قراءة في تغطية الإعلام الخليجي لأزمة كورونا (COVID 19)

مقدمة
ألقت أزمة (كوفيد 19)، التي وصلت لدول مجلس التعاون نهاية يناير الماضي، بظلالها على كافة مجالات الحياة، وتفاعل الإعلام في دول المجلس مع الجائحة وتأثر بها، سواء على مستوى الممارسات أو طريقة العمل، وأدت الجائحة إلى تصدر أخبارها كافة الوسائل الإعلامية بمختلف أشكالها، قنوات تلفزيونية، محطات إذاعية، وصحف، وأضحت العنوان الأبرز للأحاديث الإعلامية بكافة أطيافها.
الإعلام في دول مجلس التعاون تأثر كثيرًا بتلك الجائحة من حيث الممارسات الإعلامية خلال الأزمة، بل إن الكثير من الخطوات المهمة في مسار المهنة حدثت أثناء الفترة ذاتها.
ومن خلال هذه القراءة، رصدنا أبرز الممارسات الإعلامية التي كانت حاضرة، مع التركيز على التحولات الرقمية ومستوى الشفافية وأساليب التوعية التي مورست، بالإضافة إلى دور مشاهير التواصل الاجتماعي، وكيف تمكنت وسائل الإعلام من صناعة محتوى مختلف.
تتشكل هذه القراءة من ثمانية محاور رئيسية، بالإضافة إلى توصيات عامة، وهي: “فايروس الجائحة يجتاح الورق، وحضور التغطية الميدانية، ورقمنه الإعلام الخليجي، وروافد مهمة، وتنوع المحتوى، والشفافية والمصداقية، وأساليب التوعية، وتكرار المعلومات وتوصيات”.

المحور الأول: فايروس الجائحة يجتاح الورق
أقدم عدد من المؤسسات الإعلامية في دول مجلس التعاون على خطوة إيقاف طباعة الصحف الورقية خلال فترة جائحة كورونا، معللين ذلك بأن الورق قد يُسهم في انتقال العدوى بين متداوليه، الأمر الذي دفع باللجنة العُمانية العليا للتعامل مع فيروس كورونا (كوفيد 19) إلى وقف الطباعة الورقية للصحف والمجلات والمنشورات بمختلف أنواعها ومنع تداولها، ومنع بيع وتداول الصحف والمجلات والمنشورات التي تصدر خارج السلطنة، كما قرر المجلس الأعلى للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة الأمر ذاته مؤقتــًا، وفي السعودية نجد أن صحيفتي “عكاظ” و”مكة” قامتا بإيقاف نسخهم الورقية مؤقتــًا.
هذه الخطوة الاحترازية من قبل المؤسسات الإعلامية أعطت إيحاءً بأن لها بُعدًا مهنيـًّا أيضًا، خصوصًا وأن الحديث كان يدور كثيرًا خلال الأعوام الخمس الماضية حول خطوة تحول الصحف من الورقية إلى الإلكترونية، وسط تخوف المؤسسات الإعلامية من الإقدام على هذه الخطوة لاعتبارات عديدة، ويجب على مراكز الدراسات بالمؤسسات الصحفية التوجه نحو قياس مدى القدرة على هذا الانتقال وكيفية تقبل الجمهور له، ويمكن قياس ذلك من خلال أعداد متصفحي مواقع الصحف ومرتادي حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كما يمكن للإعلان أن يكون واحدًا من أهم تلك المعايير التي يمكن على ضوئها قياس مدى إمكانية الانتقال الكامل للإصدار الإلكتروني، بيد أن الظروف الاقتصادية المصاحبة لأزمة كورونا أثرت كثيرًا على السوق الإعلاني، مما يجعل معيار الإعلان في تلك الفترة ليس مقياسًا.
التحول من الجانب الورقي إلى الإلكتروني لم يكن مقتصرًا على تغير في منصة الظهور فحسب، بل حتى في مضمون ذلك المحتوى، بالبحث في المقام الأول عن الخبر وأسبقيته، خصوصًا وأن عددًا من تلك الصحف كانت تعتمد قبل أزمة كورونا على (ما وراء الخبر) بالبحث عن تفاصيله وخلفيته، من دون التركيز على الأسبقية كونها كانت تصدر ورقيًّا في اليوم الذي يلي الحدث، غير أن قرار التحول الإلكتروني أثناء الأزمة جعل مضامين المحتوى الإخباري للصحف مركزًا على الأسبقية بشكل أكبر، وهذا ما ظهر جليًّا في أنماط كتابة الأخبار، كما حضر التحديث الفوري للصفحات الرئيسية في مواقعها الإلكترونية بشكل ملفت، ما يعكس الممارسة المهنية الصحيحة لمفهوم الصحف الإلكترونية لا النشر الإلكتروني، كما أن التحديث الفوري لم يكن مقتصرًا على الصفحات الرئيسية لمواقع تلك الصحف، بل امتد
‒ أيضًا ‒ للملاحق الداخلية للصحيفة.

وشهدت حسابات الصحف عبر شبكات التواصل الاجتماعي حضورًا مواكبًا للحدث من خلال جانبين رئيسيين:
1-سرعة التعاطي مع الأحداث والنشر السريع، ما جعل المتابعين في تلك الشبكات يعتمدون على ما ينشر في حسابات الصحف.
2-القدرة على صناعة مواد خاصة بشبكات التواصل، سواءً نصية أو مرئية.

المحور الثاني: حضور التغطية الميدانية
امتازت وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون بالتواجد الميداني أثناء تغطيتها للأزمة، باختلاف منصات الإعلام ووسائله، من خلال عدد من الأوجه والأساليب التي حررت المواد الإعلامية من القوالب الإخبارية الجاهزة، التي تتلقاها من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، لتصنع المواد الميدانية حالة من التوازن في المحتوى، وتوزع الجهد الميداني على عدد من الأماكن، مثل:

1-المؤتمرات الصحفية لمسؤولي الصحة بدول مجلس التعاون.
2-التواجد الميداني في المستشفيات والمراكز الطبية.
3-الاستطلاعات في أماكن المواد التموينية.
4-المقابلات والتغطيات الآنية لوصول رعايا دول المجلس إلى بلدانهم.
هذه المرتكزات الأربعة التي استندت عليها وسائل الإعلام الخليجية في تغطيتها أنتجت مضمونـًا مختلفًا تمكن من تغذية وسائل الإعلام بشكل مميز، بل إن الكثير من المحتوى المتداول في شبكات التواصل الاجتماعي كان صنيعة ذلك المحتوى الميداني، واتضح ذلك بشكل أكبر على صفحات الصحف الخليجية، إذ اعتمدت صفحاتها الأولى على المواد الميدانية، بينما اتجهت صفحاتها الداخلية لتقارير وتحقيقات أُجريت خلال الأزمة، وكذلك الحال للمحتوى الإذاعي والتلفزيوني، سواء في مواد نشرات الأخبار أو محتويات البرامج.
ويمكن القول : إن الأعمال الميدانية والاستقصائية رجّحت كفة وسائل الإعلام التقليدية خلال الأزمة، خصوصًا وأن الجهات الرسمية، وعبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كانت حريصة على نشر المعلومات بشكل فوري، وبالتالي كانت وسائل الإعلام بحاجة ماسّة لصنع محتوى مختلف يتمثل في الجانب الميداني.
إن حجم العمل الاستقصائي والميداني الكبير خلال أزمة “كورونا” يفتح نافذة لتلك الوسائل لصناعة جانب توثيقي للتغطية، والحرص على صناعة أفلام وثائقية مما تمتلكه من مخزون هائل من التغطيات والمعلومات المتوافرة لديها، كما أنه من المهم الإشارة إلى أن العمل الميداني لوسائل الإعلام الخليجية ما كان ليتحقق لولا دعم وتشريع حكومي لتلك الممارسات الإعلامية، وتوفير المناخ المناسب لهم للقيام بذلك، سواء من حيث التعاون في توفير المعلومات أو الشفافية وسرعة التجاوب مع استفسارات وسائل الإعلام.
هذا التميز النوعي والمختلف لوسائل الإعلام من خلال تغطيتها للحدث أعاد الكثير من المتلقين لمتابعة الإعلام التقليدي، الأمر الذي يجعل تلك الوسائل مطالبة بالمضي قدّمًا في صناعة محتوى ميداني مميز قادر على جذب المتلقي والتقليل من المواد الإعلامية الجاهزة.

المحور الثالث: رقمنة الإعلام الخليجي
دفعت أزمة كورونا بوسائل الإعلام في دول مجلس التعاون إلى تنشيط وتفعيل حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي ومواقعها الإلكترونية بشكل كبير، بخلاف ما كان سابقــًا، وتمكنت من تقديم نماذج في كيفية التواجد في تلك الشبكات بما يتوافق مع خط سير الوسيلة المهني، ويمكن القول: إن أبرز ثلاثة أشكال تواجدت بها وسائل الإعلام التقليدية عبر منصاتها في الإنترنت والإعلام الرقمي كانت على النحو التالي:

1-المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية.
2-حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”.
3-حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”.

أولاً: المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية
تواجدت وسائل الإعلام الخليجية بشكل جيد ومتفاعل ومتجدد عبر مواقعها الإلكترونية، خصوصًا أن بعض الصحف الخليجية أوقفت صدور نسخها الورقية، كما ذكرنا سلفًا، ما جعلها مطالبة بتفعيل محتوى مواقعها الإخبارية بشكل كبير، من خلال تحديث المعلومات بشكل فوري، وملاحقة المستجدات أولاً بأول، ولم تكتفي وسائل الإعلام الخليجية في مواقعها الإلكترونية بضخ المواد الإخبارية فحسب، بل حرصت ‒ أيضًا ‒ على استحداث عدد من التقنيات، مثل الوسائط المتعددة والخرائط التفاعلية لمتابعة مستجدات الحالات المصابة، ومنها على سبيل المثال؛ صحيفة الرؤية الإماراتية التي وضعت خريطة تفاعلية عبر موقعها ترصد مستجدات الإصابة بالفيروس وإحصاءات الحالات.

ثانيًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”
كان التعاطي في “تويتر” هو الأبرز والأكثر متابعة من قبل المتلقين، وعليه فقد حرصت وسائل الإعلام الخليجية عبر حساباتها في “تويتر” على انتهاج ثلاثة خطوط أساسية في التغطية، تمثلت في الآتي:

1-مواكبة أهم الأحداث والأخبار الصادرة من الجهات الرسمية أو وكالات الأنباء.
2-إعادة نشر محتوى الوسائل التقليدية عبر منصة “تويتر”، سواء كان مسموعًا أو مرئيًّا أو مكتوبًا أو على هيئة تصاميم انفوجرافيكس.
3-صناعة محتوى خاص وحصري لحساباتها في “تويتر” قبل أن يتم بثـّه عبر المنصات التقليدية.

ثالثـًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”
في منصة “يوتيوب” نجد أن الكثير من وسائل الإعلام التقليدية حرصت على تغذية حساباتها، وخصوصًا القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي حرصت على تحديث صفحاتها بشكل سريع، وبالذات برامج القناة والفيديوهات التوعوية المنتجة، والتي تضمن من خلالها عودة المشاهد، كما قدمت بعض الصحف نموذج الصحافة التلفزيونية من خلال حساباتها في “يوتيوب”، مثل صحيفة القبس الكويتية التي غذت حسابها في “يوتيوب” بالعديد من التقارير والاستطلاعات والتحقيقات الميدانية، لتكون رافدًا مهمًا وحيويًا لما تنشره الصحيفة ورقيًّا.
هذا التميز الكبير من قبل وسائل الإعلام الخليجية في التواجد عبر فضاء الإعلام الرقمي يمثل دافعًا كبيرًا لها للاستمرار في تفعيل تلك الحسابات، والاستفادة من بقية الشبكات لتقديم محتوى يتواءم مع كل شبكة وجمهورها، كما أن وسائل الإعلام التقليدية، وبخاصة التلفزيون، قامت باستخدام “الهاشتاقات” التي أُطلقت للتوعية أثناء الجائحة، في حين قامت بقية الوسائل بتوظيف تلك “الهاشتاقات” عبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي خصوصًا حينما يتم تناول الأخبار المتعلقة بمستجدات الجائحة.

المحور الرابع: روافد مهمة
لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا وجوهريًا في التأثير في المواطن والمقيم في دول مجلس التعاون خلال الجائحة، وبخاصة من قبل مشاهير شبكات التواصل، إذ قام العديد منهم بجانب توعوي عبر رسائلهم التي بثـّوها من خلال حساباتهم في شبكات التواصل.

ويمكن تصنيف الدور الإيجابي للمشاهير خلال الأزمة في ثلاث فئات رئيسية، هي:

1-مشاهير تعرضوا للإصابة بالمرض:
تعرض عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي للإصابة بفيروس كورونا (كوفيد 19)، وقام عدد منهم بتغطية تفاصيل الإجراءات الطبية التي أجريت لهم، والأعراض التي مرّت عليهم، بالإضافة إلى استعراض الخدمات الطبية المقدمة للمرضى المصابين بالفيروس، ما زاد من وعي المتلقين حيال ذلك، وتصدرت إصابات هؤلاء المشاهير أحاديث المتابعين عبر منصات التواصل.

2-مشاهير خضعوا للحجر الطبي
البعض الآخر من مشاهير التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون كانوا متواجدين خارج بلادهم عند بداية الأزمة، ما جعلهم يوثقون الجهود المبذولة في الإجلاء، وفور عودتهم وثقوا الجهود المبذولة في اختبارات الفحص والخدمات المقدمة في الحجر الصحي، كما قاموا بجانب توعوي للمتلقين عبر نقل النصائح الطبية التي تلقوها من الجهات الرسمية والموجهة للعائدين من دول تفشت فيها الإصابة بالفيروس.

3-مشاهير قاموا بالتوعية
الفئة الثالثة من المشاهير تفاعلوا مع الجائحة بالحرص على تقديم معلومات موثوقة حول المرض وكيفية الوقاية منه وأبرز الخطوات الاحترازية في ذلك، مستندين على البيانات والتعليمات الصادرة من وزارات الصحة والهيئات الطبية، بالإضافة إلى محاولتهم تقديم النصح بالتباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل، ولاقت تلك الرسائل تفاعلاً كبيرًا من متابعيهم.

وشكل تفاعل عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون مع الأزمة رافدًا مهمًا لوسائل الإعلام التقليدية الخليجية عبر عدد من الأوجه:
-متابعة أخبار المشاهير وأنشطتهم خلال الأزمة، سواء من تعرض للإصابة أو من كان في الحجر المنزلي.
-كثير من المواد الإعلامية بنيت من خلال محتوى صنعه عدد من مشاهير تلك الشبكات.
-قام عدد من المشاهير بتناول كثير من المواد الإعلامية عبر حساباتهم والتعليق عليها، ما شكل ترويجـًا إيجابيًّا لهذه المواد.

في المقابل نجد أن بعض المشاهير قاموا بدور سلبي أثناء الجائحة، وتمثل ذلك في جانبين أساسيين:
1-اختراق الأنظمة واللوائح الموضوعة من قبل الجهات المعنية، سواء من حيث عدم التقيد بمواعيد الحظر أو عدم اتباع الإجراءات الاحترازية.
2-نقل معلومات غير صحيحة أو غير دقيقة، سواء حول الإجراءات الصادرة بخصوص الجائحة أو من خلال تمرير معلومات طبية مغلوطة.
من جانب آخر وقع بعض مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون في فخ عدم وجود مضمون يطرحه خلال فترة الأزمة، خصوصًا وأن الكثير من المحتوى الذي كانوا يقدمونه سابقـًا يرتكز بشكل أساسي إما حول تفاصيل حياتهم اليومية الطبيعية، أو المحتوى الإعلاني المدفوع، ويمكن تلخيص مسببات نضوب المحتوى لدى هؤلاء المشاهير في الاعتبارات الآتية:

1-الكساد الكبير للإعلانات خلال الأزمة.
2-خصوصية المنزل عند بعضهم، لذا احجموا عن النشر أو قللوا منه طيلة فترة الحظر.
3-جزء كبير من المحتوى الذي يقدمه المشاهير يعتمد على الحياة اليومية الطبيعية ولقاء الأصدقاء أو المقالب التي تصنع، وجميعها غابت أثناء الأزمة.
4-اللجوء إلى صناعة محتوى سلبي، من خلال توثيق عدم التقيد بالأنظمة ومخالفة القوانين، ما أنتج مقاطع غاب عنها المضمون الإيجابي المنتظر.

المحور الخامس: تنوع المحتوى
امتازت وسائل الإعلام الخليجية بقدرتها على تنويع المحتوى المقدم خلال أزمة كورونا، فبالإضافة إلى اعتمادها على المواد الجاهزة من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، والتي تعدُّ خطوة إيجابية ومهنية، سعت إلى التنوع في مضامين ما قدمت، ومن دون أدنى شك في أن أخبار الجائحة هي ما تصدرت تلك الوسائل، إلا أن أساليبها اتسمت باختلاف الطرق المقدمة، حيث ظهر العديد من البرامج التي أُنتجت بسبب الأزمة، في حين تمَّ تغيير مسار عدد من البرامج القائمة لتكون مختصة بنقل أحداث ومستجدات الأزمة، وصحفيًّا نجد أن عددًا من التبويبات والملاحق أُنشئت لتناول الجائحة، ويمكن التفصيل في تنوع المحتوى في الإعلام الخليجي على النحو  الآتي:

أولاً: تلفزيونيًّا
القنوات الخليجية منحت أخبار الجائحة وتطوراتها صدارة الاهتمام، وحاولت إضفاء زوايا وأبعاد أخرى للمحتوى المقدم، فقناة “سما دبي” على سبيل المثال؛ قدمت رسائل توعوية للمقيمين على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين استقطب تلفزيون الكويت العديد من الأسماء الفنية لاستغلال حضورهم في تقديم نصائح للمشاهدين عن الجائحة، كما شاهدنا عددًا من العروض المرئية التي تحاكي الطفل من خلال أعمال كرتونية أو موشن جرافيكس، وشاهدنا القناة السعودية تغطي تبعات الجائحة عبر كافة المجالات من خلال سلسلة برامج.
الجانب الإخباري كان عنصرًا أساسيًّا وثابتًا فيما تقدمه القنوات، إلا أنها تحررت من الجانب الإخباري البحت، وحرصت على استخدام أنماط أخرى للمواد المقدمة.

ثانيًا: إذاعيًّا
حرصت الإذاعات عبر الأثير على تناول أمور الجائحة من خلال زوايا عدة، شملت تأثير الفيروس على الجانب النفسي لدى أفراد المجتمع، ومدى تخوفهم من ذلك، وكيفية تبديد تلك المخاوف، حيث استضافت العديد من المختصين في هذا الجانب، كما حرصت الإذاعات على تناول جوانب متنوعة للأزمة.

ثالثـًا: صحفيًّا
استطاعت الصحف تغذية صفحاتها بالعديد من التقارير والتحقيقات والحوارات والمقالات التي كانت مواكبة للحدث، وتناولت تفاصيله وأبعاده، ولا تكاد تخلو صحيفة خليجية في أي يوم من تلك الفنون الصحفية المتناولة للأزمة من زوايا عديدة ومختلفة، وحرصت على عدم الاكتفاء بالجانب الإخباري أو البحث عن أبعاد أخبار كورونا من الجانب الصحي فقط، بل سعت من خلال تلك الممارسات الصحفية للبحث عن أبعاد الأزمة وأبرز المجالات التي عانت خلالها، عبر استضافة المختصين للحديث عن تلك التأثيرات.
وعلى الرغم من كثافة الأخبار أو المحتوى المتعلق بجائحة كورونا في وسائل الإعلام الخليجية، إلا أن تلك الوسائل حافظت في الجزء المتبقي من محتواها على بقية الأحداث والتغطيات البعيدة كل البـُعد عن الجائحة، في محاولة لكسر رتابة المحتوى مراعاة لذائقة المتلقي وحفاظــًا عليه.

المحور السادس: الشفافية والمصداقية
تكثر الأخبار المغلوطة وغير الصحيحة خلال الأزمات، وتتكاثر خلالها الشائعات بشكل كبير، الأمر الذي يجعل منها بيئة خصبة لولادة الإشاعة، بيد أن المتتبع لوسائل الاعلام الخليجية يدرك أن تلك الوسائل قامت بدورها التوعوي، من خلال المتابعة المهنية للخبر وعدم بث أيّ معلومات مغلوطة، على الرغم ممّا عجّت به شبكات التواصل الاجتماعي من سيل هائل من الاجتهادات والأخبار الخاطئة، غير أن تلك الوسائل لم تنجرف خلف تلك الطروحات، ولم تتبن منها معلومات قبل التثبّت من مصدرها، ويمكن قياس مصداقية وسائل الإعلام الخليجية عبر أكثر من جانب، من أهمها:
-ندرة البيانات الصادرة من جهات رسمية لنفي محتوى صادر عن وسيلة إعلامية.
-عدم نفي وزارات الصحة في مؤتمراتها الصحفية معلومات تمَّ طرحها من إعلاميين منتسبين لتلك الوسائل الإعلامية.
-عدم وجود أخبار مغلوطة متداولة في شبكات التواصل مصدرها وسيلة إعلام تقليدي.  

ويمكن إرجاع هذا التميز في جانب المصداقية لتلك الوسائل إلى عدد من الجوانب، هي:
-حرص وسائل الإعلام الخليجية على الالتزام بمصادر المعلومات الرسمية.
-قوة مصادر تلك الوسائل في الوصول للمسؤول والتثبت من المعلومات.
-كفاءة العاملين في الحقل الإعلامي.
-شفافية الصوت الحكومي وسرعة تجاوبه مع وسائل الإعلام.
ولأن الحديث عن المصداقية في وسائل الإعلام الخليجية، لا بد من أن نشير للتميز الذي شهدته المؤتمرات الصحفية لمختلف القطاعات، وبخاصة القطاع الصحي، حيث كانت سرعة التجاوب والشفافية المطلقة عنوانين واضحين وصريحين لها، وسببًا رئيسيًّا في ووأد أي إشاعة يمكن أن تولد.

ويمكن تصنيف الأسئلة الواردة في المؤتمر الصحفي على النحو التالي:
-أسئلة من واقع التفاصيل التي يدلي بها المتحدثون في المؤتمر.
-أسئلة من صميم ما يدور في أذهان المواطنين.
-أسئلة حول تقارير المنظمات الصحية المحلية والخليجية والدولية.

كما اتسمت أسئلة الإعلاميين بالإيجابية لأكثر من اعتبار، هي:
-أسئلة واضحة ومباشرة.
-أسئلة في صميم الحدث من دون التطرق لأمور جانبية.
-عدم التكرار في الأسئلة.
-أسئلة دقيقة مبنية على استفهامات لا آراء.
-عدم وجود أسئلة ضعيفة أو ركيكة أثارت استغراب المتحدث أو تعجبه.
ولا يمكن هنا أن نغفل جانبًا غاية في الأهمية أسهم في جودة الأسئلة المطروحة، حيث إن بعض الجهات الصحية قامت خلال المؤتمرات الصحفية بفرز الأسئلة قبل طرحها، وبخاصة المؤتمرات التي تتم عن بُعد، بغية عدم وجود أسئلة مكررة أو غير واضحة أو بعيدة عن الموضوع الرئيس.

ومن المعايير التي يمكن الاعتماد عليها لقياس جودة الأسئلة المطروحة في المؤتمرات الصحفية، الآتي:
-محتوى ثري في الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، بني على إجابات تمت خلال المؤتمرات الصحفية.  
-تغذية شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها بمحتوى تلك المؤتمرات وتناقله، والبعض من تلك الإجابات وصل لـ”الترند”.
-كثير من محتوى وكالات الأنباء ناتج عن أسئلة المؤتمر.

المحور السابع: أساليب التوعية  
نجحت وسائل الإعلام الخليجية في التغطية الإخبارية للجائحة بشكل جيد وملفت، من خلال المتابعة الدقيقة لمستجدات الأخبار وما ورائها، كما أسهمت
– أيضًا – في الجانب التوعوي عبر أشكال عديدة، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

1-نقل الرسائل المباشرة:
وذلك من خلال نقلها لرسائل وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول مجلس التعاون، تلفزونيًّا وإذاعيًّا وصحفيًّا، وتكرار النصائح والإرشادات من خلال الفواصل وفي مقدمة البرامج وخواتيمها، كتذكير بالرسائل التوعوية الواردة من المؤسسات الصحية.

2-صناعة محتوى توعوي:
قامت وسائل الإعلام والمنظمات المتخصصة في دول مجلس التعاون بصناعة مواد توعوية عبر الحصول على آراء ومعلومات إضافية من الخبراء ومراكز الدراسات، أو من خلال ترجمة وإعادة صياغة المحتوى المقدم من وزارات الصحة بأسلوب متنوع ومناسب لكل فئات المجتمع وأطيافه؛ ما سهل عليهم فـَهم المعلومات والإرشادات الواردة.

3-توظيف الـ”هاشتاقات” لمواكبة مراحل الأزمة:
واكبت وسائل الإعلام الخليجية مراحل الأزمة، من خلال اعتماد عنوان المرحلة ووضعه في “هاشتاق” مثبت في شاشة القنوات التلفزيونية، بالإضافة لتوظيفه بالشكل المناسب من مقدمي البرامج الإذاعية والتلفزيونية لترسيخه في عقل ووجدان المتلقي من أجل تحويله إلى سلوك عملي يعطي النتائج المرجوة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول المجلس بذلت جهودًا اتصالية في هذا الجانب تحديدًا، فبالإضافة إلى تفوقها في التعاطي مع الأزمة من حيث الشفافية وسرعة المعلومة، فإنها ‒ أيضًا ‒ قامت بدور إيجابي في تذليل وتبسيط المصطلحات الطبية، كما قامت بترجمة تلك المنشورات التوعوية بلغات أخرى لتصل بالشكل الأمثل للوافدين.

ومن منظور شمولي، تماشت دول مجلس التعاون مع المعايير الدولية في إدارة الأزمة إعلاميًّا، وقدمت نموذجًا يحتذى به، وذلك من خلال العناصر الآتية:
1-سرعة بث المعلومة.
2-الشفافية.
3-التحديث الفوري للمعلومات.
4-الإجابة عن استفسارت وسائل الإعلام والجمهور.
5-تفعيل منصات خدمة المستفيدين.
6-تبسيط المصطلحات لكل فئات وشرائح المجتمع بمختلف أعمارهم.
7-ترجمة المحتوى المنشور لأكثر من لغة.
والمتتبع للرسائل التوعية الصادرة تجاه الجائحة، سواء من قبل الجهات الحكومية أو من خلال ما صنعته وسائل الإعلام من تقارير وتحقيقات واستطلاعات وأعمال وثائقية، كانت اللغة التوعوية المستخدمة تتسم في معظمها بالإيجابية والإرشاد من دون اللجوء إلى أسلوب التخويف والترهيب ولا لغة التهوين.

المحور الثامن: تكرار المعلومات
أسهم تكرار المعلومات المقدمة في المؤتمرات الصحفية للجهات الصحية في إحساس الجمهور بالملل، خصوصًا وأنه يبحث في كل مرّة عن معلومات مختلفة تخص الجائحة، الأمر الذي تسبب في تراجع نسب المتابعة لتلك التحديثات، على الرغم من تزايد أعداد الإصابات، وتكرار ذات الأسلوب المتبع والمحاور الأساسية نفسها التي يتم التحدث عنها جعل المتابع يبحث عن معلومات من مصادر أخرى، والعديد من المتابعين عبروا عن انتقادهم لتكرار المعلومات المقدمة من قبل المتحدثين في المؤتمرات، والأمر ذاته ينطبق على وسائل الإعلام التقليدية من حيث تكرار النصائح المقدمة، على الرغم من تنوع المحتوى المعروض في تلك الوسائل وحرصهم على متابعة أبعاد الجائحة من عدة زوايا، غير أن الركيزة الأساسية والمتمثلة في تكرار المعلومات، وبخاصة النصائح، أسهم في تناقص أعداد المتابعة بشكل أو بآخر.

وكان يمكن لوسائل الإعلام اتباع عدد من الأساليب للتغلب على سلبية التكرار، ومن بينها:
1-البحث المستمر عن معلومات جديدة حول الوباء وآخر الاكتشافات الطبية المتعلقة بالجائحة.
2-عدم تكرار النصائح ذاتها بشكل يومي في نفس القالب، والتنسيق مع الجهات الطبية للتركيز على الإرشادات التي تتوافق مع كل مرحلة من مراحل الأزمة.
3-تكثيف المحتوى القصصي المتعلق بالجانب الإرشادي، وبخاصة في الإنتاج المرئي.
4-اختيار قصص إنسانية تحكي تجارب مع المرض، مثل قصص الكوادر الطبية أو المصابين بالمرض أو من تسببوا في نقل الفيروس إلى أسرهم ومعارفهم.

التوصيات العامة:
-زيادة المحتوى المقدم للمقيمين في دول مجلس التعاون باختلاف لغاتهم.
-تطوير وتكثيف صناعة المحتوى المرئي الموجه للطفل.
-التوسع في توظيف حسابات المؤسسات الإعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي، وصناعة محتوى إعلامي مختلف ونوعي مناسب للبث من خلالها.
-أهمية وجود الإعلامي المتخصص، وتهيئة كوادر إعلامية وتدريبهم في هذا المسار.
-إخضاع تغطيات كل وسيلة إعلامية إلى التقييم، وقياس مدى إقبال الجمهور على المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي لتلك الوسائل.
-التركيز على تطوير العمل الميداني كمًّا وكيفــًا.

شبكات التواصل الاجتماعي… هل أحرقت (أخبار) وسائل الإعلام التقليدية؟!

الموضوعية؛ هي إحدى ركائز القيم الإعلامية الرئيسة المهمة، ربما كانت غائبة أو في الغالب مغيبة لسبب أو لآخر، في ميدان معظم النقاشات والحوارات الدائرة والمستمرة حول أثر ما سُمّي بالإعلام الجديد في الإعلام التقليدي، ذلك أن التعميم في الطرح والخلل في الاستنتاج هو ما يشكل السّمة السائدة لدى غالبية من تصدوا للظاهرة الوليدة، المتنامية في أشكالها وأعداد مستخدمي أدواتها بقدر اتساع دوائر الموجات “الكهرومغناطيسية” ذات البث القوي، ولعل ما عزز من ذلك التعميم اختلاط الأوراق التي أحدثها دخول أطراف عديدة لحقل الاتصال والإعلام، بخاصة بعد تكاثر انتشار أدوات التواصل الإعلامية وغير الإعلامية عبر الإنترنت، وذلك بعد أن كان الحقل ذات يوم شبه محصور في المجتمع الإعلامي بشقيه الأكاديمي والمهني.

مفترق الطرق
كان من نتائج التعميم في الحكم، أن تحولت مشاربه وبعض أهدافه في أحايين كثيرة، وتحديدًا فيما يتعلق بتخصص الإعلام إلى مزاحمة غير مهنية، عكرت أداءه؛ وأدت إلى شقّ صف الإعلام إلى صفين وفقـًا للفضاءين المختلفين شكلاً على الرغم من اتحادهما وظيفيًّا: التقليدي والرقمي، ساعد على ذلك: وجود تيار إعلامي قديم محافظ تهاون مع التحول لجهله أو لفوقيته حينئذ، وآخر حداثي بالغ في التباهي بالجديد لحماسته أو لتشفيه من التيار الأول.

وفي خضم هذا التراشق بالرأي والتعصب له، تناسى الطرفان قاعدة أزلية تقرر أن تطور التخصصات والنجاح فيها، إنما يتأتى من تراكمات تأسيسية تضيف لبعضها البعض، وأنه لا يمكن لأية نشاط أن ينمو كما يجب عبر إعادة اختراع العجلة، الأمر الذي أدى – حتى الآن – إلى وجود إعلام هجين غير مكتمل النمو، خسر معه الجميع، بخاصة الحكومات والإعلام الوطني، بل وحتى الرأي العام نفسه، الشكل المنتظر للإعلام المتكامل، أو ما يمكن أن نطلق عليه مؤقتــًا: الإعلام المطور.

لعل من المفارقات أن كلا الإعلامين تجمعهما قواسم مشتركة من أهمها الأهداف والمهام، مما لا يمكن الاستغناء عنه، أو العبث بمكوناته، أما على مستوى التفاصيل، فإن من أبرز القواسم المحورية حقيقة مفادها أن الخبر هو الشكل الإعلامي الرئيس، إذ يمثل الأصل والنواة التي نمى وتفرع منها نشاط الإعلام نفسه؛ فقد شكلت مضامينه منذ بدء الخليقة ولا تزال حاجة إنسانية ملحة تقوم على الرغبة في تعرّف الأحداث والمستجدات، وربما يدعم ذلك السؤال التقليدي والعفوي المتكرر بصورة شبه يومية باستخدام العبارة الدارجة “وش الأخبار؟!”، وبالتالي فإن الخبر، بقيمته وأهميته، يظل المقوم الأساسي لتطور الإعلام ووسائله، وأن قيمته التي نشير إليها هي التي قادت إلى انبثاق الأشكال الإعلامية الأخرى كالتحقيق، والتقرير، والقصة الخبرية، والصورة الخبرية، بل وحتى المقال؛ فهي وإن تنوعت في ظاهرها إلا أنها في حقيقتها تنشأ من الخبر وتنمو تباعًا لأحداثه.

فوق هذا وذاك، وبعيدًا عن الانطباعات والاجتهادات الفردية، بات مهمًا، كي توضع الأمور في نصابها، التنبه إلى أن هناك جملة من القواعد التي يجب أن تكون حاضرة لتقييم النشاط الإعلامي وتطويره، من ذلك أن الوسيلة الإعلامية الفاعلة يجب أن تستمر سُبل تطويرها وفقـًا لدرجة تفاعل الجمهور معها، وأن أكثرها وصولاً وتأثيرًا تلك التي تراعي مقتضى حال المتلقين، ليس فقط من حيث لغة التخاطب معهم؛ بل والأهم من حيث توافر الوسيلة المناسبة لديهم، مما يعني أهمية استخدام كافة الأدوات التي تعين على الوصول إلى كافة فئاته، وهو ما يستدعي تعرّف سلوكات الجمهور من حيث مدى متابعته، ودرجة تعرضه، واتجاهاته نحوها، فالاعتقاد مثلاً أن الجميع يمتلك وسيلة تواصل اجتماعي هو حكم غير موضوعي، مما يعني أن الوصول إلى الجميع لا يمكن أن يتحقق ما لم يتم استخدام كافة الوسائل.

مجالات تفوق الإعلام التقليدي
على الرغم من مزاحمة وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة للإعلام التقليدي في كثير من مقومات انتشاره؛ بل وعلى الرغم من أن تلك الوسائل الرقمية حملت معها مزايا مهمة، وتفوقت على التقليدية في بعض منها، إلا أن هذه الأخيرة  – ولحسن حظـّها – استأثرت بجملة من المواصفات القادرة على تمكينها من البقاء سيدة للموقف في ميدان الإعلام، متى ما استفادت من مزايا الرقمية التي ستأتي لاحقـًا، من تلك السمات أو القيم والمجالات التي تكاد تنفرد بها:

1-المصداقية؛ وتمثل هذه القيمة وحدها من دون منازع ورقة الرهان الرابحة التي تمتلكها وسائل الإعلام التقليدية وتشكل سلاحها الحاسم إن هي أحسنت تطوير ذاتها لكسب ثقة الجمهور بالمواد الإخبارية التي تنشرها والتفوق على غيرها من المصادر؛ ذلك أن الرصين منها عُرف بحرصه الشديد والحازم على صحة معلوماته، لقناعته التامة بأن الالتزام بها، هو سبيله القوي في تعزيز صورته الذهنية، ولعل مما قوَّى هذا البعد خضوع معظم تلك الوسائل لفترة طويلة من الزمن للأنظمة والتشريعات التي تسنها الجهات المعنية، ونجاح كثير منها في تشكيل الولاء لدى جماهيرها، الذين نشأت بينهم وبينها صلة وطيدة، كان من مظاهرها معرفتهم بالشخصيات التي تديرها وتعمل بها؛ بل وبمقارها، بخلاف وسائل الاتصال الجديدة التي يعمل كثير منها في عالم افتراضي، ويختفي بعضها خلف أسماء رمزية أو وهمية.

ولأهمية المصداقية كقيمة إعلامية تتفوق بها الوسائل التقليدية، ظلت تشكل مرجعية للجمهور للتحقق من صحة الأخبار، تبقى مهيمنة إلى الآن في هذا القطاع في أثناء نشوء الأزمات، إذ لا يمكن أن تعول العامة على مواد أفراد تتضارب آراؤهم من دون قرائن يعتد بها.

2-الدقة والتحقق من المعلومات؛ فهذه الوسائل التي اشتهرت بتواجد ما اصطلح عليه الباحثون في مجال التخصص مسمى “حارس البوابة”، اتسمت بكونها صمام أمان لمحاربة الشائعات والأخبار المغلوطة، حتى وإن اعتبر البعض أن وجود هذه السمة “مثلبة” تعاب بها، لكونها تشكل في بعض أحوالها قيدًا مؤلمـًا لحرية الصحافة، إلا أن الجهد المكثف الذي يبذله الإعلاميون العاملون فيها، بما في ذلك كتـّاب الصحف البارزون، في البحث والتمحيص للتأكد من صحة معلوماتهم قبل نشرها يُعدّ “منقبة” يثمنها العارفون بخطورة المعلومات الزائفة وأثرها المدمر في المجتمعات، ويأتي اجتهاد الوسائل التقليدية ومنسوبيها في تنقيتها انطلاقـًا من قناعات أكيدة بأن التقصير في الالتزام بذلك حري بأن ينعكس سلبًا على أدائهم، بل وعلى مستقبلها ومستقبلهم.

3-العمق في الطرح وشمولية التناول؛ وهي مزية تظهر بشكل جلي – على سبيل المثال لا الحصر – في التحليلات المتنوعة والجادة التي تحتويها أشكال موادها، والتي تستعين في كثير منها بالخبراء وأهل الاختصاص لتسليط الأضواء من زوايا مختلفة على الأحداث، وهي القيمة التي تمكن مستخدميها من رؤية الصورة بتفاصيل أكثر، مما يؤكد حرص هذه الوسائل على تجنب النظرة القاصرة للأحداث والحكم الجائر على أطرافها، وبالتالي فإن أخبار هذه الوسائل تبقى محتفظة بخاصية تقديم مادة متكاملة نسبيًّا مقارنة بما استجد من وسائل.

4-نشاط مؤسساتي مستدام؛ فمخرجات الوسائل الإعلامية هي محصلة عمل جماعي منظم ومستمر، ومنضبط يخضع للتقييم والتطوير، وإن كانت وتيرته لا تتواكب مع العصر الجديد، يساندها في ذلك وفرة الإمكانات المادية، التي تمكنها من توفير الاحتياجات الضرورية لأداء مهامها المهنية على أكمل وجه، وعلى الرغم من أهمية هذه الخاصية إلا أن بعض الوسائل الإعلامية لم تستفد بالشكل المطلوب منها لمواجهة المرحلة العصيبة التي مرّت بها بعد التحول السريع إلى الوسائل الرقمية.  

ويدخل في هذه الخاصية امتلاك تلك المؤسسات في معظم الأحوال للقوى البشرية المتمكنة مهاريـًّا وممارسة من العمل الإعلامي، فالحركة الدؤوبة للعديد منها في ميدان الإعلام كان ولا يزال قوامها أفرادًا مهنيين اكتسبوا الخبرة والدربة اللازمة لتسيير الوسيلة بشكل منافس، كما أن انتشار مكاتب ومراسلي هذه الوسائل في أماكن عديدة شكل قيمة مضافة كان يمكن الإفادة منهم في الرصد والنشر الإخباري بشكل جاذب، لو استطاعت الوسائل التقليدية مواكبة التغيرات وأحسنت استثمار مقدراتها البشرية والمادية.

مجالات تفوق شبكات التواصل الاجتماعي
أدت شبكات التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى إلى فتح منصات متنوعة لأفراد المجتمع ومكنتهم من التواصل ببعضهم البعض، وهيأت هذه الخاصية للمؤسسات بمختلف أنواعها فرصة ذهبية لبناء جسور تواصل بينها وبين جماهيرها المتنوعة، مستفيدة في ذلك من خواص الفضاء الرقمي الذي أحدث تغييرًا مذهلاً وهائلاً في كافة القطاعات من دون استثناء، وقادت إلى التعريف بصناعات جديدة، وانهيار أخرى.

وفي الوقت الذي وجدت فيه وسائل الإعلام التقليدية في هذه الشبكات قنوات سريعة لإيصال موادها لجماهير عريضة جدًّا فاقت بكثير جمهورها المعتاد، استفادت الشبكات نفسها ومستخدميها بطريقة تلقائية من المواد الإعلامية التي تبثـّها تلك الوسائل لتصبح غذاءً مستمرًا ومتجددًا لمضمونها المتداول بين المستخدمين، ربما كان المأخذ على وسائل الإعلام – كما أشرنا إلى ذلك سابقـًا – أنها لم تتوسع كثيرًا في الغوص بأعماق العالم الرقمي لتتعرف جيدًا كيف توظفه لصالحها، كي تحقق مكاسب شتى، حتى وإن اضطرت إلى تغييرات جذرية في الأنماط والأشكال الروتينية التي اعتادت عليها؛ وهو ما كان يجب أن يكون، ومن تلك المزايا التي عرف بها الفضاء الرقمي لأول مرة، وظهرت بشكل بيّن في شبكات التواصل:

1-السرعة المتناهية في النشر؛ التي مكنت المرسل على نحوٍ غير مسبوق من الوصول الفوري لمستقبلها في أي مكان على وجه البسيطة، وهذه الخاصية تكاد تكون قاصمة الظهر التي زلزلت الإعلام التقليدي بكافة أشكاله، وأفضت آثارها إلى توقف درامي في كثير من وسائله، إذ أفسدت الشبكات الاجتماعية عليها تغطية الأحداث بالصورة المهنية، وذلك على الرغم من أن الشبكات تدار بشكل عشوائي وعبثي أحيانـًا من قبل هواة غير ملمين بأسس مهنة الإعلام، وتسبب ذلك في اختفاء تنافس الوسائل الإعلامية في تحقيق قصب السبق، كما أدى إلى تلاشى إمكانية إعداد المواد الحصرية التي عُرفت بها وكان يترقبها الجمهور فيما كان يعرف بالإشباعات المتوقعة، وبدأت شعبية الوسائل وروح المنافسة بينها يفقد كثيرًا من وهجه.    

2-خاصية التفاعلية؛ وتوفُّر أدوات القياس والتقييم الفوري، حيث شكّل هذا البـُعد واحدًا من التغيرات المهمة التي تميـّزت بها وسائل الاتصال الاجتماعي، فإذا كانت المصداقية هي ورقة الرهان الأقوى لدى وسائل الإعلام التقليدية، فإن هذا العنصر هو مرتكز الوسائل الجديدة ومصدر القوة لديها، فمن خلاله تمَّ تفعيل دور المتلقي ليكون أحد صناع المحتوى، كما بات الترمومتر الذي ترصد عبره قيمة رسائلها، ومدى تأثيرها، ليتسنى لها تعرّف كيفية تطويرها.

3-ميزة تنوع الأدوات والأشكال الاتصالية؛ ويمكن ملاحظة ذلك في حجم التكاثر اللامتناهي الذي ولدته ولا تزال الإنترنت من التطبيقات، وكذلك حجم المساحة الشاسعة التي تهيئها للمبدعين في الابتكار، وبقدر ما تعدُّ هذه الخاصية ميزة إلا أنها تحولت في شقّ منها إلى مهدد للأدوات والتطبيقات التي يتم التعريف بها من وقت لآخر؛ إذ إن ديناميكية النشاط والابتكار المتجدد في عالم تقنية الاتصال أدى إلى أن تتقادم بعض المبتكرات الجديدة في وقت وجيز خصوصًا في ظلِّ تسابق العالم نحو عمق الثورة الصناعية الكبرى الذي يهدف إلى أتمتة كافة الخدمات وتمكين الآلات من توفيرها، والتحكم فيها.

4-اتساع رقعة حرية التعبير؛ وهي ظاهرة تفشى استخدامها مع بداية النشر الرقمي الذي كان – لغياب كثير من التشريعات والقوانين الضابطة – مفتوحًا على مصراعيه، وتجاوز ذلك الاستخدام في بعض أشكاله الأخلاقيات والقيم المتعارف عليها، الأمر الذي دعا عددًا من الدول بما في ذلك التي تغنت بالحرية إلى تهديد شركات المعلومات العملاقة بعقوبات جسيمة في حال سمحت عبر مساحات النشر لديها وتطبيقاتها ببثِّ أية مواد عنصرية أو تحث على الكراهية، وذلك حين أدركت بشكل ملموس خطورته على الأمن والاستقرار، عبر استغلال المنظمات الإرهابية المروع لوسائل وتطبيقات تلك الشركات وقنواتها الرقمية.

إعادة تقييم
يستفاد مما سبق في ضوء السمات الإيجابية التي أتاحها الفضاء الرقمي الجديد أهمية قيام المؤسسات بشكل عام والإعلامية بشكل خاص، في ظلِّ حاجتها الملحة للوجه الاتصالي الجديد إلى إعادة هيكلتها إداريًّا، ومهنيًّا، أن تضيف إلى مهامها الجديدة جهازًا متخصصًا في مواكبة التقنيات الرقمية؛ بحيث تصبح العمود الفقري لعملها، والعين اليقظة لمراقبة متغيرات التقنية وسوقها أولاً بأول، وفوق هذا وذاك ينتظر من هذا الجهاز أن يغذي تفاصيل مكونات بقية الأجهزة إما تعليمًا أو تدريبًا على كيفية التعامل مع كل جديد، أو على أقل تقدير تثقيفًا للكوادر البشرية بالصورة التي تضمن فهمه لما له علاقة بوظائفه، وتقضي على أميته الرقمية التي تعدُّ واحدة من مهددات الأنشطة المهمة بأنواعها. 

والوسائل الإعلامية، إن استثمرت الوفرة الهائلة للمعلومات في العصر الرقمي، في ظل انتشار قواعد البيانات والمعلومات الضخمة وتقنيات الربط المباشر مع مراكز البحوث والجامعات والمعاهد المتخصصة، فإنها ستكسب قيمة مضافة للبحث والتدقيق لصناعة محتويات أكثر ثراءً، وجاذبية غير مسبوقة، ومرونة عالية تمكنها من تطويع تلك المعلومات لصناعة محتوياتها بما يتواكب مع روح العصر ومقتضياته.    

وبالعودة إلى بيت القصيد فيما يتعلق بمصادر الأخبار الأدق والأصدق والأعمق، ومدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي سلبًا في الوسائل التقليدية، يتضح أن الوسائل التقليدية ظلـَّت تمسك إلى حدّ كبير بزمام نشر الأخبار المحلية والعالمية الموثوقة، في حين انفردت شبكات التواصل بشكل عام في خاصية نشر الأخبار المجتمعية والشخصية التي لم يكن لوسائل الإعلام آنذاك اهتمامًا يذكر بها.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الوسائل التقليدية قد كسبت الرهان في النشر الإخباري الجماهيري بشكل نهائي، إذ إنها خسرت بعض مزاياها في ميدان الأخبار في هذا الجانب لصالح الوسائل الجديدة، فهي أصبحت في الغالب تأتي متأخرة عن شبكات التواصل في مسألة السبق الإعلامي الذي يعدُّ قيمة لا تقدر بثمن كمقوم من مقومات الإعلان عن الأخبار القيمة، وباتت بضاعتها في هذا الأمر تتعرض للكساد بسبب التقادم الذي يعتريها جراء المنافسة الحادة من الملايين في النشر قبلها، ليس بالنص فقط، بل وبالصوت والصورة كذلك، يحدث هذا عندما يكون الأفراد أنفسهم شهودًا مباشرين على الخبر نفسه أو جزءًا من مكوناته، عندما يكونون ممّن عاشوا في دائرته حال حدوثه.

لقد أصبح هذا التحدي واقعـًا معاشـًا في مجال صناعة الأخبار، فلم تعدّْ الوسائل التقليدية قادرة على تحقيق قصب السبق، ولم تعدّْ تمتلك وحدها كثيرًا من المزايا التي أوجدت لها المكانة التي كانت تتمتع بها سابقـًا، فقد أصبحت مساحات تحركها محدودة للغاية، وزاد من صعوبة الموقف أن المزايا القليلة المتبقية لتلك الوسائل التقليدية لا يحسن استثمارها والتعامل معها كما يجب إلا أصحاب المهارة العالية، من القادرين بحسّ رفيع على استنطاق أصحاب الشأن أثناء الأحداث الجسام، وهم الأكثر وصولاً إليهم للظفر بمادة حصرية.

زاد الأمر تعقيدًا أن أولئك المهرة الذين كانوا من بين مقدرات الوسائل التقليدية أخذوا في التناقص، وهجروا وسائلهم أو تمَّ تسريحهم بسبب تقلص الحوافز المادية التي صاحبت تراجع الدخل الإعلاني، الذي وصلت فيه إلى أسوأ حالاتها، بل إن منابعه جفت، وتوقف تمامًا عن معظم الوسائل التي اعتمدت عليه لسنوات، ولأنه كان أكسير الحياة لكثير منها، ولأن معظمها لم تبحث في آلية الوصول إلى “الإعلام المطور” المرتقب، فقد أطلق العديد من هذه الوسائل النار على نفسه بصورة عاجلة، مختصرًا المسألة إما بالتوقف أو تقليل الجهد، وهي خطوة قد تكون مؤشرًا على أحد أمرين: قصر النفس لدى قادة أعياهم المسير في مجال عملهم وأُخذوا على حين غرة بمفاجأة الفضاء الجديد، وإما – وهو الأقرب – لجهل تام بطبيعة التطور الذي اكتفوا فيه بمعرفة سطحية لمظاهره، ولم يغوصوا كما يجب في أعماقه، لتصبح جزءًا من وسائلهم.

مرحلة الاستسلام
في ظل هذا المشهد، بات مؤلمًا لصناعة الإعلام الوطني على وجه الخصوص، أن تلوح في الأفق بوادر تراجع حاد في درجة مقاومة الهجوم الكاسح لأنصار الإعلام التقليدي، ليس لأن مناوئيهم أصبحوا أكثر منهم عدة وعتادًا فحسب، لكن لأن غياب النظرة الفاحصة في الخروج من النفق أدى في نهاية المطاف إلى استسلام مؤسساتهم؛ وخسارة كثير من رموزها الذين لا يسهل تعويضهم، ولم يتم استثمارهم، بل إن تاريخهم في هذه المؤسسات استخدم وإن بطريقة غير معلنة كأداة لاستبعادهم عن المشهد، على الرغم من أن كثيرين منهم حاولوا شقّ طريقهم بمفردهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.   

قد يكون جزءًا من أسباب ترجل بعض الوسائل التقليدية عدم قدرتها على مقاومة النقد الذي لا يخلو من سخرية من أنصار التقنية الرقمية، وفي هذا مفارقة غير متوقعة، ذلك أن الوسائل التي أمضت سنوات عمرها في ممارسة الدور الرقابي على الساسة، والمؤسسات، بلغة لا تخلو من النقد الجاد وربما الحاد، وجدت نفسها فجأة تكتوي بنيران النقد ذاته، وربما كان معظمه يخلو من الموضوعية التي بدء بها هذا المقال.

إدارة الإعلام
لم يكن للوسائل التقليدية التي انهزم كثير منها أن تخسر المعركة، لو أنها فطنت مبكرًا إلى أن المشكلة الحقيقية التي أودت بها إلى التعثر كانت بالدرجة الأولى مشكلة إدارية، فهي على الرغم من كون السواد الأعظم منها شكل في فترة من الفترات، بما لديه من مقدرات، بيئة مثالية للتحول إلى الفضاء الجديد، إلا أنها عجزت بصورة محزنة عن الاستفادة منها؛ بل إنها أصيبت بسبب التخبط في خاصرتها على نحوٍ أدى إلى تناثر تلك الممتلكات بصورة تثير شفقة العارفين ببواطن الأمور، ولكن لا يملكون القرار في كيفية المعالجة أو القدرة على التدخل.

هذا القول يؤكد صحته تجربة عدد من الوسائل التقليدية (المخضرمة) التي لم يربكها طوفان الفضاء الجديد، أو يحبطها عدم وضوح الرؤية حول مستقبله ومستقبلها، فهي على الرغم من قلة عددها لأسباب ليس هذا موطنها، وجدت في التحول فرصة عظيمة لأن تحقق نجاحات أكبر وأعظم مما حققت، وهي الوسائل التي تمثل بحق النموذج الواعد لتشكيل الإعلام في هيئته المطورة، إذ إنها لم تعمل على حماية مقومات البقاء في الحالة التي كانت عليها، أو تتعصب لسياساتها التقليدية كما فعل غيرها، وإنما دخلت بشجاعة وبقوة إلى الميدان الرقمي بالشكل الصحيح، ففهمت خواصه الاتصالية، وشاركت بعزم عال ومرونة كبيرة ممزوجتين بمهنية في إعادة تشكيل الصناعة الإعلامية.

تجربة صحيفة “نيويورك تايمز”
أدى زخم الحماس للوسائل الرقمية – كما أشرنا سابقـًا – إلى استعجال البعض، بما في ذلك النخبة، في الدعوة إلى إلغاء الوسائل التقليدية، كان آخرها دعوة واحد من الذين عملوا لسنوات كاتبًا في إحدى الصحف المرموقة، سمعته في محفل قبل أيام معدودة من كتابة هذا المقال، إلى أن تتوقف وكالات الأنباء عن بث الأخبار، وأن تغلق أبوابها كما فعلت العديد من الصحف الورقية، مستشهدًا في ذلك بمن تسيد المشهد الصحفي لقرابة قرن من الزمن على غرار صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، غير أنه في رأيه الذي لا يخلو من آفة التعميم، لم يستحضر واقع الصحيفة العريقة “نيويورك تايمز”، التي تمثل – مع نظيرتها “واشنطن بوست” – نموذجًا للوسيلة التي تحركت بذكاء وواقعية مع التحولات الدراماتيكية، مع تذكرها الدائم لقواعد وأسس المهنة والتزامها بها، فصمدت في وجه الأعاصير متسلحة بإستراتيجية تدرجت فيها بين الحسنيين، حـُسن استثمار مقومات ومزايا العمل الإعلامي التقليدي التي تعدُّ ثوابت راسخة في صناعة الإعلام، بغض النظر عن نوعه وأدواته ومنها الخواص الأربع التي أشرنا إليها سابقًا، وحـُسن الاستفادة من مزايا التقنية الرقمية؛ وتشمل كذلك الخواص الأربع الأخرى التي ذكرناها فيما يخصُّ وسائل التواصل، لتكون بذلك أقرب الوسائل تشكيلاً لملامح المنتج المنتظر للإعلام المطور.

فالصحيفة التي تأسست سنة 1851م، حافظت على خطـّها التصاعدي في عالم الصحف إلى أن بلغت ذروتها، وأصبحت من أكثرها مقروئية، متغلبة بشكل مذهل على كافة الصعاب التي اعترضت طريقها بما في ذلك التحول الكبير إلى عالم النشر الرقمي، وتمكنت بإصرارها، وفـَهمها المؤسساتي التـّام لتفاصيل عناصر المعادلة الجديدة، من البقاء في القمة ذاتها على الرغم من الاعتقاد غير الصحيح باكتساح شبكات التواصل للنشر الخبري الذي هو محور العمل الإعلامي كما أسلفنا.

وفي الوقت الذي راهن كثيرون على أن الصحيفة إلى سقوط، فاجأت الجميع في ظلِّ سياسة ضبط النفس والعمل التطويري الدؤوب بوصولها إلى مرحلة متقدمة، صدقها في ذلك دخلها السنوي؛ فقد أعلنت قبل شهر تقريبًا أنها تمكنت في نهاية العام الماضي 2019م، من تحقيق إيرادات مالية قدرها (800.8) مليون دولار مقابل خدماتها الرقمية فقط، وهي الخدمات التي راهنت الصحيفة عليها، بعد أن تلاشت حصتها من كعكة الإعلانات التي ألفتها لسنوات. 

لم يأت هذا الرقم الضخم مصادفة، بل جاء نتيجة رؤية واضحة لخطة مسبقة صدقت توقعاتها بشكل تجاوز التوقعات؛ فوصلت العام الماضي إلى الهدف الذي كانت تتوقع حدوثه في نهاية هذا العام، أما أهم مصدر لهذا الدخل، فتمثل في الاشتراكات الرقمية في الداخل والخارج، التي أسهمت بمبلغ (420) مليون دولار، دفعها قرابة (3.5) مليون مشترك باحث عن الأخبار، من إجمالي مشتركيها البالغ عددهم (5.251.000) مليون مشترك، وكان من المفارقات والمفاجآت السارة أن تكسب الصحيفة مليون قارئ من مشتركي النسخة الرقمية في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2019م، دفعتهم إليها – حسب تقرير الصحيفة نفسها – الحاجة إلى متابعة أخبار اتهام الرئيس ترامب باستخدام السلطة وعرقلة عمل الكونجرس، بالإضافة إلى أحداث الحملات الانتخابية للرئاسة الأمريكية 2020م، هذه الأرقام أدت إلى أن يقفز سعر سهم الصحيفة في أسواق المال بنسبة (13%) ليصل إلى (38.55) دولار، وهو ما وصفه رئيس الشركة المالكة للصحيفة ومديرها التنفيذي “مارك ثامبسون” بأنه أفضل سعر تبلغه الصحيفة منذ إطلاق نسختها الرقمية قبل تسع سنوات تقريبًا.

المهنة تكسب
هذه النتائج تعطي أكثر من مؤشر على أن الصحافة الحقيقة ليست مهددة متى ما استطاعت أن تقرأ البيئة الاتصالية الجديدة بتفاصيلها، كما أنها تعطي دلالة قوية على أن الجمهور ليس له أن يعتمد على الهواة على حساب أصحاب المهنة الحقيقيين متى ما وجد إليهم سبيلاً، فالقارئ يدرك تمامًا بأنه ليس قادرًا في كل الأحوال على فرز الأخبار الصادقة من الزائفة، حتى وإن حاول جاهدًا القيام بذلك وليست هذه من مهامه، لذا كان طبيعيـًّا أن يجد في تكلفة الاشتراك بسعر زهيد نسبيـًّا مخرجـًا له من تشتت ذهنه في البحث والتحقق من الأخبار في محيط متلاطم الأمواج.

كان مما يؤكد المرونة والواقعية في تعامل الشركة المالكة للصحيفة مع طبيعة سمة الفضاء الرقمي، أنها لم تكترث لانهيار قيمة الإعلان في النسخة الورقية وتضاؤل حجمه وأعداده، بل ولم تنشغل بنزوله في النسخة الرقمية بمقدار (10%) عن حصيلة عام 2018م، واعترفت بصراحة تامة تتسق مع المنطق أن الإعلان لم يعدّْ مصدرًا من المصادر التي تعول عليها كما كانت عليه الحال في عصر الورق، مشيرة إلى أنها تنوي أن تتجه إلى اشتراكات القراء حول العالم ليصبح البديل والمصدر الأكثر ربحية، وهو ما جعلها تخطط للعمل على مضاعفة عدد المشتركين خلال خمس سنوات فقط، ليصل إلى (10) ملايين مشترك في عام 2025م.

ولأن الصحيفة باتت تجني ثمار تخطيطها السليم، وتفاعلها المقنن والمدروس مع التحولات، لم يكن مستغربًا أن تزيد مؤخرًا، وتحديدًا في الربع الثاني من عام  2020م، قيمة الاشتراك الرقمي لمدة أربعة أسابيع إلى (17) دولارًا بعد أن كانت تكتفي بـ(15) دولارًا فقط على مدار السنوات الماضية، منذ بداية نسختها الرقمية في عام 2011م، ولأنها أقدمت على ذلك وفقـًا لخطوات محسوبة تمامًا، أوضح رئيس الصحيفة ومديرها التنفيذي بأنهم على ثقة بأن ولاء قراء الصحفية لن يجعلهم يترددون في قبول الزيادة؛ لعلمهم الأكيد بدورهم المهم في الإبقاء على الجودة والتنوع والعمق الذي يقدرونه كثيرًا، في ظلِّ غيابه وتواري كثير من الوسائل عن الساحة.

لقد اقتضى الوصول إلى هذه المرحلة قيام العديد من الوسائل التقليدية بتجربة أساليب متنوعة في كيفية استقطاب المتلقي والحفاظ عليه، والمتابع لتلك الخطوات يلفت انتباهه أنها حصيلة عمل دقيق ولم يحدث بصورة اجتهادية وعشوائية، ولأنه احترم التخصصات ذات الصلة، فقد اعتمد على مزيج من قراءات واستطلاع أصحاب الشأن من خبراء الإعلام والتسويق والتقنية والفنون وعلم النفس، وكافة مَن كان يتطلب الموقف الاستعانة بهم، ولعل مما يؤكد ذلك طبيعة التغيرات السريعة التي اتخذتها وسائل الإعلام، وفي مقدمتها “نيويورك تايمز” على مدى فترة طويلة تتطلبها طبيعة بيئة جديدة ذات متغيرات معقدة.

تلهث وراءها الإعلانات والرغبة في الربح ظاهرة البرامج المستنسخة بين الإبهار وفقر الأفكار

-ضرورة إعادة هيكلة مؤسسات الإعلام الوطنية من زاويتي الرسالة الإعلامية الهادفة، وكذلك من زاوية اقتصادية بحتة.
-المشاهد العربى مغلوب على أمره، ومضطر لأن يتعاطى مع ما يقدم له.
-البعض يتصور أن استنساخ برامج أجنبية ناجحة هو الطريق الأسهل لضمان نسب مشاهدة عالية مرتبطة بسوق الإعلان.
-برامج تلفزيون الواقع لم تراع الهوية العربية وعاداتها وتقاليدها.
-في الوقت الذي تمنح فيه البرامج المستنسخة المشاهد حالة من الإبهار، فإن البرامج المحلية إذا قُدمت بشكل متقن فهي غالبًا الأقرب إلى الروح.

على الرغم من أن الآلة الإعلامية صنعت عالمًا افتراضيًّا يعيش فيه كل سكان الأرض في بوتقة واحدة، وأصبح بإمكان أي فرد أن يتابع أي برنامج بغض النظر عن جنسيته، إلا أن الإعلام العربي يبدو أنه لم يكتف بذلك بل راح يستنسخ برامج أجنبية ويعيد صياغتها عربيًّا، من دون النظر إلى مدى ملاءمة البيئة العربية لهذه البرامج، ومن دون الأخذ في الاعتبار قيمة هذه البرامج فنيًّا، ومدى تأثيرها على المشاهد العربي.
انقسمت الآراء حول أهمية هذا الاستنساخ ومدى ضرورته، ففي حين يرى البعض أنها تعطل آلة الابتكار والتجديد في عالمنا العربي، وتدعو إلى اتخاذ المسار الأكثر يسرًا من حيث الأفكار المعلبة الجاهزة، من دون بذل الجهد في ابتكار وسائل إعلامية جاذبة للمشاهد العربي، يرى فريق آخر أنها مواكبة لروح العصر، وإطلالة على ما يجري في الساحة العالمية، وأن صناعة نسخ عربية تتشابه في التقنيات والأسلوب هو جزء من التباهي أمام العالم بأن الإعلام العربي قادر على مواكبة روح العصر.
لكن هناك جانب لا يمكن إغفاله في هذه الصناعة، وهو أن شهرة هذه البرامج عالميًّا تحفز شركات الإعلان على الدخول بقوة لرعاية هذه البرامج، وهو الأمر الذي يحقق عوائد اقتصادية طائلة للشركات المنتجة، والدليل مشاركة نجوم العرب من ممثلين ومطربين وغيرهم في هذه البرامج، نظير أجور باهظة يتقاضونها من عائد الشركات المعلنة والرعاة.
ويبقى المشاهد مسلوب الإرادة، يدور بين فكي الرحى، يستقبل من دون حول له ولا قوة، وتظل الآلة الإعلامية أسيرة الربح المضمون والمأمول، فتتخذ أقصر الطرق لما يحقق لها أهدافها الربحية، وفي بعض الأحايين يكون ذلك بعيدًا عن حسابات القيمة والجدية التي لابد من أن تكون معيارًا أساسيًّا في الإعلام بوجه عام.

جمال الشاعر: “التقليد الأعمى انتشر بقوة في فضائياتنا العربية”.


يرى الإعلامي المصري الكبير جمال الشاعر، أن استنساخ البرامج هو استسهال ناتج عن فقر في الأفكار الإعلامية المبدعة، إلى جانب وجود أهداف تجارية من وراء إنتاج برامج مستنسخة، فعلى سبيل المثال برنامج (مـَن سيربح المليون) تأسست لأجله شركة إنتاج بوصفه مشروع تجاري ضخم.
ويضيف الشاعر: “إن هذه البرامج لا تناسب ثقافتنا واهتماماتنا، وبالتالي فإن تأثيرها الإيجابي في نفوس المشاهدين ضعيف ولا يتناسب مع حجم الإنتاج الضخم، فنحن لا توجد لدينا مراصد لقياس نسب المشاهدة وآرائهم تجاه ما يشاهدونه من برامج، إضافة إلى أن افتتان الضعيف بالقوي يوقعنا دائمًا في فخ التقليد الأعمى وهو الذي انتشر بقوه على الفضائيات العربية”، لافتـًا إلى أنه على الجانب الآخر برامج ذات طبيعة تتعلق بوجداننا ذات تأثير كبير، ولم تقع في فخ الاستنساخ الأعمى، وحققت نجاحًا جماهيريًا عريضًا مثل برنامج (صاحبة السعادة) للفنانة إسعاد يونس.
ويشير الشاعر بأصابع الاتهام لمؤسسات الدولة الإعلامية وتوقفها عن إنتاج البرامج المتميزة التي كانت بمثابة الكفة التي ترجح ميزان المصلحة العامة إعلاميًّا وثقافيًّا، مستشهدًا ببريطانيا التي لا يزال إعلام الدولة صاحب تأثير قوي في المشاهدين، وفي أمريكا نفس الحال من خلال المؤسسات الإعلامية العامة، مؤكدًا أننا بحاجة إلى إعادة هيكلة مؤسسات الإعلام الوطنية من زاويتي الرسالة الإعلامية الهادفة، وكذلك من زاوية اقتصادية بحتة بما لا يتنافى مع قيمنا ومبادئنا، أما أن نجد برامج تتلاعب بأحلام ومشاعر المواطنين، من خلال مسابقات تتعدى جوائزها الملايين فهو أمر مستهجن ومرفوض.

أحمد خالد: “الاستنساخ في البرامج ليس ظاهرة منعزلة عن الاستنساخ من الغرب في كل المناحى”.


الإعلامي أحمد خالد، رئيس تحرير نشرة أخبار قناة “القاهرة والناس” المصرية، يعتبر الاستنساخ في البرامج ليس ظاهرة منعزلة عن الاستنساخ من الغرب في كل المناحى، مشيرًا إلى أن هناك ما كان إيجابيًّا بل ما كان نهضويًا داعيًّا إلى تذكر أن الدعوة للنهضة العربية تأثرت في القرنين الماضيين بالدعوات إلى إحلال العلم وقيم الحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية، وهي قيم إيجابية نقلها مفكرون إلى الساحات العربية ولقيت مكانها في المجتمع.
ويقول: “كان غالبية أو بعض طليعة المفكرين العرب وهم ينقلون القيم الغربية إلى مجتمعاتنا ينقلون المبادئ الحاكمة ومحتواها لا مظهرها وتطبيقاتها، أو هكذا كانوا يحلمون”، لكنه يشير إلى أن من الطليعيين من نقلوا المظهر فقط ولم يركزوا على نقل المبادئ الحاكمة مع تطبيقها بما يناسب اختلاف المجتمعات، مؤكدًا أنه كان من المهم نقل القيم العلمية كطريقة تفكير، ومن ثم حياة تناسب جميع المجتمعات، منتقدًا على سبيل المثال نقل القيم الديموقراطية أو الحريات الاجتماعية كما هي، ساخرًا من الذي يهاجم الغرب وبيده ساعته وعلى فمه ميكروفونه وعلى أذنه هاتفه وفي بيته ثلاجته وتلفازه… إلخ.
وشبّه خالد هذا النموذج بأنه يرفض ما يعيشه أو يعيش ما يرفضه، وبالمثل عاد النقل والتقليد بشكل أو بآخر، ضاربًا المثل  ببعض مدعي التحديث والتطوير الذي يسرق الأفلام بل حتى “أفيش الفيلم” معتبرًا ذلك تطورًا، فهو يسرق أفكار المدربين في كرة القدم مثلاً، ويسمي ذلك مواكبة، وهو نفس
ه الذي يسرق “خلطة كنتاكي” ويصنعها في البيت ويقول: “كنتاكي عربي”، معتبرًا أنه لا أحد من هؤلاء أخذ المبدأ وتطور به. ويضيف خالد: الفضائيات عالم جديد على العرب السارقين، الذين لم يتمكنوا من الأخذ بمعايير الاقتباس، وحدوده المتعارف عليها عالميًّا، لكنهم سرقوا الأمر برمته من دون “فلترة” أو تعديل.
ويلقي خالد تهمة الاستنساخ على المجتمع بأسره، قائلاً: “الحقيقة أن الاستنساخ يكشف مجتمعًا، وليس صناعة الفضائيات فقط، التي أصبحت تخدع المجتمعات، لكن هناك برامج مستنسخة حققت نجاحًا لا لكونها مستنسخة، لكن لأن طبيعة البرامج مثل: “ذى فويس، وقوت تالنت “، هي برامج مصممة أصلاً لتناسب في مرونتها أى مجتمع، لكن لا أحد يستطيع بثــّها من دون شرائها من مصممها الأصلي وبنفس شروطها ولذلك فهى تنجح، إضافة إلى أن طبيعة هذه البرامج مثل “ذى فويس” تقدم لنا المفقود في مجتمعاتنا، حيث إن طبيعة الصراع تذكي حيوية التنافس وفكرة الانتصار، لذلك تنجح وربما يكون هذا هو الاستنساخ الجميل، لكن هذا الجمال يخفي وراءه كارثة .. إنه استثناء.

محـــــــمد بغــــــــدادي: “الطفل العربى هو المتضرر الأكبر من تعاطيه للبرامج المستنسخة التى تغيبه عن عروبته”.


في ذات الصدد يعتقد الكاتب الصحفي ومؤسس إحدى فضائيات الأطفال أن هناك أكثر من دافع لظاهرة استنساخ البرامج التلفزيونية، وهي على التوالى: أولها رغبة شركات الإنتاج في الربح السريع، ويأتي بعد ذلك الاستسهال والإفلاس وعدم الاستعانة بأصحاب الخبرة والمهنيين المحترفين في إنتاج برامج ذات خصوصية عربية في هذا المجال، ثم استبعاد وربما إقصاء خبراء الإعلام المتخصصين في هذا المجال، وأخيرًا غياب الرؤية والبصيرة الثقافية في تحديد العائد الثقافي الذي تهدف إليه هذه البرامج.
وحول مستوى جودة البرامج العربية المستنسخة يرى بغدادي أنه متفاوت، فهناك برامج يتم استنساخها مثل الأصل تمامًا، وربما تستعين شركات الإنتاج بمخرجين وفنيين من نفس الشركة التي أنتجت الأصل، وأحيانـًا تستخدم نفس (الفورمات) والتفاصيل والديكورات، وهذه البرامج ذات جودة عالية، وعادة ما تكون هي نسخة عربية تنتجها نفس الشركة الأم، وتعممها ليس في البلاد العربية فقط، بل تجد نظير لها في عدد كبير من الدول، على سبيل المثال برنامج “ذي فويس” أو أحلى صوت، وهو النسخة العربية من برنامج تلفزيون “الواقع الغنائي الهولندي العالمي The Voice” الذي تعود فكرة ابتكاره إلى “جون دي مول” عام 2010م، وهو من إنتاج “سوني بيكتشرز إنترتينمنت” وشبكة “تالبا الإعلامية”، ويتم تصوير النسخة الناطقة بالعربية للبرنامج في استديوهات “إم بي سي” في منطقة “ذوق مصبح” بالعاصمة اللبنانية بيروت، وهناك برامج مستواها أقل بكثير من مستوى البرنامج الأصل، وهناك ما هو سيئ للغاية مقارنة بالأصل، وكل هذا يتوقف على الإمكانات المادية والتقنية، ومستوى الإنفاق وسخاء الإنتاج أو فقره.
ويشير بغدادي إلى أن فكرة التعامل مع الفوارق الاجتماعية بين الغرب والعرب، تتوقف على شريحة الجمهور المستهدف، الذي تتوجه نحوه أعين الشركات المنتجة، فعندما تكون خطة البرنامج تستهدف تلقي مكالمات هاتفية من الجمهور، وهي المكسب الحقيقي والأرباح الطائلة التي يجنيها البرنامج من المتصلين، حيث تكون الدقيقة الواحدة بخمسة جنيهات ‒ في السوق المصرية ‒ فنحن نتحدث هنا عن ملايين الجنيهات التي تربحها البرامج الكبرى، وهنا لا تسأل عن الفوارق الاجتماعية والفكرية أو أسلوب المعالجة، فالشريحة المستهدفة هنا وهناك قادرة على ذلك، وهنا يتساوى المشاهد الأوروبي مع المشاهد العربي القادر على إجراء مكالمة واثنتين وثلاث…. وهكذا، أما الفوارق الحقيقة فكريًّا واجتماعيًّا فستجدها في الطبقات الفقيرة، والشرائح التى تحت خط الفقر، فهذه البرامج لا تعنيها، وهذه الطبقات ربما لا تمكنها ظروفها ومعاناتها اليومية من مشاهدة هذه البرامج، خاصة وأن معظم البرامج المستنسخة ترفيهية في الأساس الأول، وبالتالي فالشركات المنتجة لا تعنيها الفوارق ولا أسلوب المعالجة، لأن هذه البرامج تنتجها عقول وثقافة ليس على أجندتها هذه الشرائح التي يجب الانحياز لها اجتماعيًّا وفكريًّا.
ويعتبر بغدادي أن الطفل العربي يتعرض لمسخ مشوه من ثقافات أخرى، بوساطة البرامج المدبلجة، مستعينـًا بواقع تجربته الشخصية التي كان طرفًا فيها، ويقول: “منذ سنوات كنت مديرًا لإحدى قنوات الأطفال، وأطلقت قناة جديدة لطفل ما قبل المدرسة، وكانت القناة لديها خطة ثابتة لتقديم ثلاثة أنواع من البرامج: برامج جاهزة تشترى من شركات أجنبية ويتم عمل تعريب لها (الدوبلاج)، وهذه كارثة بكل المقاييس فلا ثقافتها تخصنا كعرب، ولا توجهاتها تعنينا كقناة بل تسيء لأطفالنا وتخرب عقولهم، وبرامج تنتجها شركات أجنبية لحساب القناة بتوجيهات من إدارة القناة، ومعظمها مستنسخ من برامج قنوات أجنبية لا تمت لثقافتنا العربية بصلة، وإن كانت إلى حد ما أقل ضررًا على عقول أطفالنا، أما النوع الثالث فكان ما تنتجه القناة داخليًّا من الألف إلى الياء ‒ من كتابة نصوص وإخراج، وكافة العناصر الفنية الأخرى ‒ وهذه البرامج التي كانت قائمة على رؤية متوازنة تخاطب الطفل العربي بكل فئاته الاجتماعية، وتحرص على تقديم مضمون يحقق الأهداف المرجوة”، ويضيف بغدادي: “لكن بكل أسف كانت هذه النوعية تمثل (20%) من المادة المقدمة على شاشة هذه القناة، و(30%) من البرامج يتم إنتاجها خارج القناة، والـ(50%) الباقية كانت من البرامج سابقة التجهيز وتشترى من شركات أجنبية ويتم ترجمتها إلى العربية”.
مؤكدًا أن الطفل العربي هو المتضرر الأكبر من تعاطيه للبرامج المستنسخة التي تغيبه عن عروبته، وتعيد صياغة وجدانه وفكره وثقافته بعيدًا عن الانتماء والولاء لبلاده ولثقافته ولعاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة.
على صعيد آخر، يرى بغدادي أنه لا توجد أزمة حقيقية في النصوص العربية، لكن هناك شركات منتجة تسعى إلى الربح، ويضيف: “لدينا خبراء وكتَّاب متخصصون في هذا المجال لا يتم الاستعانة بهم، بل يتم إقصاؤهم واستبعادهم لحساب أصحاب المصالح، الذين لا يرغبون في أن يزاحمهم أحد في هذه (الوليمة) التي ينفردون بها، ولا أحد يرغب في بذل مجهود حقيقي لإنتاج برامج ذات هوية عربية تخدم أهدافنا القومية، وتعبر عن ثقافاتنا وتؤكد انتمائنا لبلادنا.
أما المشاهد العربي، فيعتبره بغدادي مغلوب على أمره، وهو مضطر لأن يتعاطى مع ما يقدم له، وكل ما يملكه هو أن يضغط على زر القنوات بيده ليختار ما يحلو له من البرامج، ولكن الأثر السيئ والأخطر هو إفساد الذائقة الفنية للمشاهد، وإعادة ترتيب أولوياته، وصياغة وجدانه الثقافي وفقًا لما يقدم له من برامج مستنسخة لا يعتقد أن لها أهدافًا بريئة، بل معظمها يهدف إلى أشياء أخرى ليست بالضرورة واضحة ولكن بمرور الوقت ستكون عواقبها وخيمة.
وبشأن مستقبل البرامج المستنسخة على الشاشات العربية، يؤكد بغدادي أنه في ظل السماوات المفتوحة، أصبح العالم قرية صغيرة، وفي ظل النظام العالمي الجديد ومقتضيات العولمة “نحن جميعًا نحتاج لأن تكون لدينا رغبة أكيدة في الحفاظ على هويتنا العربية، وحريصون على ثقافتنا العربية التي يجب أن نلقنها للأجيال القادمة، وما لم تكن لدينا إرادة سياسية في نبذ هذه النماذج المستنسخة والسيئ منها على وجه الخصوص، فنحن أمة في خطر، ويجب علينا أن ننتبه ونسعى لأن تكون لدينا مؤسسات إعلامية تستوعب هذه الطموحات لتأسيس خطاب ثقافي عربي، ووضع رؤية إعلامية عربية تتمسك بتراثنا الحضاري وهويتنا العربية، حتى لا يأتي مـَن يحتل عقول الأجيال القادمة بثقافة مغايرة تعمل على تغييبنا عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

ريهام منيب: “العالم يبدع ونحن نحترف استهلاك خيال الآخرين”.


في ذات الصدد تعتبر الإعلامية ريهام منيب، المذيعة بقناة النيل الثقافية المصرية، أن العالم يبدع ونحن نحترف استهلاك خيال الآخرين، وتضيف: “هذا ما اعتدنا عليه خلال السنوات الأخيرة فيما يتعلق بصناعة الإعلام بخاصة، فالبعض يتصور أن استنساخ برامج أجنبية حقق نجاحًا مدويًا في الخارج هو الطريق الأسهل لضمان نسب مشاهدة عالية مرتبطة بسوق الإعلان، وهو المتحكم الأول في استمرارية برنامج من عدمه، من دون أي اعتبارات للمحتوى والقيم الإيجابية أو حتى الهدف من طرح هذه البرامج وتأثيرها في المشاهد العربي، فالأهم هو التسابق على الاحتفاظ بالمشاهد مثبتًا (الريموت كنترول) لأطول فترة ممكنة على قناة أو برنامج بعينه”.
وتعتقد منيب أن عددًا قليلاً من البرامج تعاملت مع قضية الاستنساخ باحترافية ولم تقع في فخ التقليد الأعمى لتعيد إنتاج نسخ مشوهة من العمل الأصلي، مستدلة على ذلك ببرامج اكتشاف المواهب المنتشرة الآن في العالم العربي، والتي تستغل أحلام الشباب الموهوب في تحقيق النجاح والشهرة السريعة، فتمنحهم فرص الظهور والنجاح الزائف وما أن تنتهي الحلقات حتى تخفت الأضواء وتتباعد الأحلام مهما كانت الموهبة لافتة، فتتحول إلى فقاعة هواء، ضاربة المثل: مـَن منا يتذكر نجوم المواسم السابقة من برامج (X Factor   أو Arabs Got Talent أو The Voice و Arab Idol) حتى الأصوات التي قدمت بعض الأعمال الناجحة سرعان ما توارت عكس ما يحدث في العالم، حيث أسهمت هذه البرامج في إحداث حراك فني حقيقي وأثرت في تغيير مسار نجوم كثيرين.
وتتهم منيب من قدموا برامج (الفورمات) أو المستنسخة بأنهم لم يلتفتوا لاختلاف المجتمع والعادات والذائقة للجمهور التي تختلف من منطقة لأخرى ومجتمع يحمل سمات تميزه، لذلك من ضمن البرامج التي تعرضت لانتقادات برامج مثل (Star Academy) فالبرنامج هو من برامج تلفزيون الواقع المنتشرة في الغرب والتي تقوم على فكرة المعايشة الكاملة للمشاهد في تفاصيل الحياة اليومية لأبطاله، لكن لم يراع القائمون عليه الهوية العربية والشرقية لمجتمعاتنا، فمن الصعب تقبل فكرة اختلاط الشباب مع الفتيات لشهور طويلة في نفس المنزل ومتابعة أدق التفاصيل ومشاهدة تجاوزات على الشاشة اعتبرها البعض صادمة ولا تتناسب مع العرف والتقاليد، لذلك لم تنجح بشكل عام برامج تلفزيون الواقع على الرغم من أنها في الغرب الأكثر شهرة وجماهيرية، أيضًا لم يتفاعل الجمهور مع بعض حلقات برامج مستنسخة تناولت الجنس أو الدين بشكل فج أو مناقشة قضايا خلافية تمس العقيدة أو الثوابت، فرد الفعل دائمًا ما يكون عكسيًّا.
وفي شأن البرامج المقدمة للمرأة وللطفل، تشير منيب إلى أنه في الوقت الذي تزايدت فيه نسبة برامج المرأة المستنسخة من برامج أجنبية قلت نسبة ما قدم للطفل، إلا إذا اعتبرنا أن كل المادة الموجهة للطفل العربي بالأساس مادة أجنبية سواء رسوم متحركة أو برامج مدبلجة، مما يشكل خطورة كبيرة على الهوية العربية، أما برامج المرأة فقد تحولت لبرامج جلسات نميمة بين أكثر من سيدة وهي موضة سائدة بعد استنساخ برنامج (view) الذي يعتمد على مائدة مستديرة تضم أكثر من امرأة في مجالات مختلفة يتحاورن عن أمور وقضايا آنية، فتم تحويله إلى (الستات ميعرفوش يكدبوا) (ثلاث ستات) (كلام نواعم) وعشرات النماذج الأخرى لتتطور المسألة لمجرد حالة من الثرثرة تتخللها فقرات إعلانية مدفوعة عن الأطباء أو منتجات تجميلية وسلع استهلاكية.
وتضيف منيب: “عندما تتجول بين أروقة أكاديمية الفنون في مصر أو شبيهاتها في العالم العربي، ستتواصل مع شباب مبدع لديه طاقة وأحلام وخيال ممتد قادر على ابتكار عشرات الأفكار وتنفيذ برامج أقرب لمجتمعنا وأكثر متعة وقدرة على الترفيه، ولكن مـَن الذي يمنح الفرص بعد سطوة الإعلان على كل شيء ومن يُسهم في الكشف عن هذه المواهب ويحرك الراكد”، معتقدة أن الحل في يد المؤسسات التابعة للدولة بعيدًا عن سيطرة رجال المال والأعمال.
إلا أن منيب لا تنكر أن بعض البرامج حققت نجاحًا كبيرًا وقت عرضها ونالت استحسان الأسرة العربية، مثل برنامج (مـَن سيربح المليون) الذي شاهده العرب لسنوات وصنع نجومية مذيع معروف هو “جورج قرداحي”، لكن عندما تم إعادة استنساخ نفس التجربة مع برامج المسابقات بأسماء أخرى لم تنجح، مما يؤكد أن الجمهور يتفاعل في البداية ثم يصاب بالملل من إعادة تكرار الفكرة لمرات، كما أن هناك بعض البرامج المستنسخة التي استمرت لسنوات بسبب طبيعتها القائمة على الأحداث الجارية واليومية، مثل (صباح الخير يا مصر) وأيضًا (صباح الخير يا عرب) تلك البرامج المأخوذة عن البرنامج اليومي الشهير (Good Morning America).
أما عن مستقبل هذه النوعية من البرامج، فتعتقد منيب أنها كانت مجرد “هوجة” استمرت لسنوات وبدأت تتراجع، وأبلغ دليل على ذلك حنين المشاهد لمشاهدة قناة (ماسبيرو زمان) على سبيل المثال، أو مشاهدة الإنتاج التلفزيوني في فترات سابقة بقدر كبير من الإعجاب وافتقاد هذا الشكل الذي خاطب ذائقة الجمهور بوعي، فصاحب الفكرة اقتبسها من بيئته وثقافته ومجتمعه ولم يفرضها على المتلقي واجتهد في البحث عن قالب مناسب، ففي الوقت الذي تمنح فيه البرامج المستنسخة المشاهد حالة من الإبهار المعتمد على الصورة، إلا أنها عادة ما تكون عالية التكلفة، لكن البرامج المحلية إذا قدمت بشكل متقن فهي غالبًا الأقرب إلى الروح.

محمد بهجت: “الدراما العربية في مجال الطفل من تضييق وعدم اهتمام”.


أما مدير تحرير جريدة الأهرام الشاعر محمد بهجت، فيعتبر أن من أهم دوافع استنساخ البرامج الأجنبية أن الأعمال الأجنبية، بخاصة التي تقدم للطفل سواء كانت دراما أو برامج، يعتني بها أشد العناية ويخصص لها ميزانيات كبيرة وطاقات فنية ضخمة، تتعاون معًا وتبذل كل خبراتها من أجل إنجاح العمل، ولهذا تصبح تلك الأعمال ذات مستوى فني وتقني ممتاز يغري بتعريبها، بالإضافة إلى ما تعانيه الدراما العربية في مجال الطفل من تضييق وعدم اهتمام، ليس أدل عليهما من توقف إنتاج التلفزيون المصري، وشركة صوت القاهرة، وقلة مادة الطفل عمومـًا في كل القنوات الخاصة.
كما أن انجذاب قطاع كبير من المتلقين، بخاصة الشباب والأطفال، للذائقة الغربية والتباهي باللغات الأجنبية، واللهاث خلف كل صيحات الموضة، وتحول الفنون نفسها إلى موضات، كل ذلك ساعد في جماهيرية البرامج الأجنبية وسعي المنتجين إلى تعريبها وأخذ (الفورمات) الجاهزة بدلاً من البحث عن الإبداع المكلف جدًّا، فضلاً عن المغامرة.
ويشير بهجت إلى أنه في بعض الأحيان تكون البرامج المستنسخة ناجحة جدًّا مثل (أراب جوت تالنت) أو (أراب أيدول) وما إليها، لكنه نجاح خادع لا يحقق تكافؤ الفرص الحقيقي في المسابقات، ولا يرتقي بالذوق العام ولا يؤدي إلى النهوض بالمستوى البرامجي في النهاية، مؤكدًا أن النجاح ينتمي إلى الأصل المقلد، وليس إلى التقليد، وأن البرامج المستنسخة تنجح بقدر الإنفاق والاعتماد على النجوم والشركات المعلنة، لكنها لا تحمل في داخلها قيمة أو فكرة مبتكرة يختبر مدي نجاحها. 
ونوه بهجت بأنه لا يوجد حرص على مراعاة الفوارق الاجتماعية أو الثقافية بين الشعوب، ولهذا تكون بعض البرامج ذات خطر شديد على مجتمع شرقي يحمل تقاليد مختلفة، ففي أحد برامج المسابقات التي كانت تقوم على إقامة المتسابقين من الجنسين معـًا فيما يشبه المعسكر، أثار مزاح الشباب مع الفتيات في غرفهن حملات نقد واسعة، وطالب البعض بمنع عرض مثل هذه البرامج، والحقيقة أنه داخل الوطن العربي الواحد اختلاف في العادات والتقاليد والثقافة، بل تختلف في نفس البلد ما بين الريف والمدن، وما بين المناطق البدوية والمناطق الحضرية.
ويشير بهجت إلى أنه عدم النظر في خصوصية الطفل العربي على الإطلاق، ويُعد دائمًا وعاءً للتلقي وليس عنصرًا مشاركًا في الإبداع والجدل الذي يجب أن يحدثه الفن، وحتى الأطفال الذين يشاركون أحيانـًا في التمثيل يكونون في قوالب ثابتة متمثلة في الطفلة التي تعرف أكثر من سنها، منذ فيروز الصغيرة وحتى اليوم، أو الطفل الشقي مثير المتاعب.
في ذات السياق يرى بهجت أن أزمة النص العربي أدت إلى الانسياق وراء الاستنساخ البرامجي والعكس، فكل منهما أدى إلى الآخر، وكل منهما جذب الحبل من ناحية، حتى انقطع الحبل ما بينهما أو كاد، وبالطبع إهدار قيمة مؤلف النص والتعامل معه على أنه “أرخص” العناصر الإنتاجية، وفي مجال الطفل خصوصًا يحصل على نصف أجر!!
كما يبدي بهجت أسفه للرواج الذي تشهده بعض البرامج المستنسخة، وأنها تُدعم بقوة من شركات الدعاية التي تسيطر على الميديا، ربما استسهالاً أو يأسًا من وجود الأفكار العربية النيرة، وربما –أيضًا- للأسف بسبب سيطرة فئة من أنصاف وأرباع الموهوبين على إدارة وعمل القنوات الخاصة، كل منهم يبحث عن أسرع وسيلة للنجاح من دون تكبد مشقة أو الدخول في مغامرة إنتاجية غير معروفة العواقب، أما عن حجم سوق المستنسخ فهذا يحتاج إلى دقة إحصائية غير متوافرة.
وحول تجربته الشخصية في هذا المضمار يقول بهجت: “الحقيقة أن لي تجربة مع تقديم القصص الديني في دراما جاذبة من خلال الرسوم المتحركة (قصص القرآن الكريم) التي لعب بطولتها الفنان الدكتور يحيى الفخراني، وقدمت (6) مسلسلات كل عمل من (30) حلقة، وحظيت بنجاح هائل فنيًّا وجماهيريًّا وإنتاجيًّا بحمد الله، لكنها في النهاية توقفت ولم تجد دعمًا وتركنا الساحة للأعمال المدبلجة التي غالبًّا لا توافق ثقافتنا، ولا تضيف إلى أطفالنا أي قيمة تربوية أو جمالية”، ويضيف: “لا أريد أن أفقد الأمل وأؤكد على اكتساح الأعمال المستنسخة وتنامي فرصها، ولكن للأمانة يجب أن أشير إلى أنه من دون تدخل المؤسسات الرسمية في الدول العربية لإنقاذ دراما وفنون الطفل وإنقاذ هوية البرامج المقدمة للجمهور فالخطر مستمر والقادم أسوأ”.

إيناس يعقوب: “الإفلاس الإبداعي سبب في تصدر البرامج الأجنبية للمشهد الإعلامي العربي”.


من جهتها أوضحت مخرجة الرسوم المتحركة البحرينية إيناس يعقوب، أن هناك عددًا كبير ًامن الدوافع التي تجبرنا على استنساخ أعمال أجنبية وتعريبها، وذلك بسبب الإفلاس الفكري، كما أنهم يرونها الطريقة الأسهل في عمليه الإنتاج، مشيرة إلى أن هذا القصور جعل المؤسسات الإعلاميه تهمش الأفكار الجديدة، والعمل على عدم تطويرها إلى جانب عدم إعطاء الفرصة للكتَّاب والمعدين  لتقديم أفكار تسعى إلى تطوير منهجية الفكر العربي.
ونوهت يعقوب بأن هذه البرامج لا تناسب مجتمعاتنا العربية لأنها بطبيعة الحال عندما تُعَّرب يكون هناك شروط للتعريب، معتبرة أن النسخ العربية للبرامج الأجنبية لا تقل في جودتها عن البرامج الأصلية، على الرغم من أنها لا تتواءم مع عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا. 
وفي هذا الصدد أكدت يعقوب على وجود فوارق بين المجتمعات العربية والغربية، وأنه لا يمكن دمج هذه المجتمعات بسبب الفوارق الاجتماعية العربية، لذلك يجب الحرص على الهوية الفكرية العربية، مضيفة: لا يجب أن يتم التركيز فقط على جودة الصورة، لكن على المحتوى أيضًا.
وبشأن تأثير البرامج المستنسخة على الطفل العربي، قالت يعقوب: إن الطفل العربي هو المتضرر الأساسي في انتشار هذه  الأعمال المستنسخة، لأنه لا يوجد عليها رقابة جدية، لها طابع تربوي، ولأن المنهجية المتبعة إعلاميًّا أصبحت غربية الهوى، وعلينا تغيير السياسات المتبعة خاصة فيما يتعلق بإعلام الطفل العربي.
واستدركت يعقوب موضحة أنه لا يمكن إغفال وجود منتج عربي متميز، معربة عن أسفها لعدم الاحتفاء بهذه البرامج من قبل الفضائيات، وذلك لسيطرة المحتوى الغربي، واللهاث خلف رغبات المعلنين وشروطهم التي أصبحت لها اليد الطولى في سياسات هذه القنوات، داعية إلى الاهتمام بالتوعية الإعلامية، والتحفيـّز على تسليط الضوء على الإنتاج العربي، بخاصة في مجال الرسوم المتحركة، وترى أنه يجب أن يكون لهذا المجال مساحة أكبر من الاهتمام، وأن يتم تشجيع الكتَّاب والمؤلفين لتقديم أفكار برامجية مبدعة تناسب مستوى وفكر الطفل الذي أصبح منفتحًا على العالم.
وبشان المشهد العربي الذي تسعى جميع الفضائيات إلى إرضائه، قالت يعقوب: إن المشاهد أصبح أكثر وعيًا من خلال انتقاء ما يشاهده، وأضافت أن الاتجاه نحو ضعف متابعة الفضائيات في ظل وجود برامج يمكن متابعتها إلكترونيـًّا عبر “يوتيوب” و”نت فليكس” وغيرها من التطبيقات الإلكترونية، وهو ما يزيد من حجم سوق البرامج المستنسخة.
واعتبرت يعقوب أن البرامج المعربة ليس لها هدف، معلقة “هنا لا أعمم” فأغلب البرامج أخذت الطابع المادي عند عرضها، كما أن المشاهد أصبح قادرًا على التفريق بين البرامج السيئة والبرامج الجيدة، وعلى الرغم من ذلك ما زال أصحاب القنوات يعتمدون في برامجهم على تسطيح عقول الشباب العربي، وهذا في حد ذاته هدم للثقافة العربية التي هي أساس  تطوير الأفكار البرامجية.
وبشأن مستقبل البرامج المستنسخة ترى يعقوب أنها مرحلة نمت في ظلِّ حالة الركود التي يعاني منها الإعلام العربي، بسبب الأحداث السياسية والاقتصادية، وتعتبر أننا في انتظار حالة انفجار فكري إبداعي سيسيطر على الإعلام العربي بفضل جهود الشباب ووعي المنتجين وشركات الإنتاج للتحيـّز للإنتاج العربي.
وفي ختام مشاركتها تمنت يعقوبي من الحكومات والهيئات والمؤسسات والبنوك أن تقوم بدعم الإنتاج العربي، وفتح الباب أمام كافة شركات الإنتاج بعيدًا عن فكرة احتكار السوق السائدة في بعض البلدان العربية، وهو ما سيسهم في تحقيق نهضة كبرى في الاقتصاد، وتحريك عملية التنمية المستدامة في مجال الإعلام بشكل واسع وسريع للنهوض اقتصاديًّا في مواجهة الإعلام الغربي، الذي يعتبر الإعلام مصدرًا للدخل، من خلال ما يدره بيع البرامج والأفلام والمسلسلات التي يتحمل تكلفة إنتاجها كم هائل من المستثمرين المؤثرين في هذا الاقتصاد.

صحافة البيانات عربيـًّا وخليجيـًّا .. متى تكتمل البدايات؟

صحافة البيانات لها جذور منذ عام 1950م، وقد عرفت بما يسمى بـ: “كتابة التقارير بمساعدة الحاسوب (CAR)” ثم تطور العمل الصحفي ليواكب تطورات العصر، مما أسهم في ظهور ما نطلق عليه الآن مصطلح “صحافة البيانات”.

وفي العالم العربي تحديدًا ظهرت صحافة البيانات في عام 2016م، على يد الصحفي المصري “عمرو العراقي” وهو مؤسس أول موقع متخصص في صحافة البيانات، وناشر لأكثر من (300) قصة صحفية مدفوعة بالبيانات، وقد كانت صحافة البيانات تظهر بشكل متكرر في المؤتمرات وفي الصحف الأكاديمية بدءًا من النصف الثاني من عام 2010م.

ويُعدُّ موقع “إنفوتايمز” لمؤسسه عمرو العراقي الأشهر في منطقة الشرق الأوسط، حيث ينشر أكثر من (300) رسم بياني غرافيكي و(29) رسم تفاعلي و(25) فيديو في (16) اختصاصـًا معرفيـًّا من مجالات الحياة العامة والعلوم، ويُعدُّ موقع “إنفوتايمز” وكالة حديثة في مصر لتصميم البيانات وعرضها في صورة بصرية تقوم على فلسفة واحدة وهي أن البيانات خُلقت للنشر.

وتتمثل مهام موقع “إنفوتايمز” في الوقت الراهن في تحسين مهارات الصحفيين العرب، ورفع وعي الصحافة العربية بأهمية صحافة البيانات، وكيف يمكن للصحفيين استخدام مجموعات البيانات وجداول البيانات، وقد أطلق هذا الموقع المتخصص في صحافة البيانات قسمـًا خاصـًّا يتيح من خلاله لمصممي وصحفيي البيانات أن ينشروا موضوعاتهم، إن كانت بصيغة تصاميم الإنفوجرافيك، أو ملفات وخرائط تفاعلية.

وفي الخليج تعتبر صحيفة “أبعاد” الإلكترونية (www.abaadnews.com) الأولى في استخدام صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي، إذ بدأت مشوارها في 26 مايو 2019م، بحيث تستخدم تحليل البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى الصحيفة.

في كثير من الأحيان يتمُّ استخدام مصطلح البيانات والمعلومات بالتبادل كمترادفين على الرغم من اختلاف معنى كل منهما، فالبيانات هي المادة الخام لأي عمل صحفي وتأخذ عادة شكل أرقام أو معطيات أولية يمكن جمعها حول موضوع محدد وهي نادرًا ما تكون مفيدة بمفردها، أما المعلومات فتختلف كليـًا عن البيانات إذ هي نتاج عملية تحليل وهي المرحلة التي يصل إليها الصحفي بعد الاطلاع على البيانات وتنظيمها وتحليلها.

يقول “فيليب ماير” الأستاذ غير المتفرغ بجامعة “شابل هيل” بأمريكا عن صحافة البيانات: “إنها مهمة لتصفية تدفق البيانات، فعندما كانت المعلومات شحيحة كانت كل جهودنا مكرسة لصيد الخبر وجمعه، أما الآن ومع وفرة المعلومات أصبحت معالجة الخبر نفسه أمر أكثر أهمية، ويتمُّ معالجة الخبر على مستويين: الأول تحليل لإيجاد معنى ووضع هيكلة لسيل البيانات غير المتناهي، والثاني عرض الخبر للحصول على ما هو مهم وذو صلة بالمستهلك، تشبه صحافة المعلومات العلوم، فهي تكشف أساليب عملها وتعرض استنتاجاتها بطريقة يمكن التحقق منها عن طريق تكرار الأساليب نفسها”.

وقد تم عقد مؤتمرين عربيين تحت عنوان: “من أجل صحافة بيانات متعمقة”، في مقر الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2018م، و”صحافة البيانات في غرف الأخبار العربية عام 2019م” بمقر الجامعة البريطانية في القاهرة.

وتُعدُّ صحيفة “الجارديان” البريطانية التي أطلقت في 2009م، ما أسمته “مدونة البيانات” أول مؤسسة إخبارية كبرى تبنت هذا المفهوم، ومع ذلك يحيط الغموض اسم أول من استخدمه، علمـًا أنه استخدم على نطاق واسع منذ كشف موقع “ويكيليكس” عن الوثائق الأمريكية المتعلقة بحرب أفغانستان.

خارطة عمل صحافي البيانات
تتسم خطوات العمل الصحفي لإعداد قصة صحفية مدفوعة بالبيانات سلسلة متتابعة من الخطوات المترابطة بدءًا من اختيار الفكرة ثم تصميمها حتى نشرها للقراء، وتحتاج كل مرحلة إلى مهارات محددة من الصحفي، منها:

1-اختيار الفكرة، وتحديد الرسالة الرئيسة، فجلسات العصف الذهني مع فريق العمل تساعد في تحديد الأفكار الجيدة، وتحديد الجمهور المستهدف، فكلما تمكنت من تحديد القارئ المستهدف كلما تمكنت من تحديد حجم البيانات وطبيعتها.

2- جمع البيانات وتحليلها، كلما كانت الفكرة أكثر تحديدًا والجمهور المستهدف أدق تفصيلاً كلما ساعد ذلك في عملية البحث عن البيانات وتحليلها من خلال البحث عن الترابط والعلاقات بين البيانات لجعلها أكثر تشويقـًا، كما أن ترتيب سياق القصة الصحفية بتسلسل يُسهم في إيصال الرسالة المحددة.

3-تصميم البيانات، رسم الهيكل الأساسي من خلال جمع البيانات ذات الصلة ووضع هيكل لعرضها باستخدام الأسهم وتحديد الاتجاهات وتوضيح علاقة بعضها البعض، وانتقاء الألوان يساعد في تسليط الضوء على النقاط المهمة، والخطوط – أيضـًا – في تصنيف المعلومات لأجزاء سهلة القراءة، مع الحذر من كثرة استخدامها لتجنب إرباك القارئ، واخيرًا الرموز أو العناصر البصرية لابد من اختيارها بعناية، فمن المهم أن تكون الرموز واضحة وتتناسب مع ثقافة الجمهور المستهدف.

4-مرحلة النشر؛ وهي المرحلة الأخيرة من القصة الصحفية، فالعنصر التشويقي مهم في العنوان أو مقدمة القصة الصحفية، لأنها تكشف للقارئ مدى أهميتها، وتوقيت النشر عنصر مهم لجذب القارئ فكلما ارتبطت القصة بالأحداث الجارية كلما ارتفعت نسبة مشاهدتها.

وهناك جدل كبير أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي مصادر موثوقة من عدمه، لكنها بطبيعة الحال هي مساحة يمكنك من خلالها الاطلاع على آراء الناس، لكن لا تعتمد على أرقام تمَّ تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن تعود لأصلها، مهما كان منصب الشخص الذي نشر المعلومة، فالدور الذي يمكن أن تؤديه مواقع التواصل الاجتماعي  يسهل عليك الالتقاء بأشخاص لديهم الاهتمام  بالمجال نفسه الذي تكتب عنه، أو أشخاص لديهم اطلاع على مستجدات كثيرة قد تطلب التواصل معهم وتستفيد من خبرتهم، وبعضهم قد يكون أكاديمي لديه  أبحاثه الخاصة التي قد تفيدك.

صحافة البيانات .. مـَن يعلق الجرس؟
عمرو العراقي: لابد للصحفيين من مطالبة مؤسساتهم باستخدام صحافة البيانات
عمرو العراقي صحافي مصري عمل على نشر أكثر من (300) قصة صحفية مدعومة بالبيانات، وفي عام 2012م، انطلق للعمل الحر وأسس أول موقع متخصص في صحافة البيانات في العالم العربي (Infotimes)، عمل العراقي لأكثر من عشر سنوات في غرف الأخبار الكبرى في موقع (MBC) وموقع (yahoo)، كما أسهم في تدريب عدد من الصحفيين على تصميم البيانات بالتعاون مع (BBC Media Action) وشبكة (Internews Europe). . !

وبادئ ذي بدء سألنا عمرو العراقي .. كل هذا الشغف توجته بمؤتمر دولي يقام سنويــًّا في القاهرة تمَّ إلى الآن إقامة دورتين منه، ما مدى استفادة الصحفيين من هذه اللقاءات السنوية؟

 أجاب: المؤتمر العربي لصحافة البيانات في دورتيه الأولى والثانية، والذي نظمناه بشكل متتابع حيث أقيم المؤتمر الأول في مارس عام 2018م، وتبعه المؤتمر الثاني في مارس عام 2019م، ما نطمح إليه في الدورة الثالثة من المؤتمر المزمع انعقاده في مارس 2020م، هو أن يضم المؤتمر مجموعة من المتخصصين بحجم أكبر من العالم العربي، ونسعى أن يكون هناك عامل تأثير للمؤتمر.

لقد عُقد المؤتمر في  دورتين سابقتين، وكان الهدف منهما إيجاد حالة من الوعي بأهمية صحافة البيانات، لذا فإن خطتنا ورؤيتنا للمؤتمر القادم أن نصنع تأثيرًا أكبر يتخطى إطار الوعي ويصل بنا إلى مرحلة الإنتاج والتنفيذ، وأيضـًا يسعى المؤتمر القادم إلى عقد جلسات عملية وحوارية، وإعطاء مساحة للتطبيق، وإنتاج قصص صحافية مدفوعة بالبيانات في العالم العربي، كما نأمل أن ينضم إلينا شركاء من المنطقة العربية سواء كانوا غرف أخبار أو مؤسسات شريكة تقدم خدمات لها علاقة بالتعامل مع البيانات أو إنتاج أدوات تسهل عملية تحليل البيانات ومعالجتها للصحفيين والباحثين.

هناك نقطة جدلية أخرى نتطلع إلى تعرّف رأيك حولها، وهي وجود تشابه بين صحافة البيانات والصحافة الاستقصائية.
في رأيي لا يوجد فرق بين أنواع الصحافة، أنا من الأشخاص الذين يميلون إلى أن تكون هناك مصطلحات كثيرة منشقة من الصحافة، مثل: “صحافة الموبايل، صحافة الفيديو، صحافة البيانات، صحافة الإنسان، والصحافة الاستقصائية”، في النهاية أنا أنظر إلى أن العمل الصحفي هو عمل صحفي مهما كانت الآلية والوسيلة التي يتمُّ من خلالها نشر هذا العمل.

ثم أن الصحافة مهمتها العثور على القصة ثم سردها للجمهور، وليس هناك اختلاف بين صحافة البيانات والصحافة الاستقصائية، كلاهما يتّبعان نفس المنهجية بوضع فرضية للتحقق منها، لكن ما يجعل صحافة البيانات مختلفة قليلاً أو نسبيـًّا هو أن المصدر الأساس للقصة الصحفية هو البيانات، والصحفي الاستقصائي يتبع منهجية بالبحث للوصول إلى أدلة تثبت فرضيته، وأيضـًا صحفي البيانات يتبع منهجية تقوم على البحث، لكن كلاهما يتبع مصدرين مختلفين الصحفي الاستقصائي يعتمد على العنصر البشري أكثر من صحفي البيانات الذي يتعامل مع الجداول والأرقام، وهناك دمج كبير بينهما بخاصة أن كل القصص العالمية الاستقصائية التي تمـَّت خلال الأعوام الثلاث الماضية قائمة على البيانات (وثائق بنما) وغيرها من التسريبات أو القصص الصحافية الاستقصائية التي كانت مبنية في الأساس على حجم ضخم من البيانات.

الاستنساخ في برامج المرأة والـ(توك شو) العربية.. نسخ مقلدة وأفكار متشابهة

معظمها خلت من الإبداع وافتقدت إلى الابتكار
ريما شهاب: استعراض القضايا التي تخصُّ  المرأة وحقوقها في المجتمع هو الأهم.
كلام نواعم .. نموذج قلدته العديد من الفضائيات العربية.
جاسمين طه زكي: نتابع النساء الناجحات ونستعرض نماذج منهن لتحفيز المرأة.
سيد محمود: عصر الـ”توك شو” أوشك على الانتهاء.

هناك العديد من القوالب البرامجية المتعارف عليها عالميًا، لكن الأمر ليس نمطيـًّا، بل هو يعتمد على كيفية إبداع برنامج مختلف عن الآخر، برنامج يقدم محتوى متميز في صورة جديدة مبتكرة، ما يتيح للمشاهد متعة ممتزجة بالمعرفة، بدلاً من الاستهلاك الروتيني، الذي لا يستفيد منه المتابعون.
وفي العالم العربي، تكتظ الفضائيات الخاصة والحكومية ببرامج مختلفة، تشكل في بعض الأحيان جعجعةً بلا طحين، بخاصـّة إذا لاحظنا أنها أقرب إلى المحاصصة، بمعنى أن يكون هناك حصة متعارف عليها لنوعية معينة من البرامج، تكاد تقدم بذات الشكل بل وبنفس المضمون تقريبـًا.
من هذه النوعية الملفتة، برامج المرأة، وبرامج الـ “توك شو”، والتي لا تخلو منها قناة تلفزيونية، لكن نوعـًا من الاستسهال يغلب على الإنتاج البرامجي في هذين المجالين، وهو ما نستعرضه في هذه القضية.

برامج المرأة
حصة متساوية تقريبـًا، تخصصها الفضائيات لبرامج المرأة، وهو أمرٌ ليس بجديد، ويعتبر نافذة لاهتمامات المرأة العربية، لكن الجديد هو أن الفضائيات صارت تقدم برامج مستنسخة من دون محاولة للابتكار أو إبداع رؤى مختلفة، سواء في تقديم البرامج وموضوعاتها، أو حتى قالبها البرامجي.
بلغ الأمر حد عناوين البرامج المتشابهة، فعلى سبيل المثال، تتشابه البرامج المصرية التي لم تخلّْ غالبية عناوينها من كلمة “ستات”، ومنها: برنامج “الستات ما يعرفوش يكدبوا” الذي يذاع على قناة “سي بي سي”، وبرنامج “كلام ستات” الذي يذاع على قناة “أون تي في”، وبرنامج “3 ستات” الذي يذاع على قناة “صدى البلد”، إضافة إلى برنامج “السفيرة عزيزة” الذي يذاع على فضائية “دي إم سي”.
العجيب أن البرامج الأربعة يتمُّ إذاعتهم في أوقات متقاربة، وهي مبالغة في التنافس بين تلك القنوات، على الرغم من أن جميعها يقدم فقرات متشابهة أيضـًا.
عربيـًا، هناك برامج لم تخرج عن إطار المألوف، أشهرها برنامج “كلام نواعم” المذاع عبر فضائية “إم بي سي”، والذي يمكن اعتباره العباءة التي خرجت منها البرامج الأخرى.
وعلى نفس النسق تقدم قناة الحرة برنامج “هُنَّ” الذي يسير على نفس النهج من من دون تغيير يذكر.
فهل تحولت هذه البرامج إلى شكل نمطي كأنه مقرر تنفيذه؟!
أم أن الأمر  أصبح تقليدًا لبرنامج “كلام نواعم” الذي حقق شهرة كبيرة فور إطلاقه!.
في هذا الصدد تقول الكاتبة اللبنانية ريما شهاب: “الأهم في رأيي هو اهتمام برامج المرأة بالقضايا المتعلقة بحياتها الاجتماعية، وكيفية تمكينها، والدفاع عن حقوقها، وهو ما نفتقده في البرامج التلفزيونية النسائية”، معتبرة أن المرأة لا تهتم بالماكياج والموضة والطبخ فقط، ولكنها أصبحت منخرطة في الحياة العملية بشكل كبير، وصارت تواجه تحديات كبيرة، من الواجب أن تستعرضها هذه البرامج، وتُسهم في وضع حلول لها، وتكون بمثابة منبر للدفاع عنها.
ولفتت شهاب إلى أن المرأة بحاجة إلى مضمون يغذي ثقافتها ويضيف إلى معلوماتها، وهي ليست منغمسة في الطعام والأزياء وأدوات الزينة فقط، بل هي –أيضـًا- تهتم بشئون المجتمع من حولها، والمهم الإشكاليات التي تكون طرفــًا فيها، وتكون بحاجة إلى طرح حلول ومعالجات لهذه القضايا التي تشكل جزءًا مهمـًا من حياتها.




“كلام نواعم”.. نموذج خليجي

برنامج “كلام نواعم” حواري يتناول قضايا اجتماعية متنوعة خصوصًا عن المرأة وشؤونها، وتقدمه مجموعة مميزة من المتخصصات في مجالات عدّة، وهن: “منى أبو سليمان، ونادية أحمد، ومهيرة عبد العزيز، وسالي عبد السلام، وهالة كاظم،
ود. نادية التميمي وسمر المقرن”. 
في كل حلقة تطل (4) خبيرات منهن ليقدمن الحلقة، كما نتابعهن في تجارب ميدانية على الأرض، تتضمن كل حلقة موضوعًـا واحدًا يتناوَلنَه من جميع النواحي مع ضيوف مختصين في موضوع الحلقة أو لهم تجربة خاصة في السياق نفسه. 
حلة كلام نواعم الجديدة، تهدف لبث رسائل إيجابية لتلهم المشاهدين، ما يميز هذا البرنامج قدرته على تقديم مادة إعلامية في ثوب شائق يجذب المهتمات من كافة المستويات الثقافية والتعليمية.

قناة “أبو ظبي” تغرد خارج السرب

تخصص قناة أبو ظبي لمتابعيها من النساء البرنامج الواقعي (The Influencers) أي “المؤثرات”، الذي يرافق كل من ثريا شوقي، ومرمر الهلالي، ومثايل العلي، وياسمين الدخيل، في مشوار حياتهن، ويستعرض المواقف والمفارقات التي  مررن بها بأسلوب برامج تلفزيون الواقع، حيث يتناولن العديد من مواضيع الحياة والمجتمع التي تخص المرأة، ودورها الاجتماعي.
الجديد في هذا البرنامج أنه يجمع سيدات من جنسيات مختلفة، لكل منهن نجاحات في تخصصها، كما أن البرنامج، يعرف المتابعين باهتمامات مقدمات البرنامج بعيدًا عن أنشطتهن المعروفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إنه قالب برامجي خارج المألوف عربيًا يتيح للمرأة الإبحار في عوالم مختلفة تهمها لكنها بأسلوب شائق، به كثير من الألفة.

“السفيرة عزيزة .. نموذج مصري”

من جانبها دافعت الإعلامية جاسمين  طه زكي، التي تشارك في تقديم برنامج “السفيرة عزيزة” عن هذه النوعية من البرامج، قائلة: “نقدم في برنامجنا كل ما يهم الأسرة وليس المرأة فقط، ونناقش مشكلات التعليم، الصحة، التربية، المظهر، الماكياج … إلخ”.
وأضافت: “نحاول التركيز على نماذج المرأة الرائدة في كافة المجالات، لنعطي أمثلةً إيجابية في شتى المجالات، من المبتكرات وحاصدات الجوائز”، مشيرة إلى أن البرنامج يناقش – أيضـًا – علاقة الرجل بالمرأة، والعمل على فتح أبواب الحوار الدائم بين الطرفين.
وأكدت زكي أن “السفيرة عزيزة” يحاول الخروج عن المألوف، من خلال الاستعانة بنموذج من ذوي القدرات الخاصة للإسهام في تقديم البرنامج، وهو سبق يحسب للبرنامج بحسب وصفها.
وحول سُبل تطوير البرنامج نوهت بأنهن يحاولن التواصل مع ما يجري في الشارع المصري، من خلال فتح باب الاتصالات لتعرّف رأي المرأة المصرية في القضايا التي يتصدى لها البرنامج، إلى جانب المشاركة في المبادرات الحكومية والأهلية التي تستهدف صحة المرأة، مثل: مبادرة مكافحة مرض سرطان الثدي، إضافة إلى دعم ما تقوم به الدولة من مجهودات في مجال الارتقاء بالصناعة على سبيل المثال، وتحفيز المرأة على الدخول في مجال الإنتاج والصناعات الصغيرة.
وهو ما يشكل – حسب قولها – دافعـًـا وحافزًا للمرأة العاملة.

هوامير الإعلانات تفرض رغباتها

ليس خفيًا أن نوعية المضمون البرامجي تتوجه وفقـًا لبوصلة الإعلانات، وهي التي تحدد التوجه إلى حد كبير، وبالتالي فإن أحد أسباب اهتمام برامج المرأة بالأزياء والزينة، وأدوات الطبخ، هو إتاحة الفرصة لمزيد من الإعلانات ذات الصلة، والتي تحقق عوائد اقتصادية وأرباحًـا للقناة.
إن لهاث الفضائيات التي تتنافس لاقتناص أكبر حصة من الإعلانات، يجعلها أكثر شراسة في اختيار موضوعات تجذب المعلن، وتغازل اهتماماته، بل إن البعض لا يحاول المواءمة بين أهداف الربحية، والأهداف الإعلامية، لكنه ينجرف خلف هذا اللهاث الذي ازداد في السنوات الأخيرة، وتسبب – أيضـًا – في التنافس الكبير على أجور مقدمي البرامج من النجوم، لأن اسم مقدم البرنامج يدخل – أيضـًا – في حسابات المعلن، بل إن نوعية الضيوف الذين يحلـّون على البرنامج له – أيضًا – من حظه نصيب، وهي حسابات معقدة، لا يصب معظمها في مصلحة المشاهد، بل يتحول البرنامج إلى “موديل” تسير في إثره الفضائيات الأخرى، طمعـًا في الحصول على جزء من الغنيمة.
ومن الجدير بالقول إن القنوات التلفزيونية التي تحرص على تحقيق التوازن وإعلاء مصلحة المشاهد في المقام الأول، هي القنوات الرسمية للدول، وبالتالي فهي التي بإمكانها أن تخرج من هذا النفق الضيق إلى فضاء أكثر رحابة واتساعـًا.

برامج أجنبية تغرد خارج السرب

على صعيد آخر، فإن برامج المرأة عالميًـا تحاول الخروج بعيدًا عن النمطية، بل والبحث عن المصاعب التي تواجه المرأة في بعض الأحيان، من خلال التحقيقات الاستقصائية التلفزيونية، ومن بين هذه البرامج على سبيل المثال البرنامج الذي يذاع على قناة (BBC)، حيث تسافر مقدمته “أنجيلا ريبون”، التي كانت أول من يستضيف (Top Gear) إلى أيرلندا الشمالية لمقابلة النساء اللواتي يعشن حياتهن على الطريق المفتوح خلف عجلة قيادة الشاحنة، واللواتي لا يكتفين بالقيادة فقط من أجل لقمة العيش، فهن يقضين عطلات نهاية الأسبوع في مهرجانات الشاحنات في جميع أنحاء البلاد، ويتنافسن على الجوائز مع سياراتهن الضخمة، وهو نموذج من البرامج التي تتمكن من الإمساك بخيوط تجارب جديدة ومغامرات تخوضها المرأة من أجل البحث عن عمل يدر دخلاً.
إن برامج المرأة يجب ألا تعنى بالموضوعات المباشرة فقط، فهناك ربات البيوت من غير المتعلمات واللاتي يشكلن النسبة الأكبر في المشاهدة، بحاجة على سبيل المثال إلى فقرات تعنى بمحو الأمية، والصحة النفسية، وكيفية معالجة المشكلات البيئية كالتلوث، والنظافة، والمياه الصحية، وغيرها من الموضوعات التي تشكل أهمية كبرى، بعيدًا عن فقرة “الطبخ” و”الموضة” المعتادة.

برامج المرأة باب مغلق .. ممنوع الدخول

من الملاحظ – أيضًا – أن برامج المرأة في القنوات العربية، تعتبر أنها تتحدث عن المرأة وإلى المرأة، بينما المرأة هي جزء لا يتجزأ من المجتمع، وبالتالي فإن حقـّها في المعرفة، لا يقتصر على اهتماماتها الشخصية فقط، بل هي في حاجة إلى معلومات متنوعة المصدر والموضوع، فما المانع في أن تضم هذه البرامج معلومات عن السياسة والاقتصاد والأحداث الجارية، بخاصة أن المرأة طرف أصيل في كافة هذه المجالات، فالمرأة أصبحت في عالمنا العربي، وزيرة، وسفيرة، وتقلدت أرفع المناصب، وبالتالي فهي شريك أساسي في صناعة الخبر، قبل أن تكون مجرد متلقِ يتابع ما يقدم له من وجبات إعلامية لا شأن له بمحتواها.

“التوك شو” استنساخ لا تجديد فيه

لا ينطبق هذا التكرار على برامج المرأة فقط، بل طال غالبية البرامج المتنوعة، منها – أيضًا – برامج “التوك شو”، ففي الفضائيات المصرية، نجد بدءًا من التاسعة مساءً حزمة برامجية تدور في ذات الفلك، مثل برنامج “كل يوم” المذاع على قناة “أون تي في”، ويقدمه حاليًا الإعلامي وائل الإبراشي، وكان يقدمه الإعلامي عمرو أديب، الذي انتقل إلى فضائية “إم بي سي مصر” ليقدم ذات الفكرة بعنوان مختلف في برنامج “الحكاية”، وفي نفس القناة يقدم الإعلامي شريف عامر برنامج “يحدث في مصر” الذي لا يختلف كثيرًا، ومن خلال قناة صدى البلد يتمُّ تقديم برنامج أحمد موسى “على مسؤوليتي”، بينما تذيع قناة “سي بي سي” في ذات التوقيت برنامج “هنا العاصمة”، وفي فضائية “دي إم سي” يذاع برنامج “مساء دي إم سي” الذي يناقش ذات القضايا والموضوعات.

نهاية عصر الـ “توك شو”

في سياق آخر، يعتبر الكاتب الصحفي سيد محمود، الذي شارك في إعداد العديد من برامج “التوك شو”، أنه لا يمكن تمييز برامج التوك شو الآن، فقد أصبحت هذه البرامج ضحية التكرار وتكاد تكون نسخـًا متكررة متعددة المواعيد مثل الصحف التي تصدر بعدة طبعات، وبالتالي لا يمكن القول بوجود منافسة، فالتنافس كان مرهونــًا في الماضي بتنوع أشكال المعالجة وهو أمر غير موجود الآن، ومع غياب الأساليب المختلفة، لم يعدّْ الجمهور معنيـًا بالمذيع بخاصة بعد ترهل أداء الغالبية، بخاصة مع تحول النجوم إلى وعاظ أكثر من كونهم إعلاميين وبعضهم يتجاهل “الاسكريبت” كليًا وينظر لنفسه كصاحب رأي، وهذا انحراف لافت انتهى لكارثة، حيث لم يعدّْ المذيع  ملتزمـًا بالمسافة المهنية التي تمكنه من إدارة حوار ناجح.
ويقول محمود: “أعتقد أن التوك شو انتهى مع نهاية صحافة الرأي وتحول الكُتَّاب إلى كتاب دعاية”.
ويضيف: “من جانب آخر فإن تحديات السوشيال ميديا التي جعلت التلفزيون يعيش على الفتات الذي تقدمه، فغابت القصة التلفزيونية القائمة على الاستقصاء، منوهـًا بأن التركيز علي برامج اليوتيوب ذات المحتوى القصير سيغير من شكل الصحافة التلفزيونية مستقبلاً، باتجاه القصص الاقصر والتي تحتاج إلى “فورمات” بديلة، وكما أحدث “نت فيلكس” طفرة في نوعية معينة من الدراما، سنعيش ما يسميه الخبراء نهاية التلفزيون لصالح الإنترنت، حيث المشاهدة في مواعيد مختارة وليست إلزامية كما يحدث الآن”.

البرامج الأجنبية تنجح في التنوع وتحقيق المنافسة الإيجابية

فاز  البرنامج الذي تقدمه الممثلة الكوميدية “ألين دي جينيريس شو” (The Ellen DeGeneres Show) كأفضل برنامج “توك شو” في عام 2018م، وهو برنامج حواري كوميدي.
التميز في هذه النوعية من البرامج يأتي من التنوع في صيغة المادة الإعلامية المقدمة سواء من خلال تقديمها بشكل كوميدي، أو التنوع في الضيوف الذين يستضيفهم البرنامج لإضفاء صبغة ترفيهية خلال مدة البرنامج، وهو ما يجعل هذه البرامج الأكثر متابعة عالميـًّا.
وكما ذكرنا فإن هذا الزخم في برامج الـ “توك شو” الأمريكية على وجه التحديد، يجعل لكل منها مذاقـًا خاصًّا، وإن كان مقدم البرنامج هو البطل الذي يتمكن من قيادة دفة الحوار بالشكل الجاذب.
وفي ذات الصدد يتم تقديم برنامج “كونن” (Conan) وهو برنامج حواري مسائي يُبثّ على قناة “TBS” في الولايات المتحدة الأمريكية، ويستمر لساعة واحدة، عرض لأول مرة في 8 نوفمبر 2010م، يُقدمه الكاتب والكوميدي كونان أوبراين، ويرافقه “مساعده” أندي ريكتر، يستمد كونن نكاتهُ الكوميدية من القصص الإخبارية الحديثة ويستضيف في كل حلقة عددًا من الشخصيات السياسية البارزة والمشاهير.

الـ”توك شو” بين التعريب والتغريب

قد يرى البعض أن نوعية التناول في برامج التوك شو في الغرب وأمريكا، قد لا تتناسب مع طبيعة المشاهد العربي، وهو أمرُ لا يمكن إنكاره لكن الغرض من هذا الطرح هو تقديم أمثلة على أفكار تأتي من خارج الصندوق التقليدي، ومحاولة للبحث عن حلول جديدة وتناول جديد، وهو ما يجعلنا نستحضر آفة النقل التي تقع فيها بعض البرامج العربية، وعدم البحث عن أساليب أكثر إمتاعـًا للمشاهدين، ناهيك عن إشكالية تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت وسيلة إعلامية أكثر انتشارًا وذيوعـًا، لكنها في المقابل لا تحظى بمعايير الإعلام الصحيح، من مصداقية ومهنية، وبالتالي فإن النقل عنها من خلال البرامج التي تقدم بصفة يومية على وجه الخصوص، والتي تبحث عن مواد يومية يمكن تقديمها من خلال البرنامج، فيتم النقل عن وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يتسبب في انتشار بعض الشائعات البعيدة عن الحقيقة في كثير من الأحيان.
الأمر الآخر أن البرامج التي تقدم في أمريكا على سبيل المثال، لا تقتصر على موضوعات تهم المواطن الأمريكي فقط، بل إنها تتعرض لأحداث تجري في أنحاء متفرقة من العالم، مستخدمة في ذلك شبكة مراسلين واسعة، تنقل الخبر صوتـًا وصورة، وهو ما يجعل المشاهد يعتمد على هذه البرامج في استقاء معلومات عمـّا يجري حوله في العالم، وهو أمرُ لا يتوافر لدينا سوى في بعض القنوات الإخبارية الاحترافية.

رقمنة الإعلام

منذ أن بدأت الثورة الرقمية وتطورت في القرن العشرين، اختلفت مفاهيم كثيرة وسلوكات عدة، منها تعاطينا مع مجريات الحياة، ووسائل تواصل المجتمعات، بالإضافة إلى أنها أحدثت نقلة نوعية كبيرة في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وعلى كافة الأصعدة كالمقروء والمسموع والمرئي، مع ظهور وسائل إعلام جديدة، وهذه النقلة جلبت معها أدوات عديدة تزامنت مع هذا التطور الهائل، وتأسست منها شركات واقتصاد وقوانين.

الإعلام التقليدي
كان الإعلام التقليدي ومازال هو سيد الموقف، فالإعلام التقليدي يكتسب صفة المنشأة الرسمية، ذات المصادر الموثوقة، وذات كيان يعمل من أجل تقديم رسالة إعلامية للجمهور، ومع بداية التطور الذي نشهده، نجد بأن الإعلام التقليدي، كالتلفاز والصحف والإذاعة، بدأ بمواكبة التطور في هذه الثورة العالمية، حيث بدأت بعض القنوات التلفزيونية ببث محتواها عبر الإنترنت، والإذاعة انتقلت من الموجة (AM) لموجات (FM)، ثم تطورت الإذاعات فأصبحت تبثُّ عبر الإنترنت والأقمار الصناعية والبثّ عبر نظام (DAB) لمنافسة بثّ إذاعي عالي الجودة يتفوق على الملفات الصوتية من الأسطوانات، مع ميزة التشفير.

والتطور في التقنية يؤدي إلى تغيير سلوكات عرض المحتوى الإعلامي والجمهور المستقبل، ففي مقارنة بسيطة على سبيل المثال بين موجة (AM) المتقطعة وموجة (FM) الأكثر وضوحـًا، كان مذيع الأخبار سابقـًا على موجات (AM) يقرأ الخبر بطريقة بطيئة كي لا يفقد المستمع بعض الحروف من الكلمات، فهي موجة غير مستقرة، ومع التطور وانتقال الإذاعات إلى موجات (FM) بدأ الطابع الحيوي والسريع والترفيهي في الأداء، فهي موجات أسرع ولا يتم فقدان الصوت فيها كما يحدث في الموجة السابقة، وفي الرسم التوضيحي نرى شكل الموجتين:

ينطبق هذا المثال كذلك على الصحيفة الورقية المقروءة، وكيف تحول الخبر من ورقة إلى صفحة إلكترونية، إلى تغريده! فالوسيلة أحيانــًا هي من تحكم طريقة تعاطينا معها وسلوكنا وسلوك الجهة الإعلامية.
وكذلك الحال في التلفاز حينما تحول من برنامج كامل إلى مقطع “موشن جرافيك” قصير لا يتعدى الدقائق الخمس!
وهذه مجرد أمثلة يحيطها كثير من التفاصيل من ناحية تأثيرها، وتواجدها، وأهميتها.

الإعلام الرقمي
تتواجد أغلب إن لم تكن جميع الوسائل الإعلامية عبر الإنترنت، مواكبة لهذه التطورات، بالإضافة لظهور وسائل إعلامية متخصصة تأسست كمفهوم جديد ضمن الإعلام الرقمي الحديث كتخصصات محددة، ومنها على سبيل المثال حسابات إخبارية تتواجد على منصة “تويتر” فقط، وحسابات متخصصة بنشر الأخبار في صور ذات معلومات، وهو ما يعرف بـ”إنفوجرافيك”، وحسابات متخصصة بطرح موادها عبر التصوير بالفيديو، أو “موشن جرافيك”، بالإضافة إلى منصات متنوعة ما بين مواقع مستقلة بحدِّ ذاتها أو عبر منصات لشبكات اجتماعية، وفي الحالتين تمتلك كافة المنصات الرقمية مميزات ربما تتفوق على الإعلام التقليدي في بعض النواحي، مثل سرعة الوصول، ورصد وتحليل ومعالجة زوار المنصة واهتماماتهم وتحديد الجمهور المستهدف، والخيارات تتشعب أكثر.

الأدوات المساعدة
تمتاز الثورة الرقمية بعوامل قياس وتحليل وإدارة المحتوى الخاص بالمنصات الإعلامية، حيث كان الإعلام التقليدي يعتمد على بعض مراكز الأبحاث والدراسات ليتعرف على قوة انتشاره وتأثيره وتواجده، وتختلف تلك المراكز في طريقة رصد وتحليل النتائج المطلوبة، منها ما يستخدم برامج تمَّ تطويره حصريـًّا ويعتمد على بعض الخوارزميات والبرمجيات، ومعظمها يعتمد على الاستبانة الموجهة لمجموعات بشرية موزعة، تلك طرق عديدة، فهي وإن كانت صحيحة أو قريبة للدقة، إلا أن الثورة الرقمية أتاحت حتى للفرد أدوات رصد وقياس من السهل الحصول عليها، وقد تكون متوافرة مجانــًا ومتاحة للجميع.

هناك كثير من المنصات التي يستطيع الفرد أو المنشأة أو الوسيلة الإعلامية الاستفادة منها لتقديم تحليل يساعد على تعرّف أدق التفاصيل، ويساعد على اتخاذ القرار الصائب، فبعض المنصات الرقمية توفر لك إحصاءات وتحليلات، وهناك منصات أخرى متخصصة تقوم بتقديم تحليلات متقدمة وتفصيلية عن الانطباع ومدى الانتشار وماذا يقال عن الوسيلة الإعلامية وكم مرة تمَّ ذكرها، ومنها على سبيل المثال الأداة التي يوفرها “تويتر” وتعرف بـ(Twitter Analytics) حيث تقدم لكل حساب تحليلات مجانية مثل: عدد الزيارات للحساب خلال شهر، أعلى تغريدة حصلت على انطباعات، وأعلى تغريدة مشاهدة، وعدد مشاهدات مقاطع الفيديو المرفقة بالتغريدة، والعدد الإجمالي للانطباع للحساب، ومع ذلك فهذه الأداة التي يوفرها “تويتر” ليست كأدوات الرصد والتحليل التي توفرها المنصات الشاملة والتي تمكّن وسائل الإعلام من تطوير محتواها.

وبإمكان التقنية حاليًا أن توفر:
-نشر المحتوى باستهداف محدد: حيث يتم تحديد زوار المنصة من سكان دولة ما، أو للزوار الذين لديهم اهتمامات محددة، أو بحسب الجنس والعمر.
-تحليلات تفصيلية حول: من أين أتى زوار الموقع، واهتماماتهم، وعدد الزوار الآن وسابقـًا أو خلال أسبوع أو شهر؟.
-اكتشاف نقاط القوة التي يأتي الزوار من أجلها، وما معلوماتهم الكاملة؟
وبالحديث عن استخدام التقنيات لمساعدة صانع القرار في الوسيلة الإعلامية للتأكد من أن اتجاه البوصلة يسير حسب المخطط له، وأن الوسيلة الإعلامية تحقق أهدافها، هناك كثير من المنصات والأدوات، وهي ليست حكرًا على وسائل الإعلام، بل تستطيع قطاعات الاتصال والعلاقات العامة، والمنشآت الخاصة والعامة، الحصول عليها والاستفادة منها، ومن أبرزها:
-(Hoot suite, Sprout Social, Tap Influence, Melt water,Social Bro) للمعلومات الشاملة عن المتابعين مع عدة مؤشرات.
-(Social Mention) أداة تقوم بتتبع السمعة عبر الإنترنت.
-(Keyhole) لتتبع الوسم أو ما يعرف بـ”هاشتاق” الخاص بالجهة الناشرة وتعرّف مدى وصوله وتأثيره.

وقد يحتاج المحلل لأدوات أخرى مساعدة، لقياس مدى تأثير المساهمين في صناعة المحتوى للوسيلة، وتحديد مدى انتشار كل صانع محتوى على حدة، وما شريحة الجمهور المتابع له؟
وبحسب (Global Digital Report 2019)، فإن (7.6) مليار شخص يعيشون حول العالم، منهم (5.1) مليار يملكون هواتف، و(4.3) مليار شخص يستخدمون الإنترنت، و(3.4) مليار شخص يتواجدون على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يأتي “فيسبوك” أولاً، يليه “يوتيوب”، ومن ثم تطبيق المراسلات و”اتساب”، وهذه الأرقام تحفز وسائل الإعلام وصانعي المحتوى للرصد والتحليل والمتابعة الدائمة.

التغطيات المرئية
اعتدنا دومـًا عند زيارة أي محفل رؤية عدة كاميرات ضخمة، يتحكم بها مصورون يرتدون قبعات وسماعات ضخمة، ويقف أمامهم المذيع ليتحدث من أمام مدخل المحفل، هذا السلوك حتى وإن كان ما يزال موجودًا إلا أننا نجد ‒ أيضًا ‒ ما يُعرف بـ”الرجل الوحيد في العرض” (one man show)، وهو المسؤول كليـًّا عن كل ما سيتمُّ إنتاجه وتقديمه من تغطية مرئية.

وبحسب دراسة من (Smart Insights) فإن (72%) من الأشخاص يفضلون مشاهدة محتوى مرئي على أن يشاهدوا محتوى ثابت، لذا فإن كثيرًا من الجهات اليوم تمتلك: هاتف ذكي ذو كاميرا جيدة، حامل كاميرا لمنع الاهتزازات، ميكروفون… وربما إضاءة فقط! ويقوم هذا “الرجل الوحيد” بالتجول في مقر الحفل والتقاط كافة الأحداث، البعض يعود ويقوم بتسجيل صوتي ويدمجه بداخل الفيديو، أما البعض الآخر فيقوم بالتسجيل مباشرة مع التصوير، وربما تكون تلك الجهة مستعينة بمشاهير الشبكات الاجتماعية، ثم يقوم المصور أو المراسل بفتح أحد تطبيقات المونتاج، وفي متاجر التطبيقات نجد كثير منها، بعضها يوفر خدمة تحرير الفيديو حيث تقوم بصبغ الخلفية الخضراء وتحويلها لمشهد آخر كما نشاهده في التلفاز مع بعض المراسلين، وهذه الأدوات لا تتجاوز تكلفة التطبيق الواحد منها ما يعادل خمسة دولارات أمريكية، بينما تكلفة جهاز مونتاج ذي مواصفات عالية يتجاوز (5000) دولار، بالإضافة لعامل الوقت وهو المهم، حيث إن الوسيلة الإعلامية التي تقوم بتغطية حدث مهم وتحتاج لعمل المونتاج على المقاطع وتجهيزها في مقر الوسيلة وانتظار وقت النشرة لبثها ربما سيمضي يوم كامل أو جزء كبير منه على هذا الحدث.

ومن أبرز التطبيقات المفيدة في توثيق الأحداث وتحرير المحتوى:
(InShot, Video Éditor, Magisto, Splice, imovie)، وبعض هذه التطبيقات تعطي ميزة صناعة محتوى متحرك، تمكن صانع المحتوى من إضافة شعار خاص أو جملة لفظية مختارة.

التطبيقات الخاصة
تتميز تطبيقات الهواتف الذكية بإمكانية الاتصال طوال الوقت بالإنترنت، ما يبقيها محدّثة دائمـًا، مع سهولة الوصول إليها، ولكنها تختلف من ناحية التكلفة، ووسائل الإعلام حاليـًا تحرص على إنشاء تطبيقات خاصة بها لعرض كافة محتوياتها من خلالها، الأخبار، المواد الصوتية، المرئية، الصور، وتستعين بشركات البرمجة المتخصصة لإنشائها، كما تحرص وسائل الإعلام على التواجد عبر المنصات والتطبيقات الاجتماعية، والتي تقوم بالتشارك مع الجميع ومتوافرة بشكل مجاني، وبرزت مؤخرًا التطبيقات التفاعلية والحيوية التي تشدُّ انتباه المتابعين وتحرص على استقطابهم وبقائهم أطول وقت ممكن، منها على سبيل المثال تطبيقات البثِّ المباشر للمباريات، أو ربما لديها خدمات تفاعلية تربط الزائر بالزوار الآخرين، كالألعاب التي يشارك فيها عدد من الأشخاص بنفس الوقت.

قسم الإعلام الجديد
أصبح هذا المجال من الأقسام المهمة في المنشآت ذات الأنشطة التي تتطلب إنتاج مواد إعلامية، فالإعلام الجديد والرقمي يحتاج لمختصين فيه، على سبيل المثال، تعلمنا في الصحافة أن عنوان الخبر صناعة بحد ذاتها، وهي التي تجذب العين على الخبر أو المقال كاملاً، بالإضافة لأساسيات كتابة الخبر الصحفي أو التحقيق وغيرها من الطرق، إلا أن الإعلام الرقمي والإعلام الجديد يختلف في بعض الأمور، حيث إن عنوان الخبر على الصحيفة المطبوعة، تتمُّ إعادة صياغته في تغريدة عبر “تويتر” بشكل يتناسب مع هذه المنصة، وينطبق هذا ‒ أيضـًا ‒ على كتابة المحتوى مقارنة بين مقال كامل، وبين تغريدة أو مجموعة تغريدات.

الرصد والتحليل
مع تطور التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، أصبح يستخدم في تحليل ردود الأفعال على محتوى الوسيلة الإعلامية، لقياس مدى تواجد الزائر على منصتها، وهل قام بمشاهدة المحتوى كاملاً أم مر مرور الكرام! فالذكاء الاصطناعي يقوم بتحليل معطيات كثيرة تعطي نتيجة واضحة ودقيقة، فعلى سبيل المثال: قام زائر بالدخول لموقع صحيفتك الإلكترونية، تستطيع تعرّف خط سير رحلته من الدخول للصفحة الأولى، اختيار القسم، التجول بين الأخبار، ومدى مكوثه في كل خبر، ولماذا جذبته بعض الأخبار أو المواد خلال تنقله، فالذكاء الاصطناعي يستخدم كثيرًا في الإنترنت وسأطرح مثال نراه أمامنا بكثرة، وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يعتبر حتى يومنا هذا من التقنيات الناشئة، إلا أنه في تطور متسارع، واستخدامه في الإعلام سيحدث قفزة كبيرة.

مثال على توظيف الذكاء الاصطناعي
شخصان الأول مهتم برياضة كرة القدم، والثاني بأفلام السينما، يقوم الذكاء الاصطناعي بمعرفة سلوك المستخدم كل على حدة، فلو بحث كلاهما على نفس الكلمة، كلمة “بطل” على سبيل المثال، على محرك بحث “جوجل”، سيجد لكل واحد منهما نتائج مختلفة، فالذي يتابع رياضة كرة القدم ستظهر له نتائج أقرب إلى ميوله مثل “بطل الدوري” وهكذا، أما محب أفلام السينما ستظهر له النتائج حول “بطل فيلم”، وهذا يحدث للجميع، بخاصة في الإعلانات، فلو قمت اليوم بالبحث في المتاجر الإلكترونية عن سلعة ما، مثلاً هاتف ذكي برقم الموديل، وتصفحت مواقع أخرى، ستجد بأن هذا الهاتف يظهر لك كإعلان، وكأنه يتتبعك ويعرف اهتماماتك ويبعث لك بعض الإعلانات لجذب انتباهك وتسويق السلعة، كذلك في المنصات الإلكترونية الإخبارية، عندما تقوم بقراءة خبر عن شخصية معروفة، تجد في أسفل الصفحة “أخبار مشابهة” فهي بذكاء تقوم بالمحاولة لإبقائك أكبر قدر ممكن في الموقع، وهو ما يزيد نسبة القراءة والزيارات، ومن ناحية أخرى تستطيع الوسيلة الإعلامية تعرّف الجمهور الأكثر ومن أين زياراتهم؟ وكيف انطباعاتهم واهتماماتهم؟ وكلها تدور حول إقناع “المعلن” وجذبه، حيث إنها تملك تفاصيل دقيقة حول جمهورها، بالإضافة إلى إمكانية تحديد الشريحة المستهدفة من الإعلان.

معلومة في صورة
كثيرًا منا يرى الآن أسلوب جديد تنتهجه وسائل الإعلام الجديد والرقمي، وهي عبارة عن عدة معلومات في صورة واحدة، ويكون لها انتشار واسع، حيث يستخدم ناشرو المحتوى صور ومقاطع فيديو في أكثر من (50%) من محتوى مقالاتهم.

ظهر الإنترنت، فتواجدت وسائل الإعلام على الإنترنت، ثم ظهر الهاتف الجوال فظهرت الرسائل النصية الإخبارية، وتوفر الإنترنت عبر الهواتف الذكية، فظهرت منه تطبيقات، وبدائل مجانية، ثم ظهرت مقاطع الفيديو القصيرة والصور ذات المعلومات، وحققت في وقتنا الحالي انتشارًا واسعـًا، فهي مراحل تتنقل وأدوات تستخدم، حيث إن المعلومة في صورة، أو ما يعرف بـ(Infographic) تُعدُّ من أفضل الخيارات البصرية لقراءة خبر أو إيصال رسالة، فهي تحمل الكلمات المفتاحية، الخلاصة، البداية والنهاية، أهم النقاط، وهذا الذي يبحث عنه جمهور الوسيلة الإعلامية، وفي الغالب يستخدم مصمم المعلومة في صورة برامج ضخمة وعالية الجودة لصناعة هذه الصور منها على سبيل المثال (Adobe Illustrator)، وكذلك (Adobe Photoshop inks cape) بالإضافة إلى (Tableau)، وظهرت تطبيقات تنافس هذه البرامج، يبلغ تكلفة الواحد منها سنويـًّا حوالي (500) دولار، منها على سبيل المثال تطبيق (Assembly) الذي يوفر رسومات وأشكال وألوان تمكّن المصمم من العمل عليها في مقر تغطية الحدث وتصدير صورة بوقت قصير جدًّا.

تحديد الأولويات
قبل استخدام الأدوات التقنية الحديثة التي تحقق الانتشار لمحتوى الوسائل الإعلامية ينبغي تحليل الجمهور المستهدف، وتعرّف اهتماماته، والعوامل المؤثرة والمحيطة، والوسائل المتوافرة، والبنية التحتية التي مهدت لهذه الشريحة الوصول إلى المنصة الإعلامية، لذلك تعمد بعض وسائل الإعلام للتواجد في كل مكان، وبكل الأدوات، وتغرق جمهورها بكم هائل من المحتوى، ومن ثم تقوم بالانسحاب والبقاء على المنصات المناسبة لما تقدمه كوسائل إعلام، فعلى سبيل المثال تعتبر أداة “معلومة في صورة” من أنجح الطرق لإظهار الخبر، ولكن قد تستخدم مثل مصطلح (word of mouth) حيث تقوم بتحفيز الزائر لمشاركتها، كونها قطعة واحدة يسهل نقلها من جهاز لآخر، ومصطلح قطعة واحدة تعبير رمزي، فعندما تقوم بإرسال رابط مقال أو تغريدة مثلاً لشخص لن يتمكن من مشاهدة المحتوى حتى ينتقل من المحادثة إلى الرابط، ولكن الصورة تغني عن ذلك كسلوك سهل وذات انتشار، ويأتي كذلك مقطع الفيديو القصير في مقامها.

صناعة الفيديو
أصبحت صناعة الفيديو الآن متوافرة في جميع الحالات، إما على أجهزة الحاسب ببرامج مثل: “أدوبي بريميير” و”أدوبي افتر افكت”، والتي تستخدم ‒ أيضـًا ‒ لصناعة مؤثرات السينما، أو باستخدام تطبيقات الهواتف الذكية والمواقع الإلكترونية التي لا تحتاج لتحميل برامج أو تطبيقات، فهي تقدم خدمة صناعة الفيديو مع مميزات تنقيح الصوت والـ”موشن جرافيك”، وهنا بعض المواقع التي توفر مثل هذه الخدمات، بعضها مجاني والبعض الآخر باشتراك:
-(Auphonic) منصة لرفع مقطع صوتي عليها، ومن ثم تنقيح الصوت وحذف التنفس والوقفات وغيرها.
-(Animaker) لصناعة مقاطع الفيديو المتحركة والرسومات والأشكال.

-منصات توفر تصاميم وأشكال لمعلومة في صورة (infpgraphic) مثل: (visme وcanva وpiktochart).
وعالم الإنترنت مليء بالمواقع والبرامج والتطبيقات المشابهة.

خاتمة
مع كل المتغيرات المتسارعة، والمتسارعة جدًّا، أصبح من الضروري جدًّا على المؤسسات الإعلامية بشكل خاص، والقطاعات الحكومية والخاصة بشكل عام، مواكبة هذا التطور في التقنيات الحديثة للإنتاج والبثِّ الإعلامي، بداية بوضع تشريعات وأنظمة حديثة ومتزامنة مع التطورات التي نشهدها، مرورًا بإيمان المنشآت بأن الإعلام ذراع قوي لنهضة فكرية وثقافية، ولا يمكن تقوية هذا الذراع إلا بتعرّف الوسائل والأدوات الحديثة وتوظيفها، وانتهاءً بالسعي الدائم لابتكار محتوى مميز، فالأدوات متوافرة، ومساحات التنافس واسعة جدًّا.

حملات‭ ‬الـ‭(‬FAKE NEWS‭) .. ‬نوايا‭ ‬مبيته‭ ‬لأهداف‭ ‬مشبوهة

حماسٌ شديدٌ وتركيزٌ عالٍ قاد مجموعة من الباحثين من مختلف تخصصات العلوم الإنسانية إلى تحليل إحدى الأساليب التي مكّنت أفرادًا بعينهم من إقناع الآخرين والحصول على القبول منهم والتأكيد، إلى جانب المشاركة الواسعة في قضية الرابح فيها طرف واحد فقط، بينما الضحية جماهير لم تكن تدرك لماذا وكيف تفاعلت عقولها التي تساق من دون هوادة نحو مصير مجهول، فالماكينات تعمل ليل نهار، والأساليب تتغير، والرابط المشترك بين مـَن يدير هذه الماكينات هو «الكذب». 

اكذب أكثر حتّى تُصدّق نفسك

«اكذب، اكذب، ثمّ اكذب حتّى يصدقك الناس، ثم اكذب أكثر حتّى تصدق نفسك» تلك الحسنة الوحيدة التي خلّفها الوزير الألمانيّ «جوزيف غوبلز» لكلّ من تصدى لإدارة ماكينات التضليل الإعلامي في وقتنا الحاضر، كيف لا وهو مهندس الدعاية الألمانية ووزير الدعاية السياسية في عهد «أدولف هتلر»، وقبل ذلك هو مؤسس صحيفة (The Attack) «الهجوم» الأسبوعية في عام 1927م، والتي كانت تمثل الحزب النازي آنذاك، ليشغل بعدها منصب الوزير العام للدعاية في عام 1933م، في حين كان هتلر المستشار. 

و»غوبلز» الذي استخدم منصبه الرسمي ليشرف على محتويات الصحف، والمجلات، والكتب، والراديو، والأفلام، لم يقف عند هذا الحد؛ بل إنه تصدّى لكلّ فن جميل، فعاث في استخدامات الموسيقى والمسرحيات؛ وهدفه الوحيد كان يتمثّل في ترسيخ فلسفة هتلر العدائية وإثارة الكراهية.   

وحماس الباحثين لعله قاد إلى أسطورة «رجل الدعاية»، فكان من اللازم أن يتساءلوا عن مكامن قوته في استخدام وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وكيف استطاع التأثير والسيطرة في مواقف وأفكار وسلوكات الجماهير. 

فـ»هارولد لاسويل» (Harold Dwight Lasswell) على سبيل المثال لا الحصر، وهو عالم الاجتماع الأمريكي الذي كتب في عام 1927م، حول تكتيكات الدعاية في الحرب العالمية الأولى، قال: «ما كان في السابق يتمُّ تحقيقه بالعنف والقهر، فإنه الآن يمكن أن يتمَّ عن طريق الجدل والإقناع»، فعن أيّ جدل وعن أيّ إقناع كان «لاسويل» يتحدث؟.  

أعطني إعلامـًا من دون ضمير أُعطيك شعبـًا من دون وعي

عندما بدأت الحرب العالمية الثانية عام 1939م، استطاع «غوبلز» أن يدير وسائل الإعلام بفاعلية، بحسب ما سطـّرته الروايات التاريخية، والتي أشارت إلى أن هذا الرجل كان يقول: «ليست مهمّة الدعاية أن تكون دعايةً جيدة، بل أن تحقق النجاح»، إلى جانب أنه كان يقول: «أعطني إعلامـًا من دون ضمير، أُعطيك شعبـًا من دون وعي»؛ إلا أنه وفي نهاية المطاف أقدم على الانتحار مع زوجته وأطفاله الستة الذين كانت تتراوح أعمارهم بين الرابعة والحادية عشرة عامـًا، ليُخلّف لـمـَن أراد استخدام ماكينات التضليل مقولته الشهيرة «اكذب اكذب حتـّى يصدقك الناس وحتـّى تصّدق نفسك أيضًا». 

اليوم، وفي ظلّ بيئة الإعلام الجديد، يبدو أن مقولة «غوبلز» تـُستخدم على نطاق واسع، وبطرق حديثة تفرضها البيئة الجديدة لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ بخاصة أن أخلاقيات ومبادئ الاتصال أصبح من اليسير انتهاكها أو حتـّى عدم الالتزام بها؛ وهو الأمر الذي يطالب من أجله كثيرون بإيجاد ميثاق شرفيٍّ وأخلاقيٍّ لاستخدامات شبكات وقنوات الاتصال الجماهيري. 

ولعلنا نشير في هذا السياق إلى ما نشرته وكالة «فرانس برس» على يد «سفيتكوفسكا ساسكا»، حينما كتبت قصة خبرية تحت عنوان: «الأيدي الخفيّة وراء صناعة التضليل الإعلامي في مقدونيا»، إذ تقول: «إن طالبًا يبلغ من العمر (20) عامـًا استطاع أن يحجز لنفسه إجازة في اليونان بعدما تمكّن من كسب (200) يورو في الشهر للمساهمة في تدفق سيل الأخبار الكاذبة على شبكة الإنترنت»، وبحسب رواية الوكالة، فإن هذا الطالب الذي يعيش في بلد فقير في البلقان، تمكّن في عام 2016م، وهو المتخصص في التكنولوجيا، من خوض غمار السباق لكسب الأموال عن كلّ نقرة لخبر يـُروِّج لأقوال عنصرية أو حتـّى يورد معلومة ملفقة عن أشخاص بعينهم في مواقع المشاهير والسيارات ونصائح التجميل، وعلى الرغم من أن هذا الطالب يرفض الكشف عن هويته، إلا أن الوكالة أوردت تعليقـًا لشخصٍ يدعى «بورتزي بيتزيف»، وهو مصمم مواقع على شبكة الإنترنت يقول فيه: «لقد أدرك الناس أنه يمكن تحقيق الأموال من السياسة أيضـًا». 

والمسألة هنا يبدو أنها تعتمد إلى درجة كبيرة على أساليب الدعايات المعروفة، فهناك مـَن يستأجر الآخرين، وهناك مـَن يدير ويتحكم بالآلة الإعلامية، وهناك مـَن بحاجة إلى الأموال فلا رادع يمنعهم طالما أن المسألة لا تتجاوز نشر الأخبار والتعليقات الرسمية، والتي يتمُّ «تكييفها أو تعديلها قليلاً، ويُضاف لها عنوانــًا يشدُ القارئ»؛ لأغراض شتّـى.     

وإذا كنّا اليوم أمام إستراتيجية جديدة تعتمد على أسلوب النشر، النشر، ثم النشر حتّى يُصدّق الناس، فليس مهمـًا بالنسبة للقائمين بالنشر إن كانوا يميلون لدول أو لأشخاص بعينهم، فالمهمّ بالنسبة لهم هو كسب ما يكفي من الأموال من خلال إيجاد آلية متجددة للوصول للجماهير.  

وإذا كانت تلك حسنة بالنسبة لمسيّري ماكينات التضليل، فهي سيئة بالنسبة للمتخصصين في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري، فهم الذين يدركون مختلف التأثيرات التي تحدثها وسائل الإعلام ورسائله، ومن هذا المنطلق فهم يشيرون إلى أن الوسيلة الإعلامية إذا كان البعض يعتبرها سلاحـًا وأداة من أدوات الحروب الباردة، فيمكن القياس على ذلك باعتبارها أداة للسلم في الجانب الآخر. 

في هذا السياق، يقول الدكتور علي بن دبكل العنزي، رئيس قسم الإعلام في جامعة الملك سعود وأستاذ الإعلام السياسي: «الدعاية وجدت منذ أن وجد الاتصال والتجمع البشري، ودائمـًا ما كانت تحاط بسؤال بارز مفاده: ما الهدف منها؟ ولو نظرنا اليوم إلى وسائل الإعلام، لوجدنا أن البعض يستخدمها كسلاح فتّاك يفوق قدرات الأسلحة الحربية، وكانت تستخدم في أوقات الحروب، وبرزت بشكلها المعروف اليوم منذ الحرب العالمية الثانية، وكان يستخدمها «جوزيف غوبلز» مهندس الدعاية النازية على نطاقين، ففي النطاق الأول كان يتبع أسلوب المنافسة، وفي النطاق الثاني كان يتبع أسلوب المواجهة، وفي حالة «غوبلز» مع وسائل الإعلام، كانت المواجهة تعني تقويض الروح المعنوية للعدو ومحاولة هزيمته نفسيـًّّا، واليوم يمكن أن نرى أسلوب النطاق القائم على الدعاية باتباع أسلوب للمنافسة». 

ويضيف الدكتور العنزي على حديثه بالقول: «البيئة الإعلامية اليوم، هي بيئة تفاعلية، ولابد للعاملين فيها من أن يحاكوا وأن يتفاعلوا مع واقعها، فكثير من المواقع الإخبارية في وقتنا الحاضر تهدف إلى التضليل وهي آخذة في الانتشار طالما أن جمهور وسائل وشبكات الإعلام الاجتماعي يبحث عن المعلومة، فالأهم أن تكون حاضرًا أولاً بأول بالمعلومة الصحيحة».

 وحول آلية مواجهة ماكينة الدعاية المضلِّلة، يشير الدكتور علي العنزي إلى أن السيطرة الكاملة على المعلومة في زمننا هذا لم تعدّْ ممكنة، فوسائل الاتصال ليست تحت السيطرة؛ لذا لابد من العمل على جانبين، الأول يتمثل في التوعية، والثاني يتمثل في توفير المعلومات. 

مـَن؟ يقول ماذا؟ بأية وسيلة؟ لـمـّن؟ وبأي قصد؟

المتخصصون في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري يطرحون السؤال التالي في أكاديميات الإعلام: مـَن يتحكم في الآخر .. التقنية أم الإنسان؟ وهم يشيرون في هذه المسألة إلى العلاقة ما بين وسائل الإعلام والتقنية من جانب، ومن جانبٍ آخر إلى العلاقة ما بين الوسيلة والقائم بالرسالة؛ ليتضح لنا من آنف الذكر أن العلاقة ما بين الإنسان والتكنولوجيا تحظى باهتمام متزايد نظرًا لتأثيرات وسائل الاتصال على الفرد والمجتمع. 

و»لاسويل» الذي حدد ثلاث وظائف للإعلام: مراقبة البيئة، العمل على ترابط أجزاء المجتمع، الاهتمام بنقل التراث الثقافي عبر الأجيال، لعله كان يشير إلى أننا إذا ما تفاعلنا مع الرسائل التي تصل إلينا عن طريق وسائل الإعلام، فالأسئلة الخمسة جديرة بفكِّ شفرات هذه الرسائل والهدف منها.  

فوسائل الإعلام، والتي ينبغي على القائمين عليها أن يشاركوا الجمهور من خلالها بالمعلومات والبيانات حول مختلف الحوادث والمشكلات والقضايا التي تمثل أهمية بالنسبة لهم، بإمكانها أن تؤدي دورًا كبيرًا في مسألة التأثير في الرأي العام وفي الجانب الإخباري الذي يعذُ واحدًا من نشاطات الاتصال الجماهيري الأساسية المهمة، وهذا ما تجيد ماكينات التضليل العمل من خلاله، وذلك بإيراد معلومات صحيحة وتغليفها بأخرى كاذبة ومُزيفة للواقع. 

وهنا لا يمكن أن تنجح مسألة تغييب الوعي الجماهيري في كلّ الأحوال؛ إذ لابد من أن تكون المعلومة حاضرة؛ فالمضلل يخاطب الوعي المغيّب بحسب ما يذكره الدكتور مطلق بن سعود المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بقسم الإعلام في جامعة الملك سعود، حيث يقول الدكتور المطيري في هذا السياق: «التضليل الإعلامي والدعاية السياسية كلاهما مصطلحين غير أخلاقييْن في العمل الإعلامي، وهناك التباس في المفاهيم حول هاتيْن المسألتيْن، فالدعاية يُمكن قياسها حينما يكون هناك حدثــًا صحيحًـا ويُضاف له معلومات أخرى بنوايا مسبقة، وأما التضليل فلا يوجد فيه لا حدث ولا معلومة صحيحة، وأساس التضليل هو الكذب، والقائم عليه يحاول أن يجابه الصدق والموضوعية بالكذب والخداع وتزييف الواقع». 

ويستطرد الدكتور مطلق المطيري أستاذ الإعلام السياسي حديثه بالقول: «الدعاية السياسية تختلف عن التضليل الإعلامي، وقد يكون مقبولاً استخدام الدعاية في أوقات الحروب؛ فهي حملة منظمة بنوايا مسبقة هدفها خدمة مصالح القائم بالرسالة. أما في مسألة التضليل الإعلامي، فهذا الأمر يقوم به طرفٌ على حساب آخر، وهذا الأمر لا يحدث إلا إذا وُجد الطرف الآخر موضوعيـًّا، والطرف الأول يريد التقليل منه، وعلى سبيل المثال؛ تكون هناك دولة تعمل بشكل جيد وأخلاقي، وأخرى ترى بأن هذا التحرك إيجابي ويهدد المصالح، من هنا تبدأ الشائعات التي تنتشر وتأخذ في الانتشار في ظل وجود عاملي الغموض والأهمية؛ لذا لابد من أن تتوافر المعلومات وبشكل دائم للجماهير، حتى لا تحدث الفجوة في مسألة الوعي المغيّب، وهي المسألة التي نعاني منها في عالمنا العربي؛ فالعقلية العربية لا تقبل بالموضوعية، والإعلام التعبوي يبحث عنها ويتفاعل معها، ومن هنا تقبل العقلية غير الموضوعية الدعاية السياسية أكثر من قبولها للموضوعية». 

وفي السياق ذاته، وعبر سلسلة من المقالات العلمية المنشورة في صحيفة أخبار اليوم المصرية، شخّص الأستاذ الدكتور حسن عماد مكاوي مفهوم الشائعات ودوافعها وكيفية مواجهتها، بالقول: «الشائعة عبارة عن سلوك اجتماعي – لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات −  فهي ظاهرة بشرية، وهي لكل سلوك تصدر عن دافع، وتهدف إلى غاية، وهي لصيقة بالمجتمع الذي تظهر فيه، تعكس ظروفه الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية، وعادةً ما يزيد انتشار الشائعات في أوقات الأزمات والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وحيث إن الشائعات توجد في كل المجتمعات بدرجاتٍ متفاوتة، إلا أن هناك علاقة وثيقة بين انتشار الشائعات وحجب المعلومات من الجهات المسؤولة». 

كما يشير عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة، إلى أن الشائعات كانت محط أنظار الدراسات العلمية والتحليل من جانب علماء النفس والاجتماع والسياسة والإعلام على حدٍ سواء، حتى جاء تعريفها على النحو التالي: «هي معلومة أو فكرة أو رأي حول شخص أو موضوع أو جهة أو قضية ما، يتم تداولها بين الأفراد عن طريق الاتصال المباشر، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عبر شبكة الويب، من دون أن يتطلب ذلك قدرًا من البرهان أو الدليل». 

ويفسّر الدكتور مكاوي النقطة الأخيرة بالقول: «القصد من ترديد الشائعة هو الاعتقاد بصحة المعلومات الواردة من دون توافر الأدلة اللازمة للتأكد من حقيقتها». ومن الأساليب المساعدة على انتشار الشائعات، اختلاق الأخبار والمبالغة في سردها وإن كانت تحوي جزء من الحقيقة، فهي «سوق سوداء للمعلومات» يلجأ إليها الجمهور طواعيةً متى ما غابت المعلومة حسب ما يذكر الدكتور مكاوي، وهي إذ تختفي متى ما زالت الظروف المحيطة بالمجتمع، خاصةً في أوقات الحروب والأزمات.     

مـَن يتحكم في الآخر؟

يُستخدم الإعلام − أيضـًا − لغرض إيجاد آليات تنمي داخل الجمهور وعي الاستجابة للرسائل، كالحملات الإعلامية، وهذه الحملات قد تستخدم لأغراض توعوية مصممة لأغراض محددة، وأهداف موضوعة سلفـًا، يمكن قياسها وتحديد مدى الاستجابة لها من خلال مؤشرات يمكن رصدها، وقد تكون − أيضـًا − تضليلية، وذلك ما يعيدنا إلى نقطة البداية والتساؤل من جديد: ما الهدف من الحملات الإعلامية والتضليل، ومـَن يتحكم في الآخر .. التقنية أم الإنسان؟. 

هنا يتفق المتخصصون في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري على أنه لا توجد نظرية واحدة يمكن الاتفاق عليها حول كيفية عمل وسائل الإعلام وعن تأثرها وتأثيراتها في الفرد والمجتمع؛ وأن النظريات الاجتماعية يمكن أن نصل من خلالها لتصورات مختلفة عن العملية الإعلامية وعن آثارها الاجتماعية. فمؤسسات الإعلام وإن كانت تتولى مهام الإنتاج المستمر كعمل أساسي، فهي تـُسهم − أيضـًا − في تكوين المخزون المعرفي للأفراد، والمؤسسة الإعلامية التي تقوم بوظيفة نقل المعرفة ويصل إليها الفرد بكل سهولة ويسر، يتكون على إثر وظيفتها علاقة افتراضية ما بين مرسل ومستقبل، ويـُفترض أن تكون هذه العلاقة توازنية، إلا أن هذه العلاقة ونظرًا لانتشار وسائل الإعلام، من شأنها أن تؤدي دورًا كبيرًا في الخبرات والتصور والإدراك، وكلّ ذلك يأتي بشكل تدريجي وغير محسوس. 

ووسائل الإعلام التي تقوم بدور الوسيط في مجالات عدّة، هي وسيط بيننا وبين كثير من المؤسسات التي نتعامل معها، إذ تمثل قنوات اتصال بين أفراد المجتمع؛ عن طريقها نشكّل تصوراتنا عن الجماعات والمؤسسات والأحداث المختلفة؛ ومن خلالها تصورات الآخرين لنا تتأثر، والوساطة هنا نعني بها تمثيل أطراف مختلفة، والتحكم في طرف على حساب آخر؛ فهي إذًا مرآة عاكسة للمجتمع ولـمـَن يتحكم فيها أيضًا، وهي كذلك وسيلة للعرض وستار لمن يمارس من خلالها الدعاية. 

لذا، يشير الدكتور حمود القشعان، عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت، إلى أنه كلـّما زاد الإسراف في استخدام شبكة الإنترنت كلـّما قلت اللمسة الإنسانية والتواصل الحضاري بين المستخدمين، ويشدد الدكتور القشعان على أهمية اتباع أسلوب الشفافية لمواجهة التضليل الإعلامي: «بالشفافية تذوب كلّ الشبهات، لذا علينا جميعـًا أن نرفع شعار الشفافية والموضوعية، ومحاربة الفكر بالفكر». 

أساليب جديدة للتضليل الإعلامي

تستخدم ماكينات التضليل أساليب الاتصال والإعلام اللازمة للتأثير في السلوك السياسي للجماهير في الدول الأخرى، وهذا الأمر يمكن قياسه على النشاطات الدعائية والإعلامية على حدٍ سواء، وهذا ما يعرف بالدعاية السياسية التي تدل على الجهود الواعية والمقصودة التي تستهدف نشر الأفكار والآراء والمعتقدات إلى جانب الأخبار المضللة، والهدف بالتأكيد التأثير في الرأي العام والسلوك الاجتماعي للجماهير.   

ولذلك يشير الأستاذ نايف الضيط، وهو كاتب صحفي وأكاديمي متخصص في مجال الاتصال الإستراتيجي إلى أن «المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي هو أبرز من تحدث عن إستراتيجيات الخداع التي تمارسها وسائل الإعلام، فهو حدد عشرة أساليب تمارسها بعض وسائل الإعلام لتضليل الجمهور كسياسة الإلهاء، وتشتيت الجمهور وتجهيله، وصناعة الخوف الخارجي لتركه في حالة من الترقب المستمر، وافتعال المشكلات ومن ثم إيجاد الحلول لها». 

ويضيف الضيط في مقالته التي نشرها في صحيفة «مكة» بالقول: «التجاهل نوع آخر من التضليل، حيث تعمد وسائل الإعلام المضللة إلى تجاهل أخبار مهمة، بينما تركز على أحداث أخرى ليست ذات أهمية بهدف توجيه الرأي العام، مثل السكوت عن المشكلات الاجتماعية والقضايا الأساسية والتطرق لموضوعات هامشية، وصنع المصطلحات الإعلامية ونشرها في التقارير والأخبار بهدف تشويه الآخر، وبما يتوافق مع توجه الوسيلة الإعلامية والقائمين عليها، كما تمارس دس السم في العسل بنشر الأخبار والتقارير، حيث تنشر المعلومات والأخبار لتشويه الحقائق وقولبتها، وتتعمد الاعتماد على مصادر مجهولة والتظاهر بأنها حقائق ومصادر موثوقة أو مطلعة لإثبات رأي معين وتجاهل الرأي الآخر والمصادر الأخرى.

ويرى نايف الضيط أن تطور تقنيات الإعلام أدى إلى بروز أشكال جديدة من التضليل والخداع الإعلامي، مثل: نشر الأخبار الكاذبة في المنصات الرقمية ومواقع الإنترنت، منوهًا بأن من أخطر أنواع التضليل في وقتنا الحالي، ما يسمى بتقنية الخداع العميق (Deepfake) وهي استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي وخوارزميات تعلم الآلة والشبكات العصبية، مشيرًا إلى أن هذه التقنية وهذا الاستخدام دعا وكالة البحوث الدفاعية المتقدمة (DOPRA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية إلى تطوير منصة تكشف التلاعب لتعرّف الصور والفيديو المشكوك فيها». 

هذه المسألة تعدُّ تهديدًا خطيرًا للأفراد والأمن، فهل يقع اللوم على عاتق برمجيات الإنترنت في التضليل الإعلامي؟، أم أنه يقع على عاتق مـَن يدير هذه البرمجيات؟ فاليوم «يُسلـّط الضوء على الخوارزميات الـمـُستخدمة في محركات البحث ومواقع وشبكات التواصل الاجتماعي، والـمـُتّهمة في أكثر الأحيان بإبراز المعلومات الـمـُلفّقة أو الخادعة بغض النظر عن عواقب ذلك»، وذلك بحسب ما نشره «جرنكس تيماز» في وكالة «فرانس برس»، والذي يشير إلى أن «البرمجيات تقوم باتخاذ قرارات من تلقاء نفسها، وتقوم بترتيب النتائج على محركات البحث، وتدير تغذية الأخبار في الشبكات الاجتماعية، وتوصي بمتابعة مواد بعينها، وهكذا توكل مهام معقدة وحساسة أحيانـًا إلى هذه الأنظمة التي تعمل بصورة مستقلة على نحو متزايد، وتتصرف بما يشبه (صناديق سوداء) تطور ذكاءها الاصطناعي من خلال البيانات التي نغذيها بها، والهدف الرئيس لـمـَن يقومون بتوظيف هذه الخوارزميات في الشبكات الاجتماعية، هو تعميم المحتوى الأكثر شعبية من دون الحكم على صحته، ولهذا السبب تتسبب في تضخيم تأثير الأخبار الملفقة”.

وتقنيات الإعلام المتطورة، إذا كانت تمثل تهديدًا خطيرًا للجماهير التي لا تدرك خطورة تعاطيها وتفاعلها مع المعلومات المضللة، فذاك نتاج طبيعي، بخاصةً وأن هناك مـَن يستخدم كلّ أدوات التضليل حتى يصل إلى مرحلة لا تتمكن فيها الجماهير من التفكير في الأسباب التي دفعتها لتبني آراء ومعتقدات معينة أو حتى البحث عن منطقيتها، فإذا كانت مثالية الإعلام تشير إلى أن الوسائل تستخدم بهدف نقل الحقائق والمعلومات للجماهير، فالدعاية شأنها شأن التضليل تهدف إلى غايات محددة، أبرزها يتمثل في قيادة الجماهير ودفعهم للاعتقاد بفكرة معينة أو مذهب سياسي معين، ولذلك نجد أن مـَن يستخدم الدعاية للوصول إلى أهدافه المرسومة مسبقـًا، فهو يستخدم بعض الحقائق وينطلق منها إلى تفسير ما يريده للوصول إلى نقطة التأثير الانفعالي في الجماهير, فأساليبهم هي الاستهواء والإغراء بصرف النظر عن منطقية الموضوعات المطروحة.  

إذًا، فكلّ ما نراه اليوم من تضليل وخداع إعلامي، ما هي إلا حروب نفسية تُمارس في بيئة الإعلام الجديد، وهي شكل من أشكال الدعاية الهادفة إلى تثبيط الروح المعنوية من دون قتال فعلي بالتحام السلاح للقضاء على روح المقاومة والإقناع بالهزيمة. 

لذا، تواجه وسائل وشبكات الإعلام الاجتماعية اتهامات من جهات عدّة، والأهمّ هنا هو أن نتساءل: مـَن يديرها؟ وماذا يقولون فيها؟ ولـمـَن يوجهون رسالتهم؟ وبأي قصد؟ وعلى الرغم من أن بعض الدول سنـَّت قوانينها لمحاربة الأخبار الكاذبة والمضللة، إلا أن «عليها أن تنشئ أجهزة قوية للعلاقات العامة الرسمية، إذا ما أرادت أن تقضي على الأخبار المضللة والكاذبة والشائعات». 

ويرى الأستاذ الدكتور حسن عماد مكاوي في سلسلة مقالاته العلمية حول: مفهوم الشائعات:»إن تداول المعلومات على نطاق واسع ضرورة، ويمكن تنظيم ذلك وفق الضوابط والقوانين، ما يكفل حقّ المعرفة الذي يساعد على اتخاذ القرارات، وأن عرض الحقائق بوضوح وتجرد، وتحقيق العدالة والمساواة، وعدم التمييز والمحاباة والمحسوبية، من شأنه أن يكفل اكتساب ثقة الجمهور، والذي بات بحاجة إلى التوعية أكثر بمخاطر الجيل الرابع من الحروب، بخاصة وأن الجيل الرابع من الحروب يستخدم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الهادفة إلى هدم الدولة وإفشالها وتفتيها من الداخل، إما من خلال زرع عدد من العملاء تكون مهمتهم افتعال الأزمات، وزعزعة الاستقرار، وإثارة المواطنين للخروج ضد الأنظمة الحاكمة وإسقاطها، والعمل على هدم الثقة في المؤسسات الأمنية للدولة بدعوى تجاوزاتها في مجال حقوق الإنسان». 

إذًا، شخصيات وأساليب المضللين في كلّ لحظة تتجدد؛ والمهم يكمن في مسألة الإدراك بأن وسائل الاتصال الجماهيري، تلك القادرة على نقل رسالة إلى جمهور واسع ومتنوع وفي آن واحد، يستطيع مـَن يديرها أن ينقل إلينا ما يريد في مضامين متنوعة؛ فإذا كان البعض يعتبرها سلاحـًا والبعض الآخر يراها سلطة فهي
− أيضًا − مرآة وأداة للسلم، فكيف يمكن لنا أن نوظف الرسائل الإعلامية والاتصالية بفاعلية مستفيدين من نظريات الإعلام والاتصال في الجانب الحسن لا السيء كما فعل من اتخذ «غوبلز» أبـًّا روحيـًّا وأسطورة يحتذى بها من أجل الكذب، ونشر الكذب، ومن ثمّ تصديق الكذب.

وما بين فترة وزير الدعاية النازي «غوبلز» في الثلاثينيات من القرن الماضي وبين حرب الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» مع وسائل إعلامية محددة في بلاده، نتيجة مواقف سياسية وحزبية، زادت وتيرة مصطلحات، مثل: «الأخبار الكاذبة» و»الوسيلة الإعلامية الكاذبة» وأصبح الجميع يطلقون مجازًا عبارة (Fake News) للدلالة واتخاذ موقف محدد، وهو ما برز مع الرئيس ترمب خصوصـًا، حتى لو تعدّى ذلك العرف والنسق الإعلامي الأمريكي المعتاد، والذي ربما يراه كثيرون قدوة في الشفافية والاستقلالية، لكن الأحداث والمواقف أظهرت العديد من التناقضات التي أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيجها وانتشارها بشكل واسع وعلى نطاق عالمي غير مسبوق، وبالتالي تبديل كثير من القناعات وكشف كثير من الأقنعة.