم واحد للدفاع عن حرية الصحافة ومواجهة اتهامات الرئيس الأمريكي.

وعلى الرغم من تفاوت الإمكانات المتاحة للمؤسسات الإعلامية مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي، فمن الواضح بأن الإعلام الجديد ذا الإمكانات المادية المتواضعة استطاع أن يجاري تلك المؤسسات بل يتوفق عليها في أحيان كثرة.

الصين .. القوة الناعمة القادمة

تزايدت قوة الصين على الساحة الدولية خلال العقدين الأخيرين بشكل كبير جدًّا، ومن يتابع السياسة الصينية في جذب الآخر سيلاحظ أنها قد اتخذت النموذج الأمريكي بحذافيره باستثناء عامل استعراض القوة الصلبة والعسكرية، وهو ما جعلها أكثر تقبلاً من الولايات المتحدة.

وكما ذكرنا بأن الإعلام يعدُّ أقوى ذراع للقوة الناعمة، فقد اتجهت الصين للتركيز على هذا الجانب من خلال محاولة مصارعة المؤسسات الإعلامية العالمية، وذلك بإطلاق عدد كبير القنوات الصينية، ولكنها وعلى الرغم من كل تلك الجهود لم تستطع المنافسة في هذا المجال وذلك بسبب عائق اللغة.

وعلى ذلك قامت الصين بتركيز جهودها في مجال نشر الثقافة واللغة الصينية من خلال تقديم المنح الجامعية للطلاب الأجانب بالإضافة إلى ابتعاث عدد كبير من الطلبة الصينيين لمختلف دول العالم.

كما استطاعت الصين ومن خلال شراكاتها التجارية في تغيير النظرة السلبية لمنتجاتها، فبعد أن كانت علامة (Made in China أو صنع في الصين) تعدُّ عيبًا في المنتج، أصبحت في وقتنا الحالي ختم جودة للمنتج.

وختامـًا، فإننا نؤكد أن للقوة الناعمة دورًا محوريـًّا في تعزيز سمعة الدول واحترامها بين الدول والشعوب الأخرى، ويكون ذلك من خلال الاستخدام الصحيح والمثالي لأدوات القوة الناعمة والتي يعدُّ الإعلام أهمها وأخطرها في نفس الوقت، حيث يمكن تسخير وسائل الإعلام لبناء الدول والمجتمعات، كما يمكن استغلالها في التدمير والهدم.

الإعلام المنتظر!.. هل آن الأوان لإعادة هيكلة التخصص؟!

الإعلام ضرورة.. هذه حقيقة؛ بل مسلمة لا جدال فيها، فحاجة الأفراد والمجتمعات له منذ القدم، بغض النظر عن أدواته وأشكال عرضه التي كان عليها وكيفية تطوره، هي خير دليل على ذلك، إذ إن الإعلام في صورته البدائية، بوصفه نوعـًا من أنواع الاتصال، متواجد بقوة في تشكيل حياة البشر الذين جبلت نفوسهم على تتبع مصادر المعلومة نتيجة سيكولوجية غريزة الفضول، وحبّ الاستطلاع المزروعة فيهم، وإن كان حجم استهلاكهم لمضامينه ليس على درجة واحدة، وإنما يتفاوت فيما بينهم بشكل ملحوظ، وفقـًا لعوامل عدة من بينها طبيعة الحاجات والاهتمامات.

من هذا المنطلق، فإن شقّ استهلاك المادة الإعلامية مثَّل – ولا يزال – جزءًا من السلوك الإنساني منذ القدم، وهو أمر نشأ في سائر الثقافات، وبمختلف اللغات من خلال سؤال يومي مستمر، أوجده حرص الأفراد الدائم على تعرّف كل ما هو جديد من أحداث في شتى الدوائر المحيطة بهم؛ قريبة كانت أم بعيدة، هذا السؤال الدارج يتلخص في: ما الجديد؟ أو ما الأخبار؟

لم تكن أدوات ووسائل الإعلام في البدايات كما هي اليوم، ولن تبقى وسائل اليوم شكلاً ثابتـًا لوسائل الغد، وبين كل حقبة وأخرى، يتجاذب القائمون بالاتصال والمستخدمون الساحة الإعلامية بين متمسك بالقديم، ومتحمس للجديد، وهي بكل تأكيد لن تحابي أيًا منهم طالما أن التغير والتطور هو سمتها؛ وبالتالي فإن المحك في الحكم مرتبط بالهدف الرئيس للنشاط، وهو إيصال “الرسالة” بأسرع وسيلة، وأقدرها على الانتشار الأوسع، مع ضرورة الالتزام بقيم الإعلام وآلية صناعة الرسائل، والأساليب المهنية الفاعلة التي تتلاءم مع طبيعة الوسائل، وكيفية تعزيز القدرة على استقطاب الجمهور. 

وعلى الرغم من قِدَم الإعلام كنشاط، إلا أن ظهوره بمفهومه العصري كتخصص وكمهنة مستقلة، بما في ذلك تسميته بـ “الإعلام” (Mass Communication)، لم يبدأ إلا مع بزوغ نجم الطباعة التي أذنت بنشأة الصحافة بمفهومها العصري، كوسيلة قادرة على تحقيق انتشار ووصول متزامن إلى المجتمعات والجماهير على نطاق واسع.

ومع اختراع المذياع والتلفزيون، انضمت وسيلتان ذات شكل جديد في خاصية النشر الأوسع إلى الوسيلة الأم بعد أن كان يُظنّ أن الكتاب والسينما، وقبلهما الشعر والرواية هي أقصى أساليب النشر العريض.

هذا التطور وما تبعه من تحولات في أشكال التحرير وأساليب العرض وطرق البثّ المرئي والمسموع، قاد تدريجيـًّا، وفي تنافس بناء، إلى تشكل كيانات إعلامية صحفية وإذاعية وتلفزيونية، وإلى نشأة شركات إنتاج يشار لها بالبنان، كما أن الجهود العلمية التي صاحبته وتمثلت في دراسات تتطلبها المرحلة، وبخاصة البحوث التي ركزت على الانعكاسات والتأثيرات السلبية أو الإيجابية المتوقعة من الوسائل الجديدة، قادت هي الأخرى إلى تأسيس أقسام وكليات متخصصة في هذا الشكل الجديد للاتصال الجماهيري (الإعلام)، ويأتي في مقدمة تلك الدراسات وأشهرها على الإطلاق ملف دراسات متنوعة شارك فيها علماء متخصصون في علم الاجتماع، والنفس، والتربية، والجريمة، وغيرها ذات الصلة، وبتمويل حكومي وإشراف مباشر من الرئيس التنفيذي لهيئة الصحة العامة الأمريكية Surgeon General.

الدراسات التي امتدت على مدى سنوات الستينيات الميلادية، كانت المعين الخصب لظهور حزمة كبيرة من النظريات التي لا تزال إلى اليوم مرجعـًا في بابها، والسبب الأعمق لنمو وتأسيس العديد من الأقسام والكليات المتخصصة.

كان حريـًا بهذه التغيرات أن تكون مؤشرًا كافيـًا للمعرفيين والمهنيين كي يدركوا أنهم حيال تخصص متغير ومتجدد، غير أن دور النشر الإعلامي وإمبراطورياتها ومعاهد وأقسام الإعلام وكلياته الأكاديمية الذين كانوا في خضم نشوتهم ببلوغ حقلهم مرحلة النضج، فوجئوا باقتحام عالمهم الأثير، ابتكارٌ مختلفٌ تمامـًا عمـّا اعتادوا عليه سابقـًا، الذي كان يقتصر على التعريف بوسيلة تضاف إلى الوسائل الأصل، وعلى تطوير يسهل تبنيه بصورة ترفع من إمكاناتهم فيضيف لها.

كان الابتكار هذه المرة مزلزلاً؛ فقد حلـّت الإنترنت كوسيلة هائلة الإمكانات ومتعددة المشارب، لتبتلع الوسائل التي لا تقبلها أو لا تتفاعل مع ما تفرضه من تغييرات في المبنى والمعنى، باختصار شكّل القادم الرقمي فضاءً جديدًا يقوض الفضاء القديم، ويغير من أشكال صناعة الإعلام التقليدية، ففرض مسارات اتصالية متنوعة لتقديم الرسالة التي هي الأساس بطرق أخرى، ولتقديم خدمات اتصالية غير مسبوقة ليس لكافة التخصصات الأخرى فحسب؛ بل وللجمهور بأكمله الذي أصبح شريكـًا في ممارسة الاتصال والنشر.

لم يكن لبعض المؤسسات الإعلامية أن تستوعب حجم التغيير الذي طال الصناعة، وظن القائمون عليها أن التعامل معه ممكن في ضوء محيط محدود كما كان عليه الأمر مع الابتكارات الأخرى؛ وتراوحت أسباب التجاهل بين فئة بالغت في الثقة بإمكاناتها، مستمدة أنفتها من حجم القوة التي اكتسبتها كسلطة رابعة يهابها حتى صناع القرار، وفئة أخرى عزّ عليها التخلي عن مصدر سخي لدخل إعلاني لا يمكن تعويضه بسهوله عبر أية خيارات أخرى.

لعل من المفارقات أن يشكل بعض من أصحاب تلك المواقف الذين برعوا لفترة غير قصيرة في صناعة الإعلام في مرحلة التحول عبئـًا على تطور التخصص وأن يتسببوا –من غير قصد – في انهيار مقوماته، وكان مكمن الخلل في حساباتهم أنهم لم يتوقعوا النتائج الكارثية التي ستحل ببعض المؤسسات القائمة لاحقـًا، فغادر كثير من تلك المؤسسات بصورة تراجيدية الساحة الإعلامية بعد أن كانت ملء السمع والبصر، ولو أنهم عززوا من علاقتهم البينية مع الشركاء الجدد في حقل الاتصال الذي بات مشاعـًا لكثيرين منهم، وتقبلوا حقيقة التقاطعات التي شكلها نسيج مختلف لقنوات اتصالية غير متناهية، محتفظين بخبرتهم وإرثهم العريق في كيفية صناعة المحتوى المهني، وليس في إدارة وسائله، من دون التشبث بالأدوات التقليدية، لحافظوا على مكانتهم في ثوب جديد قشيب.

وعلى الرغم من ذلك كله، لازال من بقايا الأمس من ظلّ يقاوم التجديد طوعـًا أو كرهـًا ويتمسك بأطر قديمة لا تجاري لغة العصر، من دون محاولة جادة للتطوير الشمولي الذي يستوعب المتغيرات ويتماهى معها، حيث استمروا في إسقاط قواعد عمل الزمن المتواري على واقع الحالة الاتصالية الجديدة، بما في ذلك مسميات المهنة وتصنيفاتها، في صورة تشبه تمامـًا إصرار مَنْ كان قبلهم على بقاء الوسائل، التي انهارت وسقطت معها الرسائل على الرغم من أهميتها، فخسر الجمهور مصادر معلومات ذات إرث تاريخي عريق اتسم بالموثوقية والمصداقية، وللإبقاء على وميض الوهج الذي يوشك على التلاشي، نشأت مجموعات وكذا جمعيات لا تكتفي بتأمل الزمن الجميل أو تتغنى به وتذكر الآخرين بما تحقق فحسب؛ بل إن بعضها يمنح عضويات غير واضحة المعايير أو الأسس، التي تذكّر في بعض ممارساتها بثقافة “صكوك الغفران” التي حتمـًا لن تُدخل أصحابها الجنة، كما أن هذه العضويات لن تعيد المجد القديم.

ومهما كانت قيمة الخسائر المادية والمعنوية التي منيت بها صناعة الإعلام خاصة في الدول النامية، أو حجم الفوضى التي حلـّت بساحته، وكذا درجة تشاؤم المتخصصين والممارسين حول مستقبله، فإن ذلك لا يعني نهاية الإعلام الذي سيظلُّ ضرورة وواقعـًا يفرض ذاته؛ غير أنه بحاجة ماسة إلى أن يخرج أصحابه من الصندوق العتيق بروح أكثر انفتاحـًا، وتطلعـًا للآفاق الأرحب، والتفاعل معها وفق ما يمليه الواقع، لا ما تختزنه العواطف، وذلك على نحوٍ يسهم بجدية في إعادة هيكلته، وترتيب عناصره بما يفضي إلى إعلام عصري مطور ينتظر العالم بدوله ومؤسساته وأفراده ولادته بطريقة موضوعية، وبفكر مختلف ومرن يضع الأمور في نصابها، ويقبل الحقائق، فيحترم كل ممارس للنشاط الاتصالي؛  ويُمنح المساحة التي تتلاءم مع دوره وفقـًا لدرجة تأثيره في الجمهور، في إطار تنظيم مهني شامل منضبط ودقيق.

السياسات الإعلامية في عهد جائحة (كوفيد 19)

ما إن ظهر فيروس كورونا في مدينة (ووهان) الصينية ولفّ العالم، حتى صاحب ذلك متابعة قوية من قبل وسائل الإعلام العالمية، واهتمام واسع النطاق على مستوى العالم للمهتمين في إدارة المخاطر والحد من انتشار الأمراض والأوبئة، في ظل الظروف الصحية التي تطلبت مزيدًا من التوعية الإعلامية والمجتمعية في مجال الوقاية من الإصابة بالفيروس والحد من مخاطره.

لقد أصبح الإعلام مرآة الشعوب والمؤثر الأساسي في توجهات المجتمع، إذ يُعدُّ مركز استقاء المعلومات في القضايا السياسية والاجتماعية، ويسهم في تحريك الفكر البشري وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، من ثم تكتسب الجماهير الاتجاهات الجديدة وتعدل قيمها بما يتماشى مع المتغيرات، لذا يجب الاهتمام بتشريع سياسات إعلامية تُسهم في تعزيز التنمية الوطنية في مواجهة الجائحة، من خلال اتباع إجراءات الوقاية من مخاطر انتشار وتفشي فيروس كورونا.

من المعروف أنه في أوقات الأزمات والكوارث تظهر مجموعة كبيرة من التغيرات في الظواهر المجتمعية المختلفة، مما يعمل على تغيير مسار النشاط اليومي المعتاد، فمنذ تفشي جائحة كورونا في العالم انصاع الإعلام الدولي لمواجهة هذا الانتشار الواسع، وسُخّرت الإمكانات والتقنيات الحديثة للتوعية ومكافحة المرض، إذ إن الإعلام في هذا الجانب أصبح المصدر الأول للمعلومات والأخبار، وزادت معدلات متابعة الصفحات الإلكترونية لوسائل الإعلام المملوكة لكبرى الشركات الموثوقة عالميًّا، إذ أسهم التحول الإعلامي المقروء والمطبوع إلى إصدارات إلكترونية تتماشى مع الإجراءات المتخذة في الحدِّ من انتشار الفيروس، وتقليل عمليات التلامس وتعزيز التباعد الاجتماعي.

واتجهت المنظومات الإعلامية إلى تعزيز أواصر التنمية الإعلامية، من خلال الإعلام الإلكتروني كإحدى الأدوات المهمة في بناء إستراتيجيات التوعية بمخاطر الفيروس، والاستفادة القصوى من منظومة الإعلام الإلكتروني في تطوير أساليب ووسائل التعليم والتدريب التفاعلي عبر الوسائل الإعلامية الحديثة، والتي من الممكن أن تعمل على تأسيس سياسات وطنية منهجية توظف التقنيات التكنولوجية الحديثة في تقليل مخاطر انتشار الفيروس.

والملاحظ أن في أوقات الأزمات يتم الاهتمام بمراجعة وتصميم السياسات الإعلامية التي تحارب التناقض وتعزز الإدراك؛ لأهمية المنظومة الإعلامية في تطوير وتحسين جودة التواصل الجماهيري المباشر مع مختلف المستويات القيادية والحكومية إلى بقية فئات المجتمع.

إلا أن هناك مجموعة من العوامل المؤثرة في رسم السياسات الإعلامية، من أهمها:

-العوامل السياسية

تؤثر العوامل السياسية في رسم السياسات الإعلامية وتوجيه المجتمعات لتحديد شكل آليات الاتصال والتواصل مع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في الدول المختلفة، وهذا من شأنه صناعة الأزمات الدبلوماسية بحكم التغيرات الطارئة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول، ويهتم الإعلام غالبًا في توجيه المجتمعات لتطوير التفاعل مع هذه العلاقات بين الدول، أو الحد منها وبيان آثارها السلبية، وذلك بما يخدم مصالح الدولة.

-العوامل الاقتصادية

للاقتصاد تأثير مباشر في نشأة الصراعات الإعلامية بين الدول والتأثير في قضايا الاقتصاد القومي، كقضايا الدخل القومي والسياسات الإعلامية وخاصة الإعلام الاقتصادي، فالدعاية والإعلام مصاحبان للطفرات الاقتصادية أو تراجع قوة الدولة اقتصاديًّا، ومنه يمكن أن يشكل الإعلام ضغطـًا على الدولة والمؤسسات الرسمية بشكل هائل، لذا لا بد من تحليل السياسات الاقتصادية في الدولة أثناء بناء السياسات الإعلامية وارتباطها بالسياسات الدولية.

-العوامل الاجتماعية

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات المستخدمة في توجيه الرأي العام العالمي، وخاصة في القضايا ذات الحساسية المجتمعية والخلافية، وبالتالي تدمير منظومة القيم والروابط الاجتماعية وتشويه صورة المجتمعات في حال كانت موجهة من قبل مجموعات، كخلايا ضاغطة لديها أجندات تعبوية تستهدف تفتيت الأمن المجتمعي ونشر الأيديولوجيات المتطرفة.

أما فيما يخص السياسات الإعلامية، يجب أولاً فهم المخاطر الناتجة عن الأزمة أيًّا كانت، فخلال تفشي جائحة كورونا، على سبيل المثال، فإن الوضع القائم لانتشار هذا الفيروس يتطلب دراسة المهددات والمخاطر الإعلامية المؤثرة في التكوين المجتمعي، وخاصة في ظل الدعوة المستمرة لاتباع سياسة التباعد الاجتماعي بسبب الفيروس، وكذلك الدعوة لاستخدام وسائل الإعلام الحديثة في العمل عن بُعد أو التعليم أو ممارسة الأنشطة السلوكية البشرية المختلفة، وهذا بدوره سوف يشكل مخاطر على مستخدمي هذه الوسائل الإعلامية ويؤثر سلبًا في الصحة النفسية والبدنية ويتسبب في الإرهاق، مما يتطلب تركيزًا عاليًا في أثناء تنفيذ المهام على الوسائل الإلكترونية.

كذلك ينبغي تحليل الإستراتيجيات الإعلامية عبر تشخيص واقع المنظومة الإعلامية القائمة، ومدى ارتباطها بالمكونات الرسمية والاهتمام بالقضايا الوطنية، وعلى ذلك تتم دراسة القضايا الشائكة والعالقة بين المكونات المجتمعية ومستوى التأثير الإعلامي في الصراعات الداخلية والإقليمية، إذ ارتبطت السياسات الإعلامية بالصراعات وأصبح الإعلام يغذيها ويزيد من وتيرتها ويهدد الاستقرار المجتمعي، ويُسهم في تدني قوة الترابط المجتمعي الإقليمي بين الدول المتجاورة.

إن التحليل الإعلامي يتطلب دراسة الموارد الإعلامية القائمة، وقوة تأثير الشخصيات العاملة في القطاع الإعلامي، لذا تكمن هنا أهمية تحليل السياسات الإعلامية المتبعة في التعامل مع الحدِّ من انتشار فيروس كورونا.

وبعد التحليل للسياسات الإعلامية لا بد من أن يتمَّ العمل على وضع البدائل المختلفة لدراسة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشريعية؛ بغية فهم الوعي المجتمعي، وقدرة المجتمعات على التعاطي مع توجهات الدولة في التوعية والالتزام بالسياسات الوطنية المختلفة، إذ إن توعية المجتمع بالإجراءات المصاحبة للتعاطي مع انتشار الجائحة يجعل المجتمعات تفكر في كيفية استقاء الوسائل الإعلامية للمعلومات والبيانات من مصادرها الرئيسية.

كما أن بناء السياسات الإعلامية يتطلب مشاركة أصحاب الخبرة في تصميمها وتحليل العوامل المؤثرة في بنائها، حيث إن هناك حاجة للخبراء في مجالات التعبئة الجماهيرية والحشد والمناصرة وصناعة القرار في الإجراءات الاحترازية الوقائية من الفيروسات، بالإضافة إلى ممثلين عن المنظمات الصحية المجتمعية والمؤسسات الإعلامية، وذلك بغية الوصول إلى سياسات وطنية واضحة تراعي المصالح الوطنية، وتحد من المخاطر المؤثرة في صحة الأفراد وحمايتهم من الإصابة بالفيروس.

كما أن هناك مجموعة من السياسات المهمة الواجب مراعاتها للتعامل الآمن مع تفشي انتشار الجائحة، وذلك بما يُسهم في بناء منظومة إعلامية يمكنها أن تتماشى مع استدامة الحياة البشرية والتعايش مع مخاطر انتشار الفيروس، ومن ذلك:

سياسات تنظيمية، وهي السياسات الواجب بناؤها لتحقيق الحماية المتكاملة لمختلف الفئات المجتمعية وتحقيق الكفاءة الإعلامية، وذلك من خلال سياسات تنظيم متطلبات الوقاية من انتشار تفشي جائحة كورونا.

سياسات التوزيع، وهي السياسات الواجب أن توزع فيها الجهات المسؤولة المهام بشأن التوعية، فمثلاً توزيع الأدوار على المؤسسة الصحية والإعلام الصحي والإعلام التقني، وما يصاحب ذلك من توزيع للموارد والإمكانات، وما يتطلب ذلك من توجيه المواطنين بوساطة الإعلام، للوصول للموارد والسلع الأساسية وغيرها من آليات التوزيع.

سياسات وقائية، وهي السياسات التي لا بد من خلالها تعزيز المنظومة الوقائية الإعلامية وتسخير الإمكانات والموارد الإعلامية المختلفة، لتعزيز التوعية المجتمعية والآليات الواجب اتخاذها من قبل السكان لمنع تفشي انتشار الفيروس والتوعية بأساليب الوقاية منه.

والخلاصة، إن هناك مجموعة كبيرة من السياسات الواجب اتباعها من قبل المجتمع الدولي لتوجيه الإعلام لخدمة السياسات الوقائية المختلفة في مواجهة تفشي انتشار الفيروس، إذ إن الواقع الذي نعيشه يتطلب منا البحث عن سياسات تعمل على التعايش الآمن مع انتشار الفيروس، وهذا يتطلب الدراسات الواقعية من خلال ورش عمل تناقش قضية تفشي الفيروس، ودور التوجيه الإعلامي في الحد من انتشاره.

لقد أسهم انتشار الفيروس في تغيير مسار الحياة البشرية، وزيادة الاعتماد على تكنولوجيا الإعلام الاجتماعي في الاستفادة منها ضمن العناصر البشرية لتحقيق الأهداف التنموية، وما يرافق ذلك من السياسات التعليمية والصحية الملازمة لتعزيز الإعلام المجتمعي التفاعلي، واستخدام الوسائل التقنية في عقد اللقاءات والاجتماعات وورش العمل.

وهذا بلا شك يستدعي من المؤسسات الرسمية المتابعة الحثيثة لوسائل التواصل والإعلام التفاعلي، وتشديد الرقابة على كل ما يثير قضايا خلافية تؤثر في نمط الحياة الطبيعية، مثل نشر الإشاعات حول أعداد الإصابات أو الوفيات أو توجيه الأفراد لمخالفة التوجهات الرسمية في مكافحة مخاطر الفيروس وآثاره في الدولة.

القوة الناعمة في الإعلام (2)

تُعدُّ القوة الناعمة مصطلحًا حديثـًا لم يظهر إلا في أواخر القرن العشرين، والإعلام – بشكليه التقليدي والحديث – يعتبر من أهم أدوات القوة الناعمة، حيث يوصف بأنه الذراع الأقوى للقوة الناعمة، وكما أن الإعلام يُعدُّ أهم أداة للقوة الناعمة في بناء المجتمعات، فهو ‒ أيضًا ‒ أحد أخطر أدواتها المدمرة لتلك المجتمعات، وهو ما أوضحناه بالتفصيل في المقالة السابقة، بالإضافة إلى قدرة الأجهزة الإعلامية، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، على التأثير بشكل إيجابي أو سلبي في المتلقين وفرض آراء معينة عليهم.
وفي هذا الجزء من السلسلة سيتم التركيز على الإعلام كأداة من أدوات القوة الناعمة ووسيلة مهمة للتأثير في الشعوب.

الإعلام .. ملتقى أدوات القوة الناعمة
ذكرنا أدوات متعددة للقوة الناعمة، مثل: الثقافة، واللغة، والسياسة الخارجية للدول، والمساعدات الإنسانية، والسياحة، والرياضة وغيرها، ولكن هل من الممكن أن نتخيل نجاح نشر تلك الأدوات وترويجها من دون وجود آلة إعلامية عصرية وقوية تعمل على تحقيق ذلك الهدف؟
إن الإجابة عن هذا السؤال بسيطة جدًّا، وذلك من خلال الاطلاع على واقعنا الذي نعيش فيه، فالإعلام هو مـَن ينشر الثقافة والعلوم والأحداث الرياضية، وهو مـَن يلمع السياسات الخارجية للدول، وهو مـَن يبرز الدور الإنساني الذي تقوم به، وبالتالي يمكن وصف الإعلام بأنه (اليد الصلبة للأدوات الناعمة).

الإعلام وتنظيمه منذ القدم
إن ظهور مصطلح القوة الناعمة في نهايات القرن العشرين لا يعني أن أدواته
– وأهمها الإعلام – هي أدوات حديثة، بل هي قديمة قدم البشر، والإعلام كان ولا زال له دور مؤثر في حياة الشعوب.
كما أن تعاطي وسائل الإعلام مع الأحداث لم يكن يتم بشكل عشوائي أو ارتجالي، بل كان يتم بتنظيم يضمن له نجاحه وتحقيق هدفه، وهو التأثير في أكبر عدد ممكن من المتلقين، ففي الجزيرة العربية وقبل أكثر من (15) قرنـًا كان شعراء القبائل يجتمعون في أسواق أدبية لوصف شجاعتهم وكرمهم وقوتهم من خلال تصوير المعارك التي شاركوا فيها، فقد كانت تلك الأسواق عبارة عن منابر إعلامية لتلك القبائل، مثل سوق عكاظ التاريخي.

القوة الناعمة للإعلام والقوة الصلبة للجيوش
إن تطور الإعلام ووسائله بهذا الشكل السريع واللافت جعل منه جهازًا يتفوق على الأجهزة العسكرية، ويحقق نتائج لا تستطيع الجيوش المدججة بالأسلحة أن تحققها، ولعل أبرز مثال يؤكد هذه المقولة ما حققته وسائل الإعلام إبان الحرب الباردة، فالحرب التي استمرت لأكثر من أربعين عامًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي كانت عبارة عن حرب نفسية سلاحها الإعلام والدعاية، وفي النهاية تفوقت الولايات المتحدة الأمريكية من دون حرب عسكرية، بل بتأثير إعلامي واسع أدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد كانت وسائل الإعلام وأبرزها الإذاعات المؤيدة للدعاية الأمريكية أهم الأسلحة الموجهة لنقد النظام الشيوعي، ونشر الكراهية ضده في أوروبا وأمريكا، وكانت إذاعات أوروبا الحرة ولندن وصوت أمريكا أهم الأدوات التي تعزف تلك الدعاية الأمريكية.

الإعلام والتطرف
في هذا الجزء، نستعرض مثالاً معاصرًا لمدى تأثير الإعلام في ظاهرة واحدة فقط وهي ظاهرة الإرهاب والتطرف.
لقد تطور مفهوم الإرهاب منذ ثمانينيات القرن الماضي من خلال استحداث مصطلحات مثل التطرف والتطرف العنيف، ومثلما تطور هذا المصطلح على مرِّ الزمن فقد تطورت الأساليب الدعائية للإرهابيين وطرق تجنيدهم، وذلك من خلال استخدام القوة الناعمة وأدواتها ومن بينها الأداة الإعلامية، وهنا نؤكد مرة أخرى بأن القوة الناعمة لا تعني بأنها تستخدم استخدامًا إيجابيًّا في جميع الحالات، فمن الممكن استغلال هذه القوة في تدمير الدول وتأجيج الحروب وإثارة الاضطرابات.
إن المراقب لتاريخ التنظيمات المتطرفة سيلاحظ مدى التغير في استخدام وسائل التجنيد، فبعد أن كان التجنيد يتم إجباريًّا من خلال الهجوم على بعض المناطق وأسر المتواجدين فيها بغرض تجنيدهم، أصبحت عملية جذبهم لتلك التنظيمات من خلال الاجتماعات السرية الصغيرة أو من خلال منشورات بدائية، تشجع على تبني الفكر المتطرف لهذه التنظيمات، والذي قد يكون أساسه ديني أو عرقي أو غير ذلك.
ومن ثم تطور هذا الأمر حتى أصبحت عملية التجنيد تتم من خلال نشر فيديوهات دعائية بدائية، إلى أن وصلنا إلى الاستخدام الاحترافي لوسائل التواصل الاجتماعي، والتي سهلت من عملية التواصل مع الهدف حتى لو كان على بُعد آلاف الكيلومترات من مراكز التنظيمات الإرهابية، فقد ظهرت أساليب حديثة للتجنيد تعتمد على القوة الناعمة لهذه التنظيمات المتطرفة، وهو ما يدعى بتجنيد “الذئاب المنفردة”، وذلك يتم من خلال وسائل الجذب المتمثلة في الفيديوهات والمنشورات والألعاب الإلكترونية التي تحرض على العنف، حيث يقوم الهدف المتلقي بتطبيق كل ما يراه أو يسمعه من تلك الجهات على أرض الواقع، ويكتفي التنظيم بإعلان مسؤوليته عن هذا النوع من الحوادث، مما يحقق دعاية تضاف إلى رصيد ذلك التنظيم.
فلو أخذنا على سبيل المثال تنظيم “داعش” الإرهابي، فسنرى بأن من أهم الأسباب التي مكنت هذا التنظيم من الظهور واستمراريته لهذا الوقت هو التفوق الإعلامي، فلأول مرة يملك أحد التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط هذه الماكينة الإعلامية القوية التي سهلت إيصال رسائله الدعائية بكل سهولة، كما مكنت هذه الاحترافية في استخدام وسائل الإبهار من جذب عدد كبير من المقاتلين والمتعاطفين على الرغم من بشاعة ما تنشره الأذرع الإعلامية لهذا التنظيم، بل إن هذا التنظيم تمكن بأسلوبه العصري من إيصال رسائله إلى فئة من الشباب الغربي، بل وتقبلها البعض من أصحاب الخلفيات الأوروبية.
ومن هنا يمكن القول : إن التنظيمات التي كانت تُعدّ في السابق الطرف الأضعف في المعادلة، أصبحت تجاري أو تتفوق في بعض الأحوال على الطرف الآخر المكافح لها، وذلك بفضل تطور إستراتيجيتها المرتبطة باستخدام القوة الناعمة، ومن هنا برزت حاجة الدول والمجتمع الدولي إلى تطوير أساليب مكافحة الإرهاب المعتمدة على القوة الناعمة – وخاصة الاستخدام الأمثل لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي – بالإضافة إلى استخدام الأساليب العسكرية أو الصلبة.

الاستثمار في الإعلام
في وقتنا الحالي يتفق كثير من صناع السياسات مع مقولة “مـَن يملك الإعلام يملك العالم”، وبالتالي فقد ارتأت بعض الدول أن الاستثمار الهائل في الإعلام هو المفتاح لبوابات الاستثمار الأخرى.
تُعدُّ فكرة التحول الأكاديمي لمفهوم الإعلام من أهم أدوات الاستثمار في الإعلام، فلم يعد الإعلام مجرد مهنة تكتسب من خلال الخبرة والتدريب التقليدي، بل أصبح علمًا لديه نظرياته الخاصة وأساليبه التجريبية التي تُعدُّ من أهم أساليب التدريب ونقل الخبرات، ولقد أسهمت مؤسسات التعليم العالي من خلال افتتاح كليات الإعلام في إحداث ثورة في الفكر الإعلامي، كما تزايد الطلب على افتتاح معاهد تدريبية تخصصية في مجال الإعلام من أجل ترسيخ هذا الفكر المتطور والمرتبط بما يسمى صناعة الإعلام.
إن هذا الاهتمام بالإعلام حولها لأحد أهم الصناعات في العالم، والاستثمار في هذه الصناعة لا يُعدّ استثمارًا عاديًّا أو تقليديًّا فقط، بل تعدى ذلك لأن يكون نوعًا من أنواع الاستثمار في المعرفة.
لفترة قريبة جدًّا كان الإعلام مقيدًا نسبيًّا فيما يسمى بالمحلية، إلى أن نقلته الثورة المعلوماتية إلى العالمية، وأصبح القائمون على وسائل الإعلام هم القادة الجدد للعالم، كما استطاعوا أن ينتزعوا سلطات كثيرة من أيدي السياسيين سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال التأثير في الرأي العام واستمالة الجماهير.
ولذلك لاحظنا في الفترة الأخيرة اهتمام بعض الدول العربية ببناء واستحداث منصات إعلامية تهدف إلى التأثير في الرأي العام العربي والإقليمي والعالمي، وعندما أرادت دول أخرى الدخول للمنافسة لم تجد الوقت الكافي لاستحداث قنوات ومنصات جديدة، بل اتجهت نحو الاستحواذ على منصات عالمية موجودة فعليًّا سواء كانت قنوات إعلامية أو صحف أو منصات إلكترونية.
مما سبق يتبين مدى أهمية الإعلام في جذب الآخر والتأثير في الرأي العام وتبديل الآراء والقناعات، ومن الممكن وصف أداة الإعلام بأنها (اليد الصلبة للأدوات الناعمة).
وختامًا، فمن المناسب عرض بعض التجارب عن مدى نجاح الدول في استغلال وسائل الإعلام لتعزيز قوتها الناعمة، من خلال جذب الآخر سواء كانوا أفرادًا أو حكومات، أو من خلال تحسين وتغيير الصورة النمطية السائدة عن بعض الدول، ففي الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة، سيتم عرض بعض النماذج لدول نجحت في تسخير أدوات القوة الناعمة – وبخاصة أداة الإعلام – لخدمة مجتمعاتهم، كتجارب دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية.