على طريق الخمسين .. رؤى طموحة تعزز حضور دول المجلس في مصاف العالم المتقدم

مراكز الطليعة في المؤشرات العالمية تؤكد نجاح الاستراتيجيات الخليجية

قطعت دول الخليج أغلب المسافة على طريق اليوبيل الذهبي تحت مظلة مجلسها الذي بلغ أشده ليزداد شباباً، وسطرت العديد من منجزات الخليجيين في سجلات التاريخ لتمثل في الوقت نفسه دوافع متحفزة لانطلاقات أكثر عنفواناً خلال العقد الخامس، من أجل جعله عقداً فريداً بمزيد من الطموحات المتحققة، لاسيما بعد أن أصبح وجود الدول الخليجية في مراكز متقدمة لكثير من المؤشرات العالمية ذات الصلة بتنمية الإنسان والتقدم الحضاري وتوفر البيئة الملائمة للحياة الكريمة.

هذا المشوار الممتد ما بين 1981م -2021م، حفل ويحفل وسيحفل بالكثير من الأحداث التي ظل الخليجيون يصنعون منها عوامل قوة، وسيواصلون هذا النهج في إطار وحدة أهدافهم المشتركة واتساق توجهاتهم الراهنة والمستقبلية، فمتغيرات العالم وتحولاته تعيد إلى الأذهان ضرورات توحيد الصف، والتحديات الدولية تجدد أهمية أن يعزز الخليجيون تكتلهم ليكتسب قيمته يوماً بعد يوم كمركز عالي الموثوقية للاستقرار والازدهار في ظروف عالمية بالغة التعقيد.

وفي هذا السياق، يمكن لنظرة سريعة أن تمنح المواطن الخليجي الطمأنينة تجاه استشراف الغد المشرق، فالدول الست تمضي قدماً باتجاه تعميق روابطها ومصالحها وتوحيد عدد كبير من تشريعاتها، الأمر الذي سيضمن تعزيز البيئة الاستثمارية وحسن توظيف الطاقات البشرية والإمكانات المادية والبيئية والجغرافية، وهو ما سينعكس بتقدم غير مسبوق من حيث الإنتاجية والتنافسية في منطقة تعد اليوم مركزاً مالياً إقليمياً، ومنصة لوجستية عالمية، بجانب اجتذابها لقطاعات الأعمال والعلامات والمشاريع التجارية في سوق هو الأسرع نمواً على مختلف الأصعدة.

إلى جانب ذلك، ومع ما يشهده العالم من خطوات متسارعة باتجاه اقتصاد المعرفة، والاستعداد لمرحلة ما بعد الاعتماد على الموارد التقليدية، أقرت دول مجلس التعاون برامج ورؤى استراتيجية تؤسس لإحداث نقلات نوعية حقيقية يتحقق معها التنوع الاقتصادي وإثراء الموارد واستدامة التطور واستحداث قطاعات تصب مخرجاتها في خدمة الأجيال المقبلة، تلتقي أهداف هذه الرؤى معاً، وان اختلفت آلياتها التنفيذية أو تواريخها النهائية، لكنها جميعاً تجعلنا نحصل على صورة مبدئية لما سيكون عليه الحال في مجلس التعاون بإذن الله عندما يحتفل بدخول عامه الخمسين.

 

مسبار وأمل

في دولة الإمارات العربية المتحدة، احتفلت الدولة في العام 2021 بالذكرى الخمسين لتأسيسها مدشنة هذه المناسبة بمبادرة مسبار الأمل لاستكشاف المريخ، فضلاً عن اعتماد منظومة من الخطط المستقبلية للفترة ما بين 2021-2030 من أبرزها الرؤية الاقتصادية لإمارة أبو ظبي 2030 والاستراتيجية الصناعية لإمارة دبي 2030، وذلك من خلال استراتيجيات محددة الأهداف تشمل مختلف إمارات الدولة وتغطي مجالات عدة منها الطاقة النظيفة والمدن الذكية والاستثمار والأمن المائي والغذائي والابتكار والنقل والتقنيات الحديثة وغيرها، فيما يشهد هذا العام 2021 استضافة الحدث الاقتصادي الأضخم عالمياً اكسبو 2020 في إمارة دبي والذي سيمثل مرحلة مهمة في الحراك الاقتصادي والتنموي والتوسع الحضاري للإمارة، كما تتجه الخطط الإماراتية كذلك إلى الهبوط على سطح القمر في العام 2024 من خلال المستكشف الذي أطلق عليه اسم (راشد)، وقد جاءت هذه التطلعات لتتوج نهجاً مؤسسياً ظل الإماراتيون يقدمونه بشكل ملهم ومشرف عالمياً، وبشغف مستمر نحو الأسبقية المستحقة.

 

نحو منافسة عالمية

من جانبها، تسعى مملكة البحرين من خلال رؤيتها الاقتصادية 2030 التي تم إطلاقها في العام 2008 إلى تحويل الاقتصاد البحريني من الريادة الإقليمية إلى المنافسة العالمية من خلال ملامح واضحة للتطوير والنمو الاقتصادي الذي يرافقه بناء حياة أفضل لسكان المملكة وتطوير رأس المال البشري والتوسع في البنى التحتية المحفزة للنمو واستقطاب الاستثمارات العالمية، وقد ارتكزت الرؤية على ثلاثة مبادئ رئيسة هي الاستدامة والعدالة والتنافسية، فيما تتمثل أحد أبرز ركائز هذه الرؤية في النهوض بدور القطاع الخاص ليلعب دوراً أكبر يجعله المحرك التنموي الرئيسي في حين سيصبح دور القطاع الحكومي هو المنظم والشريك لعملية التنمية الشاملة، وتتميز الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030 بارتباطها الوثيق بجميع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة مع تطبيق مراجعة متواصلة لآليات تنفيذ برامجها في الإصلاح الاقتصادي وخططها لمواجهة مختلف التحديات، كما تضع الرؤية في اعتبارها تعزيز الموارد البشرية البحرينية بالخبرات العالمية، وحماية التراث الثقافي والبيئة.

 

ريادة وقيادة

أما في المملكة العربية السعودية، فقد باتت رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واحدة من أبرز المعالم المبشرة لمستقبل المملكة بما لها من ثقل على المنطقة والعالم ككل، رؤية أكملت في هذا العام 2021 خمسة أعوام على إطلاقها وقد أنجزت تحولات جذرية تاريخية في الاقتصاد السعودي، بجانب ما رافقها من تحديث شامل على مستوى الأنظمة والتشريعات والإعلان عن استراتيجية وطنية صناعية هي الأضخم في تاريخ المملكة باستثمارات تقدر بأربعة تريليون ريال خلال السنوات العشر المقبلة، بالإضافة إلى الإعلان عن مشروعات ضخمة مثل “نيوم” و”القدية” و”البحر الأحمر” و”ذا لاين” و”أمالا” و”السودة”، بجانب استراتيجية تهدف لجعل الرياض ضمن أكبر (10) مدن اقتصادية في العالم، لقد أصبحت رؤية السعودية 2030 بمثابة البوصلة التنموية لمستقبل الاقتصاد السعودي، الأكبر في المنطقة، بما يرسم واقعاً جديداً كلياً من حيث السياحة والاستثمار والنقل والتقنية وجودة الحياة، رؤية بثلاث محاور أساسية هي “وطن طموح “،”مجتمع حيوي”،” اقتصاد مزدهر”، انطلقت من قلب الخليج العربي في الرياض، بهمة سعودية نحو قمم عالمية.

 

قدرات وطموحات

سلطنة عمان وضعت هي الأخرى خطتها الواعدة 2040، وهي خارطة الطريق التي اعتمدتها السلطنة لتحقيق التوازن الاقتصادي بعيداً عن النفط والغاز الطبيعي اللذين كانا أساس نموها الاقتصادي خلال السنوات الماضية، حيث تهدف هذه الرؤية إلى النهوض بإسهام القطاع غير النفطي إلى نسبة 93% من الناتج الإجمالي وذلك بالتركيز على خمسة قطاعات أساسية هي السياحة واللوجستيات وصيد الأسماك والتعدين والتصنيع، وقد وضعت السلطنة لهذه الرؤية ثلاثة محاور هي الإنسان والمجتمع، الاقتصاد والتنمية، الحوكمة والأداء المؤسسي، كما أعلنت عن عدة أولويات وطنية في هذا الصدد، تشمل التعليم والبحث العلمي وتطوير القدرات المحلية وبناء المعرفة وتحقيق مستويات ريادية في مجالات الصحة والثقافة والتجارة والرفاه المجتمعي والتنويع الاقتصادي والاستدامة المالية وحسن استخدام الموارد الطبيعية.

 

تطور واستدامة

في جانب آخر، فإن الحدث العالمي الضخم باستضافة دولة قطر لكأس العالم 2022 يمثل ملمحاً واحداً، من الحاضر الزاهر والمستقبل الواعد لهذه الدولة الخليجية التي شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الماضية، وقد شمل ذلك مشاريع البنية التحتية وقطاعات الصناعة والطاقة والمال والأعمال، وتمثل رؤية قطر الوطنية 2030 الموجه الأساسي لهذه الخطوات الواثقة من خلال رسالة تنص على “تحويل قطر إلى مجتمع متقدم قادر على تحقيق التنمية المستدامة” اعتماداً على أربع ركائز هي النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، والتنمية البشرية، والتنمية البيئية، ومن شأن هذه الرؤية أن تقود جهود الدولة في الإدارة الفعالة للاقتصاد الوطني بما في ذلك التأسيس لاقتصاد قائم على المعرفة ومع التركيز على الكفاءات الوطنية وتوسيع نطاق إسهامها في شتى أوجه سوق العمل، في حين تعنى التنمية الاجتماعية بتعزيز القيم الثقافية والإنسانية والأسرية وتهدف التنمية البشرية إلى رفع مستويات الصحة والتعليم وفرص العمل، وتهتم التنمية البيئية بتحييد التلوث وتعزيز النمو الحضري المستدام.

 

كويت جديدة

أما دولة الكويت، فهي تؤسس اليوم لتحقيق رؤيتها المستقبلية الطموحة 2035 والتي اختارت لها عنوان “كويت جديدة” وقد تم إطلاقها في العام 2017 إبان عهد الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح، مرتكزة على خمسة توجهات هي: مشاركة المواطن واحترام القانون، حكومة فاعلة، اقتصاد مزدهر ومستدام، دولة مزدهرة، مكانة عالمية متميزة، كما تعنى هذه الرؤية ضمن أولوياتها ببناء رأس مال بشري إبداعي، وتحسين الأداء الحكومي، والارتقاء بمعايير الرعاية الصحية والبنية التحتية وجودة المعيشة وتسهيل الإجراءات الإدارية للاستثمار وريادة الأعمال والتوسع في مجال الإسكان، وفي حين تعوّل الرؤية على مقومات مؤثرة تملكها الدولة مثل الموقع الجغرافي والبنية التشريعية والنظام القضائي، فهي كذلك تعنى بتعزيز السياسات الخارجية المتزنة لدولة الكويت ومكانتها الدبلوماسية وإسهاماتها في مجالات العمل الخيري والتبادل الثقافي والتجاري.

 

وللأرقام كلمة

تجدر الإشارة إلى أن المساحة الإجمالية لدول الخليج العربي تبلغ 2.4 مليون كم2، يسكنها 57.4 مليون نسمة، وفقاً لما نشره مركز الإحصاء الخليجي بمناسبة قمة العلا، والذي أشار إلى خطة تستهدف تحقيق الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس في عام 2025، كما ذكر أن حصة دول التعاون من إنتاج النفط ما نسبته 22.8% عالمياً، فيما تبلغ حصتها عالمياً من احتياطي النفط الخام 31.5%، وهي الأولى عالمياً في الحصتين، وتبلغ حصتها من احتياطي الغاز الطبيعي العالمي 20.6% بالترتيب الثاني عالمياً.

وقد أشار المركز كذلك إلى أن إجمالي الصادرات السلعية البينية غير النفطية قد وصل إلى 32 مليار دولار أمريكي، فيما بلغ إجمالي الصادرات البينية النفطية 18.6 مليار دولار أمريكي، في حين وصل إجمالي رؤوس الأموال للشركات المساهمة المسموح تداول أسهمها لمواطني دول مجلس التعاون 376 مليار دولار، ومثلت إسهامات الأنشطة غير النفطية 71% من الناتج المحلي الإجمالي ، و17% من إجمالي الصادرات السلعية و37% من إجمالي الإيرادات الحكومية لدول مجلس التعاون الخليجي.

من أبو ظبي إلى العلا .. قصة تأسيس ومسيرة نجاح تسير بخطى واثقة نحو القمم

عندما اكتشف الأشقاء في الخليج جوهر قوتهم ولالئ غدهم الواعد

تنشأ التحالفات في العالم من وقت لآخر ولأسباب مختلفة، اعتماداً على رغبات مشتركة بين أعضائها الذين قد لا يرتبطون مباشرة بحدود جغرافية وقد لا يتحدثون ذات اللغة، ومع بروز الكثير من المتغيرات التي وضعت بصمتها خارطة العالم خلال العقود الماضية، ظهرت عدة تكتلات إقليمية وكيانات اقتصادية وتحالفات عسكرية، وهي خطوات وصفت فيما بعد بأنها الطريقة الأفضل لمواجهة التحديات بشتى أنواعها، وتحقيق السلم والنماء.

لكن عوامل التحالف جميعها تبقى محدودة حين نقارنها بما تملكه دول الخليج العربي الواقعة بشكل متجاور شرق الجزيرة العربية، في هذا النطاق الجغرافي الاستراتيجي وبالغ الأهمية بالنسبة للعالم ككل، تجانس يمتد عبر التاريخ نحو جذور واحدة تجمع شعوب هذه الدول ومكوناتها الديموغرافية وعاداتها وتقاليدها، يبدو الأمر كعائلة واحدة تمتد في مجموعة دول كان لكل منها تجربته الخاصة في التشكل والبناء، هذا المنطلق الراسخ كان النواة الأولى للفكرة التي جمعت الشعب الخليجي لأول مرة في منظومة مؤسسية واحدة، وحينها لم يبدُ الأمر جديداً، وإنما جاء كلحظة طبيعية تم التقاطها لتكمل الصورة المطلوبة، بعد توفر كل عناصرها سلفاً.

ولادة الفكرة

بزغ أول بصيص أمل للفكرة في ذهن أمير دولة الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح -رحمه الله- في منتصف السبعينات خلال زيارة قام بها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ولقائه برئيسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان الأساس قراءة سياسية لواقع منطقة الشرق الأوسط وما شهدته من أحداث وصراعات كانت تتطلب تأمين دول الجزيرة العربية والحفاظ على أمنها، وذلك من خلال تكتل خاص بهذه الدول.

بين إيمان الشيخ جابر بالفكرة، وحكمة الشيخ زايد صاحب الدور الريادي في تأسيس اتحاد الإمارات، رأت المسودة الأولى النور عبر بيان دعا لتشكيل لجنة وزارية بين وزيري خارجية البلدين، ليصبح التشاور المتسارع لإنشاء الكيان لغة المرحلة التالية، بجهود واضحة للشيخ سعد العبدالله الصباح -رحمه الله- وصولاً إلى ديسمبر 1978م، حيث صدرت خلال أسبوع واحد ثلاث بيانات متتالية لدولة الكويت مع كل من البحرين وقطر والإمارات، تتفق جميعها على ضرورة الوحدة بين هذه الدول، بما يجعل منها حصناً منيعاً للسيادة أمام أي تهديد محتمل، ويؤسس لتعزيز مصالحها وخير شعوبها.

طرح الشيخ جابر، الذي كان حينها ولياً للعهد، هذه الفكرة في قمة جامعة الدول العربية في عمان في العام 1980م، وتضافرت جهود وزراء خارجية الدول الست فيما بعد لاستكمال الهدف، حتى تم الإعلان في فبراير 1981م، عن تأسيس مجلس التعاون من الرياض التي توجت جهود إنشائه واحتضنت مقر أمانته العامة، وفي شهر مايو من العام التالي 1981م، رأت الفكرة النور في أبو ظبي، حيث انعقدت أول قمة لمجلس التعاون، وحينها وقع قادة كل من: الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة قطر ودولة الكويت على الصيغة الأولية لمنظومة التعاون التي ستجمع هذه الدول انطلاقاً من سماتها المشتركة وعلاقاتها الوثيقة وإيمانها بوحدة المصير والهدف.

منذ ذلك الوقت، عرفت السياسة الإقليمية والدولية مولد كيان جديد يقوم على مقومات تاريخية واجتماعية وثقافية راسخة تم دمجها في مجلس يمثل عاملاً لإرساء الأمن والتنمية في منطقته، ومصدر ثقة للاقتصاد والسلم الدوليين عطفاً على ما تملكه هذه الدول من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي للتجارة العالمية، ومشاريع ضخمة على مستوى البنية التحتية والطاقة، وجميعها عوامل تصبح أكثر قوة مع وجود مظلة مؤسسية تحمي مصالح هذه الدول وتوحد جهودها لمصلحة مواطنيها، وتكتشف جميع مسارات العمل المشترك فيما بينها.

وإن كانت أبجديات السياسة تتحدث عن علاقات متغيرة ومصالح دائمة، فقد جاء مجلس التعاون الخليجي بحقيقة تم إثباتها على الأرض، وهي أن العلاقات المتجذرة بامتداد التاريخ والجغرافيا هي علاقات دائمة ويمكن تطويعها لمصلحة سياسة بناءة واقتصاد مزدهر، وفي الوقت الذي كانت فيه مبادئ الأخوة وأواصر التمازج الأسري أسباباً قوية لتوحيد أبناء الخليج العربي، إلا أن تكتلهم الوليد حينها لم يكتف بذلك بل بدأ مباشرة في وضع خطط عملية بالغة الوضوح والتفصيل ليتم اعتبارها خارطة طريق وبرنامجاً يتم تنفيذه على أرض الواقع، على الفور.

تعاون وتكامل

نص النظام الأساسي على تحقيق التعاون والتكامل في دول المجلس في جميع المجالات واضعاً وحدة هذه الدول كهدف يمكن الوصول إليه، كما نص على توثيق الروابط بين الشعوب ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية، والمالية، والتجارية والجمارك، والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والاعلامية والسـياحية، والتشـريعية، والإدارية، ودفع عجلـة التقـدم العلمـي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية وإنشاء مراكز بحوث علمية، وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص، كانت هذه المحاور هي البداية فقط، والمقدمة لكل ما هو أكبر فيما بعد.

مع بداية الثمانينات، حين تم تأسيس المجلس، كانت الدول الخليجية تضع الأسس التنموية لبناء واقع زاهر ومستقبل مشرق من خلال الاستثمار في أبنائها وهم أهم ثرواتها، والاستفادة من مواردها الطبيعية، جاء مجلس التعاون ليمنح هذه المرحلة قوة الثقة والتكامل بين الدول الست، وهي تمضي قدماً نحو اكتشاف وصنع غدها الأفضل، ليتجسد أثر ذلك خلال السنوات والعقود التالية، حين توسعت آفاق النهوض في الدول الخليجية، وتحركت فيها قطاعات الصناعة والإنتاج، وأصبح لها حضورها المؤثر في اقتصاد العالم، الأمر الذي كان يشكل عاماً بعد عام حقيقة هذا المجلس وهو يحوز احترام وتقدير الجميع، هذا الكيان القوي الذي يضم دولاً تزداد قوة ببعضها.

كان الشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله، يردد بأن المجلس هدية الآباء لجيل المستقبل، وهو تنبؤ واثق يضم في عمقه الثقة في استمرار المجلس متماسكاً وفي مواصلة مسيرة عطائه وتنميته، وقد كانت هذه الروح حاضرة لدى أشقائه القادة المؤسسين لمجلس التعاون الخليجي رحمهم الله جميعاً، والذين كان هدفهم منذ البداية الوصول إلى صيغة تعاونية هدفها تحقيق التنسيق والتكامل وتوحيد مسارات دولهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

نجحت هذه المساعي فيما بعد أن تؤسس المجلس الذي يعد اليوم أبرز وأهم اتحاد سياسي في منطقة الشرق الأوسط، والذي أظهر صلابة واضحة في وجه تحديات سياسية واقتصادية استثنائية، ويرجع ذلك إلى الاستناد دوماً على سياسات حكيمة ومتزنة تحمل على عاتقها مسؤولية تلبية تطلعات الشعوب، ولا تتخلى عن أهم ميزاتها المتمثلة في نجاح الخليجيين في تحويل روابطهم الأخوية والاجتماعية إلى حقائق سياسية وتنموية، وهو ما لم يحدث في أي نماذج مشابهة من حيث امتلاكها الامتداد عبر المساحة الجغرافية أو انطلاقها من المكونات الإنسانية المشتركة.

هذا الإرث على مستوى العلاقة والهوية، صنع فيما بعد إرثاً على صعيد السياسة، زاده موثوقية ما تمتعت به أجيال من قادة المجلس من سمات قيادية وشخصيات مؤثرة ذات رؤى استراتيجية حكيمة، بجانب ما عرفت به هذه الدول ومواطنوها من تلاحم بين القيادة والشعب، وكانت نتيجة ذلك ثبات هذا الكيان مقارنة بتكتلات إقليمية ودولية تصدعت أو تفرقت رؤاها تحت تأثير الظروف والتحولات المختلفة.

 

عمل مؤسسي

توالت السنوات والعقود، ومجلس التعاون يؤكد تفرد تجربته، بمستوى عال من التنسيق والإنجاز في جميع مراحله، وبالطريقة المتقنة التي تدار بها أولوياته وأعماله، وبينما يواصل الأمناء العامون من أبنائه أصحاب الكفاءة المهنية الفذة قيادة دفة الجهود الطموحة، كُتبت العديد من قصص النجاح، ونشأت الكثير من المشاريع المشتركة ذات العمل اليومي وذات الطابع المؤسسي المستدام، كان المجلس ومازال رحلة اكتشاف مستمرة لما يمكن تحقيقه، ومن ثم تحقيقه.

على المستوى الخارجي، أثبتت الوقائع على مر العقود الأربعة الماضية أن تأسيس مجلس التعاون كان خبراً عظيماً للعالم أجمع، فقد أسس المجلس لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الخليجية، كما ظل مجلس التعاون يتصدر جهود الإسهام في إقامة وحفظ السلم الإقليمي والدولي، داعماً أدوار الأمم المتحدة، ومقدماً المبادرات والوساطات لتحييد الصراعات وإعلاء قيم الأخلاق واحترام الإنسان، وكانت دول المجلس حاضرة باستمرار لتقديم الدعم والإعمار والإغاثة لمحتاجيها، في كل أنحاء المعمورة.

ولأن المتغيرات والتحولات جزء من مسيرة التاريخ والسياسة، فقد مر مجلس التعاون خلال السنوات الأربعين الماضية بعدد من الأحداث المفصلية، سواء كان ذلك ضمن محيطه أو ضمن العالم الذي يظل الخليج جزءاً منه، وكانت تلك المنعطفات التاريخية بمثابة اختبارات حقيقية لإثبات صلابة موقف هذا الكيان الذي نشأ على وحدة الصف كمبدأ، وعلى النهج المتوازن الثابت المحتكم لصوت العقل ووحدة المصير في إدارة كل الملفات مهما بلغت في تعقيدها.

تعرضت دولة الكويت للاحتلال، وهي المبادِرة بفكرة مجلس التعاون ومساعيه الأولى، فوقف المجلس معها، وقف الجنود الخليجيين في الصف نفسه، وحشدت الدبلوماسية الخليجية جهود العالم حتى تحقق التحرير.

ومع مطلع العقد التالي فوجئ العالم بأحداث سبتمبر وما تبعها من أحداث إرهابية لم تستثن حتى بعض دول المجلس، فلم يزد الخليجيون إلا قوة وتماسكاً في بيتهم الكبير، وعندما عصفت الثورات باستقرار المحيط العربي، كان لمجلس التعاون وقفته الحازمة محافظاً على الأمن والسلم، ولم يسمح بأي محاولات لتهديد الدول الأعضاء.

وظل مجلس التعاون مؤكداً على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى حق دولة الإمارات في استعادة جزرها المحتلة، وعلى رفض كل تدخلات النظام الإيراني في شؤون المنطقة، وسلوكياته المهددة للأمن الإقليمي، وأخيراً.. شاهد العالم بأسره سياسة البيت الواحد وهي تحتوي الأزمة الخليجية بأعلى درجات الحكمة والدبلوماسية التي تقودها الأخوة الصادقة، حيث لا يفقد الأشقاء الاعتصام إلى ما يجمعهم.

 

منهج سياسي مميز

أربعون عاماً، من “أبو ظبي” إلى “العلا”، كان مجلس التعاون يسير فيها بخطى واثقة نحو العلا باتجاه كل القمم، لقد بلغ أشد التكامل فيما بينه وهو يخرج من كل مرحلة أقوى من التي قبلها، سيسجل تاريخ المسيرة أن الخليجيين قدموا بمجلسهم ما هو أكثر بكثير من تحالف إقليمي، فقد كانت هذه التجربة بمثابة درس جديد في مناهج السياسة، سيسجل التاريخ أيضاً تلك الأدوار النوعية لأجيال من القادة الذين جعلوا الأمل ممكناً، والذين حافظوا عليه قوياً.

لن ينسى التاريخ أن الأزمات التي مر بها المجلس كانت استثنائية وغير مسبوقة بالنسبة له، ورغم ذلك كان أقوى منها، تماماً كما لن تنسى السياسة أن المحيط الإقليمي كان في حالة من التشتت والتفكك في الوقت الذي طرح الخليجيون فيه فكرة الاتحاد، كامتداد تلقائي لحجم التقارب الوثيق فيما بينهم، وكتعبير طبيعي عن الاستعداد الفعلي لمرحلة أعلى.

كان دافع التأسيس متعلقاً في بداياته بحفظ الأمن، ولكن ما حدث فيما بعد أكد أن التنمية هي نتيجة كبرى لهذا الدافع، أصبح السوق الخليجي مصدر القوة الاقتصادية في الشرق الأوسط، ومحرك مؤشرات أسواق الطاقة والمال والاستثمار، وبات الموقع الاستراتيجي منصة لوجستية عالمية تتوسط القارات وتلتقي عندها مسارات التجارة كما عرفها التاريخ، النواخذة الذين عرفوا بصناعة السفن والغوص في خليجهم كمصدر أساسي للرزق، أصبحوا في العصر الحديث يصنعون وسائل التقدم لشعوبهم ولمنطقتهم بعد أن قدموا أنموذجاً متفرداً في العمل المؤسسي المشترك على مستوى العالم، الخليجيون هم الجيران والأشقاء والأقارب والشركاء في الوقت نفسه، هؤلاء الذين وجدوا اللآلئ في جوهرهم الإنساني، وظلت أعماق خليجهم مصدراً أبدياً لكل الخير لهم.

أربعون عاماً من الإنجاز

أربعة عقود مرت منذ انطلقت مسيرة مجلس التعاون الخليجي، هذا الكيان الشامخ الذي نتفيأ ظل نجاحاته اليوم، وحين يتعلق الأمر بعمل صحفيّ في هذه المناسبة، يأخذ العمل طابعاً تاريخياً وتنسجم فيه معطيات الذاكرة الشخصية والطرح الإعلامي، لنجد أنفسنا امام الكثير مما يجب قوله، وكلها على ذات القدر من الإلهام والأهمية، ولأنه الخليج الذي يجري في مشاعرنا وعلى شواطئ افكارنا، يصبح الحياد مسافة مستحيلة، ونقتنع أن الاحتفاء بالذكرى الأربعين لا يتطلب منا اختيار عبارات جميلة معينة، لأن أجمل ما يمكننا فعله هو أن نروي ما حدث.

تجربة إعداد هذا الإصدار تدفع نحو التأمل مطولاً في ميزات التجربة الخليجية وخصوصيتها المتفردة، تلك التي لا ننتبه لها من فرط اعتيادنا عليها، بدءاً من فكرة التأسيس والجولات المكوكية لإقناع الدول، مروراً بلحظة توقيع النظام الأساسي وباللقاءات الوزارية والمواقف والتصريحات الخالدة وصولاً إلى لحظتنا الحالية، كانت جميع التفاصيل على ذات القدر من الأهمية، وبينما تخبرنا أبجديات المهنة أن ثراء الحديث تعبير تلقائي عن ثراء الحدث، كنا نتأكد من ذلك خلال رصد مسيرة مجلس التعاون، على مدى ساعات وأيام متصلة تجولنا خلالها افتراضياً بين الطاولات المستديرة وأروقة القمم وأوراقها، في رحلة لم يغب عنها الفخر، ولم تنقصها العاطفة، وكان محورها التقدير الممتد لأربعين عاماً مضت، والتفاؤل بعدد لا محدود من الأعوام المقبلة.

ونحن نستعيد المنعطفات التاريخية التي مرت بها المنطقة وصمود مجلس التعاون في مواجهتها، بل وخروجه منها أقوى في كل مرة، نتذكّر مقولة الأديب الفرنسي فيكتور هوغو “لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها”، وكيف كانت نشأة المجلس شاهداً حقيقياً على هذه الفرضية من خلال وجوده في المكان الصحيح تماماً من حركة التاريخ مستثمراً تجانس التوقيت والأسباب والظروف ليصنع أحد أنجح التكتلات السياسية والاقتصادية في العصر الحديث، ومع مرور الأحداث علينا تباعاً، كنا ندرك أن الأمور كانت لتسوء أكثر لو لم يكن هذا المجلس قائماً، فقد ظل يثبت لنا في كل مرة أنه مصدر الأمان، وأنه الفكرة التي يحين وقتها باستمرار.

أربعون عاماً، بلغ فيها التعاون أشده ليزيد شباباً وعنفواناً، وصل فيها إلى ذروة الحكمة والرشد ليتعامل بالطريقة المثلى مع أكثر الملفات تعقيداً، تحالف غير تقليدي، اندمجت وسائله في غاياته، واتحدت مصالحه مع مبادئه، فإذا به يقدم للعالم هذا النموذج المتكامل من مواطنين يعد الوفاء من تقاليدهم والولاء من شيمهم، وقيادات تميزت بالحكمة والفروسية العربية الأصيلة، استطاعت التقاط اللحظة التاريخية بإعلان قيام هذا المجلس، في قراءة واعية واستراتيجية لخارطة المنطقة بخطوط أمنها ودوائر اقتصادها، ومازال الخليجيون حتى اليوم يمتلكون ذات التمرس في تحويل قيمهم إلى إجراءات فاعلة وخطط نافذة، وعلى نحو يتجاوز فن الممكن المجرد إلى اكتشاف الممكنات وابتكارها في ظل الأخوة الحقيقية، بشكل لا تجيد القيام به مفاعيل السياسة التقليدية.

أخيراً، تعرّف القواميس كلمة “الخليج” لوحدها بأنها امتداد مائي تحيطه اليابسة، ولكن مجلس التعاون أضاف لها الكثير من المعاني والصور الذهنية الثابتة، فالخليج اليوم كناية الاستقرار والرخاء ومقصد العالم، والخليجي وصف معتمد لمواطن واحد ينتمي إلى ست دول، وبعد أربعة عقود مرت بإنجازات لا تعد ولا تحصى على قيام هذا المجلس المبارك، نتذكر وصف الشيخ جابر الأحمد الصباح له بأنه “هدية الآباء لجيل المستقبل”، موقنين بأنه الهدية التي لا تقدر بثمن.

مجلس التعاون قبل أربعين عاماً من الشقة كانت البداية

“لم تتكشف أستار الغيب، ولكن تقدير العزيز الكريم، ولعلها دعوة خفية من والدتي رحمها الله، ساقتني إلى أن أعايش التطور من يومه الأول، فهذه المنظمة التي انطلقت من شقة صغيرة وبعدد يقارب عشرين موظفاً، غدت صرحاً يُشار إليه بالبنان”.

كلمات نقشتها أربعة عقود لشاب متفائل، استلم وثيقة التخرج للتو من جامعة الملك سعود.. دخل منزله وإذا بوالدته (رحمها الله) تخبره أن هناك من اتصل به من جهة لها علاقة بالخليج وتقول “بلغوا أحمد يأتي إلينا بعد غد السبت”، استوعب الشاب الرسالة لأنه سبق أن قدم أوراقه للعمل لدى جهة حديثة يقال لها “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”.

كان ذلك قبل أربعين عاماً وتحديداً في الأسبوع الأول من يوليو 1981م والذي صادف الأسبوع الأول من رمضان ١٤٠١هـ.

مبنى صغير، على شارع الستين في حي الملز بمدينة الرياض، حيث مقر مكتب التربية العربي لدول الخليج، وكانت وجهته تحديداً إلى شقة صغيرة داخل ذلك المبنى، استقبله فيها المسؤول الأول عن التوظيف في الأمانة العامة لمجلس التعاون الأستاذ/صالح السماعيل وسلمه خطاباً يتضمن الموافقة على طلبه بالعمل في الأمانة العامة، وذلك قبل أن تتبين معالمها، أو يكون لها نظاماً لشؤون الموظفين وهيكلاً تنظيمياً، بل وقبل أن يكون للأمانة العامة مقراً مستقلاً.

أقل من ثلاثة أشهر كانت كفيلة بأن تنتقل المنظمة من “شقة” صغيرة إلى مقر حديث من ثمانية أدوار في مكان بارز وحيوي يضم معظم الأجهزة الحكومية في المملكة العربية السعودية، وهو طريق الملك عبد العزيز، وكان لذلك الموظف أسبقية بأن يتشرف برفع أعلام الدول الأعضاء على المبنى.

في فبراير 1982م وبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله (إذ كان ولياً للعد حينها)، أقامت الأمانة العامة احتفالاً لانتقالها إلى هذا المبنى، وبحضور عدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء، في مقدمتهم الملك عبدالله والأمير نايف رحمهم الله جميعا، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله.

في نهاية عام 1986م، وتحديداً بعد انتهاء قمة أبو ظبي، كان توجيه الملك فهد رحمه الله ببناء المقر الدائم (الحالي) للأمانة العامة، الذي تم انشاؤه ضمن نطاق الحي الدبلوماسي، خلال وقت قياسي تم إنشاء الصرح الذي أصبح من معالم الحي في الرياض، فاستقر به الموظفون في أكتوبر 1987م، وحظي بزيارة أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس خلال مشاركتهم في قمة الرياض ديسمبر 1987م، وكان في استقبال القادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز امير الرياض في حينه حفظه الله.

 

معايشة العمل الفعلي

معايشة هذه التطورات السريعة، في مشهد خارج إطار عملك وهو المقر، مؤشر إيجابي يشعرك كأنك جزء من هذا الكيان، فكيف إذا كنت جزء من بدايات عمله الفعلي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، في أول أيام عملي بأمانة مجلس التعاون كلفني الأمين العام بإرسال برقية لوزارات الخارجية بدول المجلس بشأن الموعد المقترح للدورة الأولى للمجلس الوزاري، وكانت فرصة لي أن أتعرف أولاً على أسماء وزراء خارجية دول المجلس، ثم على آلية جديدة لم يسبق لي معرفتها وهي، التحضير لاجتماع وزاري وتوجيه الدعوات، وتفاصيل أخرى تتعلق بطبيعة عمل الأمانة العامة.

وفي يوم الإثنين 31 اغسطس 1981م عايشت فعاليات اجتماع المجلس الوزاري في دورته الأولى بفندق الشيراتون في الطائف، برئاسة الأمير سعود الفيصل رحمه الله، والتي تم خلالها الموافقة على تعيين السفير إبراهيم الصبحي مرشح سلطنة عمان ليكون أميناً مساعداً للشؤون السياسية، والدكتور عبدالله القويز مرشح المملكة العربية السعودية لمنصب الأمين المساعد للشؤون الاقتصادية.

وخارج جلسات الاجتماع، عملت مع فريق الأمانة العامة على استعراض بعض التصاميم المقترحة لاختيار شعار مناسب للأمانة العامة، ونظراً لضيق الوقت فقد تكفلت وزارة الخارجية السعودية باستكمال هذه المهمة قبل انعقاد الدورة الثانية للمجلس الأعلى، والتي عقدت في مدينة الرياض، برئاسة الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله في العاشر من نوفمبر 1981م. والتي تم خلالها المصادقة على الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس.

وبعد القمة، ومن مميزات أن تكون مع فريق التأسيس، استدعاني الأمين المساعد للشؤون السياسية، لأكوّن نواة إدارة الإعلام، التي نص الهيكل التنظيمي أن تكون إدارة ضمن قطاع الشؤون السياسية.

وإن سُئلت يومًا عن السبب الذي دفعني للتوجه لهذه المنظمة التي لم تكن ملامحها قد تبينت بعد على رغم الفرص العديدة في حينه؛ سأجيب:

“ما كانت كل هذه الأولويات وغيرها الكثير أن أعايشها أو أكون جزء منها لو لم تكن إرادة الله بأن أتقدم للعمل بهذا الكيان قبل أن تتضح معالمه”.

والله الموفق

نايف الحجرف .. مرحلة استثمار الخبرة المالية في تعزيز المستقبل الاقتصادي الخليجي

في فبراير 2020، شهر احتفال الكويت بيومها الوطني، تم اختيار الوزير والأكاديمي الكويتي الدكتور نايف الحجرف أميناً عاماً لمجلس التعاون الخليجي، قبل عام تقريباً من احتفال المجلس بمرور أربعين عاماً على تأسيسه، لتبدأ مرحلة واعدة من العمل المشترك يعززها الأمين العام الجديد بمسيرة حافلة كان خلالها طرفاً فاعلاً في عدد من قصص النجاح في المجال المالي والأكاديمي والاستثماري، فضلاً عن مواقع عدة على مستوى القطاعين الحكومي والخاص.

جاء الدكتور الحجرف المولود في العام 1970م من خبرة متميزة في مجال الاقتصاد بدءاً من قيادته لعدد من المصارف والشركات الكبرى، مروراً بإدارة هيئة أسواق المال، وليس انتهاءً بتوليه منصب وزير المالية في الكويت، وهي الخبرة التي شملت كذلك مجالات الطاقة والتخطيط والخدمة المدنية والتطوير العقاري، فضلاً عن الاستشارات المالية والإشراف على المشروعات الإنمائية، ووضع السياسات الاستراتيجية والتنموية، والإسهام في جهود التعاون الإقليمي والدولي.

هذه المسيرة المتنوعة للدكتور نايف الحجرف ترسم لنا صورة عن دوره المنتظر في مسيرة التعاون الخليجي، فالأمين العام السادس في عمر المجلس، والثاني من دولة الكويت، يقف أمام أهداف كبرى للتكاملات والمشروعات الخليجية ذات العلاقة بالجوانب المالية والمصرفية والتجارية، لتحقيق أحد أهم الأهداف الخليجية وهو بناء كيان اقتصادي قوي ومستدام، بما يخدم مصالح شعوب المجلس، ويكون له تأثيره الفاعل في استقرار المنطقة وازدهار العالم.

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، وبينما يكمل مجلس التعاون عقده الرابع، عبّر الدكتور نايف بنظرة موضوعية في قراءة واقع المجلس ومستقبله، فهو إن كان يرى أن التحديات الراهنة غير مسبوقة في نوعيتها وتشعبها، إلا أن هذا يجعلها سبباً أكثر أهمية من أي وقت مضى للتعاون بين الدول الخليجية انطلاقاً من الثوابت المشتركة لشعوب المجلس، مؤكداً بوضوح “لا وقوف عند الماضي إلا لاستلهام الدروس، وبما لا يعرقل مسيرة الآمال والطموحات في المرحلة القادمة”.

بهذه النظرة المنتمية لعصرها الحالي، يراهن الدكتور نايف الحجرف على فرص تتضاعف باستمرار، وعلى ضرورة استثمار الإمكانيات التي لم تكن موجودة في العقود القليلة الماضية، فالعالم يسير قدماً في ذروة التقدم العلمي والتقني، وهو ما يتطلب تأهيل كفاءات متمكنة من مهارات المستقبل لتلبية متطلبات اقتصاد المعرفة، وجميعها عناصر وقف عليها الحجرف شخصياً خلال مسيرته العملية التي تضمنت توليه منصب نائب رئيس جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا، قبل أن يتولى بعد ذلك حقيبة وزارة التربية والتعليم العالي في الكويت.

وإن كان الدكتور الحجرف قد جاء في المرحلة الأكثر ثراء بمعطيات التقدم المعرفي والحضاري مقارنة بكل فترات زملائه السابقين في الأمانة العامة، إلا أن هذه المرحلة كذلك لم تخل من توترات ومتغيرات بالغة التعقيد، فضلاً عن ظروف استثنائية من أبرزها مواجهة العالم لوباء فيروس كورونا المستجد، حيث يقود الأمين العام الحالي تنسيق الجهود الخليجية في كل هذه الملفات ويعمل مع قيادات دول المجلس ولجانه الوزارية على توحيد الصف وتعزيز الموقف، ولعل “قمة العلا” كانت أبرز ثمار هذه الجهود المباركة، لتحقيق مزيد من النجاحات وتقديم الكثير من البشائر لشعوب الخليج.

 

 

عبداللطيف الزياني.. انضباط العسكري وحنكة السياسي في خدمة الدفاع عن وحدة الصف

الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، الأمين العام الخامس لمجلس التعاون لدول الخليج العربي في فترة امتدت لتسع سنوات، تولى بعدها مباشرة حقيبة الخارجية البحرينية، كثالث وزير لها، والأول من خارج الأسرة الحاكمة، صاحب الخبرة الطويلة ذات التنوع اللافت، فهو الضابط برتبة الفريق ركن، والمستشار، والوزير والدبلوماسي، وهو الخبير في هندسة الطيران والأستاذ الجامعي في الرياضيات والتحليل والإحصاء، وقد كانت المعادلة دائماً تقود إلى قيمة مضافة في كل مهمة يتولاها خلال مسيرته العملية الممتدة من 1973م وحتى اليوم.

وصل الزياني، المولود في المحرق في منتصف أبريل 1954م، إلى قمة الدراسات العليا في المجال العسكري، معززاً مسيرته تلك بأوسمة وشهادات من جامعات وكليات مرموقة في البحرين والولايات المتحدة، الأمر الذي أكسبه خبرة مرجعية في كثير من شؤون العمليات العسكرية والأمنية، فضلاً عن اكتساب سمة الانضباط والتنظيم التي تطبع حياة الضباط بالإخلاص والإنجاز والنظرة الاستراتيجية وقوة المواقف وإدارة الأزمات واتخاذ القرارات.

هذه الطبيعة العسكرية لم تكن الملمح الوحيد في مسيرة الزياني، الذي امتلك قدرات عالية ومشهودة في مجال الدبلوماسية والعلاقات الخارجية، ساندتها تجربة طويلة في مسارات العمل الحكومي، تعامل خلالها مع ملفات عديدة، ولعل أحد أمثلة هذا التميز المهني توليه وزراتي الداخلية والخارجية، وهو أمر نادر الحدوث في مسيرة المسؤولين الحكوميين في العالم، ولكن هذه الشخصية الخليجية نجحت فيها باقتدار، بالإضافة إلى ما يمتلكه من كفاءة نقل المعرفة وتطوير منظومات الأداء الحكومي بمجالاته المختلفة، حيث استثمر في ذلك خبرته الأكاديمية التي أتاحت له تمكين الكوادر البشرية من امتلاك دفة النجاح في القيادة والعمل.

غادر الزياني القمم الخليجية أميناً عاماً ولكنه عاد إليها وزيراً لخارجية بلاده، مواصلاً ذات الخطاب والنهج الذي عرفته عنه أروقة السياسة وفضاءات الإعلام من قوة التمسك بالثوابت الخليجية وحزم التصدي لكل محاولات المساس بأمن هذا الكيان القوي بتعاون أبنائه، وقد أسهمت الخبرة السياسية والعسكرية للزياني في فهمه الدقيق للمتغيرات الإقليمية والدولية وكيفية التعامل معها بالتنسيق مع القيادات والمسؤولين في دول المجلس، والذين كان يحرص على الإشادة بدورهم في إنجاح أعماله وتطويرها بشكل مستمر لبلوغ الأهداف والتطلعات المرجوة.

تسع سنوات قضاها الدكتور الزياني في ترسيخ دعائم البيت الخليجي خلال مسيرته المهنية التي تقترب من الخمسين عاماً، تعامل فيها مع ملفات شائكة تطلبت استمداد روح التعاون والأخوة والتعبير عنها بصدق، وتابع بشكل دؤوب جهود بلورة المستقبل لدول المجلس، بكل مشروعاته وتشريعاته، في مجالات الأمن والدفاع والنقل والصحة والإعلام والاتصالات والكهرباء والتجارة البينية والسوق المشتركة وغيرها، مدفوعاَ بإخلاصه لهذا الكيان المتماسك الراسخ، كما يصفه دائماً، فضلاً عن وصفه لمجلس التعاون بأنه “حصن منيع لحفظ الأمن والاستقرار، وواحة للنماء والازدهار والرخاء”.

عبدالرحمن العطية.. عراقة العلاقة بمجلس التعاون والتفكير بصوت عال لمصلحة الخليج

لا بد لنا ونحن نقرأ سجلات التاريخ لمجلس التعاون وهو يحتفل بعامه الأربعين، أن نتوقف عند اسم معالي الأستاذ عبد الرحمن بن حمد العطية، الدبلوماسي القطري الذي تولى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي لفترة تقارب العقد من الزمن، امتدت من 2002-2011م، وقد عرف المجلس خلالها تطوراً كبيراً في المجالات التنموية المختلفة، كما وصلت خلالها الدول الخليجية إلى مستويات غير مسبوقة من التنسيق والتكامل، كان للعطية دائماً بصمته فيها قبل أن يكون له حديثه عنها.

ولد العطية في الدوحة عام 1950م، وولدت علاقته بالمجلس مع بداية تأسيسه، حيث ترأس اللجنة المعنية بإعداد هيكل الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال بداية إنشاء المجلس، عامي 1981 -1982م، كما كان حاضراً في القمة الثانية التي عقدت في الرياض عام 1981م، هذه الخبرة المبكرة والقرب المباشر من أعمال المجلس ولجانه الوزارية على مدى سنوات عدة، جعلت العطية يعود إلى مجلس التعاون أميناً عاماً، وهو الذي يعرفه جيداً، مستمداً من مزايا هذه المعرفة مقومات نجاح التجربة.

تولى العطية منصب الأمين العام بعد مسيرة طويلة جعلته أحد أبرز الأسماء الخليجية والعربية على الساحة الدولية، فهو وزير الدولة الذي عمل سفيراً ومفوضاً لبلاده دولة قطر في عدة دول بجانب تمثيله لها مندوباً دائماً لدى عدة جهات منها على سبيل المثال لا الحصر، اليونسكو، الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وقد تميزت مسيرته باقترابها من عمل المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية وعلاقاتها، الأمر الذي منح العطية دراية كبيرة بمجال الاتفاقيات والمواثيق وبأهمية التنسيق بين الدول في إرساء الاستقرار وبلوغ الأهداف التنموية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وجميعها مجالات تتسق مباشرة مع مجالات وأهداف مجلس التعاون.

خلال عمله في الأمانة العامة، قاد العطية منظومة التعاون الخليجي منطلقاً من الرؤية السياسية والتنموية معاً، مدركاً حجم التطلعات، وقارئاً جيداً لواقع الأحداث، وقد كان هدفه أن يكون المجلس في أقوى حالاته كتكتل راسخ له تأثيره الإقليمي والدولي، كما حرص العطية خلال فترته على التطوير الإداري وتحسين ومتابعة آليات تنفيذ الاتفاقيات والقرارات، الأمر الذي انعكس بحراك واضح في مختلف أوجه العمل الخليجي المشترك، فضلاً عن اهتمامه الكبير ببناء الكفاءات الخليجية إيماناً بقيمة بناء الإنسان كأساس محوري للتقدم والنمو، وتركيزه على ضرورة فهم أهمية المرحلة واستثمار المقومات التاريخية والحضارية والبشرية والمادية في تشكيل تكامل اقتصادي وسياسي واجتماعي يجسد الوحدة الخليجية ويضمن مستقبلاً زاهراً للأجيال القادمة.

قائمة طويلة من الإنجازات سجلها العطية خلال عمله أميناً عاماً، وصفها الإعلام بالتحولات الجذرية في مجالات التعاون، لاسيما الاقتصادي منها، وكان من أهمها الاتفاق على الاتحاد الجمركي الخليجي والربط الكهربائي وشبكة السكك الحديدية وإقرار اتفاقية السوق الخليجية المشتركة ومنح المزيد من المزايا الاستثمارية وتحسين ظروف العمل في إطار المواطنة الخليجية ووضع الأساس لنظام العملة الخليجية الموحدة، وغيرها.

كما عرف الأستاذ العطية بحرصه على الاستفادة من التقارير التي ترصد التقدم في عمل المجلس بحيث تكون متاحة للإعلام وللباحثين وللرأي العام الخليجي، إيماناً بأهمية تقييم هذا العمل وأثره، ليؤكد بذلك مقولته “إننا في مجلس التعاون نفكر بصوت عال من أجل أمن واستقرار هذه المنطقة وشعوبها حتى ننتقل إلى أولويات أخرى تتعلق بالتنمية والتعليم وكل ما من شأنه أن يصب في مصلحة الشعوب والمنطقة الحيوية التي نعيش فيها”.

 

الشيخ جميل الحجيلان .. مسيرة ريادية حافلة كان البيت الخليجي مسك ختامها

معالي الشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان، أول وزير إعلام في المملكة العربية السعودية، وصاحب المسيرة الرائدة في العمل الحكومي والدبلوماسي، أول أمين عام سعودي لمجلس التعاون، والثالث في مسيرة المجلس، خلال الفترة من 1996-2002، حيث قاد الحجيلان جهود المجلس لدخول الألفية الجديدة وهو أكثر قوة وتعاوناً، ولم تكن تلك أول إسهاماته في مد أواصر العلاقات الخليجية، حيث عين قبلها بأكثر من ثلاثة عقود كأول سفير سعودي في دولة الكويت.

ولأن العلم خير عماد لكل تجربة، فقد كان الشيخ الحجيلان خير مثال لتطبيق هذا المفهوم، غير أنه كان يتعلم من الحياة بأكملها، لاسيما مع ظروف كانت صعوبتها مصدر تنوعها الذي أصبح أساس قوتها، فقد ولد الحجيلان في بريدة في العام 1929م، ونشأ بين القصيم والشام، لأسرته العريقة المعروفة بالتجارة، فاكتسب العزيمة والصبر ومهارات التعامل والتصرف، حيث التجارة الأهم والمكسب الذي لا يقدر بثمن هو أن يبني الإنسان نفسه بنفسه.

هذه المعرفة الحياتية شكلت نبوغ الحجيلان مبكراً، فلم يكن تميزه مقتصراً على مجال دون غيره، وهذا ما أثبته لاحقاً في حياته العملية، جاء تأسيسه الأكاديمي في مجال القانون، ليقترن مع تأسيس ثقافي راسخ، متتلمذاً على يد علمين كبيرين هما علي الطنطاوي وعبدالرزاق السنهوري، فكان نتاج ذلك مقدرات فذة امتلكها جميل الحجيلان في الخطابة واللغة الرفيعة وقوة العبارة، ولم تحل هذه الفصاحة دون إتقانه المتمكن للغات الأخرى.

السيرة العملية الحافلة للحجيلان امتدت لأكثر من نصف قرن متضمنة توليه وزارة الصحة في عهد الملك فيصل كأول وزير غير طبيب، وقيادته للدبلوماسية السعودية في ألمانيا وفرنسا، إلا أن السنوات الثمان التي قضاها في الإعلام كانت تاريخية، فقد كان الوزير الذي انطلقت في عهده أول لحظات البث للإذاعة والتلفزيون في المملكة، وبدأ عهد المؤسسات الصحفية في أول تحول حقيقي نحو مرحلة الاحترافية بعد البدايات الريادية التي أسستها صحافة الأفراد، وكان ذلك طبيعياً في ظل الاهتمام الشخصي للحجيلان بالأدب والإعلام.

لقد وضع الوزير السفير، والدبلوماسي الأديب، خلاصة هذه التجربة في خدمة تعزيز العمل الخليجي المشترك كأول سعودي يتولى منصب الأمين العام لمجلس التعاون، ليؤكد جميل الحجيلان ما اتفق عليه الجميع من كونه الشخص الذي يضع بصمته في كل موقع يمر عليه، وعلى كل مهمة يتولاها، وكانت النتيجة مدرسة إدارية وتنفيذية يدين لها بالفضل كثير من المسؤولين اليوم.

كانت دروس الحياة كثيرة في تاريخ جميل الحجيلان، وقد ظل حريصاً على أن ينقلها للجميع مستثمراً معطيات خبرته الطويلة ولغته الجميلة القوية، ولعلنا نختار منها ما قاله بنفسه، حيث أكد أن الإنسان أغلى شيء في الوجود، وأن الوطن الآمن المستقر هو أغلى ما يسعد به الإنسان، وأن الوقت أغلى من الذهب، وأن أداء الواجب يتمّ في صمت، وأن أمن الدولة حرمة لا تمسّ، وأن القانون سيد الجميع.

جميل بن إبراهيم الحجيلان، رجل الدولة، صاحب التجربة الثرية، عمل مع عدة ملوك بدءاً من مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز، عبَر حدود التخصصات بتنوع معرفته، كما عبر حدود الجغرافيا متنقلاً بمسؤولياته ومهامه عبر العالم، ليعود في نهاية مسيرته إلى حضن وطنه، أميناً عاماً للبيت الخليجي الواحد، مسهماً في تعزيز أركانه وتوثيق روابطه، في مسيرة مهنية عرف عنها الحزم والانضباط، واتسمت باحترام القادة والمجتمعات، عودة مظفرة وصفها الحجيلان بقوله “عدت كما ذهبت، وكما كنت عليه دائماً، سعودياً خليجياً، معتزاً بعروبتي وإسلامي”.

بترشيح من الشيخ زايد .. فاهم القاسمي يعزز العمل الخليجي بشغف الإنجاز الإماراتي

بعد فترة تأسيسية ناجحة لمنصب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، أدارها باقتدار معالي عبدالله يعقوب بشارة، كانت المهمة الجديدة لخلفه الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي هي أن يستكمل هذا النجاح ويبني على مكتسباته، وبالفعل فقد استطاع أول أمين عام من دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال ثلاث سنوات، أن يقود الأمانة العامة إلى مراحل جديدة من التنسيق بين دول المجلس، لتحقيق المزيد من الإنجازات في ظل هذا الكيان الكبير الذي بات يؤكد يوماً بعد يوم أنه مصدر ثقة واستقرار وازدهار في محيطه الإقليمي.

بترشيح من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، جاء القاسمي، وهو الخبير في القانون الدولي، المولود في إمارة رأس الخيمة في نهاية أربعينات القرن الماضي، ليخلف أول أمين عام لمجلس التعاون، وذلك بعد اثني عشر عاماً على اختياره خلفاً للدكتور علي بن محمد حميدان، أول ممثل لدولة الإمارات في الأمم المتحدة، وكان قد عمل قبل ذلك مندوبا دائما لدولة الإمارات لدى المقر الأوروبي لهيئة الأمم المتحدة بجنيف، وذلك ضمن عمله الدبلوماسي الذي مثل فيه بلاده بمهام متنوعة لتعزيز العلاقات الخارجية مع عدد من أهم وأكبر دول العالم.

لم يكن هذا النجاح مستغرباً على الشيخ فاهم القاسمي المنحدر من بيت حكم وسياسة عريقة في الإمارات، فوالده الشيخ سلطان بن سالم القاسمي الذي حكم إمارة رأس الخيمة لقرابة ثلاثة عقود، وفي ظل هذه النشأة، اكتسب الشيخ فاهم الكثير من مقومات العمل السياسي والدبلوماسي فضلاً عن تكوينه الأكاديمي المتخصص بالقانون، والذي عززه بدراسة السياسة الدولية، ولم يكن ذلك منفصلاً عن الحقائب الوزارية والمسؤوليات التي تولاها القاسمي في الحكومة الاتحادية داخل بلاده، مع متابعته الدؤوبة لقضايا العالم ومشاركته في أهم المحافل الدولية.

وصف القاسمي بامتلاك سمات الدبلوماسية الهادئة خلال فترة عمله أميناً عاماً لمجلس التعاون الخليجي، والتي استمرت من 1993 إلى 1996م، كما ركز بشكل كبير على استكمال المنجزات التي تحققت للمجلس خلال السنوات التي سبقت عمله، وقد شهدت فترته بلورة الكثير من الاتفاقيات التي ترتقي بواقع دول المجلس وحماية مصالحها واستثمار مقدراتها، ومن ذلك الموافقة على نظام براءات الاختراع لدول مجلس التعاون، وإقرار توصيات وزراء الدفاع في الدول الأعضاء، وعلى رأسها تطوير قوة درع الجزيرة، وتعزيز أوجه التعاون العسكري والأمني.

وبعد نجاح المهمة الخليجية للشيخ القاسمي، تولى وزارة الاقتصاد والتجارة في بلاده، كما عين بعد ذلك وزيرًا لشؤون المجلس الأعلى ومجلس التعاون، قبل أن يعود لممارسة أعماله الخاصة ذات العلاقة بتخصصه في مجال المحاماة والقانون، ليواصل شغف الإنجاز الذي عرف به الإماراتيون، وذلك بعد مسيرته العملية الحافلة التي كانت مسيرة علمية في الوقت ذاته، لحرصه الدائم على المعرفة وتعزيز رصيده العلمي والأكاديمي حتى وهو على رأس العمل، وكانت النتيجة دائماً أنه يصبح الرجل الأكثر تأهيلاً لتولي المناصب الأكثر أهمية، وللنجاح فيها.

عبدالله بشارة.. عميد أمناء المجلس ومؤرخ التأسيس من قلب الحدث

في يوم 26 مايو 1981م، ومع بداية الخطوات الأولى لمجلس التعاون الخليجي، برز اسم الدكتور عبد الله يعقوب بشارة كأول أمين عام لهذا المجلس الذي أخذ على عاتقه بناء تحالف سياسي هو الأول من نوعه في المنطقة، ليستمر بعدها على العقود الأربعة التالية، وحتى اليوم.

يمثل الدبلوماسي الكويتي معالي عبدالله بشارة، المولود في نوفمبر 1936م، أحد أبرز الشخصيات الخليجية وأكثرها خبرة في العمل الدبلوماسي، وبرغم تخرجه من كلية الآداب في جامعة القاهرة مع نهاية الخمسينات الميلادية، إلا أنه سرعان ما اختط لنفسه طريقاً حافلاً في مجال العلوم السياسية، وهو ما قاده فيما بعد للعمل في وزارة الخارجية الكويتية، وخلال سنوات قليلة عرفه العالم سفيراً وممثلاً لبلاده في عدة دول ومحافل عالمية.

وقد جاء بشارة إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون محملاً بتجربة ثرية في مجال العلاقات الخارجية، عززها بالدراسة الأكاديمية في هذا المجال خلال فترة الستينات والسبعينات، التي شهدت تشكل الكثير من المعطيات الدولية، وأسهمت فترة وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية وعمله ممثلاً دائماً للكويت في الأمم المتحدة لمدة (10) سنوات في اكتساب بشارة علاقات مميزة مع قادة العالم وفي امتلاكه فهماً عميقاً لمجريات الشؤون السياسية وتوازنات القوى واتجاهات الاقتصاد، وهي الخبرة التي توجت باختياره رئيساً لمجلس الأمن في فبراير 1979م.

وبحكم طبيعة المهمة وتاريخها، كان على أول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي أن يخوض تجربة نوعية تجمع بين وضع الأسس واستكشاف سبل النجاح وتجاوز العقبات، منطلقاً في ذلك من وجوده على درجة عالية القرب من تفاصيل ميلاد المجلس وقادته المؤسسين، الأمر الذي جعله فيما بعد أحد أهم الشخصيات التي تعرف الكثير من المعلومات عن تاريخ إنشاء المجلس، وقد جمع ذلك في كتاب أسماه (عبدالله بشارة بين الملوك والشيوخ والسلاطين) ليقدم نفسه بذلك، ليس فقط كأمين عام للمجلس، وإنما كمؤرخ حاضر، وكشاهد عيان على تطور الحدث من قلب الحدث.

لقد كان بشارة بمثابة البشارة لنجاح المهمة الأولى لأول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي، معاصراً خلال فترته التي امتدت لاثنتي عشر عامًا عدداً من أبرز الأحداث والمتغيرات الإقليمية والدولية، كان من أبرزها دوره خلال أزمة احتلال العراق لبلاده الكويت في أغسطس 1990م، وقد كانت خبرته السياسية والدبلوماسية حاضرة بقوة في هذه المواقف لتعزز المواقف الخليجية وتضمن صلابة عملها المشترك انطلاقاً من اتحاد الدوافع والمصالح والمصير.

معالي عبد الله يعقوب بشارة، عميد أمناء مجلس التعاون الخليجي وعضو الهيئة الاستشارية لمجلسه الأعلى، يرأس اليوم المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية، فضلا عن عضويته في منتدى الفكر العربي، كما قدم ويقدم خلاصة تجربته ومعرفته عبر محاضرات في أعرق الجامعات والمنظمات العالمية، بجانب مقالاته التي يتناول فيها أهم الأحداث السياسية والاقتصادية ذات العلاقة بدول الخليج العربي والشرق الأوسط.