في انتظار (الميديا المتأنية)

مَن كان يدري أن حركة الاحتجاج التي قادها المواطن الإيطالي “كارلو بيتريني” على افتتاح مطعم “ماكدونالدز” في ساحة “سبنا” بروما في سنة 1986م، ستؤدي إلى ميلاد حركة دولية مناهضة للوجبات السريعة أو بالأحرى الأطعمة السريعة، وينضم إليها المثقفون والفنانون وعلماء الاجتماع والمزارعون، وتعترف بها الأمم المتحدة في سنة 1989م؟

لم يكن أحد يتوقع في تلك السنة أن هذه الحركة التي اتخذت من الحلزون، رمز البطء، علامتها المميزة (Logo) تتحول إلى تيار فكري وفلسفي يتعدى الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة في إنتاج المواد الغذائية وطبخها واستهلاكها، ويمتد إلى كثير من الميادين، مثل: السفر، والعلاقات العامة، والأخبار، والصحافة، والتلفزيون، والميديا بصفة عامة.
لقد لاحظ كثير من المختصين أن الانتقال إلى العصر الرقمي قد ضاعف كمية المعلومات والأخبار وعجل في تدفقها وسريانها في أرجاء الكرة الأرضية، فالباحثة الفرنسية المختصة في إدارة المعلومات في الشركات (كارولين سوفجول ريالوند)، ترى أن عدد الأخبار يتضاعف كل أربع سنوات، وأن البشرية أنتجت من المعلومات عددًا من الأخبار في السنوات الثلاثين الأخيرة ما يتجاوز ما أنجزته طيلة (5) آلاف سنة من تاريخها!.

تخمة الأخبار
يعتقد البعض أن كمية الأخبار المتداولة بين البشر ما انفكت في التزايد قبل ميلاد العصر الرقمي، فالباحث الأمريكي في العلوم الاجتماعية “برترام ميرون”، ابتكر مفهوم “الإفراط في الأخبار” في سنة 1962م، وقد وظفه عالم المستقبليات الأمريكي “آلفين توفلر” في كتابه المعنون بـ: “صدمة المستقبل”، لتحليل تأثير التكنولوجيا في إدارة المؤسسات وفي السلوك الاجتماعي، ولعل المفهوم الأكثر دقة ودلالة على ضخامة الأخبار التي تطفح عبر مختلف الحوامل الرقمية في العصر الراهن هو “البدانة الإعلامية (infobesity)” الذي ابتكره الكاتب والسينمائي الأمريكي “دافيد شنك” في مؤلف بعنوان: “ضباب البيانات الدخاني: النجاة من تخمة المعلومات”، ونشره في سنة 1993م، ويمكن تعريف هذه البدانة بكمية الأخبار والمعلومات  الرهيبة التي تصلنا عبر مختلف الوسائط التقليدية والحديثة بشكل آني ومتزامن ومتواصل، فتصيب الفرد بالتخمة.

لقد بلغت هذه التخمة درجة أن (60%) من الأشخاص يتقاسمون المقالات التي تصلهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن يقرؤونها، حسب الدراسة التي قامت بها جامعة كولومبيا الأمريكية ونشرتها بمعية المعهد الوطني للبحث في علوم التكنولوجيا الرقمية الفرنسي، ونشرت صحيفة “الواشنطن بوست ” يوم 16 يونيو 2016م ملخصها.

إن كانت التخمة تحول من دون ابتلاع الأخبار فلا مجال للسؤال عن عملية هضمها، أي ترتيبها وفق نظام من الأولويات لأنها تتضمن الغث والسمين والمهم والتافه، وإدراك معناها، وتذكرها.

حقيقة أن قدرات الإنسان الذهنية والعقلية التي تؤهله للاحتفاظ بالمعلومات لفترة طويلة وتذكرها متفاوتة، وتختلف من شخص لآخر، لكنها تظل محدودة في نهاية المطاف، فالتخمة الإخبارية لا تنهك الذاكرة فقط، بل تشتت ‒ أيضًا ‒ الانتباه وتضعفه.

مفارقة
إن التغيير المتسارع في الإنتاج الإعلامي أدى إلى تراجع التقاليد الصحافية، حيث اضطرت كثير من الصحف إلى إنتاج أكبر عدد ممكن من المواد الإعلامية بأقل عدد من المهنيين لمواجهة الأزمة التي تواجهها.

لقد وجدت وسائل الإعلام نفسها مضطرة إلى ركوب موجة التكنولوجيا الرقمية لمنافسة “الميديا الجديدة” في أرضية ليست لصالحها: أرضية الآنية، والسبق الصحفي من دون التأكد من مصدر الأخبار، والسعي للحصول على أكبر عدد من المتابعين والمعجبين بكبسة على الأيقونة قصد الحصول على أكبر نصيب من الإعلانات، ففي هذا الإطار يقول مؤسس المجلة البريطانية “ديلايد غراتفيكشن Delayed Gratification” في مقال له بعنوان: “الإشباع المتأخر”: “إننا انتقلنا من شراء منتجات مادية بفضل الإعلانات التي تنشرها وسائل الإعلام إلى نموذج إعلاني خالص يتمثل في التحريض على نشر المحتويات المستفزة، والتي تتسم بالإثارة والخالية من أي قيمة مضافة أو إبداع، مجانـًا للحصول على المال مع إدراج الإعلانات الغازية: شرائط الإعلان المنبثقة في الشاشة بشكل فجائي، وفيديوهات إشهارية مبرمجة آليًا، وغيرها.  

ظهرت “الميديا المتأنية” في سنة 2009م، لمعالجة المفارقة الكبرى التي أصبحت تعاني منها البشرية: ففي الوقت الذي تزايدت فيه الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبية والمناخية تعقدًا، اتجهت “الميديا” بمختلف أنواعها، إلى التبسيط الذي يخل بالفـَهمِ، وإلى التسطيح الذي يتماهى مع التتفيه، وإلى الكتابة المستعجلة القائمة على الصور النمطية والكليشيهات على حساب التروي والتأمل، فالجمهور لا يهمه تعرّف ما الوسيلة الإعلامية التي سبقت غيرها في نقل خبر انتخاب فلان في هذا البلد أو ذاك، ما يهمه حقـًّا هو الشرح الذي يفسر له أهمية هذه الانتخابات وتأثيرها في حياته بشكل مباشر أو غير مباشر، وما ينتظر بلده منها.     

ما “الميديا المتأنية”؟
تُعرف الصحافية “إميلي موغي” العاملة في الموقع الفرنسي في شبكة الإنترنت “كاتر أورQuatre heures ” أي “أربع ساعات”، هذا الضرب من الميديا بأنه: “نوع من العقد الذي يبرمه الناشر مع القارئ، إنه أكبر من دعوة إلى القراءة بل انغماس في الأحداث، يمثل قطيعة مع إيقاع الإنتاج الإعلامي وتوزيعه”. وتقول عنها الصحافية “كلير برثليم” من المجلة الرقمية الفرنسية “لانبريفي l’imprévu” أي “غير المتوقع”: إنها تتطرق إلى المواضيع التي تمرُّ عليها وسائل الإعلام الكلاسيكية مرور الكرام،  تعالجها بعمق وتحللها: القضايا القضائية، والكوارث الطبيعية، والنزعات الاجتماعية، أي كل القضايا التي تبرزها وسائل الإعلام لفترة، فتثير زوبعة من ردود الفعل، ثم تنصرف عنها بسرعة وتطوى في غياهب النسيان”. 

يعتقد البعض أن مسمى “الميديا المتأنية” يحيل إلى المدة الزمنية التي تُصرف في إنتاج ما تبثه أو تنشره، خلافـًا لوسائل الإعلام التقليدية التي تسعى إلى تغطية أكبر عدد من الأحداث والموضوعات في أقصر فترة زمنية ممكنة وبطريقة سطحية، فالميديا المتأنية تشرك الكتـّاب والمثقفين والفنانين والباحثين في الكتابة عن الموضوعات المختلفة من وجهات نظر متنوعة تتضمن طائفة من الأفكار المتعددة، إنها تنأى قليلاً عن الأحداث الطارئة والملتهبة لتنظر إليها مليًّا وبتأمل من أجل إنتاج نصوص لا تموت في لحظة إنتاجها، ويمكن العودة إليها بشغف بعد أشهر.

لذا نلاحظ أن الصحافة المتأنية استثمرت في الأنواع الصحفية التعبيرية والاستقصائية المطولة، مثل: “الريبورتاج، والتحقيق الصحفي، والبورتري”، وأعادت المجد للسرد الصحفي الذي يعتبر أفضل وسيلة لاستعادة الذاكرة الجماعية وبعث الحياة في أحداث الماضي.

لقد ابتكرت الصحافة المتأنية شكلاً جديدًا من الإنتاج المكتوب وهو “موك”، وهذه الكلمة عبارة عن تركيب لمختصر الكلمتين الإنجليزيتين: “ماغازين magazine المجلة” و”بوك” أي الكتاب، وأبرز مثال على ذلك هي المجلة الفصلية الفرنسية المسماة “XXI” التي تصدر في (256) صفحة وتباع في المكتبات، وهي في الحقيقة نموذج متطور للمجلات الصادرة باللغة الإنجليزية، مثل: “ذو نيويوركر
The New Yorker” و”أمبير Empire”.

إعادة النظر
إن “الميديا المتأنية” تعيد النظر في علاقة الوسيلة بالجمهور؛ لأن مادتها الإعلامية لا تسلك اتجاهًا أحاديًا من الصحافي إلى الجمهور، ولا تعدّ هذا الأخير قاصرًا أو من دون مستوى، بل تتعامل معه كصاحب تجربة اجتماعية، ويملك خبرة في مجال معين، ويمكن أن يكون طرفـًا في عملية إنتاج موادها، وقد تلجأ بعض وسائل الإعلام التي تنتمى إلى هذا النوع من الميديا، مثل الموقع الهولندي “دو كرسبوندنDe Correspondent “، أي “المراسل” في شبكة الإنترنت إلى عرض بعض مقالته على متابعيه  قبل نشرها!.

ويمكن أن نذكر بالمناسبة أن هذا الموقع يشكل النموذج الناجح لهذا الضرب من الميديا الذي حقق ما وعد به: إحداث القطيعة مع اقتصاديات وسائل الإعلام الكلاسيكية، فلا ينشر أي إعلان ولا يعتمد على المعلنين في تمويله، بل يستند إلى جمهوره فقط، وقد استطاع أن يجمع خلال أسبوع واحد مليون يورو، تبرع بها (15) ألف مستخدم لشبكة الإنترنت، ولازال هذا الموقع يجذب (30) مشتركًا جديدًا يوميًا، وتؤكد إحدى صحافياته، “ماييك غوسانغا”، أن ثلاثة أرباع المشتركين الجدد يظلون أوفياء للموقع بعد مرور سنة على اشتراكهم.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذا الضرب من الميديا يروج النوع وليس الكم، ولا يسعى ليكون جماهيريـًّا، فهل هذا يعني أن جمهوره نخبوي؟ لا يفضل رواد “الميديا المتأنية” صفة النخبوية، وإن كانوا يعترفون أن الصحافة غير المجانية تتطلب من القارئ الذي تعود على المواد الصحفية المختصرة والمبسطة التي تنشرها الصحف المجانية أو مواقع التواصل الاجتماعي بعض الجهد، وبهذا يؤكدون ما قاله مؤسس صحيفة (لوموند) أي “العالم” الفرنسية،”هربرت بوف ميري”، ذات مرة، بأن ثمن جريدته يكمن في سعرها في السوق إضافة إلى الجهد الذي يبذل في قراءتها!. 

مبادئ
إن “الميديا المتأنية” فلسفة قبل أن تكون منتجًا، هذا ما أكده البيان الذي أصدره بعض مناصريها الألمان في يناير سنة 2010م، وصاغوه في جملة من المبادئ، وترجمته الصحافة “الأنجلوساكسونية، والفرنسية، والسويسرية، والكندية”؛ لكن لم نعثر، مع الأسف، على أي ترجمة له في الصحافة العربية، لذا نحاول أن نختصرها في النقاط التالية: تسهم هذه الميديا في ديمومة المحتوى خلافـًا للمقولة التي تنصُّ على أن المادة الإعلامية، مثل الأخبار، شديدة التلف “تموت بسرعة”، وتشجع التركيز على المنتج والمتابعة في زمن يمجد السرعة ويعزز تشتت الذهن وانصرافه إلى الاهتمام بأكثر من شيء في الوقت ذاته، وتروج التميـّز والجودة التي يمكن التماسها على مستوى المحتوى والإخراج، وتسعى إلى إشراك الجمهور في مسار الإنتاج بأفكاره وآرائه، وتُعدّ الميديا المتأنية خطابـًا يغذي الحوار مع الجمهور.

 تعددت التجارب الصحفية منذ سنة 2009م، تاريخ ميلاد “الميديا المتأنية”، لتشكل اليوم نماذج، فإضافة إلى مجلة (XXI) التي ذكرناها سابقـًا، والتي توزع (22) ألف نسخة وتهتم بالشعر والأدب وتترجم كثيرًا من النصوص من المجلات الصادرة باللغة الإنجليزية، يمكن أن نذكر المجلة الفصلية “Delayed Gratification” “الإشباع المتأخر” البريطانية التي صدرت في سنة 2011م، والتي تغطي الأحداث والقضايا التي طُرحت خلال الفصل بنظرة مغايرة وبأشكال تعبيرية ومرئية مختلفة تباع في العديد من بلدان العالم، والمجلة الفرنسية  “فيتون” التي صدرت في سنة 2011م، والتي طورت أشكال السرد الصحفي، إنها تسحب عشرين ألف نسخة توزع في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وكندا.

التلفزيون المتأني
لم يتأخر التلفزيون عن تيار “البطء” الذي يسعى إلى إعادة النظر في إنتاج الإعلام واستهلاكه، فالقناة التلفزيونية النرويجية “إن. أر. كيه NRK” نصبت كاميرا في مقدمة القطار الذي يربط العاصمة “أسلو” بمدينة “بيرغت” على مسافة (500) كم في سنة 2009م، وبثــّت ما صورته لمدة سبع ساعات، وجمعت (1.2) مليون مشاهد، أي ربع السكان، وقد شجعها هذا النجاح على إعادة التجربة في رحلة بحرية بثت لمدة خمسة أيام، وتابعها (3,2) مليون مشاهد.

وفي فرنسا خاضت القناة الرابعة تجربة مماثلة بعنوان: “طوكيو، الاتجاه المعاكس” الذي يسرد رحلة من طوكيو إلى فرنسا، لكنها لم تجمع سوى (1,4) مليون مشاهد خلال تسع ساعات من البث، لكن الغريب أن بعض الصحافيين الفرنسيين أكدوا أن هذا البث لفت نظر رواد موقع “تويتر” فأرسلوا (13) ألف تغريدة عنه، وكان عددهم أكثر من الذين غردوا على تعيين “مانويل فالس” الذي عُين رئيسًا للحكومة الفرنسية في اليوم الذي بثَّ فيه هذا الشريط. 

هل التلفزيون المتأني يختلف عن التلفزيون الكلاسيكي في طول المدة الزمنية التي يستغرقها بثّ مواده؟ إن كان الأمر كذلك فكثير من البرامج  انزاحت عن المعايير المعروفة والمعتمدة في إنتاج المواد التلفزيونية، وهي (20، و52، و90) دقيقة، فبرامج تلفزيون الواقع، على سبيل المثال؛ كانت السباقة في هذا المجال. 

للإجابة عن هذا السؤال يؤكد “بوريس رازون” مدير الكتابات الجديدة في التلفزيون الرسمي الفرنسي قائلاً: إن تلفزيون التأني لا يقول للمشاهد ما الأشياء التي يجب أن تفكر فيها، فخلافًا لبرامج تلفزيون الواقع، لا يتضمن تلفزيون التأني سيناريو، ولا أدوارًا سردية، إنه يعبر عن الأصالة، فالوقت الذي يقضيه المشاهد أمام الشاشة هو الزمن الحقيقي.

خلافـًا لما يعتقد، إن حركة التأني تنمو ‒ أيضًا ‒ في حضن شبكة الإنترنت التي تتميز بالسرعة، فالتقارير المتلفزة وأفلام “الواب” الوثائقية التي تستغرق وقتًا طويلاً لمشاهدتها بدأت في الانتشار، والمواقع مثل: “نيوز دوت كم News.com”، و”بريف دوت مي Brief.me” وغيرها تنتقي من الأحداث والأخبار التي يعتقد أنها أكثر أهمية وتسلط عليها الأضواء، ليس هذا فحسب، لقد بدأت كثير من التطبيقات الرقمية التي تسمح بتأجيل قراءة المواد الصحفية في الانتشار لتضاف إلى التلفزيون الاستدراكي والمشاهدة بأثر رجعي، والتي تبين أن للمرء حياة أخرى وليس سجين شبكة الإنترنت ومنصاتها الرقمية.

أخيرًا، متى يحن موعد انطلاق “الميديا المتأنية” في المنطقة العربية؟

مؤسسات الإعلام الرقمي الجديدة (NETFLIX) من تأجير أقراص الـ(DVD) إلى أكبر منصة للبثِّ الرقمي

لزمن طويل سادت الإعلام الدولي أسماء إمبراطوريات معروفة، مثل: (تايم وارنر، وإكسل شبرنغر، وبرتلزمان، وديزني) وغيرهم، الآن دخلت وجوه جديدة تصنع محتوى جديد كليًّا ويعرفها جيل الشباب، أسماء مثل: (نيتفليكس، وفايس ميديا وبزفيد، وإنسايد إديشن، وفوكس، وإم أي سي ميديا)، هم عمالقة جدد في الإعلام الدولي وبأحجام وتأثيرات واتجاهات مختلفة.

(نيتفليكس Netflix) هي شركة أمريكية متخصصة في توفير الخدمات الإعلامية وشركة إنتاج مقرها في (لوس غاتوسLos Gatos  )، كاليفورنيا، تأسست سنة 1997م، من قبل “ريد هاستينغز ومارك راندولف” في سكوتس فالي، كاليفورنيا.

يتمثل نشاط الشركة الأساسي في خدمة البث المباشر القائمة على الاشتراك لمكتبة من الأفلام والبرامج التلفزيونية، بما في ذلك البرامج المنتجة داخليًا، واعتبارًا من أبريل 2019م، كان لديها ما يزيد على (148) مليون اشتراك مدفوع في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك (60) مليون اشتراك في الولايات المتحدة الأمريكية، قدمت لهم عروضًا مثل: (ناركوس، وأوزارك، وهاوس أوف كاردز، وماستر أوف نون)، وغيرها كثير، جنبًا إلى جنب مع عدد كبير من الأفلام الوثائقية، والأعمال الكوميدية والأعمال التي يتم الإعلان عنها كل شهر.

تضمن نموذج الأعمال الأولي لـ(نيتفليكس) مبيعات وتأجير أقراص الـ(DVD) عبر البريد، لكن “ريد هاستينغز”، المؤسس المشارك ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة، تخلى عن نظام المبيعات بعد حوالي عام من تأسيس الشركة للتركيز على تأجير أقراص الـ(DVD).

قدمت الشركة خدمة فريدة هي إيصال أقراص الـ(DVD) عبر البريد عن طريق عرضها لخاصية الاشتراك الشهري على العملاء بدلاً من دفعهم لتكاليف كل عملية شحن على حدة، فأصبحت تكلفة توصيل قرص الـ(DVD) لمرة واحدة هي ذاتها لعشر توصيلات أو مئة توصيل أو العدد الذي تريده، وأدى ذلك إلى تراجع سريع للمحلات التجارية أو الشركات العاملة وفق الطريقة التقليدية، وفي سنة 2005م أصبح لدى شركة (نتفليكس) قاعدة بيانات تضم أكثر من (4.2) مليون مشترك بخدمة (DVD by mail).

في سنة 2007م، أعلنت الشركة أنه بالإضافة لخدمة توصيل أقراص الـ(DVD)  عبر البريد، سوف توفر للمشتركين خدمة بث البرامج التلفزيونية والأفلام مباشرة إلى حواسيبهم أي عبر الإنترنت، وفي سنة 2010م وسعت أعمالها من خلال تقديم وسائط البث مع الاحتفاظ بأعمال تأجير أقراص الـ(DVD) و(Blu ray) وفي نفس العام توسعت الشركة دوليًّا في كندا ثم أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

دخلت (نيتفليكس) في عملية إنتاج المحتوى سنة 2012م، حيث ظهر لها ولأول مرة مسلسل (Lily hammer) الذي يحكي قصة “فرانك تاجليانو”، رجل العصابات السابق في نيويورك، والذي يشهد ضد رئيسه في المافيا، وعندما تصبح الأمور سيئة بالنسبة له، يغادر إلى ليلهامر، النرويج، لحماية نفسه وقد استمر هذا المسلسل حتى آخر حلقاته في 17 ديسمبر 2014م، بعدها يصبح لـ(نيتفليكس) دورًا نشطًا كمنتج وموزع لكل من المسلسلات السينمائية والتلفزيونية، ولهذا الغرض، صارت تقدم مجموعة متنوعة من محتوى (Netflix Original) من خلال مكتبتها الضخمة على الإنترنت، وبحلول يناير 2016م، وصلت خدمات (نيتفليكس) إلى أكثر من (190) دولة، وأصدرت حوالي (126) سلسلة وأفلام أصلية، أكثر من أي شبكة أو قناة كابل أخرى.

تمول (نيتفليكس) برامجها الأصلية بشكل مختلف عن شبكات التلفزيون الأخرى، فعندما يوقعون على مشروع ما، يقدمون التمويل مقدمًا ويطلبون على الفور موسمين من حلقات المسلسلات، وفي مارس 2011م بدأت (نيتفليكس) في الحصول على أوائل المحتويات الأصلية لمكتبتها، بدءًا من مسلسل (هاوس أوف كاردز House of Cards)، والذي ظهر لأول مرة في فبراير 2013م.

بعد ذلك توسعت في الإنتاج بغزارة فوصلت لإنتاج خمسة مسلسلات مكتوبة خصيصًا لها في سنة 2013م، ثم في العام 2014م وصلت لعرض (25) مادة، منها ثمانية مسلسلات من إنتاجها وهو رقم ضخم حتى لشركة متخصصة في الإنتاج، ثم في سنة 2015م عرضت (59) مسلسلاً أصليًّا وفيلمًا وأفلام وثائقية، منها (19) مسلسلاً من إنتاج (نيتفليكس) حتى وصلت في سنة 2016م لعرض ما يقرب من (126) مسلسلاً وفيلمًا منها (29) مسلسلاً من إنتاجها.

في سنة 2015م، أنتجت الشركة أول فيلم روائي طويل لها وكان بعنوان: (Beasts of No Nation)، لتغير بذلك طريقة إنتاج الأفلام وتحدث ثورة في طريقة مشاهدتها ‒ أيضًا ‒ قصته ترسم الواقع عندما تمزق الحرب الأهلية عائلته، يضطر صبي من غرب إفريقيا إلى الانضمام إلى وحدة من المقاتلين المرتزقة ويتحول إلى طفل مجند.

في تلك المرحلة قدمت (نيتفليكس) (ناركوس Narcos) وهو مسلسل جريمة أمريكي تم إنتاجه من قبل “كريس برانكاتو، وكارلو برنار، ودوغ ميرو”، الموسم الأول يحتوي على (10) حلقات بثت لأول مرة في 28 أغسطس 2015م، حصريًا على (نتفليكس)، أحداث القصة حقيقية وتدور حول قصة تاجر المخدرات المشهور “بابلو إسكوبار” الذي أصبح ملياردير بسبب إنتاج الكوكايين وتصديرها لخارج كولومبيا، ومحاولة القبض عليه من قبل مكافحة المخدرات الأمريكية، وتقع أحداث القصة في كولومبيا، وفي 3 سبتمبر 2015م تم الإعلان عن موسم ثان للمسلسل، وبُثَ الموسم الثاني على الهواء في عام 2016م، تم تجديد المسلسل بشكل رسمي في 6 سبتمبر 2016م إلى موسم ثالث ورابع.

واصلت (نتفليكس) توسيع محتواها الأصلي بشكل كبير في سنة 2016م، حيث تم عرض فيلم الخيال العلمي (Stranger Things) للمرة الأولى في يوليو 2016م، والدراما التي تعتمد على الموسيقى (The Get Down) في أغسطس، والدراما التاريخية (The Crown) في نوفمبر، وتضمن العرض الأول للعام في الكوميديا، ​​مثل ( Love ، Flaked)، في هذا العام استثمرت ‒ أيضًا ‒ في توزيع العروض الكوميدية الحصرية الخاصة من الكوميديين البارزين، مثل: (ديف شابل، ولويس سي كي، وكريس روك) وغيرهما.

في أكتوبر 2017م، حددت “نتفليكس” هدفـًا يتمثل في جعل نصف مكتبتها تتكون من المحتوى الأصلي بحلول سنة 2019م، معلنة خطة لاستثمار (8) مليارات دولار على المحتوى الأصلي في سنة 2018م بالتركيز على الأفلام والأنيمي من خلال هذا الاستثمار، مع خطط لإنتاج (80) فيلمًا خاصًا و(30) مسلسل أنيمي.

في 2019م، أعلنت (نتفليكس) زيادة بالملايين في عدد مشتركيها خلال أربعة أشهر فقط، حيث سجل الربع الثالث من العام زيادة بمقدار (6.77) مليون مشترك، الجزء الأكبر منها جاء من الأسواق الخارجية، وتعود هذه الزيادة الضخمة في عدد المشتركين إلى عرض الموسم الجديد لمجموعة من أشهر الأعمال التلفزيونية مثل مسلسل الخيال العلمي (أشياء غريبة) الذي شاهده (64) مليون مشترك خلال أول أربعة أسابيع فقط من عرضه، ليصبح بذلك الموسم الأعلى مشاهدة بين البرامج التي أنتجتها (نتفليكس)، وفقًا لما ذكرته وكالة (بلومبيرغ) الأمريكية، وكان هذا المسلسل بدأ موسمه الأول في سنة 2016م.

في نهاية سنة 2019م، عرضت الشركة فيلمها الضخم (الرجل الأيرلندي The Irishman) وهو مأخوذ عن كتاب للمحقق الأمريكي “تشارلز براندت” اسمه (I Heard You Paint Houses ) وهو من إخراج المخرج الشهير “مارتن سكورسيزي” وبطولة النجوم (روبرت دي نيرو، وآل باتيشنو، وجو بيشي).

عُرض هذا الفيلم لأول مرة في الدورة (56) لمهرجان “نيويورك السينمائي” بتاريخ 27 سبتمبر 2019م، وحظي بعرض محدود في دور العرض في 1 نوفمبر 2019م قبل أن يصدر على (نتفليكس) في 27 من الشهر نفسه، وخلال (5) أيام من عرضه على الشبكة الأمريكية، حصد الإيرلندي (17.1) مليون مشاهدة.

أخيرًا هذه فرصة لقراءة كتاب (That Will Never Work) من تأليف مارك راندولف، الذي نقله إلى اللغة العربية المترجم ربيع هندى، كتاب يحكي القصة الكاملة لنجاح شركة نتفليكس، يقول المؤلف:  “في سنة 1997م، خطرت ببالي فكرة بسيطة لكنها تعزز كثيرًا فكرة أن يتم تأجير الأفلام عن طريق الإنترنت، وقتها اعتبرت أحد أسوأ الاقتراحات على الإطلاق، إلى حد أنني عملت على حث شريكي هاستينغز للقبول  بالفكرة الذي اهتم بها، فأسسنا الشركة المأمولة.

لقد كانت بداية القرن الواحد والعشرين أكثر بداية متعثرة ومدمرة مع وجود القليل من المؤمنين بنجاح المشروع والمصائب والنكبات التى تنتظر عند كل منعطف جديد تتجاوزه الشركة، من هذه الصعوبات أنني طلبت من والدتي أن  تكون من أوائل المستثمرين، إلى استخدام غرفة صغيرة مخصصة للاجتماعات كمكتب رئيس، إلى تعطل الخوادم في يوم إطلاق الشركة، وكان كل ذلك مثالاً عن وجوب امتلاك المرء للجرأة، والحدس، والتصميم لكي يستطيع تغيير العالم للأفضل من خلال فكرة رأى كثيرون أنها لن تنجح”.

القوة الناعمة في الإعلام

يُعدُّ الإعلام أهم أداة من أدوات القوة الناعمة، ويمكن وصفه بأنه الذراع الأقوى للقوة الناعمة، ولذلك فإننا نرى بأن الدول المتقدمة تعمل على تسخير هذا الجهاز القوي وتوجيهه نحو كل ما يحقق مصالحها الداخلية والخارجية.

ولكن ما القوة الناعمة؟ وما العلاقة بين هذا المصطلح وبين الإعلام؟ وما التأثيرات الناتجة من تلك العلاقة؟ وهل توجد قوة صلبة تقابل هذه القوة الناعمة؟

بما أن مفهوم القوة الناعمة يُعدُّ حديثــًا نسبيـًّا، فإن الأسئلة الآنف ذكرها بالإضافة إلى عدد كبير من الأسئلة الأخرى التي يتم طرحها من قبل مـَن لم يسمع بهذا المصطلح سابقًا ستتم الإجابة عنها في سلسلة من المقالات، نبدأها بهذا المقال.

مفهوم القوة الناعمة
إن قدرة الشخص أو الدولة في التأثير في سلوك الطرف الآخر، وجعله يتبنى ما يريده الطرف الأول تدل على أن الطرف الأول يمتلك قوة، وبشكل عام فإن هذا التأثير يمكن أن يحدث من خلال ثلاث وسائل، هي:

1-الإكراه والتهديد.
2-التحفيز من خلال دفع الأموال.
3-الجذب من خلال أفعال لا تحمل توصيات مباشرة، وهي ما تسمى بعملية التأثير في سلوك الآخرين من خلال القوة الناعمة.

إن القوة الناعمة هو مصطلح صاغه الدبلوماسي والأكاديمي الأمريكي البروفسور جوزيف ناي، الذي تولى عدة مناصب أبرزها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية والدولية، كما عمل في المجال الأكاديمي – أيضًا – بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية.

في سنة 1990م، ألف البروفسور ناي كتابًا بعنوان: “حتمية القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية”، وذكر في هذا الكتاب مصطلح القوة الناعمة لأول مرة، حيث قال: إنه عندما تقوم دولة بجعل دول أخرى تريد ما تريده تلك الدولة، فإن هذا يسمى بالقوة الناعمة للدولة.

وعلى النقيض فإن هناك ما يسمى بالقوة الصلبة، وهي تعني إصدار الأوامر للدول الأخرى لفعل ما تريده الدولة المستخدمة لتلك القوة، ويمكن اعتبار استخدام القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية أوضح مثالين للقوة الصلبة أو الحادة كما يسميها البعض.

ومن هنا يمكن القول: إن القوة الناعمة هي قدرة التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج المرادة، أو القدرة على جذب الآخرين من دون إكراه، وبكلمات أبسط فإن القوة الناعمة هي القدرة على الفوز بقلوب الآخرين.

وفي سنة 2004م، اُستخدم مصطلح القوة الناعمة بشكل واسع جدًّا وغير مسبوق من قبل السياسيين والإعلاميين بالإضافة إلى الباحثين في مجال العلوم السياسية، وذلك بعد صدور كتاب آخر لصاحب المفهوم والذي حمل عنوان: “القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية”، ولا نبالغ حين نقول: إنهذا المصطلح قد تحول إلى مصطلح علمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ومن جدير بالذكر بأنه قد ظهر مصطلح آخر متعلق بعلم السياسة والعلاقات الدولية، حيث يشير المصطلح إلى عملية المزج والدمج بين استخدام كل من القوة الناعمة والقوة الصلبة في آن واحد وذلك من أجل تحقيق الأهداف المرجوة وسمي ذلك بـ”القوة الذكية”، ومن أبرز الأمثلة على استخدام القوة الذكية بين الدول هو ما يتمثل في السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع الملف الكوري الشمالي، فمن ناحية تفرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية بالإضافة إلى التهديد الدائم بالرد العسكري المناسب متى ما تطلب الوضع، وفي نفس الوقت فإن الحكومة الأمريكية تروج على الدوام بأنها تبادر دائمًا بطلب التفاوض وإعادة الحوار بين البلدين.

أدوات القوة الناعمة

تؤدي القوة الناعمة دورًا محوريـًّا في تعزيز سمعة الدول واحترامها بين الدول والشعوب الأخرى على حد سواء، وذلك من خلال الاستخدام الصحيح والمثالي لأدوات القوة الناعمة، فما تلك الأدوات التي تعمل على رسم الخطوط الرئيسية لإستراتيجيات الدول في المجتمع الدولي؟

يُعدُّ الإعلام أحد أهم وأخطر أدوات القوة الناعمة في هذا العصر وذلك بشكليه التقليدي والحديث، فمن خلال وسائل الإعلام – خاصة وسائل التواصل الاجتماعي – يمكن التأثير بشكل إيجابي أو سلبي في المتلقي، ومن السهولة بمكان فرض آراء معينة على مستقبل المعلومة إذا ما تم دراسته سلوكيًّا ونفسيًّا، ومن هنا يتبين أن الإعلام كأداة من أدوات القوة الناعمة يمكن استخدامها لبناء المجتمعات، كما يمكن استخدامها لهدم دول وأمم كما هو حاصل حاليًا من نشر للتطرف من خلال وسائل إعلام تتبع لحكومات ومنظمات وأشخاص أيضًا، وبالتالي فإن الإعلام سلاح ذو حدين كما هي القوة الناعمة، وسيتم التطرق لهذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

تُعدُّ السياسة الخارجية للدول – أيضًا – من أبرز وسائل القوة الناعمة في مجال العلاقات الدولية، فهي وسيلة مهمة لزيادة النفوذ العالمي لأي دولة وبخاصة فيما يتعلق ببناء التحالفات الاقتصادية والعسكرية وغيرها. فكلما اتصفت السياسة الخارجية لأي دولة بالاتزان والذكاء السياسي، كلما استطاعت جذب عدد أكبر من الدول في صفـّها، وبالتالي تفوز بدعم دولي في عدة مجالات مثل الموافقة على القرارات الدولية التي تتقدم بها الدولة أو الحصول على التصويتات الخاصة باستضافة الأحداث العالمية الرياضية والثقافية والاقتصادية.

ويُعدُّ العمل الإنساني وتقديم المساعدات الخارجية من أدوات القوة الناعمة التي ترتبط بشكل مباشر مع الشعوب قبل الدول، فهذا النوع من المشاريع التنموية تعمل على إيجاد تأثير قوي من قبل الدول المانحة للدول والشعوب الممنوح لها، وتعزز من سمعة الدول المانحة على المستوى العالمي وترسخ من محبة الشعوب كافة، كما تعمل على فتح أبواب شراكات قوية مع المؤسسات الخيرية غير الحكومية، مما يؤدي إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة لجميع دول العالم.

كما تُعدُّ ثقافة أي بلد أو شعب ذراعًا مهمًا من أذرع القوة الناعمة، كونها تجذب العديد من الأفراد والشركات العالمية، مما يؤدي إلى جذب الدول الأخرى لعقد اتفاقيات وشراكات تعود بالنفع في الجانب الاقتصادي، وتشمل الثقافة جوانب عديدة مثل اللغة والطعام والسياحة والتراث والعادات والتقاليد والفنون بجميع أشكالها.

فاللغة هي الوسيط وعامل الجذب بين الناس، سواء كانوا سياسيين أو مثقفين أو حتى أشخاص عاديين، وهي جسر التواصل بين الحكومات والشعوب، فعلى سبيل المثال؛ نرى أن قوة اللغة الإنجليزية أوصلتها لأن تكون هي لغة العلم والسياسة والتكنولوجيا في العالم، كما أن سحر اللغة العربية وتفردها جذب عددًا كبيرًا من غير المتحدثين بها، وأيقنت بعض الدول – خاصة في شرق قارة آسيا – بأن اللغة العربية هي البوابة الرئيسة للدخول إلى عالم الاستثمار مع الدول العربية، فعلى سبيل المثال تمَّ استحداث مشاريع ضخمة وغير مسبوقة لتعليم اللغة العربية في كوريا الجنوبية، كما ارتأت الصين بأن اللغة العربية هي المفتاح الذي يمكن استخدامه لنشر الثقافة الصينية في الوطن العربي، حيث إن هذا التبادل الثقافي المرتبط باللغة ليس وليد الأمس القريب، فاللغة العربية ربطت العرب بشعوب الهند والصين وذلك منذ القرن السابع الميلادي.

ويُعدّ الطعام أو ما يسمى بثقافة الأكل من أهم وسائل الجذب، وذلك لأن هذه الثقافة تعدُّ من النوادر التي يمكن اعتبارها اهتمامًا مشتركًا بين جميع الناس، فمن غير المستغرب أن يكون أول هدف للمسافر إلى بلد معين هو تعرّف ثقافة هذا البلد من خلال أطباقه المحلية الأصيلة، ومن غير المستغرب أن ترى مجموعات من الناس تتكبد عناء السفر من أجل تذوق “البيتزا” في إيطاليا أو “البرياني” في الهند.

وقد أكد التاريخ بأن الفن بجميع صوره من شعر وأدب ورسم ونحت ودراما وسينما ومسرح وغيرها، يُعدُّ أحد أدوات القوة الناعمة المهمة لأي دولة، فقد ترسخت اللهجة المصرية في أذهان العرب من خلال الدراما والسينما المصرية، كما أن باريس تتبادر إلى الذهن بمجرد النظر إلى لوحة “الجيوكاندا” أو “الموناليزا” على الرغم من أن رسامها إيطالي!

لذلك فإن الدول المتقدمة دائمًا ما تركز على تنوع العنصر الثقافي بها من خلال الاهتمام بنشر الثقافة المحلية، بالإضافة إلى قبول الآخر والتعايش مع ثقافته ما دامت لا تتصادم مع ثقافة البلد.

كل ما سبق ذكره من أدوات بالإضافة إلى أدوات أخرى مثل السياحة والرياضة وغيرها تعزز من القوة الناعمة للدول، وتضيف لها رصيدًا قويًا لا يقل أهمية عن القوة الصلبة لتلك الدول.

التقى بهم وأشاد بعطائاتهم وبصماتهم في قيادة الأمانة العامة الحجرف: الأمناء العامون السابقون حافظوا على أمانة مجلس التعاون قوية متماسكة

أشاد معالي الدكتور نايف الحجرف، الأمين العام لمجلس التعاون، بعطاءات كافة الأمناء العامين السابقين الذين تعاقبوا على تولي مسؤولية الأمانة العامة لمجلس التعاون، وحرصهم على الحفاظ على قوة وتماسك الأمانة العامة للمجلس، مؤكدًا على أهمية الحفاظ على كيان مجلس التعاون قويًا متماسكًا، من خلال العمل في إطار أهدافه السامية التي أرساها أصحاب الجلالة والسمو القادة المؤسسون رحمهم الله، ويمضي وفق رؤيتها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون، حفظهم الله. 

جاء ذلك عقب جولة قام بها الأمين العام في شهر مارس 2020م، زار خلالها الأمناء العامين السابقين الذين تولوا مسؤولية الأمانة العامة لمجلس التعاون منذ إعلان تأسيسه في 25 مايو سنة 1981م، حيث استقبله كلٌّ من: معالي عبد الله يعقوب بشارة أول أمين عام للمجلس، ومعالي الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، ومعالي جميل بن إبراهيم الحجيلان، ومعالي عبد الرحمن بن حمد العطية. 

وأشار معالي الدكتور الحجرف إلى النجاحات التي حققها الأمناء العامين السابقين في تطوير منظومة عمل المجلس، والعمل لضمان تحقيق الإنجازات والمكتسبات العديدة، والتي أسهمت في المحافظة على استمرارية العمل الخليجي المشترك، في إطار الاجتماعات الوزارية والفنية وكافة الفعاليات والأعمال المشتركة، مؤكدًا الاستمرار في السير بإخلاص على نهجهم والبناء على ما أسسوه طوال أربعة عقود، وهو الإرث الهام الذي جعل لمجلس التعاون موقعًا فاعلاً ومؤثرًا وبارزًا على الخارطة الإقليمية والدولية. 

من جانبهم تمنى الأمناء العامون السابقون لمعالي الدكتور نايف الحجرف كل التوفيق والسداد في قيادته للأمانة العامة للمجلس في المرحلة القادمة، رافعين له أسمى آيات التبريكات بثقة أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون بتعيينه أمينًا عامًا للمجلس، مؤكدين في الوقت نفسه أهمية العمل المشترك في إطار التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء، وبما يحقق تطلعات وآمال شعب الخليج.

شبكات التواصل الاجتماعي… هل أحرقت (أخبار) وسائل الإعلام التقليدية؟!

الموضوعية؛ هي إحدى ركائز القيم الإعلامية الرئيسة المهمة، ربما كانت غائبة أو في الغالب مغيبة لسبب أو لآخر، في ميدان معظم النقاشات والحوارات الدائرة والمستمرة حول أثر ما سُمّي بالإعلام الجديد في الإعلام التقليدي، ذلك أن التعميم في الطرح والخلل في الاستنتاج هو ما يشكل السّمة السائدة لدى غالبية من تصدوا للظاهرة الوليدة، المتنامية في أشكالها وأعداد مستخدمي أدواتها بقدر اتساع دوائر الموجات “الكهرومغناطيسية” ذات البث القوي، ولعل ما عزز من ذلك التعميم اختلاط الأوراق التي أحدثها دخول أطراف عديدة لحقل الاتصال والإعلام، بخاصة بعد تكاثر انتشار أدوات التواصل الإعلامية وغير الإعلامية عبر الإنترنت، وذلك بعد أن كان الحقل ذات يوم شبه محصور في المجتمع الإعلامي بشقيه الأكاديمي والمهني.

مفترق الطرق
كان من نتائج التعميم في الحكم، أن تحولت مشاربه وبعض أهدافه في أحايين كثيرة، وتحديدًا فيما يتعلق بتخصص الإعلام إلى مزاحمة غير مهنية، عكرت أداءه؛ وأدت إلى شقّ صف الإعلام إلى صفين وفقـًا للفضاءين المختلفين شكلاً على الرغم من اتحادهما وظيفيًّا: التقليدي والرقمي، ساعد على ذلك: وجود تيار إعلامي قديم محافظ تهاون مع التحول لجهله أو لفوقيته حينئذ، وآخر حداثي بالغ في التباهي بالجديد لحماسته أو لتشفيه من التيار الأول.

وفي خضم هذا التراشق بالرأي والتعصب له، تناسى الطرفان قاعدة أزلية تقرر أن تطور التخصصات والنجاح فيها، إنما يتأتى من تراكمات تأسيسية تضيف لبعضها البعض، وأنه لا يمكن لأية نشاط أن ينمو كما يجب عبر إعادة اختراع العجلة، الأمر الذي أدى – حتى الآن – إلى وجود إعلام هجين غير مكتمل النمو، خسر معه الجميع، بخاصة الحكومات والإعلام الوطني، بل وحتى الرأي العام نفسه، الشكل المنتظر للإعلام المتكامل، أو ما يمكن أن نطلق عليه مؤقتــًا: الإعلام المطور.

لعل من المفارقات أن كلا الإعلامين تجمعهما قواسم مشتركة من أهمها الأهداف والمهام، مما لا يمكن الاستغناء عنه، أو العبث بمكوناته، أما على مستوى التفاصيل، فإن من أبرز القواسم المحورية حقيقة مفادها أن الخبر هو الشكل الإعلامي الرئيس، إذ يمثل الأصل والنواة التي نمى وتفرع منها نشاط الإعلام نفسه؛ فقد شكلت مضامينه منذ بدء الخليقة ولا تزال حاجة إنسانية ملحة تقوم على الرغبة في تعرّف الأحداث والمستجدات، وربما يدعم ذلك السؤال التقليدي والعفوي المتكرر بصورة شبه يومية باستخدام العبارة الدارجة “وش الأخبار؟!”، وبالتالي فإن الخبر، بقيمته وأهميته، يظل المقوم الأساسي لتطور الإعلام ووسائله، وأن قيمته التي نشير إليها هي التي قادت إلى انبثاق الأشكال الإعلامية الأخرى كالتحقيق، والتقرير، والقصة الخبرية، والصورة الخبرية، بل وحتى المقال؛ فهي وإن تنوعت في ظاهرها إلا أنها في حقيقتها تنشأ من الخبر وتنمو تباعًا لأحداثه.

فوق هذا وذاك، وبعيدًا عن الانطباعات والاجتهادات الفردية، بات مهمًا، كي توضع الأمور في نصابها، التنبه إلى أن هناك جملة من القواعد التي يجب أن تكون حاضرة لتقييم النشاط الإعلامي وتطويره، من ذلك أن الوسيلة الإعلامية الفاعلة يجب أن تستمر سُبل تطويرها وفقـًا لدرجة تفاعل الجمهور معها، وأن أكثرها وصولاً وتأثيرًا تلك التي تراعي مقتضى حال المتلقين، ليس فقط من حيث لغة التخاطب معهم؛ بل والأهم من حيث توافر الوسيلة المناسبة لديهم، مما يعني أهمية استخدام كافة الأدوات التي تعين على الوصول إلى كافة فئاته، وهو ما يستدعي تعرّف سلوكات الجمهور من حيث مدى متابعته، ودرجة تعرضه، واتجاهاته نحوها، فالاعتقاد مثلاً أن الجميع يمتلك وسيلة تواصل اجتماعي هو حكم غير موضوعي، مما يعني أن الوصول إلى الجميع لا يمكن أن يتحقق ما لم يتم استخدام كافة الوسائل.

مجالات تفوق الإعلام التقليدي
على الرغم من مزاحمة وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة للإعلام التقليدي في كثير من مقومات انتشاره؛ بل وعلى الرغم من أن تلك الوسائل الرقمية حملت معها مزايا مهمة، وتفوقت على التقليدية في بعض منها، إلا أن هذه الأخيرة  – ولحسن حظـّها – استأثرت بجملة من المواصفات القادرة على تمكينها من البقاء سيدة للموقف في ميدان الإعلام، متى ما استفادت من مزايا الرقمية التي ستأتي لاحقـًا، من تلك السمات أو القيم والمجالات التي تكاد تنفرد بها:

1-المصداقية؛ وتمثل هذه القيمة وحدها من دون منازع ورقة الرهان الرابحة التي تمتلكها وسائل الإعلام التقليدية وتشكل سلاحها الحاسم إن هي أحسنت تطوير ذاتها لكسب ثقة الجمهور بالمواد الإخبارية التي تنشرها والتفوق على غيرها من المصادر؛ ذلك أن الرصين منها عُرف بحرصه الشديد والحازم على صحة معلوماته، لقناعته التامة بأن الالتزام بها، هو سبيله القوي في تعزيز صورته الذهنية، ولعل مما قوَّى هذا البعد خضوع معظم تلك الوسائل لفترة طويلة من الزمن للأنظمة والتشريعات التي تسنها الجهات المعنية، ونجاح كثير منها في تشكيل الولاء لدى جماهيرها، الذين نشأت بينهم وبينها صلة وطيدة، كان من مظاهرها معرفتهم بالشخصيات التي تديرها وتعمل بها؛ بل وبمقارها، بخلاف وسائل الاتصال الجديدة التي يعمل كثير منها في عالم افتراضي، ويختفي بعضها خلف أسماء رمزية أو وهمية.

ولأهمية المصداقية كقيمة إعلامية تتفوق بها الوسائل التقليدية، ظلت تشكل مرجعية للجمهور للتحقق من صحة الأخبار، تبقى مهيمنة إلى الآن في هذا القطاع في أثناء نشوء الأزمات، إذ لا يمكن أن تعول العامة على مواد أفراد تتضارب آراؤهم من دون قرائن يعتد بها.

2-الدقة والتحقق من المعلومات؛ فهذه الوسائل التي اشتهرت بتواجد ما اصطلح عليه الباحثون في مجال التخصص مسمى “حارس البوابة”، اتسمت بكونها صمام أمان لمحاربة الشائعات والأخبار المغلوطة، حتى وإن اعتبر البعض أن وجود هذه السمة “مثلبة” تعاب بها، لكونها تشكل في بعض أحوالها قيدًا مؤلمـًا لحرية الصحافة، إلا أن الجهد المكثف الذي يبذله الإعلاميون العاملون فيها، بما في ذلك كتـّاب الصحف البارزون، في البحث والتمحيص للتأكد من صحة معلوماتهم قبل نشرها يُعدّ “منقبة” يثمنها العارفون بخطورة المعلومات الزائفة وأثرها المدمر في المجتمعات، ويأتي اجتهاد الوسائل التقليدية ومنسوبيها في تنقيتها انطلاقـًا من قناعات أكيدة بأن التقصير في الالتزام بذلك حري بأن ينعكس سلبًا على أدائهم، بل وعلى مستقبلها ومستقبلهم.

3-العمق في الطرح وشمولية التناول؛ وهي مزية تظهر بشكل جلي – على سبيل المثال لا الحصر – في التحليلات المتنوعة والجادة التي تحتويها أشكال موادها، والتي تستعين في كثير منها بالخبراء وأهل الاختصاص لتسليط الأضواء من زوايا مختلفة على الأحداث، وهي القيمة التي تمكن مستخدميها من رؤية الصورة بتفاصيل أكثر، مما يؤكد حرص هذه الوسائل على تجنب النظرة القاصرة للأحداث والحكم الجائر على أطرافها، وبالتالي فإن أخبار هذه الوسائل تبقى محتفظة بخاصية تقديم مادة متكاملة نسبيًّا مقارنة بما استجد من وسائل.

4-نشاط مؤسساتي مستدام؛ فمخرجات الوسائل الإعلامية هي محصلة عمل جماعي منظم ومستمر، ومنضبط يخضع للتقييم والتطوير، وإن كانت وتيرته لا تتواكب مع العصر الجديد، يساندها في ذلك وفرة الإمكانات المادية، التي تمكنها من توفير الاحتياجات الضرورية لأداء مهامها المهنية على أكمل وجه، وعلى الرغم من أهمية هذه الخاصية إلا أن بعض الوسائل الإعلامية لم تستفد بالشكل المطلوب منها لمواجهة المرحلة العصيبة التي مرّت بها بعد التحول السريع إلى الوسائل الرقمية.  

ويدخل في هذه الخاصية امتلاك تلك المؤسسات في معظم الأحوال للقوى البشرية المتمكنة مهاريـًّا وممارسة من العمل الإعلامي، فالحركة الدؤوبة للعديد منها في ميدان الإعلام كان ولا يزال قوامها أفرادًا مهنيين اكتسبوا الخبرة والدربة اللازمة لتسيير الوسيلة بشكل منافس، كما أن انتشار مكاتب ومراسلي هذه الوسائل في أماكن عديدة شكل قيمة مضافة كان يمكن الإفادة منهم في الرصد والنشر الإخباري بشكل جاذب، لو استطاعت الوسائل التقليدية مواكبة التغيرات وأحسنت استثمار مقدراتها البشرية والمادية.

مجالات تفوق شبكات التواصل الاجتماعي
أدت شبكات التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى إلى فتح منصات متنوعة لأفراد المجتمع ومكنتهم من التواصل ببعضهم البعض، وهيأت هذه الخاصية للمؤسسات بمختلف أنواعها فرصة ذهبية لبناء جسور تواصل بينها وبين جماهيرها المتنوعة، مستفيدة في ذلك من خواص الفضاء الرقمي الذي أحدث تغييرًا مذهلاً وهائلاً في كافة القطاعات من دون استثناء، وقادت إلى التعريف بصناعات جديدة، وانهيار أخرى.

وفي الوقت الذي وجدت فيه وسائل الإعلام التقليدية في هذه الشبكات قنوات سريعة لإيصال موادها لجماهير عريضة جدًّا فاقت بكثير جمهورها المعتاد، استفادت الشبكات نفسها ومستخدميها بطريقة تلقائية من المواد الإعلامية التي تبثـّها تلك الوسائل لتصبح غذاءً مستمرًا ومتجددًا لمضمونها المتداول بين المستخدمين، ربما كان المأخذ على وسائل الإعلام – كما أشرنا إلى ذلك سابقـًا – أنها لم تتوسع كثيرًا في الغوص بأعماق العالم الرقمي لتتعرف جيدًا كيف توظفه لصالحها، كي تحقق مكاسب شتى، حتى وإن اضطرت إلى تغييرات جذرية في الأنماط والأشكال الروتينية التي اعتادت عليها؛ وهو ما كان يجب أن يكون، ومن تلك المزايا التي عرف بها الفضاء الرقمي لأول مرة، وظهرت بشكل بيّن في شبكات التواصل:

1-السرعة المتناهية في النشر؛ التي مكنت المرسل على نحوٍ غير مسبوق من الوصول الفوري لمستقبلها في أي مكان على وجه البسيطة، وهذه الخاصية تكاد تكون قاصمة الظهر التي زلزلت الإعلام التقليدي بكافة أشكاله، وأفضت آثارها إلى توقف درامي في كثير من وسائله، إذ أفسدت الشبكات الاجتماعية عليها تغطية الأحداث بالصورة المهنية، وذلك على الرغم من أن الشبكات تدار بشكل عشوائي وعبثي أحيانـًا من قبل هواة غير ملمين بأسس مهنة الإعلام، وتسبب ذلك في اختفاء تنافس الوسائل الإعلامية في تحقيق قصب السبق، كما أدى إلى تلاشى إمكانية إعداد المواد الحصرية التي عُرفت بها وكان يترقبها الجمهور فيما كان يعرف بالإشباعات المتوقعة، وبدأت شعبية الوسائل وروح المنافسة بينها يفقد كثيرًا من وهجه.    

2-خاصية التفاعلية؛ وتوفُّر أدوات القياس والتقييم الفوري، حيث شكّل هذا البـُعد واحدًا من التغيرات المهمة التي تميـّزت بها وسائل الاتصال الاجتماعي، فإذا كانت المصداقية هي ورقة الرهان الأقوى لدى وسائل الإعلام التقليدية، فإن هذا العنصر هو مرتكز الوسائل الجديدة ومصدر القوة لديها، فمن خلاله تمَّ تفعيل دور المتلقي ليكون أحد صناع المحتوى، كما بات الترمومتر الذي ترصد عبره قيمة رسائلها، ومدى تأثيرها، ليتسنى لها تعرّف كيفية تطويرها.

3-ميزة تنوع الأدوات والأشكال الاتصالية؛ ويمكن ملاحظة ذلك في حجم التكاثر اللامتناهي الذي ولدته ولا تزال الإنترنت من التطبيقات، وكذلك حجم المساحة الشاسعة التي تهيئها للمبدعين في الابتكار، وبقدر ما تعدُّ هذه الخاصية ميزة إلا أنها تحولت في شقّ منها إلى مهدد للأدوات والتطبيقات التي يتم التعريف بها من وقت لآخر؛ إذ إن ديناميكية النشاط والابتكار المتجدد في عالم تقنية الاتصال أدى إلى أن تتقادم بعض المبتكرات الجديدة في وقت وجيز خصوصًا في ظلِّ تسابق العالم نحو عمق الثورة الصناعية الكبرى الذي يهدف إلى أتمتة كافة الخدمات وتمكين الآلات من توفيرها، والتحكم فيها.

4-اتساع رقعة حرية التعبير؛ وهي ظاهرة تفشى استخدامها مع بداية النشر الرقمي الذي كان – لغياب كثير من التشريعات والقوانين الضابطة – مفتوحًا على مصراعيه، وتجاوز ذلك الاستخدام في بعض أشكاله الأخلاقيات والقيم المتعارف عليها، الأمر الذي دعا عددًا من الدول بما في ذلك التي تغنت بالحرية إلى تهديد شركات المعلومات العملاقة بعقوبات جسيمة في حال سمحت عبر مساحات النشر لديها وتطبيقاتها ببثِّ أية مواد عنصرية أو تحث على الكراهية، وذلك حين أدركت بشكل ملموس خطورته على الأمن والاستقرار، عبر استغلال المنظمات الإرهابية المروع لوسائل وتطبيقات تلك الشركات وقنواتها الرقمية.

إعادة تقييم
يستفاد مما سبق في ضوء السمات الإيجابية التي أتاحها الفضاء الرقمي الجديد أهمية قيام المؤسسات بشكل عام والإعلامية بشكل خاص، في ظلِّ حاجتها الملحة للوجه الاتصالي الجديد إلى إعادة هيكلتها إداريًّا، ومهنيًّا، أن تضيف إلى مهامها الجديدة جهازًا متخصصًا في مواكبة التقنيات الرقمية؛ بحيث تصبح العمود الفقري لعملها، والعين اليقظة لمراقبة متغيرات التقنية وسوقها أولاً بأول، وفوق هذا وذاك ينتظر من هذا الجهاز أن يغذي تفاصيل مكونات بقية الأجهزة إما تعليمًا أو تدريبًا على كيفية التعامل مع كل جديد، أو على أقل تقدير تثقيفًا للكوادر البشرية بالصورة التي تضمن فهمه لما له علاقة بوظائفه، وتقضي على أميته الرقمية التي تعدُّ واحدة من مهددات الأنشطة المهمة بأنواعها. 

والوسائل الإعلامية، إن استثمرت الوفرة الهائلة للمعلومات في العصر الرقمي، في ظل انتشار قواعد البيانات والمعلومات الضخمة وتقنيات الربط المباشر مع مراكز البحوث والجامعات والمعاهد المتخصصة، فإنها ستكسب قيمة مضافة للبحث والتدقيق لصناعة محتويات أكثر ثراءً، وجاذبية غير مسبوقة، ومرونة عالية تمكنها من تطويع تلك المعلومات لصناعة محتوياتها بما يتواكب مع روح العصر ومقتضياته.    

وبالعودة إلى بيت القصيد فيما يتعلق بمصادر الأخبار الأدق والأصدق والأعمق، ومدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي سلبًا في الوسائل التقليدية، يتضح أن الوسائل التقليدية ظلـَّت تمسك إلى حدّ كبير بزمام نشر الأخبار المحلية والعالمية الموثوقة، في حين انفردت شبكات التواصل بشكل عام في خاصية نشر الأخبار المجتمعية والشخصية التي لم يكن لوسائل الإعلام آنذاك اهتمامًا يذكر بها.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الوسائل التقليدية قد كسبت الرهان في النشر الإخباري الجماهيري بشكل نهائي، إذ إنها خسرت بعض مزاياها في ميدان الأخبار في هذا الجانب لصالح الوسائل الجديدة، فهي أصبحت في الغالب تأتي متأخرة عن شبكات التواصل في مسألة السبق الإعلامي الذي يعدُّ قيمة لا تقدر بثمن كمقوم من مقومات الإعلان عن الأخبار القيمة، وباتت بضاعتها في هذا الأمر تتعرض للكساد بسبب التقادم الذي يعتريها جراء المنافسة الحادة من الملايين في النشر قبلها، ليس بالنص فقط، بل وبالصوت والصورة كذلك، يحدث هذا عندما يكون الأفراد أنفسهم شهودًا مباشرين على الخبر نفسه أو جزءًا من مكوناته، عندما يكونون ممّن عاشوا في دائرته حال حدوثه.

لقد أصبح هذا التحدي واقعـًا معاشـًا في مجال صناعة الأخبار، فلم تعدّْ الوسائل التقليدية قادرة على تحقيق قصب السبق، ولم تعدّْ تمتلك وحدها كثيرًا من المزايا التي أوجدت لها المكانة التي كانت تتمتع بها سابقـًا، فقد أصبحت مساحات تحركها محدودة للغاية، وزاد من صعوبة الموقف أن المزايا القليلة المتبقية لتلك الوسائل التقليدية لا يحسن استثمارها والتعامل معها كما يجب إلا أصحاب المهارة العالية، من القادرين بحسّ رفيع على استنطاق أصحاب الشأن أثناء الأحداث الجسام، وهم الأكثر وصولاً إليهم للظفر بمادة حصرية.

زاد الأمر تعقيدًا أن أولئك المهرة الذين كانوا من بين مقدرات الوسائل التقليدية أخذوا في التناقص، وهجروا وسائلهم أو تمَّ تسريحهم بسبب تقلص الحوافز المادية التي صاحبت تراجع الدخل الإعلاني، الذي وصلت فيه إلى أسوأ حالاتها، بل إن منابعه جفت، وتوقف تمامًا عن معظم الوسائل التي اعتمدت عليه لسنوات، ولأنه كان أكسير الحياة لكثير منها، ولأن معظمها لم تبحث في آلية الوصول إلى “الإعلام المطور” المرتقب، فقد أطلق العديد من هذه الوسائل النار على نفسه بصورة عاجلة، مختصرًا المسألة إما بالتوقف أو تقليل الجهد، وهي خطوة قد تكون مؤشرًا على أحد أمرين: قصر النفس لدى قادة أعياهم المسير في مجال عملهم وأُخذوا على حين غرة بمفاجأة الفضاء الجديد، وإما – وهو الأقرب – لجهل تام بطبيعة التطور الذي اكتفوا فيه بمعرفة سطحية لمظاهره، ولم يغوصوا كما يجب في أعماقه، لتصبح جزءًا من وسائلهم.

مرحلة الاستسلام
في ظل هذا المشهد، بات مؤلمًا لصناعة الإعلام الوطني على وجه الخصوص، أن تلوح في الأفق بوادر تراجع حاد في درجة مقاومة الهجوم الكاسح لأنصار الإعلام التقليدي، ليس لأن مناوئيهم أصبحوا أكثر منهم عدة وعتادًا فحسب، لكن لأن غياب النظرة الفاحصة في الخروج من النفق أدى في نهاية المطاف إلى استسلام مؤسساتهم؛ وخسارة كثير من رموزها الذين لا يسهل تعويضهم، ولم يتم استثمارهم، بل إن تاريخهم في هذه المؤسسات استخدم وإن بطريقة غير معلنة كأداة لاستبعادهم عن المشهد، على الرغم من أن كثيرين منهم حاولوا شقّ طريقهم بمفردهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.   

قد يكون جزءًا من أسباب ترجل بعض الوسائل التقليدية عدم قدرتها على مقاومة النقد الذي لا يخلو من سخرية من أنصار التقنية الرقمية، وفي هذا مفارقة غير متوقعة، ذلك أن الوسائل التي أمضت سنوات عمرها في ممارسة الدور الرقابي على الساسة، والمؤسسات، بلغة لا تخلو من النقد الجاد وربما الحاد، وجدت نفسها فجأة تكتوي بنيران النقد ذاته، وربما كان معظمه يخلو من الموضوعية التي بدء بها هذا المقال.

إدارة الإعلام
لم يكن للوسائل التقليدية التي انهزم كثير منها أن تخسر المعركة، لو أنها فطنت مبكرًا إلى أن المشكلة الحقيقية التي أودت بها إلى التعثر كانت بالدرجة الأولى مشكلة إدارية، فهي على الرغم من كون السواد الأعظم منها شكل في فترة من الفترات، بما لديه من مقدرات، بيئة مثالية للتحول إلى الفضاء الجديد، إلا أنها عجزت بصورة محزنة عن الاستفادة منها؛ بل إنها أصيبت بسبب التخبط في خاصرتها على نحوٍ أدى إلى تناثر تلك الممتلكات بصورة تثير شفقة العارفين ببواطن الأمور، ولكن لا يملكون القرار في كيفية المعالجة أو القدرة على التدخل.

هذا القول يؤكد صحته تجربة عدد من الوسائل التقليدية (المخضرمة) التي لم يربكها طوفان الفضاء الجديد، أو يحبطها عدم وضوح الرؤية حول مستقبله ومستقبلها، فهي على الرغم من قلة عددها لأسباب ليس هذا موطنها، وجدت في التحول فرصة عظيمة لأن تحقق نجاحات أكبر وأعظم مما حققت، وهي الوسائل التي تمثل بحق النموذج الواعد لتشكيل الإعلام في هيئته المطورة، إذ إنها لم تعمل على حماية مقومات البقاء في الحالة التي كانت عليها، أو تتعصب لسياساتها التقليدية كما فعل غيرها، وإنما دخلت بشجاعة وبقوة إلى الميدان الرقمي بالشكل الصحيح، ففهمت خواصه الاتصالية، وشاركت بعزم عال ومرونة كبيرة ممزوجتين بمهنية في إعادة تشكيل الصناعة الإعلامية.

تجربة صحيفة “نيويورك تايمز”
أدى زخم الحماس للوسائل الرقمية – كما أشرنا سابقـًا – إلى استعجال البعض، بما في ذلك النخبة، في الدعوة إلى إلغاء الوسائل التقليدية، كان آخرها دعوة واحد من الذين عملوا لسنوات كاتبًا في إحدى الصحف المرموقة، سمعته في محفل قبل أيام معدودة من كتابة هذا المقال، إلى أن تتوقف وكالات الأنباء عن بث الأخبار، وأن تغلق أبوابها كما فعلت العديد من الصحف الورقية، مستشهدًا في ذلك بمن تسيد المشهد الصحفي لقرابة قرن من الزمن على غرار صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، غير أنه في رأيه الذي لا يخلو من آفة التعميم، لم يستحضر واقع الصحيفة العريقة “نيويورك تايمز”، التي تمثل – مع نظيرتها “واشنطن بوست” – نموذجًا للوسيلة التي تحركت بذكاء وواقعية مع التحولات الدراماتيكية، مع تذكرها الدائم لقواعد وأسس المهنة والتزامها بها، فصمدت في وجه الأعاصير متسلحة بإستراتيجية تدرجت فيها بين الحسنيين، حـُسن استثمار مقومات ومزايا العمل الإعلامي التقليدي التي تعدُّ ثوابت راسخة في صناعة الإعلام، بغض النظر عن نوعه وأدواته ومنها الخواص الأربع التي أشرنا إليها سابقًا، وحـُسن الاستفادة من مزايا التقنية الرقمية؛ وتشمل كذلك الخواص الأربع الأخرى التي ذكرناها فيما يخصُّ وسائل التواصل، لتكون بذلك أقرب الوسائل تشكيلاً لملامح المنتج المنتظر للإعلام المطور.

فالصحيفة التي تأسست سنة 1851م، حافظت على خطـّها التصاعدي في عالم الصحف إلى أن بلغت ذروتها، وأصبحت من أكثرها مقروئية، متغلبة بشكل مذهل على كافة الصعاب التي اعترضت طريقها بما في ذلك التحول الكبير إلى عالم النشر الرقمي، وتمكنت بإصرارها، وفـَهمها المؤسساتي التـّام لتفاصيل عناصر المعادلة الجديدة، من البقاء في القمة ذاتها على الرغم من الاعتقاد غير الصحيح باكتساح شبكات التواصل للنشر الخبري الذي هو محور العمل الإعلامي كما أسلفنا.

وفي الوقت الذي راهن كثيرون على أن الصحيفة إلى سقوط، فاجأت الجميع في ظلِّ سياسة ضبط النفس والعمل التطويري الدؤوب بوصولها إلى مرحلة متقدمة، صدقها في ذلك دخلها السنوي؛ فقد أعلنت قبل شهر تقريبًا أنها تمكنت في نهاية العام الماضي 2019م، من تحقيق إيرادات مالية قدرها (800.8) مليون دولار مقابل خدماتها الرقمية فقط، وهي الخدمات التي راهنت الصحيفة عليها، بعد أن تلاشت حصتها من كعكة الإعلانات التي ألفتها لسنوات. 

لم يأت هذا الرقم الضخم مصادفة، بل جاء نتيجة رؤية واضحة لخطة مسبقة صدقت توقعاتها بشكل تجاوز التوقعات؛ فوصلت العام الماضي إلى الهدف الذي كانت تتوقع حدوثه في نهاية هذا العام، أما أهم مصدر لهذا الدخل، فتمثل في الاشتراكات الرقمية في الداخل والخارج، التي أسهمت بمبلغ (420) مليون دولار، دفعها قرابة (3.5) مليون مشترك باحث عن الأخبار، من إجمالي مشتركيها البالغ عددهم (5.251.000) مليون مشترك، وكان من المفارقات والمفاجآت السارة أن تكسب الصحيفة مليون قارئ من مشتركي النسخة الرقمية في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2019م، دفعتهم إليها – حسب تقرير الصحيفة نفسها – الحاجة إلى متابعة أخبار اتهام الرئيس ترامب باستخدام السلطة وعرقلة عمل الكونجرس، بالإضافة إلى أحداث الحملات الانتخابية للرئاسة الأمريكية 2020م، هذه الأرقام أدت إلى أن يقفز سعر سهم الصحيفة في أسواق المال بنسبة (13%) ليصل إلى (38.55) دولار، وهو ما وصفه رئيس الشركة المالكة للصحيفة ومديرها التنفيذي “مارك ثامبسون” بأنه أفضل سعر تبلغه الصحيفة منذ إطلاق نسختها الرقمية قبل تسع سنوات تقريبًا.

المهنة تكسب
هذه النتائج تعطي أكثر من مؤشر على أن الصحافة الحقيقة ليست مهددة متى ما استطاعت أن تقرأ البيئة الاتصالية الجديدة بتفاصيلها، كما أنها تعطي دلالة قوية على أن الجمهور ليس له أن يعتمد على الهواة على حساب أصحاب المهنة الحقيقيين متى ما وجد إليهم سبيلاً، فالقارئ يدرك تمامًا بأنه ليس قادرًا في كل الأحوال على فرز الأخبار الصادقة من الزائفة، حتى وإن حاول جاهدًا القيام بذلك وليست هذه من مهامه، لذا كان طبيعيـًّا أن يجد في تكلفة الاشتراك بسعر زهيد نسبيـًّا مخرجـًا له من تشتت ذهنه في البحث والتحقق من الأخبار في محيط متلاطم الأمواج.

كان مما يؤكد المرونة والواقعية في تعامل الشركة المالكة للصحيفة مع طبيعة سمة الفضاء الرقمي، أنها لم تكترث لانهيار قيمة الإعلان في النسخة الورقية وتضاؤل حجمه وأعداده، بل ولم تنشغل بنزوله في النسخة الرقمية بمقدار (10%) عن حصيلة عام 2018م، واعترفت بصراحة تامة تتسق مع المنطق أن الإعلان لم يعدّْ مصدرًا من المصادر التي تعول عليها كما كانت عليه الحال في عصر الورق، مشيرة إلى أنها تنوي أن تتجه إلى اشتراكات القراء حول العالم ليصبح البديل والمصدر الأكثر ربحية، وهو ما جعلها تخطط للعمل على مضاعفة عدد المشتركين خلال خمس سنوات فقط، ليصل إلى (10) ملايين مشترك في عام 2025م.

ولأن الصحيفة باتت تجني ثمار تخطيطها السليم، وتفاعلها المقنن والمدروس مع التحولات، لم يكن مستغربًا أن تزيد مؤخرًا، وتحديدًا في الربع الثاني من عام  2020م، قيمة الاشتراك الرقمي لمدة أربعة أسابيع إلى (17) دولارًا بعد أن كانت تكتفي بـ(15) دولارًا فقط على مدار السنوات الماضية، منذ بداية نسختها الرقمية في عام 2011م، ولأنها أقدمت على ذلك وفقـًا لخطوات محسوبة تمامًا، أوضح رئيس الصحيفة ومديرها التنفيذي بأنهم على ثقة بأن ولاء قراء الصحفية لن يجعلهم يترددون في قبول الزيادة؛ لعلمهم الأكيد بدورهم المهم في الإبقاء على الجودة والتنوع والعمق الذي يقدرونه كثيرًا، في ظلِّ غيابه وتواري كثير من الوسائل عن الساحة.

لقد اقتضى الوصول إلى هذه المرحلة قيام العديد من الوسائل التقليدية بتجربة أساليب متنوعة في كيفية استقطاب المتلقي والحفاظ عليه، والمتابع لتلك الخطوات يلفت انتباهه أنها حصيلة عمل دقيق ولم يحدث بصورة اجتهادية وعشوائية، ولأنه احترم التخصصات ذات الصلة، فقد اعتمد على مزيج من قراءات واستطلاع أصحاب الشأن من خبراء الإعلام والتسويق والتقنية والفنون وعلم النفس، وكافة مَن كان يتطلب الموقف الاستعانة بهم، ولعل مما يؤكد ذلك طبيعة التغيرات السريعة التي اتخذتها وسائل الإعلام، وفي مقدمتها “نيويورك تايمز” على مدى فترة طويلة تتطلبها طبيعة بيئة جديدة ذات متغيرات معقدة.

صياغة الخطاب الإعلامي

الخطاب كل تلفظ بين متحدث ومستمع أو كاتب وقارئ، وكثيرًا ما يهدف الطرف (الأول/المرسل) إلى الإقناع والتأثير في الطرف (الثاني/المستقبل)، وهذا حال الخطاب الإعلامي، رسالة مكتوبة أو منطوقة له أشكال متعددة وغايات متباينة، ويفترض فيه الموضوعية وعدم التحيـّز.

يقول “أداوف. س. أوكس” ناشر جريدة نيويورك تايمز: “إن الصحافة مهنة لا تستميلها الصداقات ولا يرهبها الأعداء، وهي لا تطلب معروفـًا ولا تقبل امتنانـًا، إنها مهنة تقضي على العاطفة والتحيـّز والتعصب”.

إن المتابعة المتأنية للغة المستخدمة في وسائل الإعلام، تكشف عن عناية في اختيار مصطلحات وتعبيرات محددة لتوصيف موضوع ما، ومما لا شك فيه أن عملية إبداع التعبيرات المناسبة إعلاميًا، والتي تؤدي الغرض المرجو منها ليست عملية هينة، ولا تقوم على فعل إعلامي عابر مثلما قد يعتقد البعض، بل هي نتاج جهد يقوم به مختصون ببراعة كبيرة، تخفي وراءها خلفيات مبدعيها ومآربهم.

ولا ريب في أن الوقوف على دلالات هذه التعبيرات الإعلامية يسمح بالمراجعة والتدقيق بعيدًا عن الظروف التي تكتنف الصياغة الإعلامية، والتي يسابق الصحفي فيها الزمن جريًا وراء تحقيق السبق الإعلامي، كما جاء في بحث الصياغة اللغوية والتضليل الإعلامي للدكتور أحســن خشـــة: “لقد بلغ الاستخدام العشوائي أو المقصود لبعض المصطلحات في وسائل الإعلام حدًّا كبيرًا، بحيث صار يفتقد في كثير من الأحيان إلى التبصر في المعاني التي تحملها، ومدى تحقيقها للمصلحة الاجتماعية والفردية”، واستعرض بعض التعبيرات المتداولة إعلاميـًّا، موضحًا الدلالات التي تحملها وكذا انعكاساتها السلبية المحتملة على المجتمع.

ولا شك في أن الوقوف على دلالات هذه اللغة وتتبع معانيها واستخداماتها المختلفة في وسائل الإعلام كما فعل، يمكننا من الكشف عن المقاصد المتوخاة منها ومن أساليب الإعلام في صناعة الرأي العام أو توجيهه والتأثير فيه من خلالها، ومن هذه النماذج والتعبيرات ذات الدلالات التي يمكن وصفها بالمضللة:

(النيران الصديقة) وهو من التعبيرات الإعلامية التي تجمع بين الضدين، وتحقق غايات سياسية في زمن الحروب فتمتص جزءًا من الغضب.

(إعادة انتشار) ويطلق على التراجع والانهزام والانسحاب.

(هزيمة بطعم الفوز)، أو (هزيمة مشرفة)، وهذا من التلاعب بالألفاظ الذي يؤثر في نفسية المتلقي، وتجعله يتقبل الوضع ولا يُسهم في تغييره، ويكون سلبيـًّا تجاهه.

ومن ذلك كلمة (الاستعمار) التي تحمل معنى التعمير والبناء، صارت تستعمل نعتـًا للعدو والاحتلال الظالم الذي يهلك الحرث والنسل.

ومثلها تعبيرات تُسهم في ترسيخ انطباعات إيجابية أو سلبية لدى الرأي العام، مثل: حركة مقاومة، مجموعة إرهابية، مجموعات متمردة، مليشيات، ومنها أيضًا: عمليات جهادية أو انتحارية، وبالمقابل فإن وصف (جماعة مسلحة) أو (مليشيا) في منطقة معينة يضفي عليها حكمًا تقييميـًّا سلبيـًّا.

وقد تسمى أشياء بغير مسمياتها؛ فتطلق (المشروبات الروحية) على الخمر الذي يذهب بالعقل ويفتك بالصحة، وتستعمل (الفوائد المصرفية) في التعبير عن الربا الذي ورد النهي عنه في مواضع من القرآن الكريم والسنة الشريفة.

كما قد تدمج مفردات متناقضة تنتزع من سياقها الأصلي مثل (الأم العازبة) وهي تعبيرات مضللة لا تعكس المعنى الحقيقي، وتلتف على المقصود الفعلي، والأمهات العازبات ترجمة للتعبير الأجنبي (Les femme célibataire)، والأم في سياقنا الديني والقيمي والثقافي يطلق على المرأة المتزوجة بطريقة رسمية وشرعية، وأنجبت بعدها، بخلاف المقصود هنا.

ومن التعبيرات الرائجة (شيطنة الآخر)، فكلمة “الآخر” يقصد بها الغير ويحمل عدم إعطائه قيمة، و”الشيطنة” المقصود بها تشويه صورة شخص أو حزب أو جماعة أو دولة لتحقيق هدف ما، والواقع الإعلامي يقول عن قنوات إعلامية وحملات يقودها إعلاميون أو سياسيون، يعمدون إلى تسليط أضواء سلبية كثيفة على سلوكات جماعات أو أحزاب أو مواقف دول؛ بهدف تشويه سمعتها لدى الرأي العام، والحدّ من أثرها وانتشارها أو نفوذها الاجتماعي أو السياسي والاقتصادي.

أخيرًا فإن اللغة في الوجود أداة مطلقة، لكنها في الإعلام على اختلافه وظيفة متحكمة، ذات أبعاد مختلفة ودلالات موجهة للرأي العام، ويتجلى ذلك في السلطة التي تمارسها على المتلقي، فتجعله يدرك الأشياء بالطريقة التي تحددها له، سواء أكانت حقيقية أم تضليلاً.

السينما بين النص الأدبي والكتابة للشاشة

-علاقة الأدب بالسينما تكرس البـُعد الجمالي والفني.
-الرواية الأدبية تتجلى عندما تغدو منتجـًا مطروحـًا للتفكير والإدراك.
-الوفاء للشكل الفني والدرامي لروح النص الروائي من تيمة الاقتباس.
-العمل الفني يحمل كينونتين، كينونة الموضوع وكينونة المعنى الإبداعي.
-الاقتباس الجيد يعبر عن تقاطع مدركات جمالية بين العمل الفني ومتلقيه.

مقدمة
يختص الخطاب الفني في عمومه بإمكانية التحاور والترابط بين أنساقه الدالة على اختلاف ضروبها وحدودها الجمالية المتباينة، ولعل أبرز أوجه هذا الترابط وأقدمها في تأكيد الاتجاه التناصي للأنشطة الإبداعية، المزاوجة بين فنيات الرواية كجنس أدبي له مصنفات بنائية وجمالية مخصوصة والسيناريو الذي ينطوي على “أقلمة” النص الأدبي وإعادة صوغه وفق إستراتيجيات لغوية لفظية تختلف بين الشرح والتكثيف وإعادة التشكيل.

إن الاقتباس من الرواية وعالم الفكر والخيال إلى عالم الصورة والتمثيل والديكور، أوجد علاقة يشوبها نوع من التوتر أحيانـًا بين المنتج الروائي والمنتج السينمائي، جوهر التوتر هو عن مدى قدرة السينما على نقل واقع الرواية بكل حيثياته، ثم إلى أي حد يمكن التزام الصورة ومحافظتها على واقع النص الأصلي وأدبيته؟ وهل يمكن ترجمة النص الروائي المكتوب الذي وسيلته اللغة الأدبية إلى نص درامي وسيلته الصورة البصرية من دون الإخلال بروح المعنى؟

إن هذه الإشكالات التي تعيد مساءلة الكيفيات التي يغدو بها النص الأدبي عملا سينمائيًّا، هي من الجهود النقدية التي تسعى دوما في اتجاه استنطاق العلاقة بين الأدب والسينما لاستكشاف ما يجمعهما ويوفق بينهما وتلافي ما يدخلهما في صراع ويجنبهما إكراهات “المزاوجة” بين الفنون.

1-الأدب والسينما: ملامح الإحالات والتعالق التصويري
إن تناول علاقة الأدب بالسينما هو ما يدعوه المشتغلون في مجال الإعلام بعلاقة “التناص التصويري” (la relation d’intertextualité picturale)([1])، حيث يرى أنصار هذا الطرح([2]) أن التحاور والترابط الذي يصف ثنائية الرواية والفيلم هو بناء إبداعي جمالي يطرح نفسه شبكة من العلامات البصرية التي تنتظر إدراكًا جماليًّا خاصًا حتى في ثنايا اللغة([3]).

من هنا تتضح المعطيات الفنية الأولية التي تسمح بالتحول الإبداعي السلس من جنس الرواية إلى حدود نسق الفيلم، وبالإمكان أن ندرك في هذا الصدد ملامح الإحالة التي تعمل على تكريس (consécration) البـُعد الجمالي للعلامة البصرية([4])، فالأديب يتأمل الأحداث ثم يصورها على الورق، في حين يكون السينمائي مطالبًا بتحويل كل فكرة إلى حركة منظورة، ومن خلال عمليهما يبدو الاختلاف بينهما، فالأديب ينقل إلى القارئ صورة ذهنية (image mentale) أي معنى، وهو المعنى الذي يولد في الذهن الصورة، وإن كان المتأمل في نسيج كل الروايات أيا كانت جنسيتها او لغتها يجدها من دون شك حافلة بالصور، فهو من دون شك محتوى بصري محاكي([5])، وليست المحاكاة هنا غير الوعي الباطن الذي يلازم الأنا القارئة في صميم تأملاتها، كونه يحضر حضورًا شخصيًّا، فالمحاكاة بهذا المعنى، خبرة جمالية باطنية تعيشها الذات المتلقية جزئيًا وعلى مراحل([6]).

إن الصورة التي تتضمنها الرواية كجنس أدبي لا تتجلى من القراءة الأولى، وإنما تتجلى عندما تغدو معطى مطروح للتفكير والإدراك([7]).

وانطلاقًا من هذا الاعتبار، يأتي التذوق الجمالي للتعبير عن هذا المسار العميق الذي يقطعه فعل القراء (acte de lecture) ليحقق في كل مرة معنى معايشًا نتيجة مبدأ المحاكاة([8]).

هكذا يتأكد أن الفعل التصويري في الأدب سابق عن ذلك الذي ينشأ في السينما، فالروايات أنساق إبداعية دالة عامرة بضروب الصور، التي تسجل العلاقات الملموسة بين الأشياء والأحداث وتضاعف من الإحساس بوجودها، وما على السينمائي إلا ترجمة هذه الصور بطرائق تقنية ونقلها إلى المشاهد([9]).

هذا كله يفسر، بلا ريب، وقوف السينما أمام الأدب موقفـًا قاصرًا، لا يرقى إلى ولوج كل أغواره، الحقيقة التي يؤكدها كل من قرؤوا الأعمال الأدبية العظيمة ثم رأوها على الشاشة([10]).

لكن هذا الاختلاف بين الرواية والفيلم في صيغتهما، لا يعني بالضرورة تضادهما، لأن هناك الكثير مما يشتركان فيه، فكلاهما وسيلة للتعبير و”التعبير” يعني الإحساس بالشيء، يعني التصور الفرداني المنسجم لما يحسـّه الكاتب والفنان إزاء واقع معين بخاصة الواقع المتأزم، الواقع المتخلف، الواقع المريض، والتبليغ يعني القارئ بالنسبة للكاتب، والمشاهد بالنسبة للفنان السينمائي([11]). غير أن توافقهما كوسيلتي تعبير لا يقود إلى ذوبان أحدهما في الآخر، فتحويل رواية إلى فيلم سينمائي ليس بالأمر الهين، إذ لا يجب إبعادها عن خطـّها العام لأنها بذلك تفقد قيمتها وقد يفهم المشاهد ما لا يريد الكاتب إيصاله إليه.

وهكذا فالرواية قلما تصل إلى السينما من دون تغيير، على الرغم مما يبذله كاتب السيناريو من جهد، وكأن عملية الإخراج لا تتم إلا إذا تدخل المخرج في النص. ولعل هذا ما يدفع كريستيان جاك ريتورك (Christian Jacques Ritork) إلى القول: إن “المؤلف الحقيقي للفيلم هو المخرج مثلما هو السيناريست مؤلف السيناريو، فالمخرج هو المؤلف للفيلم الذي هو أصلاً عمل تمثيلي لا علاقة له بالمؤلف الأدبي”([12]).

وعلى الرغم من أن تاريخ السينما يشهد على أن أعظم الأعمال السينمائية هي التي اعتمدت على نصوص أدبية كرواية (عناقيد الغضب) لـ”شتاينبيك”، و”ذهب مع الريح” لـ”مرغريت ميتشل”، و”أنا كارنينا” لـ”تو لستوي”، و”قصر الشوق وبين القصرين” لـ”نجيب محفوظ”، و”دعاء الكروان” لـ”طه حسين” … وغيرها من الأعمال الناجحة التي اقتبستها السينما من الأدب، وهو ما يحولنا فلسفيـًّا إلى ضرورة التأكيد على أهمية الاقتباس.

إن الحديث عن تيمة الاقتباس يحيلنا إلى معاينة الكيفيات التي يتم من خلالها تأسيس الموضوع الجمالي للفيلم، ولعله من هذا الجانب تتضح أهمية الوفاء للشكل الفني والدرامي لروح النص الروائي([13])، فالموضوع الجمالي بهذا المعنى هو ذلك الموضوع المحسوس الذي لا تبقى مادته إلا إذا ظلَّ محتفظـًا بصورته، وهذه الوحدة الباطنة في أعماق “الموضوع الجمالي” بين المادة والصورة، وهي التي تجعل من “العمل الفني” أقوى تعبير عن البـُعد الإنساني من أبعاد الواقع([14]).

ويتضح في هذا المستوى من التحليل أن الاقتباس لا يعني التحويل أو التغيير أو التصرف المطلق، وإنما يعني تكييف المحتوى والشكل الفني للعمل الأصلي – النسخة المرجعية (la copie référentielle) ‒ ومعادلتها بأسلوب يختزل كل حدود المحاكاة الفنية الرئيسة لإعادة إنتاجها بما تتوافق وموضوع فني وجمالي آخر([15]).

2-الكتابة للشاشة ودلالة خبرة المعنى والأفق القصدي
ليس موضوع – خبرة المعنى – غير القيمة الجمالية والإبداعية التي تميز عملاً فنيًّا ما([16])، وليست القيمة الجمالية غير البصمة الفلسفية التي تسم الموضوع الجمالي لكونه شبيها بالذات (quasi-sujet)([17])، أي أن الفنان يحاكي عمله ويترك فيه شيئًا من ذاتيته وعالمه الذي أنتج فيه هذا العمل وعبر فيه عن شعريات بعينها([18]).

ولأن كل عمل فني يحمل كينونتين، كينونة الموضوع التي ترفض أن تختزل إلى كينونة تمثيل عارض، وكينونة معنى يدل على قيمة جمالية محسوسة في ذاتها([19]) لا تحتاج إلى نظرة نقدية حتى تكتسب مشروعية وجودها، فهي موجودة وتحتل حيزًا مكانيًّا وزمانيًّا من نسيج العمل الفني الجيد الذي يفضي إلى تلمس القيمة الجمالية المحسوسة ومعايشة المعنى الذي يبتغي المؤلف تبليغه([20]).

وقد أفضت الممارسة الفنية العملية إلى وجود “اقتباسات” متباينة للأعمال الأدبية الموجهة إلى الشاشة([21])، وهي كلها اجتهادات تتراوح ما بين الترجمة التي تتوخى تحويل النص الروائي من صورته الكتابية إلى صورته السمعية البصرية (audiovisuelle)([22])، إلى “الأقلمة” التي تعيد صوغ النص الأدبي وفق إستراتيجيات لغوية لفظية تختلف بين الشرح والتكثيف وإعادة التشكيل([23]).

وأيا كان الأسلوب المعتمد في طريقة النقل، يمكن اعتبار “المقتبس” حينها كـ”مؤلف ثان([24])؛ إذ تكمن مهمته في الحفاظ على معنى الأثر الفني وأثره في المشاهد، ولذلك وجب عليه تبني نهج عمل “المؤلف الأول” نفسه وتحصين خبرة المعنى الكامنة في ثنايا النص المرجع([25]).

ولا شك في أنه بهذه الكيفية يمكن لمن توكل إليه مهمة الاقتباس تفعيل البـُعد المقصدي للنص الأصلي، من خلال التركيز على آليات الاشتغال الداخلي للمعنى، وإذ ذاك يغدو الطرح الجمالي للعمل الفني موضوعًا محاكيًا في وعي متلقيه أولاً وأخيرًا([26])، بل يصبح “ضرورة” أمام ما يستوجبه العمل الفني من حقوق المشاهدة تجاهه، ذلك أن “حقيقة العمل الفني ثرية وملحة في الوقت ذاته، ثرية لأنها تتعلق بواقع درامي يستوجب أسلوب سرد معين، وملحة لأنها تتضمن معنى مقصدي ينبغي إدراكه”([27]).

يسفر ما تقدم بيانه عن نتيجة مهمة فحواها أن الاقتباس الجيد هو ذلك الذي يعبر عن تقاطع مدركات جمالية ما بين العمل الفني ومتلقيه، وعلى هذا الأساس تكون خبرة المعنى – التي أشرنا إليها سابقـًا ‒ جزءًا لا يتجزأ من خبرة هذه المدركات الجمالية حصرًا([28])، ويكون الاقتباس الناجح كما يقول جون برنار فراي
(Jean Bernard Vray): “هو ذلك الذي يقدم فنا يهزنا”([29]).

ولا غرو أن يكون التأثير الكبير في نفوس الجمهور مقياسًا أساسيـًا لتمييز الاقتباس الجيد، فقد أثبتت الممارسة الفنية أن أقوى الأعمال السينمائية التي اقتبست من الأدب هي تلك التي كان لها وقع كبير في نفس المشاهد، ولنا في السينما العربية بعض الأمثلة على غرار فيلم “الحرام” لمخرجه “هنري بركات”، من خلال دراما ملحمية كتب السيناريو والحوار لها “سعد الدين وهبة” عن قصة للأديب “يوسف إدريس”، وهي عبارة عن دراما صادقة تعبر عن الواقع في الريف المصري، وتتحدث – ولأول مرة ‒ عن شريحة اجتماعية معدمة من قاع السلـّم الاجتماعي، ألا وهي شريحة عمال الترحيل.

ولم يكن الفيلم مجرد تراجيديا لمأساة فردية، لكنه كان في ذات الوقت وسيلة تعرض الواقع المحيط بهذه الشخصية وفردانيتها، فقد اتخذ الفيلم منهجًا موضوعيًّا شاملاً، وذلك باعتبار أن الفن والأدب بشكل عام يتناولان مصائر الأفراد كظواهر اجتماعية وليست حكايات ذاتية منعزلة عن الواقع([30]).

أما بالنسبة لكيفية استثمار خبرة المعنى في الفيلم، فقد بدت جلية في الاهتمام الكبير بالإيحاء والتعبير عن الواقعية كصوت وصورة وإصرار المخرج على تنفيذ كل ذلك على الطبيعة، ولأجل ذلك تمت معايشة الأوساط الريفية والاختلاط بأهاليها بغية تعرّف أسلوب حياتهم ونوعية لباسهم ودراسة اللهجة الريفية وإجادتها.

ونظرًا لهذا الأسلوب الواقعي الذي قدّم به الفيلم كتبت جريدة “لوموند”
(Le Monde) الفرنسية معلقة: “… لقد أثار فيلم الحرام للمخرج بركات اهتمامًا خاصًا… كان من الممكن لهذا الفيلم أن يكون مجرد فيلم ميلودرامي، لكنه كان متميزًا لأنه حافظ على الواقعية، فكان سجلاً حقيقيًّا ليوميات المجتمع القروي الصعبة”([31]).

وفي جريدة “الآداب” (Lettres) الفرنسية، كتب الناقد الفرنسي “جورج سادول” يقول: “… إن فيلم الحرام مفاجأة كبيرة، بعدما اعتدنا على ما نراه من أفلام مصرية في المهرجانات السابقة، لقد كان طفرة، ويشاركني هذا الرأي كثيرون أعجبوا بالواقعية التي عرض بها الفيلم الحياة اليومية في قرية مصرية…”([32]).

وما يؤكد واقعية هذا الفيلم وأثره الواضح في نفس المشاهد، رؤية يوسف ادريس لثلاث سيدات يبكين بشدة بعد انتهاء عرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي الدولي سنة 1965م، الأمر الذي دفعه إلى سؤال إحداهن عن سبب هذا التأثر الشديد وعن سر حزنها الكبير على بطلة الفيلم (عزيزة) وهي من بلاد بعيدة عنها ولا تمت لها بأية صلة؟ فاندهشت المرأة وسألته عن سر اهتمامه، فأجابها أنه كاتب الرواية ويريد التوصل إلى سر ذلك الارتباط بين الجمهور وبين أبطال ووقائع العمل، فأجابته بقولها: “أنت تكتب عن الإنسان بعيدًا عن ظروف الزمان والمكان، وأنا تأثرت ببطلة الفيلم أكثر من تأثري بجارتي التي تقاربني في الزمان والمكان…”، وتلك هي أسرار المحاكاة الفنية([33]).

من هنا يتأكد أن معنى أي عمل فني لا يقف عند حدود تصنيفه، بل يتجاوزه إلى تأويله من خلال مشاركة المشاهد له والتفاعل معه على نطاق واسع من التحاور، أو ما يدعوه رومان انجاردن بـ “التجسيد” الذي يقرب المتلقي من العمل معرفيًّا وجماليًّا([34]).

هنا تتأكد الحقيقة الأساسية التي تفيد أن تداخل الفنون بعضها ببعض لا يعني نفي فن لصالح فن آخر، وذلك أن الفن يتجدد دائمًا، فالفن كائن متطور، لكنه مثل الكائنات أحادية الخلية (الأميبيا) ينقسم عندما يصير ناضجًا، فتنتج عن هذا الانقسام كائنات جديدة لها مميزاتها، لكنها تشترك حتمـًا مع غيرها([35]).

خاتمة
نخلص مما سبق إلى أن وضع الفيلم السينمائي بين النص الأدبي والكتابة للشاشة هو وضع فلسفي يتراوح بين جماليات وشعريات الكتابة، والحدود الفنية للمحاكاة الواقعية، بهذا المعنى فهو ينشد تعالقًا تشكيليًّا يغدو بموجبه الحرف علامة جمالية ضمن نسق المشهد العام.

وتغدو معه الكلمات المحاكة في إطار تصوير لغوي لقطات مصورة يرتقي بها المونتاج إلى “كادرات بصرية” ذات مغزى.

الهوامش
([1]) Pierre Rodrigo: Phénoménologie des arts, édition Gallimard, paris, 2003, p7.
([2]) نذكر من هؤلاء: جون برنار فراي، وجورج ماتيو، وجون لوك شاليمو… وغيرهم.
([3]) Jean Pierre Bru: Esthétique des arts, Armand Colin, Paris, 2001, p11.
([4]) Ibid., p13.
([5]) André Labarrére: L’écriture des stars, édition Ramsay, Paris, 2004, p63.
([6]) Daniel Crovannageli: La Passion des arts, édition du seuil, Paris, 1999, p56.
([7]) Ibid., p57.
([8]) Gérard Génette: L’œuvre de l’art, édition Payot, Paris, 2000, p16.
([9]) Jean Bernard Vray: Littérature et cinéma: écrire l’image, édition Dunod,Paris, 2003, p14.
([10]) Ibid., p15.
([11])خلفة بن عيسى، الرواية والرواية السينمائية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص9.
([12]) ثابت مدكور، في علم الجمال السينمائي، مجلة الفنون، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، عدد (9)، يونيو 1980م، ص25.
([13]) Jean Bernard Vray: L’adaptation cinématographique des testes littéraires : théories et lectures, édition Gallimard, paris, 2008, p27.
([14]) Ibid., p28.
([15]) Ibid., p30.
([16]) Jean Luc Chalimeau: Les théories de l’art, librairie Vuibert, Paris, 2002, p63.
([17]) Ibid., p64.
([18]) Ibid., p65.
([19]) Gilles Deleux: Abstraction, figuration et signification, éditions de minuit, 1988, p20.
([20]) Jean Bernard vray: L’adaptation cinématographique, Op, Cit, p51.
([21]) Ibid., p52.
([22]) Ibid., p52.
([23]) Ibid., p53.
([24]) Ibid., p54.
([25]) George Mathieu: Ecrire pour le cinéma, édition Dunod, Paris, 2000, p18.
([26]) Ibid., p21.
([27]) Ibid., p23.
([28]) Ibid., p33.
([29]) Ibid., p35.
([30]) Jean Bernard vray: L’adaptation cinématographique, Op, Cit, p72.
([31]) عفيف البهنسي، السينما والواقع: دراسة في خبرة الجمال، دار الشؤون العامة، بغداد، 2004م، ص92.
([32]) Renée Bouversse: récits cinématographiques: essai sur problème dela réalité, édition Armand Colin, Paris, 2002, p86.
([33]) Ibid., p87.
([34]) توفيق سعيد، السينما العربية: الاستيطيقا والفن، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2005م، ص12.
([35]) رومان انجاردن، العمل الفني الأدبي، ترجمة أبو العيد دودو، منشورات مختبر الترجمة والمصطلح، الجزائر، 2007م، ص410.

كلمة العدد

مازالت التكنولوجيا تبهرنا كل يوم بما يمكن أن تقدمه للإنسان، وتفاجئنا دائمًا بما تمنحه من اختصار للوقت والجهد.

وفي المقابل، مازال الإنسان نفسه، مخترع التكنولوجيا ومطورها، يحسن توظيف هذه التكنولوجيا ويطوعها لخدمته وفي سبيل تحقيق أهدافه، وما أعظمه من هدف حينما يكون عنوانه الرئيس وملخصه الثابت: “الإنسان أولاً”.

ما سبق ينطبق على ما قامت به المملكة العربية السعودية، التي استثمرت التقنيات الحديثة في دعم الإنسان وخدمة الإنسانية، بعد أن اجتاح “فايروس كورونا” الكثير من دول العالم، حيث بادرت المملكة للدعوة إلى عقد قمة افتراضية استثنائية لمجموعة العشرين، بمشاركة عدد من الدول والهيئات المدعوة؛ لتضع السعودية على طاولة العالم ملف مواجهة هذا الوباء بسرعة توفير الدواء، وقضية دعم الاقتصاد لمنع الضرر عن الضعفاء.

ولأن الحديث هنا عن “الإنسان”، فقد حظي المواطن والمقيم في دول مجلس التعاون بالكثير من التقدير، وأُحيط بالاهتمام، فهو محور العمل ورأس المال، ولذا تظافرت جهود الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبكل تفانٍ وإخلاص، لتحافظ على “الإنسان” هنا بعيدًا عن مخاطر كورونا، وصاحب ذلك أداء أعلامي مميزٌ لهذه الجهات، فوصلت المعلومة، ونجحت التوعية، وكان الوصول للإجابات ميسرًا في كل وقت وعبر أيّ موقع تواصلٍ أو وسيلة إعلام محلّي.

أما الإعلام على المستوى العالمي، فقد تغيرت ملامحه، وتبدلت برامجه، وأصبح “COVID-19” عنوانه الرئيس، وأرقام المصابين وبيانات الضحايا أدواته الحاضرة والمتجددة، وأصبح يتنقل بين الخبر والتوعية، يصنع التفاؤل تارة وينشر الرعب تارة أخرى، في مشهد استحق الرصد والتوثيق.

ومن باب التفاؤل، فقد استمرت “إذاعة وتلفزيون الخليج” في الاهتمام بعرض أبرز ما تم في العمل الخليجي المشترك، ومتابعة نماذج من العمل الإعلامي والثقافي المميز، إلى جانب ما يطرحه الباحثون والمختصون من أفكارٍ ورؤى تهدف للارتقاء بالمحتوى الإعلامي ومساعدة صنّاعه، فعجلة الحياة -بإذن الله- لن يوقفها “كورونا”.

وعلى الخير نلتقيكم دائمًا..

إعكورونا!!!

في ظلِّ القلق والاهتمام العالمي الواسع وغير المسبوق بانتشار مرض كورونا المستجد (كوفيد 19) وتعديه للحدود وعبوره السريع للقارات أصبح الهاجس الكبير للإنسان متابعة مستجدات هذا المرض الخطير وما صاحبه من زخم إعلامي مكثف سبب الهلع والخوف من الانتظار المجهول.

في مقال سابق ليّ تحدثت عن “من يصنع الآخر، الأزمة أم الإعلام؟” ودور الوسيلة الإعلامية في صناعة الأزمات وتعزيز انتشارها من دون النظر لأي معايير أو محددات، ومعها أصبح المتابع يمسي على معلومة ويصبح على واقع آخر ولو كان على حساب الحقيقة.

هناك رابط كبير بين الكورونا والإعلام، بخاصة في مجالي السرعة والانتشار، ولا شك في أن كورونا الإعلام وتأثيره أخطر من المرض المعروف نفسه، بل إن الحالة قد تتحول إلى وباء مهني.

ليس تشاؤمًا، لكن ما يجري في الإعلام بخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي و(الواتساب)، وما يسمى بمشاهير التواصل الاجتماعي، من تمصدُر وترهيب وتركيز على نصائح غير متخصصة ونقل مقاطع قديمة وعدم الاستناد على مصادر موثوقة، كل ذلك وغيره كثير حوّل ما يجري إلى (إعكارونا) متفشية، فيها كثير من الإقصاء والتباهي المزيف وعدم الوعي.

أي أمراض كانت، ومنها كورونا المستجد، تنحسر ويتم إيجاد علاج لها بمشيئة الله، لكن كيف نعالج مرض فيروسات كورونا الإعلام؟!

المسألة ليست بحاجة إلى عقاقير ومضادات بل إلى عزل فكري وتشريعات إعلامية تحد من إيجاد الأزمات بين أفراد المجتمع وتخطي الحدود إلى إيجاد حملات تأزيم متضادة بين الشعوب.

الإعلام سلاح قوي، بل أبلغ من الرصاص، وكورونا الإعلام أفتك من كل الأوبئة لأنه يصوب نحو جدران المجتمع المطرز عليها لوحة مكتوب عليها “آفة الأخبار رواتها” وتحتها نقش جديد “آفة الإعلام فيروساتها”، وعلى المتضرر قياس الحرارة والضغط ومعدل التنفس، فقد يكون أصيب بعدوى فيروس كورونا الإعلام، وبالتالي الدخول في إجراءات الحظر والعزل وعدم مخالطة البشر بأفكار محبطة وأسطر مضللة ورؤية معتمة!

إذا أردت الراحة.. ابتعد عن متابعة مصابي “كوفيد الإعلام” كي تعيش في سعادة وسلام، وخذ الاحترازات والتحذيرات من مصادرها المؤكدة والمتخصصة، وليس من السّاعين إلى الشهرة والأضواءو”الترزّز” ولو كان على حساب صحة الإنسان وسلامة المجتمعات.