الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميرًا لدولة الكويت

بإعلان مجلس الوزراء الكويتي

بعد أن ودعت الكويت أميرها الراحل، الشيخ صباح الأحمد الصباح، وفي انتقال سلس للحكم في البلاد، أُعلن الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميرًا للبلاد، يوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2020، ليصبح الحاكم السادس عشر لدولة الكويت، وهو القيادي الذي تولى مهام ومناصب مهمة في تاريخ الكويت.

ويعد الشيخ نواف أحد القادة الذين يملكون تاريخًا كبيرًا في الجانبين السياسي والعسكري، من خلال المهام الوطنية التي كلف بها طوال مسيرته في العمل ضمن حكومة دولة الكويت، مطورًا وداعمًا للتنمية وبناء الإنسان والمكان منذ الستينات الميلادية.

كما يتمتع الشيخ نواف بخبرةٍ سياسية كونتها شخصيته البارزة كأحد أبناء الأسرة الحاكمة الكويتية، إلى جانب توليه ولاية العهد على مدى 14 عامًا  منذ 2006، ويذكر للشيخ نواف إسهامه على المستوى الدولي في دعم وبناء التكامل الأمني الخليجي والعربي، وتفعيله في دول مجلس التعاون والدول العربية.

النشأة والمسيرة القيادية

ولد الشيخ نواف الصباح في الخامس والعشرين من يونيو عام 1937م، في مدينة الكويت، وهو الابن السادس لحاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح، الذي حكم البلاد في الفترة ما بين عامي 1921 و1950.

نشأ الشيخ نواف في قصر دسمان، بيت الحكم أثناء إمارة والده أحمد الجابر، وتلقى تعليمه في الكويت، ضمن مدارسها النظامية، وهو ثالث وزير داخلية ورابع وزير دفاع في تاريخ الكويت، وصاحب أطول فترة على رأس وزارة الداخلية بعد سعد العبدالله، حيث ترأسها ما بين عامي 1976 حتى 1986.

وترأس الشيخ نواف الصباح العديد من المناصب المهمة، حيث بدأ رحلته في العمل السياسي في فبراير 1962، عندما تولى منصب محافظ محافظة “حولي” الكويتية، حيث تمكن من تحويل المحافظة التي كانت عبارة عن قرية إلى مدينة حضارية وسكنية وتجارية، حتى أصبحت مركزًا مهمًا للنشاط التجاري والاقتصادي الكويتي، واستمر مسؤولا عن محافظة “حولي” لمدة 16 عامًا.

كما تولى الشيخ نواف منصب وزير الدفاع في يناير 1988، حيث طور العمل بشقيه العسكري والمدني، وعمل على تحديث وتطوير معسكرات وزارة الدفاع ومدها بكافة الأسلحة والآليات الحديثة لتقوم بواجبها الوطني في الدفاع عن البلاد.

واهتم الشيخ نواف إبان إدارته لشؤون الدفاع في الكويت بإيفاد البعثات إلى الدول الصناعية العسكرية للتدرب على قيادة الطائرات العسكرية وكافة أنواع الأسلحة والمدرعات والمدافع التي يستخدمها الجيش الكويتي.

وحرص أيضًا على تضمين عقود شراء الأسلحة بنودًا توجب تدريب العسكريين الكويتيين عليها وصيانتها، وفتح المجال واسعًا لانخراط أبناء الكويت في السلك العسكري وإعطائهم الكثير من الامتيازات.

قراءة في تغطية الإعلام الخليجي لأزمة كورونا (COVID 19)

مقدمة
ألقت أزمة (كوفيد 19)، التي وصلت لدول مجلس التعاون نهاية يناير الماضي، بظلالها على كافة مجالات الحياة، وتفاعل الإعلام في دول المجلس مع الجائحة وتأثر بها، سواء على مستوى الممارسات أو طريقة العمل، وأدت الجائحة إلى تصدر أخبارها كافة الوسائل الإعلامية بمختلف أشكالها، قنوات تلفزيونية، محطات إذاعية، وصحف، وأضحت العنوان الأبرز للأحاديث الإعلامية بكافة أطيافها.
الإعلام في دول مجلس التعاون تأثر كثيرًا بتلك الجائحة من حيث الممارسات الإعلامية خلال الأزمة، بل إن الكثير من الخطوات المهمة في مسار المهنة حدثت أثناء الفترة ذاتها.
ومن خلال هذه القراءة، رصدنا أبرز الممارسات الإعلامية التي كانت حاضرة، مع التركيز على التحولات الرقمية ومستوى الشفافية وأساليب التوعية التي مورست، بالإضافة إلى دور مشاهير التواصل الاجتماعي، وكيف تمكنت وسائل الإعلام من صناعة محتوى مختلف.
تتشكل هذه القراءة من ثمانية محاور رئيسية، بالإضافة إلى توصيات عامة، وهي: “فايروس الجائحة يجتاح الورق، وحضور التغطية الميدانية، ورقمنه الإعلام الخليجي، وروافد مهمة، وتنوع المحتوى، والشفافية والمصداقية، وأساليب التوعية، وتكرار المعلومات وتوصيات”.

المحور الأول: فايروس الجائحة يجتاح الورق
أقدم عدد من المؤسسات الإعلامية في دول مجلس التعاون على خطوة إيقاف طباعة الصحف الورقية خلال فترة جائحة كورونا، معللين ذلك بأن الورق قد يُسهم في انتقال العدوى بين متداوليه، الأمر الذي دفع باللجنة العُمانية العليا للتعامل مع فيروس كورونا (كوفيد 19) إلى وقف الطباعة الورقية للصحف والمجلات والمنشورات بمختلف أنواعها ومنع تداولها، ومنع بيع وتداول الصحف والمجلات والمنشورات التي تصدر خارج السلطنة، كما قرر المجلس الأعلى للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة الأمر ذاته مؤقتــًا، وفي السعودية نجد أن صحيفتي “عكاظ” و”مكة” قامتا بإيقاف نسخهم الورقية مؤقتــًا.
هذه الخطوة الاحترازية من قبل المؤسسات الإعلامية أعطت إيحاءً بأن لها بُعدًا مهنيـًّا أيضًا، خصوصًا وأن الحديث كان يدور كثيرًا خلال الأعوام الخمس الماضية حول خطوة تحول الصحف من الورقية إلى الإلكترونية، وسط تخوف المؤسسات الإعلامية من الإقدام على هذه الخطوة لاعتبارات عديدة، ويجب على مراكز الدراسات بالمؤسسات الصحفية التوجه نحو قياس مدى القدرة على هذا الانتقال وكيفية تقبل الجمهور له، ويمكن قياس ذلك من خلال أعداد متصفحي مواقع الصحف ومرتادي حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كما يمكن للإعلان أن يكون واحدًا من أهم تلك المعايير التي يمكن على ضوئها قياس مدى إمكانية الانتقال الكامل للإصدار الإلكتروني، بيد أن الظروف الاقتصادية المصاحبة لأزمة كورونا أثرت كثيرًا على السوق الإعلاني، مما يجعل معيار الإعلان في تلك الفترة ليس مقياسًا.
التحول من الجانب الورقي إلى الإلكتروني لم يكن مقتصرًا على تغير في منصة الظهور فحسب، بل حتى في مضمون ذلك المحتوى، بالبحث في المقام الأول عن الخبر وأسبقيته، خصوصًا وأن عددًا من تلك الصحف كانت تعتمد قبل أزمة كورونا على (ما وراء الخبر) بالبحث عن تفاصيله وخلفيته، من دون التركيز على الأسبقية كونها كانت تصدر ورقيًّا في اليوم الذي يلي الحدث، غير أن قرار التحول الإلكتروني أثناء الأزمة جعل مضامين المحتوى الإخباري للصحف مركزًا على الأسبقية بشكل أكبر، وهذا ما ظهر جليًّا في أنماط كتابة الأخبار، كما حضر التحديث الفوري للصفحات الرئيسية في مواقعها الإلكترونية بشكل ملفت، ما يعكس الممارسة المهنية الصحيحة لمفهوم الصحف الإلكترونية لا النشر الإلكتروني، كما أن التحديث الفوري لم يكن مقتصرًا على الصفحات الرئيسية لمواقع تلك الصحف، بل امتد
‒ أيضًا ‒ للملاحق الداخلية للصحيفة.

وشهدت حسابات الصحف عبر شبكات التواصل الاجتماعي حضورًا مواكبًا للحدث من خلال جانبين رئيسيين:
1-سرعة التعاطي مع الأحداث والنشر السريع، ما جعل المتابعين في تلك الشبكات يعتمدون على ما ينشر في حسابات الصحف.
2-القدرة على صناعة مواد خاصة بشبكات التواصل، سواءً نصية أو مرئية.

المحور الثاني: حضور التغطية الميدانية
امتازت وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون بالتواجد الميداني أثناء تغطيتها للأزمة، باختلاف منصات الإعلام ووسائله، من خلال عدد من الأوجه والأساليب التي حررت المواد الإعلامية من القوالب الإخبارية الجاهزة، التي تتلقاها من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، لتصنع المواد الميدانية حالة من التوازن في المحتوى، وتوزع الجهد الميداني على عدد من الأماكن، مثل:

1-المؤتمرات الصحفية لمسؤولي الصحة بدول مجلس التعاون.
2-التواجد الميداني في المستشفيات والمراكز الطبية.
3-الاستطلاعات في أماكن المواد التموينية.
4-المقابلات والتغطيات الآنية لوصول رعايا دول المجلس إلى بلدانهم.
هذه المرتكزات الأربعة التي استندت عليها وسائل الإعلام الخليجية في تغطيتها أنتجت مضمونـًا مختلفًا تمكن من تغذية وسائل الإعلام بشكل مميز، بل إن الكثير من المحتوى المتداول في شبكات التواصل الاجتماعي كان صنيعة ذلك المحتوى الميداني، واتضح ذلك بشكل أكبر على صفحات الصحف الخليجية، إذ اعتمدت صفحاتها الأولى على المواد الميدانية، بينما اتجهت صفحاتها الداخلية لتقارير وتحقيقات أُجريت خلال الأزمة، وكذلك الحال للمحتوى الإذاعي والتلفزيوني، سواء في مواد نشرات الأخبار أو محتويات البرامج.
ويمكن القول : إن الأعمال الميدانية والاستقصائية رجّحت كفة وسائل الإعلام التقليدية خلال الأزمة، خصوصًا وأن الجهات الرسمية، وعبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كانت حريصة على نشر المعلومات بشكل فوري، وبالتالي كانت وسائل الإعلام بحاجة ماسّة لصنع محتوى مختلف يتمثل في الجانب الميداني.
إن حجم العمل الاستقصائي والميداني الكبير خلال أزمة “كورونا” يفتح نافذة لتلك الوسائل لصناعة جانب توثيقي للتغطية، والحرص على صناعة أفلام وثائقية مما تمتلكه من مخزون هائل من التغطيات والمعلومات المتوافرة لديها، كما أنه من المهم الإشارة إلى أن العمل الميداني لوسائل الإعلام الخليجية ما كان ليتحقق لولا دعم وتشريع حكومي لتلك الممارسات الإعلامية، وتوفير المناخ المناسب لهم للقيام بذلك، سواء من حيث التعاون في توفير المعلومات أو الشفافية وسرعة التجاوب مع استفسارات وسائل الإعلام.
هذا التميز النوعي والمختلف لوسائل الإعلام من خلال تغطيتها للحدث أعاد الكثير من المتلقين لمتابعة الإعلام التقليدي، الأمر الذي يجعل تلك الوسائل مطالبة بالمضي قدّمًا في صناعة محتوى ميداني مميز قادر على جذب المتلقي والتقليل من المواد الإعلامية الجاهزة.

المحور الثالث: رقمنة الإعلام الخليجي
دفعت أزمة كورونا بوسائل الإعلام في دول مجلس التعاون إلى تنشيط وتفعيل حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي ومواقعها الإلكترونية بشكل كبير، بخلاف ما كان سابقــًا، وتمكنت من تقديم نماذج في كيفية التواجد في تلك الشبكات بما يتوافق مع خط سير الوسيلة المهني، ويمكن القول: إن أبرز ثلاثة أشكال تواجدت بها وسائل الإعلام التقليدية عبر منصاتها في الإنترنت والإعلام الرقمي كانت على النحو التالي:

1-المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية.
2-حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”.
3-حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”.

أولاً: المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية
تواجدت وسائل الإعلام الخليجية بشكل جيد ومتفاعل ومتجدد عبر مواقعها الإلكترونية، خصوصًا أن بعض الصحف الخليجية أوقفت صدور نسخها الورقية، كما ذكرنا سلفًا، ما جعلها مطالبة بتفعيل محتوى مواقعها الإخبارية بشكل كبير، من خلال تحديث المعلومات بشكل فوري، وملاحقة المستجدات أولاً بأول، ولم تكتفي وسائل الإعلام الخليجية في مواقعها الإلكترونية بضخ المواد الإخبارية فحسب، بل حرصت ‒ أيضًا ‒ على استحداث عدد من التقنيات، مثل الوسائط المتعددة والخرائط التفاعلية لمتابعة مستجدات الحالات المصابة، ومنها على سبيل المثال؛ صحيفة الرؤية الإماراتية التي وضعت خريطة تفاعلية عبر موقعها ترصد مستجدات الإصابة بالفيروس وإحصاءات الحالات.

ثانيًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”
كان التعاطي في “تويتر” هو الأبرز والأكثر متابعة من قبل المتلقين، وعليه فقد حرصت وسائل الإعلام الخليجية عبر حساباتها في “تويتر” على انتهاج ثلاثة خطوط أساسية في التغطية، تمثلت في الآتي:

1-مواكبة أهم الأحداث والأخبار الصادرة من الجهات الرسمية أو وكالات الأنباء.
2-إعادة نشر محتوى الوسائل التقليدية عبر منصة “تويتر”، سواء كان مسموعًا أو مرئيًّا أو مكتوبًا أو على هيئة تصاميم انفوجرافيكس.
3-صناعة محتوى خاص وحصري لحساباتها في “تويتر” قبل أن يتم بثـّه عبر المنصات التقليدية.

ثالثـًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”
في منصة “يوتيوب” نجد أن الكثير من وسائل الإعلام التقليدية حرصت على تغذية حساباتها، وخصوصًا القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي حرصت على تحديث صفحاتها بشكل سريع، وبالذات برامج القناة والفيديوهات التوعوية المنتجة، والتي تضمن من خلالها عودة المشاهد، كما قدمت بعض الصحف نموذج الصحافة التلفزيونية من خلال حساباتها في “يوتيوب”، مثل صحيفة القبس الكويتية التي غذت حسابها في “يوتيوب” بالعديد من التقارير والاستطلاعات والتحقيقات الميدانية، لتكون رافدًا مهمًا وحيويًا لما تنشره الصحيفة ورقيًّا.
هذا التميز الكبير من قبل وسائل الإعلام الخليجية في التواجد عبر فضاء الإعلام الرقمي يمثل دافعًا كبيرًا لها للاستمرار في تفعيل تلك الحسابات، والاستفادة من بقية الشبكات لتقديم محتوى يتواءم مع كل شبكة وجمهورها، كما أن وسائل الإعلام التقليدية، وبخاصة التلفزيون، قامت باستخدام “الهاشتاقات” التي أُطلقت للتوعية أثناء الجائحة، في حين قامت بقية الوسائل بتوظيف تلك “الهاشتاقات” عبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي خصوصًا حينما يتم تناول الأخبار المتعلقة بمستجدات الجائحة.

المحور الرابع: روافد مهمة
لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا وجوهريًا في التأثير في المواطن والمقيم في دول مجلس التعاون خلال الجائحة، وبخاصة من قبل مشاهير شبكات التواصل، إذ قام العديد منهم بجانب توعوي عبر رسائلهم التي بثـّوها من خلال حساباتهم في شبكات التواصل.

ويمكن تصنيف الدور الإيجابي للمشاهير خلال الأزمة في ثلاث فئات رئيسية، هي:

1-مشاهير تعرضوا للإصابة بالمرض:
تعرض عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي للإصابة بفيروس كورونا (كوفيد 19)، وقام عدد منهم بتغطية تفاصيل الإجراءات الطبية التي أجريت لهم، والأعراض التي مرّت عليهم، بالإضافة إلى استعراض الخدمات الطبية المقدمة للمرضى المصابين بالفيروس، ما زاد من وعي المتلقين حيال ذلك، وتصدرت إصابات هؤلاء المشاهير أحاديث المتابعين عبر منصات التواصل.

2-مشاهير خضعوا للحجر الطبي
البعض الآخر من مشاهير التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون كانوا متواجدين خارج بلادهم عند بداية الأزمة، ما جعلهم يوثقون الجهود المبذولة في الإجلاء، وفور عودتهم وثقوا الجهود المبذولة في اختبارات الفحص والخدمات المقدمة في الحجر الصحي، كما قاموا بجانب توعوي للمتلقين عبر نقل النصائح الطبية التي تلقوها من الجهات الرسمية والموجهة للعائدين من دول تفشت فيها الإصابة بالفيروس.

3-مشاهير قاموا بالتوعية
الفئة الثالثة من المشاهير تفاعلوا مع الجائحة بالحرص على تقديم معلومات موثوقة حول المرض وكيفية الوقاية منه وأبرز الخطوات الاحترازية في ذلك، مستندين على البيانات والتعليمات الصادرة من وزارات الصحة والهيئات الطبية، بالإضافة إلى محاولتهم تقديم النصح بالتباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل، ولاقت تلك الرسائل تفاعلاً كبيرًا من متابعيهم.

وشكل تفاعل عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون مع الأزمة رافدًا مهمًا لوسائل الإعلام التقليدية الخليجية عبر عدد من الأوجه:
-متابعة أخبار المشاهير وأنشطتهم خلال الأزمة، سواء من تعرض للإصابة أو من كان في الحجر المنزلي.
-كثير من المواد الإعلامية بنيت من خلال محتوى صنعه عدد من مشاهير تلك الشبكات.
-قام عدد من المشاهير بتناول كثير من المواد الإعلامية عبر حساباتهم والتعليق عليها، ما شكل ترويجـًا إيجابيًّا لهذه المواد.

في المقابل نجد أن بعض المشاهير قاموا بدور سلبي أثناء الجائحة، وتمثل ذلك في جانبين أساسيين:
1-اختراق الأنظمة واللوائح الموضوعة من قبل الجهات المعنية، سواء من حيث عدم التقيد بمواعيد الحظر أو عدم اتباع الإجراءات الاحترازية.
2-نقل معلومات غير صحيحة أو غير دقيقة، سواء حول الإجراءات الصادرة بخصوص الجائحة أو من خلال تمرير معلومات طبية مغلوطة.
من جانب آخر وقع بعض مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون في فخ عدم وجود مضمون يطرحه خلال فترة الأزمة، خصوصًا وأن الكثير من المحتوى الذي كانوا يقدمونه سابقـًا يرتكز بشكل أساسي إما حول تفاصيل حياتهم اليومية الطبيعية، أو المحتوى الإعلاني المدفوع، ويمكن تلخيص مسببات نضوب المحتوى لدى هؤلاء المشاهير في الاعتبارات الآتية:

1-الكساد الكبير للإعلانات خلال الأزمة.
2-خصوصية المنزل عند بعضهم، لذا احجموا عن النشر أو قللوا منه طيلة فترة الحظر.
3-جزء كبير من المحتوى الذي يقدمه المشاهير يعتمد على الحياة اليومية الطبيعية ولقاء الأصدقاء أو المقالب التي تصنع، وجميعها غابت أثناء الأزمة.
4-اللجوء إلى صناعة محتوى سلبي، من خلال توثيق عدم التقيد بالأنظمة ومخالفة القوانين، ما أنتج مقاطع غاب عنها المضمون الإيجابي المنتظر.

المحور الخامس: تنوع المحتوى
امتازت وسائل الإعلام الخليجية بقدرتها على تنويع المحتوى المقدم خلال أزمة كورونا، فبالإضافة إلى اعتمادها على المواد الجاهزة من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، والتي تعدُّ خطوة إيجابية ومهنية، سعت إلى التنوع في مضامين ما قدمت، ومن دون أدنى شك في أن أخبار الجائحة هي ما تصدرت تلك الوسائل، إلا أن أساليبها اتسمت باختلاف الطرق المقدمة، حيث ظهر العديد من البرامج التي أُنتجت بسبب الأزمة، في حين تمَّ تغيير مسار عدد من البرامج القائمة لتكون مختصة بنقل أحداث ومستجدات الأزمة، وصحفيًّا نجد أن عددًا من التبويبات والملاحق أُنشئت لتناول الجائحة، ويمكن التفصيل في تنوع المحتوى في الإعلام الخليجي على النحو  الآتي:

أولاً: تلفزيونيًّا
القنوات الخليجية منحت أخبار الجائحة وتطوراتها صدارة الاهتمام، وحاولت إضفاء زوايا وأبعاد أخرى للمحتوى المقدم، فقناة “سما دبي” على سبيل المثال؛ قدمت رسائل توعوية للمقيمين على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين استقطب تلفزيون الكويت العديد من الأسماء الفنية لاستغلال حضورهم في تقديم نصائح للمشاهدين عن الجائحة، كما شاهدنا عددًا من العروض المرئية التي تحاكي الطفل من خلال أعمال كرتونية أو موشن جرافيكس، وشاهدنا القناة السعودية تغطي تبعات الجائحة عبر كافة المجالات من خلال سلسلة برامج.
الجانب الإخباري كان عنصرًا أساسيًّا وثابتًا فيما تقدمه القنوات، إلا أنها تحررت من الجانب الإخباري البحت، وحرصت على استخدام أنماط أخرى للمواد المقدمة.

ثانيًا: إذاعيًّا
حرصت الإذاعات عبر الأثير على تناول أمور الجائحة من خلال زوايا عدة، شملت تأثير الفيروس على الجانب النفسي لدى أفراد المجتمع، ومدى تخوفهم من ذلك، وكيفية تبديد تلك المخاوف، حيث استضافت العديد من المختصين في هذا الجانب، كما حرصت الإذاعات على تناول جوانب متنوعة للأزمة.

ثالثـًا: صحفيًّا
استطاعت الصحف تغذية صفحاتها بالعديد من التقارير والتحقيقات والحوارات والمقالات التي كانت مواكبة للحدث، وتناولت تفاصيله وأبعاده، ولا تكاد تخلو صحيفة خليجية في أي يوم من تلك الفنون الصحفية المتناولة للأزمة من زوايا عديدة ومختلفة، وحرصت على عدم الاكتفاء بالجانب الإخباري أو البحث عن أبعاد أخبار كورونا من الجانب الصحي فقط، بل سعت من خلال تلك الممارسات الصحفية للبحث عن أبعاد الأزمة وأبرز المجالات التي عانت خلالها، عبر استضافة المختصين للحديث عن تلك التأثيرات.
وعلى الرغم من كثافة الأخبار أو المحتوى المتعلق بجائحة كورونا في وسائل الإعلام الخليجية، إلا أن تلك الوسائل حافظت في الجزء المتبقي من محتواها على بقية الأحداث والتغطيات البعيدة كل البـُعد عن الجائحة، في محاولة لكسر رتابة المحتوى مراعاة لذائقة المتلقي وحفاظــًا عليه.

المحور السادس: الشفافية والمصداقية
تكثر الأخبار المغلوطة وغير الصحيحة خلال الأزمات، وتتكاثر خلالها الشائعات بشكل كبير، الأمر الذي يجعل منها بيئة خصبة لولادة الإشاعة، بيد أن المتتبع لوسائل الاعلام الخليجية يدرك أن تلك الوسائل قامت بدورها التوعوي، من خلال المتابعة المهنية للخبر وعدم بث أيّ معلومات مغلوطة، على الرغم ممّا عجّت به شبكات التواصل الاجتماعي من سيل هائل من الاجتهادات والأخبار الخاطئة، غير أن تلك الوسائل لم تنجرف خلف تلك الطروحات، ولم تتبن منها معلومات قبل التثبّت من مصدرها، ويمكن قياس مصداقية وسائل الإعلام الخليجية عبر أكثر من جانب، من أهمها:
-ندرة البيانات الصادرة من جهات رسمية لنفي محتوى صادر عن وسيلة إعلامية.
-عدم نفي وزارات الصحة في مؤتمراتها الصحفية معلومات تمَّ طرحها من إعلاميين منتسبين لتلك الوسائل الإعلامية.
-عدم وجود أخبار مغلوطة متداولة في شبكات التواصل مصدرها وسيلة إعلام تقليدي.  

ويمكن إرجاع هذا التميز في جانب المصداقية لتلك الوسائل إلى عدد من الجوانب، هي:
-حرص وسائل الإعلام الخليجية على الالتزام بمصادر المعلومات الرسمية.
-قوة مصادر تلك الوسائل في الوصول للمسؤول والتثبت من المعلومات.
-كفاءة العاملين في الحقل الإعلامي.
-شفافية الصوت الحكومي وسرعة تجاوبه مع وسائل الإعلام.
ولأن الحديث عن المصداقية في وسائل الإعلام الخليجية، لا بد من أن نشير للتميز الذي شهدته المؤتمرات الصحفية لمختلف القطاعات، وبخاصة القطاع الصحي، حيث كانت سرعة التجاوب والشفافية المطلقة عنوانين واضحين وصريحين لها، وسببًا رئيسيًّا في ووأد أي إشاعة يمكن أن تولد.

ويمكن تصنيف الأسئلة الواردة في المؤتمر الصحفي على النحو التالي:
-أسئلة من واقع التفاصيل التي يدلي بها المتحدثون في المؤتمر.
-أسئلة من صميم ما يدور في أذهان المواطنين.
-أسئلة حول تقارير المنظمات الصحية المحلية والخليجية والدولية.

كما اتسمت أسئلة الإعلاميين بالإيجابية لأكثر من اعتبار، هي:
-أسئلة واضحة ومباشرة.
-أسئلة في صميم الحدث من دون التطرق لأمور جانبية.
-عدم التكرار في الأسئلة.
-أسئلة دقيقة مبنية على استفهامات لا آراء.
-عدم وجود أسئلة ضعيفة أو ركيكة أثارت استغراب المتحدث أو تعجبه.
ولا يمكن هنا أن نغفل جانبًا غاية في الأهمية أسهم في جودة الأسئلة المطروحة، حيث إن بعض الجهات الصحية قامت خلال المؤتمرات الصحفية بفرز الأسئلة قبل طرحها، وبخاصة المؤتمرات التي تتم عن بُعد، بغية عدم وجود أسئلة مكررة أو غير واضحة أو بعيدة عن الموضوع الرئيس.

ومن المعايير التي يمكن الاعتماد عليها لقياس جودة الأسئلة المطروحة في المؤتمرات الصحفية، الآتي:
-محتوى ثري في الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، بني على إجابات تمت خلال المؤتمرات الصحفية.  
-تغذية شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها بمحتوى تلك المؤتمرات وتناقله، والبعض من تلك الإجابات وصل لـ”الترند”.
-كثير من محتوى وكالات الأنباء ناتج عن أسئلة المؤتمر.

المحور السابع: أساليب التوعية  
نجحت وسائل الإعلام الخليجية في التغطية الإخبارية للجائحة بشكل جيد وملفت، من خلال المتابعة الدقيقة لمستجدات الأخبار وما ورائها، كما أسهمت
– أيضًا – في الجانب التوعوي عبر أشكال عديدة، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

1-نقل الرسائل المباشرة:
وذلك من خلال نقلها لرسائل وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول مجلس التعاون، تلفزونيًّا وإذاعيًّا وصحفيًّا، وتكرار النصائح والإرشادات من خلال الفواصل وفي مقدمة البرامج وخواتيمها، كتذكير بالرسائل التوعوية الواردة من المؤسسات الصحية.

2-صناعة محتوى توعوي:
قامت وسائل الإعلام والمنظمات المتخصصة في دول مجلس التعاون بصناعة مواد توعوية عبر الحصول على آراء ومعلومات إضافية من الخبراء ومراكز الدراسات، أو من خلال ترجمة وإعادة صياغة المحتوى المقدم من وزارات الصحة بأسلوب متنوع ومناسب لكل فئات المجتمع وأطيافه؛ ما سهل عليهم فـَهم المعلومات والإرشادات الواردة.

3-توظيف الـ”هاشتاقات” لمواكبة مراحل الأزمة:
واكبت وسائل الإعلام الخليجية مراحل الأزمة، من خلال اعتماد عنوان المرحلة ووضعه في “هاشتاق” مثبت في شاشة القنوات التلفزيونية، بالإضافة لتوظيفه بالشكل المناسب من مقدمي البرامج الإذاعية والتلفزيونية لترسيخه في عقل ووجدان المتلقي من أجل تحويله إلى سلوك عملي يعطي النتائج المرجوة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول المجلس بذلت جهودًا اتصالية في هذا الجانب تحديدًا، فبالإضافة إلى تفوقها في التعاطي مع الأزمة من حيث الشفافية وسرعة المعلومة، فإنها ‒ أيضًا ‒ قامت بدور إيجابي في تذليل وتبسيط المصطلحات الطبية، كما قامت بترجمة تلك المنشورات التوعوية بلغات أخرى لتصل بالشكل الأمثل للوافدين.

ومن منظور شمولي، تماشت دول مجلس التعاون مع المعايير الدولية في إدارة الأزمة إعلاميًّا، وقدمت نموذجًا يحتذى به، وذلك من خلال العناصر الآتية:
1-سرعة بث المعلومة.
2-الشفافية.
3-التحديث الفوري للمعلومات.
4-الإجابة عن استفسارت وسائل الإعلام والجمهور.
5-تفعيل منصات خدمة المستفيدين.
6-تبسيط المصطلحات لكل فئات وشرائح المجتمع بمختلف أعمارهم.
7-ترجمة المحتوى المنشور لأكثر من لغة.
والمتتبع للرسائل التوعية الصادرة تجاه الجائحة، سواء من قبل الجهات الحكومية أو من خلال ما صنعته وسائل الإعلام من تقارير وتحقيقات واستطلاعات وأعمال وثائقية، كانت اللغة التوعوية المستخدمة تتسم في معظمها بالإيجابية والإرشاد من دون اللجوء إلى أسلوب التخويف والترهيب ولا لغة التهوين.

المحور الثامن: تكرار المعلومات
أسهم تكرار المعلومات المقدمة في المؤتمرات الصحفية للجهات الصحية في إحساس الجمهور بالملل، خصوصًا وأنه يبحث في كل مرّة عن معلومات مختلفة تخص الجائحة، الأمر الذي تسبب في تراجع نسب المتابعة لتلك التحديثات، على الرغم من تزايد أعداد الإصابات، وتكرار ذات الأسلوب المتبع والمحاور الأساسية نفسها التي يتم التحدث عنها جعل المتابع يبحث عن معلومات من مصادر أخرى، والعديد من المتابعين عبروا عن انتقادهم لتكرار المعلومات المقدمة من قبل المتحدثين في المؤتمرات، والأمر ذاته ينطبق على وسائل الإعلام التقليدية من حيث تكرار النصائح المقدمة، على الرغم من تنوع المحتوى المعروض في تلك الوسائل وحرصهم على متابعة أبعاد الجائحة من عدة زوايا، غير أن الركيزة الأساسية والمتمثلة في تكرار المعلومات، وبخاصة النصائح، أسهم في تناقص أعداد المتابعة بشكل أو بآخر.

وكان يمكن لوسائل الإعلام اتباع عدد من الأساليب للتغلب على سلبية التكرار، ومن بينها:
1-البحث المستمر عن معلومات جديدة حول الوباء وآخر الاكتشافات الطبية المتعلقة بالجائحة.
2-عدم تكرار النصائح ذاتها بشكل يومي في نفس القالب، والتنسيق مع الجهات الطبية للتركيز على الإرشادات التي تتوافق مع كل مرحلة من مراحل الأزمة.
3-تكثيف المحتوى القصصي المتعلق بالجانب الإرشادي، وبخاصة في الإنتاج المرئي.
4-اختيار قصص إنسانية تحكي تجارب مع المرض، مثل قصص الكوادر الطبية أو المصابين بالمرض أو من تسببوا في نقل الفيروس إلى أسرهم ومعارفهم.

التوصيات العامة:
-زيادة المحتوى المقدم للمقيمين في دول مجلس التعاون باختلاف لغاتهم.
-تطوير وتكثيف صناعة المحتوى المرئي الموجه للطفل.
-التوسع في توظيف حسابات المؤسسات الإعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي، وصناعة محتوى إعلامي مختلف ونوعي مناسب للبث من خلالها.
-أهمية وجود الإعلامي المتخصص، وتهيئة كوادر إعلامية وتدريبهم في هذا المسار.
-إخضاع تغطيات كل وسيلة إعلامية إلى التقييم، وقياس مدى إقبال الجمهور على المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي لتلك الوسائل.
-التركيز على تطوير العمل الميداني كمًّا وكيفــًا.

فصل المقال ما بين الصحة والإعلام

لم يتوقف النقد الموجه لوسائل الإعلام منذ أن أعلنت “سيلفي بريان”
(Sylvie Briand)، مديرة التحضير لمخاطر الأمراض المعدية في المنظمة العالمية للصحة بأن جائحة (كوفيد 19) تخفي وراءها جائحة أخرى، إنها الجائحة الإعلامية.
لقد تناوب على هذا النقد أهل مهنة الطب، والكتّاب والمثقفون، ورجال السياسة، والفاعلون في المجتمع المدني، وحتى الصحافيون ذاتهم!

اتفقوا كلهم تقريبًا على خطورة التّخمة الإعلامية التي أصبح الجمهور يعاني منها جراء التغطية الإخبارية المفرطة لجائحة (كوفيد 19) بكل اللغات، إذ يذكر على سبيل المثال أن القنوات التلفزيونية الإخبارية الفرنسية خصصت (74.9%) من وقت بثها لجائحة كورونا خلال أسبوع فقط من (16 – 22 مارس 2020م) وفق الدراسة التي أعدّها المعهد الوطني للسمعي –  البصري الفرنسي؛ بمعنى أن كل قناة تلفزيونية بثت ما يعادل (13) ساعة و(30) ثانية في اليوم عن هذه الجائحة!

لم يحدث في تاريخ التلفزيون أن حظي أي حدث بمثل هذه التغطية المباشرة والمتواصلة على مدار ثلاثة أشهر.

لقد كادت القنوات التلفزيونية الشاملة والعامة تتحول إلى قنوات متخصصة في الأخبار، نظرًا لتركيزها المكثف على التغطية الإعلامية للجائحة المذكورة، وأعادت القنوات التلفزيونية الإخبارية النظر في برامجها فاستغنت عن بعضها لصعوبة التصوير أو التسجيل في الاستوديوهات، نظرًا للتدابير الصحية المتخذة، وكيّفت بعضها الآخر مع الوضع الصحي العالمي لمواكبة تطور انتشار الجائحة محليًّا ودوليًّا.

إن الأمر لم يقتصر على التلفزيون الفرنسي، بل شمل مختلف القنوات التلفزيونية الدولية، وحتى المحطات الإذاعية والصحف والمواقع الإخبارية في شبكة الإنترنت، لقد وجدت المنصة الرقمية المختصة في الرصد الإعلامي: (تاغا داي Tagaday) أن ما نشرته عينة تتكون من ثلاثة آلاف صحيفة وموقع إعلامي فرنسي في شبكة الإنترنت عن الجائحة المذكورة، خلال الأسبوع الثالث من مارس الماضي، يزيد على (250) ألف مادة صحفية، وحتى وكالات الأنباء العالمية التي من المفروض أن توجه موادها الإعلامية إلى وسائل الإعلام المحلية والدولية وبعضًا من القطاعات الاقتصادية والمالية والعسكرية أصيبت هي الأخرى بــ”الوباء الإعلامي”، فوكالة الأنباء الفرنسية على سبيل المثال التي من المعروف أنها تنتج أقل عدد من برقيات الأنباء يوم الأحد، الموافق لإجازة نهاية الأسبوع، نشرت (1563) برقية يوم الأحد 15 مارس المنصرم، جلّها عن (كوفيد 19)، أي بمعدل زيادة يقدر بـ(130) برقية عمـّا تنشره يوميًا.

يعتقد البعض أن الإطناب في الحديث الإعلامي عن هذه الجائحة هو نتيجة منطقية للضغوط التي تمارس على وسائل الإعلام أثناء الأزمات من لدن السلطات العمومية، والمجتمع الطبي، والمجتمع المدني، وحتى الجمهور، ففي ظل الأزمات تتحول وسائل الإعلام إلى مشجب تعلق عليه كل المشاكل والصعوبات التي تعاني منها مختلف قطاعات المجتمع، فنادرًا ما تفلت من الاتهام سواء بالإطناب الذي يؤدي إلى المبالغة في الحدث ومنحه أكثر من حجمه، مثلما جرى مع وباء “أنفلونزا الخنازير”، أو الاهتمام الضعيف به مما يؤدي إلى الاستهانة به.

جائحة العصر

نظرًا لتصنيف (كوفيد 19) ضمن الأمراض الناشئة أو جائحة العصر، فإن التخمة الإعلامية التي رافقته أفرزت ظاهرتين: الظاهرة الأولى وتعتبر تقليدية، وتتمثل في أن التركيز على هذه الجائحة أفضى إلى تجاهل ما يحدث في العالم، إذ يبدو أن الزمن توقف فيها ولم يجر في الكون أي شيء غيرها، والأكثر من هذا أن السياق الذي تنشط فيه وسائل الإعلام في العديد من البلدان يتصدى لأي معارضة إعلامية لهذه التخمة.

يذكر في هذا الإطار “ستيفان جوردن”، رئيس تحرير المحطة الإذاعية الفرنسية “فرنس أنترن” أنه حاول أن ينجو من “الوباء الإعلامي” المذكور، فاقترح بثّ برنامج إخباري قصير بعنوان: “أخبار العالم باختصار بعيدًا عن كوفيد”، لقد نبع هذا المقترح من قناعته بأن المحطة الإذاعية التابعة للقطاع العام يجب أن تؤدي خدمة عمومية يستفيد منها الجميع، لكن لم يستطع هذا البرنامج الصمود أمام “الإنزال الإعلامي” المتضمن الأخبار عن فيروس الكورونا المستجد، حيث تراوح عدد متابعيه في الموقع الإلكتروني للقناة ما بين (10 – 20) ألف متابع، قد يقول البعض : إن هذا العدد مقبول جدًّا، لكنه متواضع إن قارناه بمليوني متصفح لبعض المواد الإعلامية التي نشرت في الموقع ذاته، أو بمشاهدي التلفزيون الذين بلغ عددهم عشرين مليون متابع للأخبار في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية التي استأثرت بالحديث عن الجائحة المذكورة.

ما وراء التخمة

يتساءل الفيلسوف الفرنسي (آلان كونت سبونفيل Alain Conte Sponville) عن عائد هذه التخمة الإعلامية إن علمنا أن القنوات التلفزيونية التي استحوذت على أكبر عدد من جمهور وسائل الإعلام قدمت الأخبار المتواترة عن عدد المصابين بالعدوى وضحاياها على الصعيد المحلي وفي العالم، واتجهت إلى بثِّ القصص الإخبارية ذات البـُعد الإنساني من خلال إجراء مجموعة من المقابلات التلفزيونية مع بعض المصابين بهذه الجائحة أو الذين تعافوا منها أو الذين فقدوا عزيزًا بسببها؟ ويؤكد بأن الإطناب في ذكر الإحصائيات أو بثـّها يجعلها فاقدة القيمة ما لم تطرح في سياقها ولا تقدم بنوع من النسبية، فلماذا لا نقارن بين عدد الفرنسيين الذين قضوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والمعدل الشهري للفرنسيين الذين غادروا عالم الأحياء نتيجة حوادث المرور أو بسبب الأمراض المزمنة؟  أو عدد ضحايا (كوفيد 19) مقارنة بعدد ضحايا (الأنفلونزا الإسبانية) التي أودت بحياة (50) مليون شخص أو ضحايا مرض (فقدان المناعة المكتسب) أو حتى (9) ملايين شخص الذين تحصد أرواحهم المجاعة سنويًّا منهم ثلاثة ملايين طفل!

إن إعلام الجمهور عن طريق هذه الإحصائيات المفصولة عن سياقها والمشحونة بالقصص ذات البـُعد الإنساني والدرامي رفع درجة القلق والخوف الذي يدفع إلى البحث عن مزيد من المعلومات والأخبار عن هذه الجائحة، لقد أصبح للخوف مفعول كرة الثلج وسط الجمهور يزداد عدده بتدحرجها.

إن أكبر “مكسب” حققته وسائل الإعلام المختلفة من جائحة كورونا هو استعادة ثقة جمهورها في بلدان الديموقراطيات، الثقة التي تآكلت تدريجيًّا منذ ما أصبح يُعرف بحادثة “تميشورا” في نهاية عام 1989م، لقد استغلت وسائل الإعلام الكبرى، خاصة القنوات التلفزيونية التي شرعت في البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، المظاهرات المعادية لنظام (تشاوتشيسكو) برومانيا، وأخرجت جثث الذين وافتهم المنية من مستشفى بوخارست وأظهرتهم كأنهم ضحايا رصاص المخابرات الرومانية، فشحنت حركة الاحتجاج والسخط على نظام (تشاوتشيسكو) التي لم تنته إلا بشنقه هو وزوجته، ونقلت هذا الحدث مباشرة عبر الأقمار الصناعية.

وبانكشاف هذه الحيلة أو الخديعة سحبت نسبة كبيرة من الجمهور ثقتها في وسائل الإعلام، وتراجعت هذه الثقة – أيضًا – بعد أحداث برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001م، حيث ازداد شك قطاع واسع من الجمهور فيما قدمته وسائل الإعلام من معلومات عنها، إذ كان يعتقد أنها كانت تخفي الكثير من المعلومات عن هذا الحدث المأساوي، ويرجح البعض أن ميلاد مفهوم صحافة المواطن ولد من رحم هذا الشك.

مـَن المستفيد؟

يعتقد البعض أن المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي هي أكبر مستفيد من هذه الجائحة، نظرًا للسيل الهائل من الأخبار المتدفقة فيها، وارتفاع عدد متابعيها، لكن ما يلاحظ أنها شكلت مشتلاً للأخبار المزيفة، ففي البداية كان رواد هذه المواقع ينشرون الأخبار غير الدقيقة عن مصدر هذه الجائحة، وطرق انتشارها، وكيفية الوقاية منها نظرًا لجدّتها، ولقلة المعلومات الطبية عنها الموثوق في صحتها أو لتضاربها، لكن هذا السبب المنفرد لا يفسر كثرة انتشار الأخبار الملفقة وسرعة انتشارها، لقد شكلت الصحة مثار جدل كبير، وساحة للنزاع، فمعارضة اللقاحات في العديد من بلدان العالم لازالت مستمرة منذ سنوات، والحديث عن الطب يشوبه القلق والخوف دائمًا، هذا إضافة إلى أن مختلف الجمعيات المعارضة أصبحت تتحكم في تقنيات الاتصال وأسراره، خاصة وأن العدة الرقمية أصبحت في متناول الجميع، ليس هذا فحسب، بل إن الشركات الكبرى المصنعة للأدوية وتسويقها انساقت عبر هذه المنصات والمواقع في صراع تجاري مغلف بالحديث الطبي عن ظهور أجيال جديدة من هذه الجائحة وفاعلية الأدوية لعلاجها، ومدى قدرة بعض الشرائح الاجتماعية على مقاومتها، مثل الأطفال والنساء، والزعم بمناعة أبناء القارة الإفريقية من ذوي البشرة الداكنة ضد هذه الجائحة.  

أمام وفرة الأخبار عن هذه الجائحة وسرعة انتشارها، اتجهت وسائل الإعلام إلى نقلها من مصادرها الموثقة عبر البيانات والمؤتمرات والمقابلات الصحفية وطورت قدرتها على التحري في صحتها.

تحوّل

لقد أعطت هذه الجائحة دفعة قوية لما أصبح يعرف بـ (الترنسميديا Transmedia) أي المادة الإعلامية التي تتجاوز الوسيلة الإعلامية الواحدة، بمعنى أنها تنشر وتعرض أو تُبثُّ عبر أكثر من وسيلة إعلامية، هذا ما بينه موقع صحيفة “لوموند” الفرنسية التي نشرت الكثير من المواد ذاتها عبر نشراتها الإخبارية التي ترسل إلى المشتركين على الساعة السابعة صباحًا، وفي الموقع الإلكتروني وفي الصحيفة الورقية.

وفرضت صحيفة “لوموند” الفرنسية أسلوب التغطية المباشرة والمتواصلة لجائحة (كوفيد 19) على مدار (24) ساعة لمدة (84) يومًا، وأنشأت صفحة خاصة لتساؤلات القراء عن كل ما يتعلق بهذه الجائحة في موقعها الإلكتروني، إذ يذكر أن صحافييها أجابوا على ما بين ألفين وثلاثة آلاف سؤال يوميًّا، وكلفهم البحث عنها ساعات طوال في فحص آلاف الصفحات والمواقع المتخصصة، وهكذا تحول الخبر الصحفي إلى حوار مع القراء.

لقد زعزعت جائحة (كوفيد 19) الاعتقاد الراسخ بهيمنة العولمة الإعلامية التي محت الحدود المحلية للإعلام، وعززت ما يعرف بــ”القرب الجغرافي” و”الوجداني”، على الرغم من أن هذه الجائحة ظهرت في الصين في آخر شهر من السنة الماضية إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تهتم بها إلا في 24 فبراير 2020م، وهو تاريخ سقوط أول ضحية أمريكية من ضحايا هذه الجائحة.

لقد تجاهلت وسائل الإعلام الفرنسية موت سائح صيني في فرنسا بسبب هذه الجائحة يوم 14 فبراير الماضي، ولم تهتم بها إلا بعد (12) يومًا من هذا التاريخ، أي بسقوط أول ضحاياها من الفرنسيين وبعد بداية انتشارها في إيطاليا الدولة المجاورة.

وكالعادة لم تنج الأخبار عن هذه الجائحة من التأطير المحلي الذي سيّس الموضوع الطبي، لقد استغلتها وسائل الإعلام الأمريكية لتأجيج الصراع الدائر بين الجمهوريين والديموقراطيين عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ووظفتها الأحزاب الفرنسية لتعزيز برامجها السياسية، فحزب اليمين المتطرف الفرنسي، على سبيل المثال؛ لم ير أي علاقة بين تزايد عدد الذين لقوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والسياسة الليبرالية الجديدة التي دعت إلى تقليص الميزانية المخصصة للرعاية الصحية التي تُعدُّ من صلب المسؤولية الاجتماعية للدولة.  

أعاد صياغة البرنامج بما يتوافق مع ظروف جائحة كورونا جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج يعقد “عن بـُعد” الاجتماع الثالث لمسؤولي التدريب الإعلامي

بدعوة من جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج وتنظيمه، عقد مسؤولي التدريب في الجهات الإعلامية الرسمية في دول مجلس التعاون اجتماعهم الثالث، وذلك عبر الاتصال المرئي الذي تمَّ بتاريخ 23 يونيو 2020م، وشارك في الاجتماع، إلى جانب ممثلي الدول الأعضاء، الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك.

تمَّ خلال الاجتماع استعراض ما نـُفذ من برامج التدريب الإعلامي المعتمدة للعام 2020م، وهي: دورة “تحرير الأخبار” التي عُقدت في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 12 ‒ 16 يناير 2020م، ودورة “فن إعداد النصِّ الإذاعي والتلفزيوني والمسرحي” والتي أقيمت في دولة الكويت خلال الفترة من 2 ‒ 6 فبراير 2020م، إضافة إلى دورتين تدريبيتين تمَّ تنظيمهما عبر تقنية الاتصال المرئي خلال جائحة كورونا، وكانتا بعنوان: “إدارة الأزمات إعلاميـًّا”، حيث نُفذت الأولى بتاريخ (5) مايو 2020م لمسؤولي الأخبار في إذاعات الهيئات الأعضاء، والثانية بتاريخ (13) مايو 2020م لمسؤولي الأخبار بتلفزيونات الهيئات الأعضاء.

كما بحث الاجتماع تنفيذ خطة التدريب المساندة عبر الاتصال المرئي، والتي تشتمل على خمس دورات تدريبية، من بينها دورتان اثنتان من الدورات المقرّة سابقًا، وثلاث دورات جديدة أُضيفت لبرنامج التدريب عن بُعد.

وناقش المجتمعون خطة الدورات التدريبية المعتمدة التي لم يتمكن الجهاز من تنفيذها بسبب ظروف الجائحة، ولا يمكن إقامتها عبر تقنية الاتصال المرئي، واتفقوا على عقد اجتماع قريب لبحث إمكانية تنفيذها خلال الربع الأخير من العام الحالي 2020م، أو تأجيلها وإلحاقها بخطة التدريب للعام القادم (2020/2021م).

بدعوة وتنظيم من جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج اجتماعان استثنائيان لمسؤولي إذاعات وتلفزيونات دول المجلس

امتدادًا لدور جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج في دعم العمل الإعلامي الخليجي المشترك، والتنسيق بين إذاعات دول مجلس التعاون، وكذلك تلفزيونات دول المجلس، نظم الجهاز اجتماعين استثنائيين عبر الاتصال المرئي، الأول للجنة الدائمة لمسؤولي إذاعات دول مجلس التعاون، في 22 أبريل 2020م، والثاني للجنة الدائمة لمسؤولي تلفزيونات دول مجلس التعاون، في 29 أبريل 2020م، وشارك في الاجتماعين ممثلو الدول الأعضاء، ومجلس الصحة لدول مجلس التعاون، ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، والمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون.

تركزت النقاشات في الاجتماعين على الموضوعات الإعلامية المتعلقة بأزمة كورونا، كما تمَّ استعراض تجارب الدول الأعضاء في التعامل الإعلامي لمواجهة هذه الجائحة، وطرح المجتمعون مرئياتهم ومقترحاتهم حيال الخطوات التي يمكن اتخاذها لدعم التعاون وتكثيف التنسيق بين إذاعات دول المجلس و تلفزيوناتها – أيضًا ‒ لتبادل البرامج والرسائل التوعوية الموجهة للمواطنين والمقيمين، بهدف حثـّهم على اتباع التعليمات الصادرة عن الجهات الصحية الرسمية، والاحترازات الواجب تطبيقها للوقاية من فيروس (كوفيد 19).

كما عُرض خلال الاجتماعين تجارب مجلس الصحة لدول مجلس التعاون ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك والمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون، المتعلقة بالجانب الإعلامي والإحصائي خلال أزمة كورونا، بالإضافة إلى دور جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج في تنسيق تبادل البرامج بين الدول الأعضاء ومنظمات العمل الخليجي المشترك، وأكد المجتمعون على أهمية التكامل بين دول المجلس ومنظماته.

ومن أبرز التوصيات الصادرة عن الاجتماعين:
-التركيز إعلاميًّا على إبراز جهود دول مجلس التعاون، محليـًّا وإقليميـًّا ودوليـًّا، لمكافحة جائحة كورونا.
-تكثيف إنتاج وبثّ الرسائل التوعوية الموجهة للمقيمين غير الناطقين باللغة العربية.
-إنشاء منصة رقمية ضمن البوابة الإلكترونية لجهاز إذاعة وتلفزيون الخليج؛  لعرض المواد الإعلامية المتعلقة بأزمة كورونا، والتي أنتجتها الدول الأعضاء والمنظمات الخليجية المتخصصة.
-تنفيذ دورتين تدريبيتين حول “إدارة الأزمات إعلاميـًّا”، ينظمهما جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج.
-تكليف جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج بإجراء دراسة حول “الدروس الإعلامية المستفادة خلال جائحة كورونا”.

شملت قطاعات الصحة والأمن والاقتصاد.. وعبر الاتصال المرئي الأمانة العامة تواصل جهود العمل الخليجي المشترك لمواجهة (كوفيد 19)

على الرغم من ظروف جائحة كورونا، واصلت الأمانة العامة لمجلس التعاون عملها وعقدت العديد من اجتماعات العمل الخليجي المشترك، موظفة تقنية الاتصال المرئي؛ لتواصل جهودها مع الجهات المعنية المشتركة بدول المجلس، وتركزت هذه الجهود في إطار مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد (COVID-19)، ومناقشة آثاره على كافة الأصعدة، الصحية والأمنية والاقتصادية، وخرجت تلك الاجتماعات بعدد من القرارات التي استهدفت الحفاظ على صحة وأمن المواطن والمقيم في الدول الأعضاء، وتعزيز اقتصاديات سوق العمل الخليجي بما يكفل للقوى العاملة الوطنية حقوقها ومكتسباتها، وتوفير البيئة الآمنة لليد العاملة الأجنبية المقيمة على الأراضي الخليجية خلال هذه الأزمة، ودعم الجانب التجاري وخصوصًا التجارة البينية وانسيابية تدفق السلع بين الدول الأعضاء، والعديد من الجوانب التي تتابعها الأمانة العامة من خلال لجانها الفنية، بإشراف معالي الأمين العام الدكتور نايف الحجرف، والمتابعة المستمرة لرصد وتقديم المستجدات العالمية حول آثار جائحة “كورونا”، والتنسيق الاستباقي بين الدول الأعضاء لاتخاذ ما يجب تجاهها.

وفيما يأتي رصد لأبرز اجتماعات العمل الخليجي المشترك خلال الفترة الماضية، وما تناولته من نقاشات تمـَّت ترجمتها لقرارات.

وزراء التجارة يناقشون آثار “كورونا” على تدفق السلع
بدعوة من معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقد وزراء التجارة في دول مجلس التعاون، في الثاني من أبريل 2020م، اجتماعًا استثنائيًّا عبر الاتصال المرئي، لمناقشة الآثار الاقتصادية لوباء فيروس كورونا المستجد
(COVID-19)، وذلك انطلاقــًا من دور وزارات التجارة في دول المجلس في ضمان توافر السلع الأساسية والضرورية للمواطنين والمقيمين، والوقوف مع القطاع الخاص لتمكينه من القيام بدوره الاقتصادي في ظل الظروف الاستثنائية الحالية، وتقييم المستجدات والتدابير الاحترازية التي تقوم بها دول المجلس لمواجهة هذا الوباء.
واستعرض وزراء التجارة خلال الاجتماع التوصيات المرفوعة من قبل وكلاء وزارات التجارة بالمجلس، وخصوصًا أهمية التعاون على ضمان تدفق السلع والخدمات الأساسية للمواطنين والمقيمين في دول المجلس بشكل منتظم، والإحاطة بالتدابير والجهود الاحترازية التي قامت وتقوم بها الدول الأعضاء للحد من انتشار مرض فيروس “كورونا”، كما تمَّ استعراض ما قامت به دول المجلس من مبادرات عاجلة لمساندة القطاع الخاص، وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الاقتصادية المتأثرة من هذا الوباء.
وأكد الوزراء أهمية الحفاظ على انسيابية انتقال السلع بين دول المجلس، بحيث لا تؤثر الإجراءات الاحترازية التي تتخذها دول المجلس في انسيابية انتقالها، وأهمية الإبقاء على المطارات والموانئ والمنافذ البرية مفتوحة لانتقال السلع بين الدول الأعضاء، كما أقروا تشكيل فريق عمل من وزارات التجارة بدول المجلس للتنسيق في حل ومتابعة وتذليل أي معوقات تواجه حركة انسيابية السلع بين دول مجلس التعاون.

اجتماع طارئ لوزراء الداخلية لمناقشة الإجراءات الأمنية
وعلى الصعيد الأمني، عقد أصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية بدول مجلس التعاون، في 7 أبريل 2020م، اجتماعًا طارئــًا عبر تقنية الاتصال المرئي، برئاسة سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، وزير الداخلية في دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس الدورة الحالية، ومشاركة معالي الأمين العام لمجلس التعاون الدكتور نايف الحجرف.
وبحث وزراء الداخلية آخر التطورات والمستجدات في دول المجلس بشأن مكافحة فيروس “كورونا” المستجد، ومناقشة الإجراءات الأمنية المتبعة في إطار الجهود للحد من انتشاره.
وتمَّ خلال الاجتماع بحث عدد من الموضوعات الأمنية المهمة المتعلقة بهذه الجائحة وسُبل مواجهتها، واتفق الوزراء على أن تتولى الأمانة العامة لمجلس التعاون التنسيق لعقد اجتماع لممثلي وزارات الداخلية بالدول الأعضاء متى ما دعت الحاجة، عبر تقنية الاتصال المرئي؛ لتنسيق الجهود الأمنية للحد من انتشار فيروس “كورونا” المستجد، وأن تتولى الأمانة تزويد كافة وزارات الداخلية للدول الأعضاء بالمعلومات التي ترد إليها من وزارة الداخلية في أي دولة عضو حول الإجراءات الاحترازية الأمنية التي تمَّ اتخاذها.
كما تمَّ الاتفاق على الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في تطبيق الإجراءات الاحترازية الأمنية وآليات التحكم فيها والسيطرة عليها للحد من انتشار الجائحة.
وأكد الوزراء على ما سبق الاتفاق عليه من عدم السماح بخروج أي مواطن إلى أي دولة أخرى إلا بنفس الوثيقة التي دخل بها إلى أي دولة مع دول المجلس (وتحديدًا جواز السفر) عند استئناف الرحلات.
وثمن أصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية الجهود التي تقوم بها دول المجلس في إطار التعامل مع فيروس “كورونا” المستجد، وذلك من خلال الإجراءات الاحترازية المتوازية مع الإجراءات الوقائية الصحية عبر المنافذ البرية والجوية، حفاظــًا على سلامة المواطنين والمقيمين والمتنقلين بين دول المجلس.
وأبدى الوزراء خلال الاجتماع شكرهم وتقديرهم للكوادر الطبية والفنية في دول المجلس، وجميع دول العالم؛  لما يبذلونه من جهود كبيرة في هذا الشأن، كما أشادوا بالجهود الحثيثة التي يقوم بها منسوبو القطاعات الأمنية والعسكرية في دول المجلس وإسهاماتهم الملموسة في الحدِّ من انتشار الوباء، كما أشاد الوزراء بتعاون المواطنين والمقيمين والتزامهم بالإجراءات الاحترازية، مع الدعوة لمزيد من الالتزام.

وزراء العمل يتابعون المستجدات في سوق العمل الخليجي
متابعةً لمستجدات الآثار التي فرضتها الجائحة الوبائية “كورونا” على سوق العمل الخليجي، عقد وزراء العمل بالدول الأعضاء اجتماعًا استثنائيًّا بواسطة الاتصال المرئي في ١٥ أبريل ٢٠٢٠م.
وتناول الاجتماع العديد من المواضيع المرتبطة بتفشي فيروس “كورونا” المستجد في معظم دول العالم بما فيها دول مجلس التعاون، وما ترتب عليه من اتخاذ دول المجلس كافة التدابير والإجراءات الاحترازية المسبقة لوقاية المواطنين والمقيمين من الإصابة بهذه الجائحة، وتأثيرها في سوق العمل والعاملين بالقطاع الخاص.
ورفع الوزراء خلال الاجتماع شكرهم لقادة دول مجلس التعاون على حكمتهم ورؤاهم السديدة لحماية الإنسان والمحافظة على صحته، كأهم أولوياتهم واهتماماتهم، وتقديم كافة أنواع الدعم لقطاع الصحة للقيام بدوره في منع انتشار هذا المرض، وإتاحة الخدمات الصحية والعلاج المجاني لكافة المواطنين والمقيمين بدول المجلس من دون تمييز، وإصدار توجيهاتهم الكريمة السامية بدعم القطاعات الاقتصادية والمؤسسات المتضررة باعتماد حزم دعم سخية لمساعدة أصحاب الأعمال والعمال.
كما وجه الوزراء شكرهم وتقديرهم لقطاع الصحة في دول المجلس، وكافة العاملين فيه لوقوفهم في الصف الأمامي لمواجهة هذه الجائحة بكل كفاءة واقتدار لحماية مجتمعات دول المجلس من انتشار المرض، مشيدين بالجهود المبذولة للحد من تأثيرها في القطاع الخاص، وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعرضت للضرر من هذه الأزمة الصحية التي أثرت في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في كافة دول العالم.
وأكد وزراء العمل في دول مجلس التعاون على وضع حماية القوى العاملة الوطنية على رأس أولوياتهم، والعمل على تعزيز الإجراءات الخاصة باستقرارها في سوق العمل من خلال برامج الدعم الموجهة للمؤسسات والشركات في القطاع الخاص، إلى جانب تقوية أنظمة الحماية الاجتماعية، مشددين على ضرورة الحفاظ على المكتسبات والإنجازات الوطنية في دول المجلس في مجال تنمية الموارد البشرية وصونها من التراجع نتيجة هذه الأزمة.
وفيما يخص التعاون مع القطاعات الأخرى لحماية العمال من الإصابة، أكد الوزراء أن كافة دول المجلس ومن خلال الوزارات المعنية بشؤون العمل والقوى العاملة، قامت وتقوم بكافة الإجراءات الضرورية بالتعاون مع كل القطاعات المعنية؛ لحماية العمال من الإصابة بالمرض، وعلاج المصاب منهم من دون أي تمييز، ومن دون أي تكاليف مالية على العامل، فضلاً عن قيام وزارات العمل بكافة الإجراءات والتدابير التي تؤمّن للعامل احتياجات حياته الأساسية.
كما تمَّ التأكيد على أن هذه الأزمة فرضت أهمية مراجعة سياسات استقدام العمالة في ضوء معطيات الظروف الراهنة، ووضع التدابير الضرورية بما لا يؤثر في مشاريع التنمية الأساسية والمهمة في دول المجلس، وخاصة في المرحلة القادمة.
ووجّه الوزراء اللجان الفنية العاملة تحت مظلة مجلس التعاون بعدد من القرارات التي تتضمن التنسيق ودراسة الخطوات المشتركة في المرحلة الحالية والمستقبلية وبمتابعة التقارير والدراسات الصادرة من المنظمات الإقليمية والدولية والمراكز المتخصصة المعنية بسوق العمل، والبحث عن التجارب المتميزة والناجحة التي تتخذها دول العالم للحد من تأثير هذه الجائحة في القوى العاملة، واستمرار التواصل بين هذه اللجان بوساطة وسائل الاتصال الإلكترونية المتاحة بما فيها الاجتماعات المرئية.

الاجتماع الاستثنائي الثاني للجنة التعاون التجاري
استمرارًا لجهود الأمانة العامة لمجلس التعاون في جانب التعاون التجاري بين الدول الأعضاء، عقدت لجنة التعاون التجاري بدول المجلس اجتماعها الاستثنائي الثاني، في 16 أبريل 2020م، عن طريق تقنية الاتصال المرئي.
وجاء هذا الاجتماع في إطار متابعة الوزراء لمستجدات تأثير جائحة فيروس “كورونا” المستجد (COVID-19)، والإجراءات المتخذة في دول مجلس التعاون على المستوى المحلي.
وتمَّ خلال الاجتماع استعراض الجهود الاحترازية التي تتبعها الدول الأعضاء للتصدي لهذه الجائحة منذ نشوئها، والتشاور حول أمثل السُبل والممارسات لتخفيف آثارها في القطاع الخاص، والعمل على تذليل العقبات والعوائق التي تواجه مؤسساته في ظل الظروف الاستثنائية الحالية.
وراجع الوزراء، من خلال جدول أعمال اجتماعهم الاستثنائي، الخطط والتدابير المتخذة سلفـًا لأجل ضمان انسياب السلع الأساسية والضرورية بين دول المجلس، وتوافرها في منافذ البيع بشكل طبيعي، حيث اطلع الوزراء على ما توصل إليه وكلاء وزارات التجارة في اجتماعهم الاستثنائي الثاني الذي عُقد في 10 أبريل 2020م، عن طريق الاتصال المرئي، وقرروا الموافقة على تكليف الأمانة العامة بإعداد ورقة عمل عن الأمن الغذائي بين دول المجلس، وتشكيل فريق عمل يتكون من ضباط اتصال من وزارات التجارة بدول المجلس يجتمع دوريــًّا؛ لرصد المستجدات المرتبطة بانسيابية السلع بين الدول الأعضاء، والعمل على حلِّ المشاكل التي قد تعيق انسيابيتها في التجارة البينية.

الاجتماع (111) للجنة التعاون المالي والاقتصادي
على الجانب الاقتصادي الخليجي، عقدت لجنة التعاون المالي والاقتصادي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اجتماعها الحادي عشر بعد المائة عبر الاتصال المرئي، في 21 أبريل 2020م.
واستعرض وزراء المالية في دول المجلس خلال الاجتماع عددًا من المواضيع والتوصيات المرفوعة.
كما ناقش الاجتماع آخر التدابير والجهود الاحترازية التي اتخذتها الدول الأعضاء لضمان توفير المتطلبات المالية اللازمة لتنفيذ الإجراءات الوقائية والمباشرة للتعامل مع تبعات فيروس كورونا الجديد (COVID-19)  والحد من انتشاره، وتعزيز الثقة في اقتصاديات دول المجلس، وتحقيق الاستدامة المالية لها.

ثالث الاجتماعات الاستثنائية لوزراء الصحة في دول مجلس التعاون
جاء الاجتماع الاستثنائي الثالث لوزراء الصحة في دول مجلس التعاون بدعوة من معالي الأمين العام للمجلس، الدكتور نايف الحجرف، لمناقشة آخر المستجدات حول الجائحة، حيث عقد وزراء الصحة، اجتماعهم عبر الاتصال المرئي، في 17 يونيو 2020م.
واستعرض الوزراء خلال الاجتماع المستجدات والترتيبات المتعلقة بالوقاية وعلاج فيروس “كورونا” ((COVID-19، استمرارًا للتنسيق والتعاون المبذول لتوحيد جهود دول المجلس في مجابهة الجائحة، ودور القطاع الصحي في العودة التدريجية للحياة الطبيعية في دول
المجلس.
ورفع الوزراء شكرهم وامتنانهم لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لتوجيهاتهم السديدة وحرصهم على صحة وسلامة الإنسان كأحد أهم الأولويات، وعلى الدعم السخي اللا محدود للقطاع الصحي؛ ليقوم بمسؤولياته الكبيرة؛ لمواجهة جائحة فيروس “كورونا”، الأمر الذي انعكس على النتائج التي تحققت بالتحكم واحتواء المرض وعلاج المصابين به في دول المجلس، وإشادة الدول والمنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية بالجهود والإجراءات الاحترازية التي قامت بها دول المجلس.
كما أشاد الوزراء بالعمل الخليجي المشترك في مجال مواجهة الجائحة، وجهود اللجان العاملة تحت مظلة مجلس التعاون بكافة مستوياتها، وسعي الأمانة العامة لمجلس التعاون، ومجلس الصحة لدول مجلس التعاون لتنظيم وتنسيق العمل المشترك، وتفعيل غرفة العمليات المشتركة والخاصة بالتعاون خلال الجائحة، وبخاصة تبادل المعلومات والتجارب والمبادرات الصحية، وتنظيم الاجتماعات المكثفة للجان، وإعداد التقرير اليومي الخاص بالوضع الصحي للجائحة في الدول الأعضاء.
وناقش الوزراء في هذا الاجتماع، الدليل الخليجي للاستعداد والاستجابة للأوبئة والجوائح، والبروتوكول الخليجي لعلاج حالات الإصابة بفيروس “كورونا”، وخطط دول المجلس للعودة التدريجية للأنشطة والأعمال بعد الأزمة، والإجراءات الاحترازية الصحية لفتح المنافذ البرية والجوية بين دول المجلس، واتخذ الوزراء العديد من القرارات للمضي قدمًا بشأن تلك المواضيع.
كما كلف وزراء الصحة بدول المجلس اللجان المختصة بالاستمرار في متابعة المستجدات الخاصة بالجائحة، والتواصل من خلال غرفة العمليات المشتركة، مؤكدين على أهمية تبادل المعلومات ونقل الخبرات فيما بين دول مجلس التعاون.

شبكات التواصل الاجتماعي… هل أحرقت (أخبار) وسائل الإعلام التقليدية؟!

الموضوعية؛ هي إحدى ركائز القيم الإعلامية الرئيسة المهمة، ربما كانت غائبة أو في الغالب مغيبة لسبب أو لآخر، في ميدان معظم النقاشات والحوارات الدائرة والمستمرة حول أثر ما سُمّي بالإعلام الجديد في الإعلام التقليدي، ذلك أن التعميم في الطرح والخلل في الاستنتاج هو ما يشكل السّمة السائدة لدى غالبية من تصدوا للظاهرة الوليدة، المتنامية في أشكالها وأعداد مستخدمي أدواتها بقدر اتساع دوائر الموجات “الكهرومغناطيسية” ذات البث القوي، ولعل ما عزز من ذلك التعميم اختلاط الأوراق التي أحدثها دخول أطراف عديدة لحقل الاتصال والإعلام، بخاصة بعد تكاثر انتشار أدوات التواصل الإعلامية وغير الإعلامية عبر الإنترنت، وذلك بعد أن كان الحقل ذات يوم شبه محصور في المجتمع الإعلامي بشقيه الأكاديمي والمهني.

مفترق الطرق
كان من نتائج التعميم في الحكم، أن تحولت مشاربه وبعض أهدافه في أحايين كثيرة، وتحديدًا فيما يتعلق بتخصص الإعلام إلى مزاحمة غير مهنية، عكرت أداءه؛ وأدت إلى شقّ صف الإعلام إلى صفين وفقـًا للفضاءين المختلفين شكلاً على الرغم من اتحادهما وظيفيًّا: التقليدي والرقمي، ساعد على ذلك: وجود تيار إعلامي قديم محافظ تهاون مع التحول لجهله أو لفوقيته حينئذ، وآخر حداثي بالغ في التباهي بالجديد لحماسته أو لتشفيه من التيار الأول.

وفي خضم هذا التراشق بالرأي والتعصب له، تناسى الطرفان قاعدة أزلية تقرر أن تطور التخصصات والنجاح فيها، إنما يتأتى من تراكمات تأسيسية تضيف لبعضها البعض، وأنه لا يمكن لأية نشاط أن ينمو كما يجب عبر إعادة اختراع العجلة، الأمر الذي أدى – حتى الآن – إلى وجود إعلام هجين غير مكتمل النمو، خسر معه الجميع، بخاصة الحكومات والإعلام الوطني، بل وحتى الرأي العام نفسه، الشكل المنتظر للإعلام المتكامل، أو ما يمكن أن نطلق عليه مؤقتــًا: الإعلام المطور.

لعل من المفارقات أن كلا الإعلامين تجمعهما قواسم مشتركة من أهمها الأهداف والمهام، مما لا يمكن الاستغناء عنه، أو العبث بمكوناته، أما على مستوى التفاصيل، فإن من أبرز القواسم المحورية حقيقة مفادها أن الخبر هو الشكل الإعلامي الرئيس، إذ يمثل الأصل والنواة التي نمى وتفرع منها نشاط الإعلام نفسه؛ فقد شكلت مضامينه منذ بدء الخليقة ولا تزال حاجة إنسانية ملحة تقوم على الرغبة في تعرّف الأحداث والمستجدات، وربما يدعم ذلك السؤال التقليدي والعفوي المتكرر بصورة شبه يومية باستخدام العبارة الدارجة “وش الأخبار؟!”، وبالتالي فإن الخبر، بقيمته وأهميته، يظل المقوم الأساسي لتطور الإعلام ووسائله، وأن قيمته التي نشير إليها هي التي قادت إلى انبثاق الأشكال الإعلامية الأخرى كالتحقيق، والتقرير، والقصة الخبرية، والصورة الخبرية، بل وحتى المقال؛ فهي وإن تنوعت في ظاهرها إلا أنها في حقيقتها تنشأ من الخبر وتنمو تباعًا لأحداثه.

فوق هذا وذاك، وبعيدًا عن الانطباعات والاجتهادات الفردية، بات مهمًا، كي توضع الأمور في نصابها، التنبه إلى أن هناك جملة من القواعد التي يجب أن تكون حاضرة لتقييم النشاط الإعلامي وتطويره، من ذلك أن الوسيلة الإعلامية الفاعلة يجب أن تستمر سُبل تطويرها وفقـًا لدرجة تفاعل الجمهور معها، وأن أكثرها وصولاً وتأثيرًا تلك التي تراعي مقتضى حال المتلقين، ليس فقط من حيث لغة التخاطب معهم؛ بل والأهم من حيث توافر الوسيلة المناسبة لديهم، مما يعني أهمية استخدام كافة الأدوات التي تعين على الوصول إلى كافة فئاته، وهو ما يستدعي تعرّف سلوكات الجمهور من حيث مدى متابعته، ودرجة تعرضه، واتجاهاته نحوها، فالاعتقاد مثلاً أن الجميع يمتلك وسيلة تواصل اجتماعي هو حكم غير موضوعي، مما يعني أن الوصول إلى الجميع لا يمكن أن يتحقق ما لم يتم استخدام كافة الوسائل.

مجالات تفوق الإعلام التقليدي
على الرغم من مزاحمة وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة للإعلام التقليدي في كثير من مقومات انتشاره؛ بل وعلى الرغم من أن تلك الوسائل الرقمية حملت معها مزايا مهمة، وتفوقت على التقليدية في بعض منها، إلا أن هذه الأخيرة  – ولحسن حظـّها – استأثرت بجملة من المواصفات القادرة على تمكينها من البقاء سيدة للموقف في ميدان الإعلام، متى ما استفادت من مزايا الرقمية التي ستأتي لاحقـًا، من تلك السمات أو القيم والمجالات التي تكاد تنفرد بها:

1-المصداقية؛ وتمثل هذه القيمة وحدها من دون منازع ورقة الرهان الرابحة التي تمتلكها وسائل الإعلام التقليدية وتشكل سلاحها الحاسم إن هي أحسنت تطوير ذاتها لكسب ثقة الجمهور بالمواد الإخبارية التي تنشرها والتفوق على غيرها من المصادر؛ ذلك أن الرصين منها عُرف بحرصه الشديد والحازم على صحة معلوماته، لقناعته التامة بأن الالتزام بها، هو سبيله القوي في تعزيز صورته الذهنية، ولعل مما قوَّى هذا البعد خضوع معظم تلك الوسائل لفترة طويلة من الزمن للأنظمة والتشريعات التي تسنها الجهات المعنية، ونجاح كثير منها في تشكيل الولاء لدى جماهيرها، الذين نشأت بينهم وبينها صلة وطيدة، كان من مظاهرها معرفتهم بالشخصيات التي تديرها وتعمل بها؛ بل وبمقارها، بخلاف وسائل الاتصال الجديدة التي يعمل كثير منها في عالم افتراضي، ويختفي بعضها خلف أسماء رمزية أو وهمية.

ولأهمية المصداقية كقيمة إعلامية تتفوق بها الوسائل التقليدية، ظلت تشكل مرجعية للجمهور للتحقق من صحة الأخبار، تبقى مهيمنة إلى الآن في هذا القطاع في أثناء نشوء الأزمات، إذ لا يمكن أن تعول العامة على مواد أفراد تتضارب آراؤهم من دون قرائن يعتد بها.

2-الدقة والتحقق من المعلومات؛ فهذه الوسائل التي اشتهرت بتواجد ما اصطلح عليه الباحثون في مجال التخصص مسمى “حارس البوابة”، اتسمت بكونها صمام أمان لمحاربة الشائعات والأخبار المغلوطة، حتى وإن اعتبر البعض أن وجود هذه السمة “مثلبة” تعاب بها، لكونها تشكل في بعض أحوالها قيدًا مؤلمـًا لحرية الصحافة، إلا أن الجهد المكثف الذي يبذله الإعلاميون العاملون فيها، بما في ذلك كتـّاب الصحف البارزون، في البحث والتمحيص للتأكد من صحة معلوماتهم قبل نشرها يُعدّ “منقبة” يثمنها العارفون بخطورة المعلومات الزائفة وأثرها المدمر في المجتمعات، ويأتي اجتهاد الوسائل التقليدية ومنسوبيها في تنقيتها انطلاقـًا من قناعات أكيدة بأن التقصير في الالتزام بذلك حري بأن ينعكس سلبًا على أدائهم، بل وعلى مستقبلها ومستقبلهم.

3-العمق في الطرح وشمولية التناول؛ وهي مزية تظهر بشكل جلي – على سبيل المثال لا الحصر – في التحليلات المتنوعة والجادة التي تحتويها أشكال موادها، والتي تستعين في كثير منها بالخبراء وأهل الاختصاص لتسليط الأضواء من زوايا مختلفة على الأحداث، وهي القيمة التي تمكن مستخدميها من رؤية الصورة بتفاصيل أكثر، مما يؤكد حرص هذه الوسائل على تجنب النظرة القاصرة للأحداث والحكم الجائر على أطرافها، وبالتالي فإن أخبار هذه الوسائل تبقى محتفظة بخاصية تقديم مادة متكاملة نسبيًّا مقارنة بما استجد من وسائل.

4-نشاط مؤسساتي مستدام؛ فمخرجات الوسائل الإعلامية هي محصلة عمل جماعي منظم ومستمر، ومنضبط يخضع للتقييم والتطوير، وإن كانت وتيرته لا تتواكب مع العصر الجديد، يساندها في ذلك وفرة الإمكانات المادية، التي تمكنها من توفير الاحتياجات الضرورية لأداء مهامها المهنية على أكمل وجه، وعلى الرغم من أهمية هذه الخاصية إلا أن بعض الوسائل الإعلامية لم تستفد بالشكل المطلوب منها لمواجهة المرحلة العصيبة التي مرّت بها بعد التحول السريع إلى الوسائل الرقمية.  

ويدخل في هذه الخاصية امتلاك تلك المؤسسات في معظم الأحوال للقوى البشرية المتمكنة مهاريـًّا وممارسة من العمل الإعلامي، فالحركة الدؤوبة للعديد منها في ميدان الإعلام كان ولا يزال قوامها أفرادًا مهنيين اكتسبوا الخبرة والدربة اللازمة لتسيير الوسيلة بشكل منافس، كما أن انتشار مكاتب ومراسلي هذه الوسائل في أماكن عديدة شكل قيمة مضافة كان يمكن الإفادة منهم في الرصد والنشر الإخباري بشكل جاذب، لو استطاعت الوسائل التقليدية مواكبة التغيرات وأحسنت استثمار مقدراتها البشرية والمادية.

مجالات تفوق شبكات التواصل الاجتماعي
أدت شبكات التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى إلى فتح منصات متنوعة لأفراد المجتمع ومكنتهم من التواصل ببعضهم البعض، وهيأت هذه الخاصية للمؤسسات بمختلف أنواعها فرصة ذهبية لبناء جسور تواصل بينها وبين جماهيرها المتنوعة، مستفيدة في ذلك من خواص الفضاء الرقمي الذي أحدث تغييرًا مذهلاً وهائلاً في كافة القطاعات من دون استثناء، وقادت إلى التعريف بصناعات جديدة، وانهيار أخرى.

وفي الوقت الذي وجدت فيه وسائل الإعلام التقليدية في هذه الشبكات قنوات سريعة لإيصال موادها لجماهير عريضة جدًّا فاقت بكثير جمهورها المعتاد، استفادت الشبكات نفسها ومستخدميها بطريقة تلقائية من المواد الإعلامية التي تبثـّها تلك الوسائل لتصبح غذاءً مستمرًا ومتجددًا لمضمونها المتداول بين المستخدمين، ربما كان المأخذ على وسائل الإعلام – كما أشرنا إلى ذلك سابقـًا – أنها لم تتوسع كثيرًا في الغوص بأعماق العالم الرقمي لتتعرف جيدًا كيف توظفه لصالحها، كي تحقق مكاسب شتى، حتى وإن اضطرت إلى تغييرات جذرية في الأنماط والأشكال الروتينية التي اعتادت عليها؛ وهو ما كان يجب أن يكون، ومن تلك المزايا التي عرف بها الفضاء الرقمي لأول مرة، وظهرت بشكل بيّن في شبكات التواصل:

1-السرعة المتناهية في النشر؛ التي مكنت المرسل على نحوٍ غير مسبوق من الوصول الفوري لمستقبلها في أي مكان على وجه البسيطة، وهذه الخاصية تكاد تكون قاصمة الظهر التي زلزلت الإعلام التقليدي بكافة أشكاله، وأفضت آثارها إلى توقف درامي في كثير من وسائله، إذ أفسدت الشبكات الاجتماعية عليها تغطية الأحداث بالصورة المهنية، وذلك على الرغم من أن الشبكات تدار بشكل عشوائي وعبثي أحيانـًا من قبل هواة غير ملمين بأسس مهنة الإعلام، وتسبب ذلك في اختفاء تنافس الوسائل الإعلامية في تحقيق قصب السبق، كما أدى إلى تلاشى إمكانية إعداد المواد الحصرية التي عُرفت بها وكان يترقبها الجمهور فيما كان يعرف بالإشباعات المتوقعة، وبدأت شعبية الوسائل وروح المنافسة بينها يفقد كثيرًا من وهجه.    

2-خاصية التفاعلية؛ وتوفُّر أدوات القياس والتقييم الفوري، حيث شكّل هذا البـُعد واحدًا من التغيرات المهمة التي تميـّزت بها وسائل الاتصال الاجتماعي، فإذا كانت المصداقية هي ورقة الرهان الأقوى لدى وسائل الإعلام التقليدية، فإن هذا العنصر هو مرتكز الوسائل الجديدة ومصدر القوة لديها، فمن خلاله تمَّ تفعيل دور المتلقي ليكون أحد صناع المحتوى، كما بات الترمومتر الذي ترصد عبره قيمة رسائلها، ومدى تأثيرها، ليتسنى لها تعرّف كيفية تطويرها.

3-ميزة تنوع الأدوات والأشكال الاتصالية؛ ويمكن ملاحظة ذلك في حجم التكاثر اللامتناهي الذي ولدته ولا تزال الإنترنت من التطبيقات، وكذلك حجم المساحة الشاسعة التي تهيئها للمبدعين في الابتكار، وبقدر ما تعدُّ هذه الخاصية ميزة إلا أنها تحولت في شقّ منها إلى مهدد للأدوات والتطبيقات التي يتم التعريف بها من وقت لآخر؛ إذ إن ديناميكية النشاط والابتكار المتجدد في عالم تقنية الاتصال أدى إلى أن تتقادم بعض المبتكرات الجديدة في وقت وجيز خصوصًا في ظلِّ تسابق العالم نحو عمق الثورة الصناعية الكبرى الذي يهدف إلى أتمتة كافة الخدمات وتمكين الآلات من توفيرها، والتحكم فيها.

4-اتساع رقعة حرية التعبير؛ وهي ظاهرة تفشى استخدامها مع بداية النشر الرقمي الذي كان – لغياب كثير من التشريعات والقوانين الضابطة – مفتوحًا على مصراعيه، وتجاوز ذلك الاستخدام في بعض أشكاله الأخلاقيات والقيم المتعارف عليها، الأمر الذي دعا عددًا من الدول بما في ذلك التي تغنت بالحرية إلى تهديد شركات المعلومات العملاقة بعقوبات جسيمة في حال سمحت عبر مساحات النشر لديها وتطبيقاتها ببثِّ أية مواد عنصرية أو تحث على الكراهية، وذلك حين أدركت بشكل ملموس خطورته على الأمن والاستقرار، عبر استغلال المنظمات الإرهابية المروع لوسائل وتطبيقات تلك الشركات وقنواتها الرقمية.

إعادة تقييم
يستفاد مما سبق في ضوء السمات الإيجابية التي أتاحها الفضاء الرقمي الجديد أهمية قيام المؤسسات بشكل عام والإعلامية بشكل خاص، في ظلِّ حاجتها الملحة للوجه الاتصالي الجديد إلى إعادة هيكلتها إداريًّا، ومهنيًّا، أن تضيف إلى مهامها الجديدة جهازًا متخصصًا في مواكبة التقنيات الرقمية؛ بحيث تصبح العمود الفقري لعملها، والعين اليقظة لمراقبة متغيرات التقنية وسوقها أولاً بأول، وفوق هذا وذاك ينتظر من هذا الجهاز أن يغذي تفاصيل مكونات بقية الأجهزة إما تعليمًا أو تدريبًا على كيفية التعامل مع كل جديد، أو على أقل تقدير تثقيفًا للكوادر البشرية بالصورة التي تضمن فهمه لما له علاقة بوظائفه، وتقضي على أميته الرقمية التي تعدُّ واحدة من مهددات الأنشطة المهمة بأنواعها. 

والوسائل الإعلامية، إن استثمرت الوفرة الهائلة للمعلومات في العصر الرقمي، في ظل انتشار قواعد البيانات والمعلومات الضخمة وتقنيات الربط المباشر مع مراكز البحوث والجامعات والمعاهد المتخصصة، فإنها ستكسب قيمة مضافة للبحث والتدقيق لصناعة محتويات أكثر ثراءً، وجاذبية غير مسبوقة، ومرونة عالية تمكنها من تطويع تلك المعلومات لصناعة محتوياتها بما يتواكب مع روح العصر ومقتضياته.    

وبالعودة إلى بيت القصيد فيما يتعلق بمصادر الأخبار الأدق والأصدق والأعمق، ومدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي سلبًا في الوسائل التقليدية، يتضح أن الوسائل التقليدية ظلـَّت تمسك إلى حدّ كبير بزمام نشر الأخبار المحلية والعالمية الموثوقة، في حين انفردت شبكات التواصل بشكل عام في خاصية نشر الأخبار المجتمعية والشخصية التي لم يكن لوسائل الإعلام آنذاك اهتمامًا يذكر بها.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الوسائل التقليدية قد كسبت الرهان في النشر الإخباري الجماهيري بشكل نهائي، إذ إنها خسرت بعض مزاياها في ميدان الأخبار في هذا الجانب لصالح الوسائل الجديدة، فهي أصبحت في الغالب تأتي متأخرة عن شبكات التواصل في مسألة السبق الإعلامي الذي يعدُّ قيمة لا تقدر بثمن كمقوم من مقومات الإعلان عن الأخبار القيمة، وباتت بضاعتها في هذا الأمر تتعرض للكساد بسبب التقادم الذي يعتريها جراء المنافسة الحادة من الملايين في النشر قبلها، ليس بالنص فقط، بل وبالصوت والصورة كذلك، يحدث هذا عندما يكون الأفراد أنفسهم شهودًا مباشرين على الخبر نفسه أو جزءًا من مكوناته، عندما يكونون ممّن عاشوا في دائرته حال حدوثه.

لقد أصبح هذا التحدي واقعـًا معاشـًا في مجال صناعة الأخبار، فلم تعدّْ الوسائل التقليدية قادرة على تحقيق قصب السبق، ولم تعدّْ تمتلك وحدها كثيرًا من المزايا التي أوجدت لها المكانة التي كانت تتمتع بها سابقـًا، فقد أصبحت مساحات تحركها محدودة للغاية، وزاد من صعوبة الموقف أن المزايا القليلة المتبقية لتلك الوسائل التقليدية لا يحسن استثمارها والتعامل معها كما يجب إلا أصحاب المهارة العالية، من القادرين بحسّ رفيع على استنطاق أصحاب الشأن أثناء الأحداث الجسام، وهم الأكثر وصولاً إليهم للظفر بمادة حصرية.

زاد الأمر تعقيدًا أن أولئك المهرة الذين كانوا من بين مقدرات الوسائل التقليدية أخذوا في التناقص، وهجروا وسائلهم أو تمَّ تسريحهم بسبب تقلص الحوافز المادية التي صاحبت تراجع الدخل الإعلاني، الذي وصلت فيه إلى أسوأ حالاتها، بل إن منابعه جفت، وتوقف تمامًا عن معظم الوسائل التي اعتمدت عليه لسنوات، ولأنه كان أكسير الحياة لكثير منها، ولأن معظمها لم تبحث في آلية الوصول إلى “الإعلام المطور” المرتقب، فقد أطلق العديد من هذه الوسائل النار على نفسه بصورة عاجلة، مختصرًا المسألة إما بالتوقف أو تقليل الجهد، وهي خطوة قد تكون مؤشرًا على أحد أمرين: قصر النفس لدى قادة أعياهم المسير في مجال عملهم وأُخذوا على حين غرة بمفاجأة الفضاء الجديد، وإما – وهو الأقرب – لجهل تام بطبيعة التطور الذي اكتفوا فيه بمعرفة سطحية لمظاهره، ولم يغوصوا كما يجب في أعماقه، لتصبح جزءًا من وسائلهم.

مرحلة الاستسلام
في ظل هذا المشهد، بات مؤلمًا لصناعة الإعلام الوطني على وجه الخصوص، أن تلوح في الأفق بوادر تراجع حاد في درجة مقاومة الهجوم الكاسح لأنصار الإعلام التقليدي، ليس لأن مناوئيهم أصبحوا أكثر منهم عدة وعتادًا فحسب، لكن لأن غياب النظرة الفاحصة في الخروج من النفق أدى في نهاية المطاف إلى استسلام مؤسساتهم؛ وخسارة كثير من رموزها الذين لا يسهل تعويضهم، ولم يتم استثمارهم، بل إن تاريخهم في هذه المؤسسات استخدم وإن بطريقة غير معلنة كأداة لاستبعادهم عن المشهد، على الرغم من أن كثيرين منهم حاولوا شقّ طريقهم بمفردهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.   

قد يكون جزءًا من أسباب ترجل بعض الوسائل التقليدية عدم قدرتها على مقاومة النقد الذي لا يخلو من سخرية من أنصار التقنية الرقمية، وفي هذا مفارقة غير متوقعة، ذلك أن الوسائل التي أمضت سنوات عمرها في ممارسة الدور الرقابي على الساسة، والمؤسسات، بلغة لا تخلو من النقد الجاد وربما الحاد، وجدت نفسها فجأة تكتوي بنيران النقد ذاته، وربما كان معظمه يخلو من الموضوعية التي بدء بها هذا المقال.

إدارة الإعلام
لم يكن للوسائل التقليدية التي انهزم كثير منها أن تخسر المعركة، لو أنها فطنت مبكرًا إلى أن المشكلة الحقيقية التي أودت بها إلى التعثر كانت بالدرجة الأولى مشكلة إدارية، فهي على الرغم من كون السواد الأعظم منها شكل في فترة من الفترات، بما لديه من مقدرات، بيئة مثالية للتحول إلى الفضاء الجديد، إلا أنها عجزت بصورة محزنة عن الاستفادة منها؛ بل إنها أصيبت بسبب التخبط في خاصرتها على نحوٍ أدى إلى تناثر تلك الممتلكات بصورة تثير شفقة العارفين ببواطن الأمور، ولكن لا يملكون القرار في كيفية المعالجة أو القدرة على التدخل.

هذا القول يؤكد صحته تجربة عدد من الوسائل التقليدية (المخضرمة) التي لم يربكها طوفان الفضاء الجديد، أو يحبطها عدم وضوح الرؤية حول مستقبله ومستقبلها، فهي على الرغم من قلة عددها لأسباب ليس هذا موطنها، وجدت في التحول فرصة عظيمة لأن تحقق نجاحات أكبر وأعظم مما حققت، وهي الوسائل التي تمثل بحق النموذج الواعد لتشكيل الإعلام في هيئته المطورة، إذ إنها لم تعمل على حماية مقومات البقاء في الحالة التي كانت عليها، أو تتعصب لسياساتها التقليدية كما فعل غيرها، وإنما دخلت بشجاعة وبقوة إلى الميدان الرقمي بالشكل الصحيح، ففهمت خواصه الاتصالية، وشاركت بعزم عال ومرونة كبيرة ممزوجتين بمهنية في إعادة تشكيل الصناعة الإعلامية.

تجربة صحيفة “نيويورك تايمز”
أدى زخم الحماس للوسائل الرقمية – كما أشرنا سابقـًا – إلى استعجال البعض، بما في ذلك النخبة، في الدعوة إلى إلغاء الوسائل التقليدية، كان آخرها دعوة واحد من الذين عملوا لسنوات كاتبًا في إحدى الصحف المرموقة، سمعته في محفل قبل أيام معدودة من كتابة هذا المقال، إلى أن تتوقف وكالات الأنباء عن بث الأخبار، وأن تغلق أبوابها كما فعلت العديد من الصحف الورقية، مستشهدًا في ذلك بمن تسيد المشهد الصحفي لقرابة قرن من الزمن على غرار صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، غير أنه في رأيه الذي لا يخلو من آفة التعميم، لم يستحضر واقع الصحيفة العريقة “نيويورك تايمز”، التي تمثل – مع نظيرتها “واشنطن بوست” – نموذجًا للوسيلة التي تحركت بذكاء وواقعية مع التحولات الدراماتيكية، مع تذكرها الدائم لقواعد وأسس المهنة والتزامها بها، فصمدت في وجه الأعاصير متسلحة بإستراتيجية تدرجت فيها بين الحسنيين، حـُسن استثمار مقومات ومزايا العمل الإعلامي التقليدي التي تعدُّ ثوابت راسخة في صناعة الإعلام، بغض النظر عن نوعه وأدواته ومنها الخواص الأربع التي أشرنا إليها سابقًا، وحـُسن الاستفادة من مزايا التقنية الرقمية؛ وتشمل كذلك الخواص الأربع الأخرى التي ذكرناها فيما يخصُّ وسائل التواصل، لتكون بذلك أقرب الوسائل تشكيلاً لملامح المنتج المنتظر للإعلام المطور.

فالصحيفة التي تأسست سنة 1851م، حافظت على خطـّها التصاعدي في عالم الصحف إلى أن بلغت ذروتها، وأصبحت من أكثرها مقروئية، متغلبة بشكل مذهل على كافة الصعاب التي اعترضت طريقها بما في ذلك التحول الكبير إلى عالم النشر الرقمي، وتمكنت بإصرارها، وفـَهمها المؤسساتي التـّام لتفاصيل عناصر المعادلة الجديدة، من البقاء في القمة ذاتها على الرغم من الاعتقاد غير الصحيح باكتساح شبكات التواصل للنشر الخبري الذي هو محور العمل الإعلامي كما أسلفنا.

وفي الوقت الذي راهن كثيرون على أن الصحيفة إلى سقوط، فاجأت الجميع في ظلِّ سياسة ضبط النفس والعمل التطويري الدؤوب بوصولها إلى مرحلة متقدمة، صدقها في ذلك دخلها السنوي؛ فقد أعلنت قبل شهر تقريبًا أنها تمكنت في نهاية العام الماضي 2019م، من تحقيق إيرادات مالية قدرها (800.8) مليون دولار مقابل خدماتها الرقمية فقط، وهي الخدمات التي راهنت الصحيفة عليها، بعد أن تلاشت حصتها من كعكة الإعلانات التي ألفتها لسنوات. 

لم يأت هذا الرقم الضخم مصادفة، بل جاء نتيجة رؤية واضحة لخطة مسبقة صدقت توقعاتها بشكل تجاوز التوقعات؛ فوصلت العام الماضي إلى الهدف الذي كانت تتوقع حدوثه في نهاية هذا العام، أما أهم مصدر لهذا الدخل، فتمثل في الاشتراكات الرقمية في الداخل والخارج، التي أسهمت بمبلغ (420) مليون دولار، دفعها قرابة (3.5) مليون مشترك باحث عن الأخبار، من إجمالي مشتركيها البالغ عددهم (5.251.000) مليون مشترك، وكان من المفارقات والمفاجآت السارة أن تكسب الصحيفة مليون قارئ من مشتركي النسخة الرقمية في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2019م، دفعتهم إليها – حسب تقرير الصحيفة نفسها – الحاجة إلى متابعة أخبار اتهام الرئيس ترامب باستخدام السلطة وعرقلة عمل الكونجرس، بالإضافة إلى أحداث الحملات الانتخابية للرئاسة الأمريكية 2020م، هذه الأرقام أدت إلى أن يقفز سعر سهم الصحيفة في أسواق المال بنسبة (13%) ليصل إلى (38.55) دولار، وهو ما وصفه رئيس الشركة المالكة للصحيفة ومديرها التنفيذي “مارك ثامبسون” بأنه أفضل سعر تبلغه الصحيفة منذ إطلاق نسختها الرقمية قبل تسع سنوات تقريبًا.

المهنة تكسب
هذه النتائج تعطي أكثر من مؤشر على أن الصحافة الحقيقة ليست مهددة متى ما استطاعت أن تقرأ البيئة الاتصالية الجديدة بتفاصيلها، كما أنها تعطي دلالة قوية على أن الجمهور ليس له أن يعتمد على الهواة على حساب أصحاب المهنة الحقيقيين متى ما وجد إليهم سبيلاً، فالقارئ يدرك تمامًا بأنه ليس قادرًا في كل الأحوال على فرز الأخبار الصادقة من الزائفة، حتى وإن حاول جاهدًا القيام بذلك وليست هذه من مهامه، لذا كان طبيعيـًّا أن يجد في تكلفة الاشتراك بسعر زهيد نسبيـًّا مخرجـًا له من تشتت ذهنه في البحث والتحقق من الأخبار في محيط متلاطم الأمواج.

كان مما يؤكد المرونة والواقعية في تعامل الشركة المالكة للصحيفة مع طبيعة سمة الفضاء الرقمي، أنها لم تكترث لانهيار قيمة الإعلان في النسخة الورقية وتضاؤل حجمه وأعداده، بل ولم تنشغل بنزوله في النسخة الرقمية بمقدار (10%) عن حصيلة عام 2018م، واعترفت بصراحة تامة تتسق مع المنطق أن الإعلان لم يعدّْ مصدرًا من المصادر التي تعول عليها كما كانت عليه الحال في عصر الورق، مشيرة إلى أنها تنوي أن تتجه إلى اشتراكات القراء حول العالم ليصبح البديل والمصدر الأكثر ربحية، وهو ما جعلها تخطط للعمل على مضاعفة عدد المشتركين خلال خمس سنوات فقط، ليصل إلى (10) ملايين مشترك في عام 2025م.

ولأن الصحيفة باتت تجني ثمار تخطيطها السليم، وتفاعلها المقنن والمدروس مع التحولات، لم يكن مستغربًا أن تزيد مؤخرًا، وتحديدًا في الربع الثاني من عام  2020م، قيمة الاشتراك الرقمي لمدة أربعة أسابيع إلى (17) دولارًا بعد أن كانت تكتفي بـ(15) دولارًا فقط على مدار السنوات الماضية، منذ بداية نسختها الرقمية في عام 2011م، ولأنها أقدمت على ذلك وفقـًا لخطوات محسوبة تمامًا، أوضح رئيس الصحيفة ومديرها التنفيذي بأنهم على ثقة بأن ولاء قراء الصحفية لن يجعلهم يترددون في قبول الزيادة؛ لعلمهم الأكيد بدورهم المهم في الإبقاء على الجودة والتنوع والعمق الذي يقدرونه كثيرًا، في ظلِّ غيابه وتواري كثير من الوسائل عن الساحة.

لقد اقتضى الوصول إلى هذه المرحلة قيام العديد من الوسائل التقليدية بتجربة أساليب متنوعة في كيفية استقطاب المتلقي والحفاظ عليه، والمتابع لتلك الخطوات يلفت انتباهه أنها حصيلة عمل دقيق ولم يحدث بصورة اجتهادية وعشوائية، ولأنه احترم التخصصات ذات الصلة، فقد اعتمد على مزيج من قراءات واستطلاع أصحاب الشأن من خبراء الإعلام والتسويق والتقنية والفنون وعلم النفس، وكافة مَن كان يتطلب الموقف الاستعانة بهم، ولعل مما يؤكد ذلك طبيعة التغيرات السريعة التي اتخذتها وسائل الإعلام، وفي مقدمتها “نيويورك تايمز” على مدى فترة طويلة تتطلبها طبيعة بيئة جديدة ذات متغيرات معقدة.

السينما بين النص الأدبي والكتابة للشاشة

-علاقة الأدب بالسينما تكرس البـُعد الجمالي والفني.
-الرواية الأدبية تتجلى عندما تغدو منتجـًا مطروحـًا للتفكير والإدراك.
-الوفاء للشكل الفني والدرامي لروح النص الروائي من تيمة الاقتباس.
-العمل الفني يحمل كينونتين، كينونة الموضوع وكينونة المعنى الإبداعي.
-الاقتباس الجيد يعبر عن تقاطع مدركات جمالية بين العمل الفني ومتلقيه.

مقدمة
يختص الخطاب الفني في عمومه بإمكانية التحاور والترابط بين أنساقه الدالة على اختلاف ضروبها وحدودها الجمالية المتباينة، ولعل أبرز أوجه هذا الترابط وأقدمها في تأكيد الاتجاه التناصي للأنشطة الإبداعية، المزاوجة بين فنيات الرواية كجنس أدبي له مصنفات بنائية وجمالية مخصوصة والسيناريو الذي ينطوي على “أقلمة” النص الأدبي وإعادة صوغه وفق إستراتيجيات لغوية لفظية تختلف بين الشرح والتكثيف وإعادة التشكيل.

إن الاقتباس من الرواية وعالم الفكر والخيال إلى عالم الصورة والتمثيل والديكور، أوجد علاقة يشوبها نوع من التوتر أحيانـًا بين المنتج الروائي والمنتج السينمائي، جوهر التوتر هو عن مدى قدرة السينما على نقل واقع الرواية بكل حيثياته، ثم إلى أي حد يمكن التزام الصورة ومحافظتها على واقع النص الأصلي وأدبيته؟ وهل يمكن ترجمة النص الروائي المكتوب الذي وسيلته اللغة الأدبية إلى نص درامي وسيلته الصورة البصرية من دون الإخلال بروح المعنى؟

إن هذه الإشكالات التي تعيد مساءلة الكيفيات التي يغدو بها النص الأدبي عملا سينمائيًّا، هي من الجهود النقدية التي تسعى دوما في اتجاه استنطاق العلاقة بين الأدب والسينما لاستكشاف ما يجمعهما ويوفق بينهما وتلافي ما يدخلهما في صراع ويجنبهما إكراهات “المزاوجة” بين الفنون.

1-الأدب والسينما: ملامح الإحالات والتعالق التصويري
إن تناول علاقة الأدب بالسينما هو ما يدعوه المشتغلون في مجال الإعلام بعلاقة “التناص التصويري” (la relation d’intertextualité picturale)([1])، حيث يرى أنصار هذا الطرح([2]) أن التحاور والترابط الذي يصف ثنائية الرواية والفيلم هو بناء إبداعي جمالي يطرح نفسه شبكة من العلامات البصرية التي تنتظر إدراكًا جماليًّا خاصًا حتى في ثنايا اللغة([3]).

من هنا تتضح المعطيات الفنية الأولية التي تسمح بالتحول الإبداعي السلس من جنس الرواية إلى حدود نسق الفيلم، وبالإمكان أن ندرك في هذا الصدد ملامح الإحالة التي تعمل على تكريس (consécration) البـُعد الجمالي للعلامة البصرية([4])، فالأديب يتأمل الأحداث ثم يصورها على الورق، في حين يكون السينمائي مطالبًا بتحويل كل فكرة إلى حركة منظورة، ومن خلال عمليهما يبدو الاختلاف بينهما، فالأديب ينقل إلى القارئ صورة ذهنية (image mentale) أي معنى، وهو المعنى الذي يولد في الذهن الصورة، وإن كان المتأمل في نسيج كل الروايات أيا كانت جنسيتها او لغتها يجدها من دون شك حافلة بالصور، فهو من دون شك محتوى بصري محاكي([5])، وليست المحاكاة هنا غير الوعي الباطن الذي يلازم الأنا القارئة في صميم تأملاتها، كونه يحضر حضورًا شخصيًّا، فالمحاكاة بهذا المعنى، خبرة جمالية باطنية تعيشها الذات المتلقية جزئيًا وعلى مراحل([6]).

إن الصورة التي تتضمنها الرواية كجنس أدبي لا تتجلى من القراءة الأولى، وإنما تتجلى عندما تغدو معطى مطروح للتفكير والإدراك([7]).

وانطلاقًا من هذا الاعتبار، يأتي التذوق الجمالي للتعبير عن هذا المسار العميق الذي يقطعه فعل القراء (acte de lecture) ليحقق في كل مرة معنى معايشًا نتيجة مبدأ المحاكاة([8]).

هكذا يتأكد أن الفعل التصويري في الأدب سابق عن ذلك الذي ينشأ في السينما، فالروايات أنساق إبداعية دالة عامرة بضروب الصور، التي تسجل العلاقات الملموسة بين الأشياء والأحداث وتضاعف من الإحساس بوجودها، وما على السينمائي إلا ترجمة هذه الصور بطرائق تقنية ونقلها إلى المشاهد([9]).

هذا كله يفسر، بلا ريب، وقوف السينما أمام الأدب موقفـًا قاصرًا، لا يرقى إلى ولوج كل أغواره، الحقيقة التي يؤكدها كل من قرؤوا الأعمال الأدبية العظيمة ثم رأوها على الشاشة([10]).

لكن هذا الاختلاف بين الرواية والفيلم في صيغتهما، لا يعني بالضرورة تضادهما، لأن هناك الكثير مما يشتركان فيه، فكلاهما وسيلة للتعبير و”التعبير” يعني الإحساس بالشيء، يعني التصور الفرداني المنسجم لما يحسـّه الكاتب والفنان إزاء واقع معين بخاصة الواقع المتأزم، الواقع المتخلف، الواقع المريض، والتبليغ يعني القارئ بالنسبة للكاتب، والمشاهد بالنسبة للفنان السينمائي([11]). غير أن توافقهما كوسيلتي تعبير لا يقود إلى ذوبان أحدهما في الآخر، فتحويل رواية إلى فيلم سينمائي ليس بالأمر الهين، إذ لا يجب إبعادها عن خطـّها العام لأنها بذلك تفقد قيمتها وقد يفهم المشاهد ما لا يريد الكاتب إيصاله إليه.

وهكذا فالرواية قلما تصل إلى السينما من دون تغيير، على الرغم مما يبذله كاتب السيناريو من جهد، وكأن عملية الإخراج لا تتم إلا إذا تدخل المخرج في النص. ولعل هذا ما يدفع كريستيان جاك ريتورك (Christian Jacques Ritork) إلى القول: إن “المؤلف الحقيقي للفيلم هو المخرج مثلما هو السيناريست مؤلف السيناريو، فالمخرج هو المؤلف للفيلم الذي هو أصلاً عمل تمثيلي لا علاقة له بالمؤلف الأدبي”([12]).

وعلى الرغم من أن تاريخ السينما يشهد على أن أعظم الأعمال السينمائية هي التي اعتمدت على نصوص أدبية كرواية (عناقيد الغضب) لـ”شتاينبيك”، و”ذهب مع الريح” لـ”مرغريت ميتشل”، و”أنا كارنينا” لـ”تو لستوي”، و”قصر الشوق وبين القصرين” لـ”نجيب محفوظ”، و”دعاء الكروان” لـ”طه حسين” … وغيرها من الأعمال الناجحة التي اقتبستها السينما من الأدب، وهو ما يحولنا فلسفيـًّا إلى ضرورة التأكيد على أهمية الاقتباس.

إن الحديث عن تيمة الاقتباس يحيلنا إلى معاينة الكيفيات التي يتم من خلالها تأسيس الموضوع الجمالي للفيلم، ولعله من هذا الجانب تتضح أهمية الوفاء للشكل الفني والدرامي لروح النص الروائي([13])، فالموضوع الجمالي بهذا المعنى هو ذلك الموضوع المحسوس الذي لا تبقى مادته إلا إذا ظلَّ محتفظـًا بصورته، وهذه الوحدة الباطنة في أعماق “الموضوع الجمالي” بين المادة والصورة، وهي التي تجعل من “العمل الفني” أقوى تعبير عن البـُعد الإنساني من أبعاد الواقع([14]).

ويتضح في هذا المستوى من التحليل أن الاقتباس لا يعني التحويل أو التغيير أو التصرف المطلق، وإنما يعني تكييف المحتوى والشكل الفني للعمل الأصلي – النسخة المرجعية (la copie référentielle) ‒ ومعادلتها بأسلوب يختزل كل حدود المحاكاة الفنية الرئيسة لإعادة إنتاجها بما تتوافق وموضوع فني وجمالي آخر([15]).

2-الكتابة للشاشة ودلالة خبرة المعنى والأفق القصدي
ليس موضوع – خبرة المعنى – غير القيمة الجمالية والإبداعية التي تميز عملاً فنيًّا ما([16])، وليست القيمة الجمالية غير البصمة الفلسفية التي تسم الموضوع الجمالي لكونه شبيها بالذات (quasi-sujet)([17])، أي أن الفنان يحاكي عمله ويترك فيه شيئًا من ذاتيته وعالمه الذي أنتج فيه هذا العمل وعبر فيه عن شعريات بعينها([18]).

ولأن كل عمل فني يحمل كينونتين، كينونة الموضوع التي ترفض أن تختزل إلى كينونة تمثيل عارض، وكينونة معنى يدل على قيمة جمالية محسوسة في ذاتها([19]) لا تحتاج إلى نظرة نقدية حتى تكتسب مشروعية وجودها، فهي موجودة وتحتل حيزًا مكانيًّا وزمانيًّا من نسيج العمل الفني الجيد الذي يفضي إلى تلمس القيمة الجمالية المحسوسة ومعايشة المعنى الذي يبتغي المؤلف تبليغه([20]).

وقد أفضت الممارسة الفنية العملية إلى وجود “اقتباسات” متباينة للأعمال الأدبية الموجهة إلى الشاشة([21])، وهي كلها اجتهادات تتراوح ما بين الترجمة التي تتوخى تحويل النص الروائي من صورته الكتابية إلى صورته السمعية البصرية (audiovisuelle)([22])، إلى “الأقلمة” التي تعيد صوغ النص الأدبي وفق إستراتيجيات لغوية لفظية تختلف بين الشرح والتكثيف وإعادة التشكيل([23]).

وأيا كان الأسلوب المعتمد في طريقة النقل، يمكن اعتبار “المقتبس” حينها كـ”مؤلف ثان([24])؛ إذ تكمن مهمته في الحفاظ على معنى الأثر الفني وأثره في المشاهد، ولذلك وجب عليه تبني نهج عمل “المؤلف الأول” نفسه وتحصين خبرة المعنى الكامنة في ثنايا النص المرجع([25]).

ولا شك في أنه بهذه الكيفية يمكن لمن توكل إليه مهمة الاقتباس تفعيل البـُعد المقصدي للنص الأصلي، من خلال التركيز على آليات الاشتغال الداخلي للمعنى، وإذ ذاك يغدو الطرح الجمالي للعمل الفني موضوعًا محاكيًا في وعي متلقيه أولاً وأخيرًا([26])، بل يصبح “ضرورة” أمام ما يستوجبه العمل الفني من حقوق المشاهدة تجاهه، ذلك أن “حقيقة العمل الفني ثرية وملحة في الوقت ذاته، ثرية لأنها تتعلق بواقع درامي يستوجب أسلوب سرد معين، وملحة لأنها تتضمن معنى مقصدي ينبغي إدراكه”([27]).

يسفر ما تقدم بيانه عن نتيجة مهمة فحواها أن الاقتباس الجيد هو ذلك الذي يعبر عن تقاطع مدركات جمالية ما بين العمل الفني ومتلقيه، وعلى هذا الأساس تكون خبرة المعنى – التي أشرنا إليها سابقـًا ‒ جزءًا لا يتجزأ من خبرة هذه المدركات الجمالية حصرًا([28])، ويكون الاقتباس الناجح كما يقول جون برنار فراي
(Jean Bernard Vray): “هو ذلك الذي يقدم فنا يهزنا”([29]).

ولا غرو أن يكون التأثير الكبير في نفوس الجمهور مقياسًا أساسيـًا لتمييز الاقتباس الجيد، فقد أثبتت الممارسة الفنية أن أقوى الأعمال السينمائية التي اقتبست من الأدب هي تلك التي كان لها وقع كبير في نفس المشاهد، ولنا في السينما العربية بعض الأمثلة على غرار فيلم “الحرام” لمخرجه “هنري بركات”، من خلال دراما ملحمية كتب السيناريو والحوار لها “سعد الدين وهبة” عن قصة للأديب “يوسف إدريس”، وهي عبارة عن دراما صادقة تعبر عن الواقع في الريف المصري، وتتحدث – ولأول مرة ‒ عن شريحة اجتماعية معدمة من قاع السلـّم الاجتماعي، ألا وهي شريحة عمال الترحيل.

ولم يكن الفيلم مجرد تراجيديا لمأساة فردية، لكنه كان في ذات الوقت وسيلة تعرض الواقع المحيط بهذه الشخصية وفردانيتها، فقد اتخذ الفيلم منهجًا موضوعيًّا شاملاً، وذلك باعتبار أن الفن والأدب بشكل عام يتناولان مصائر الأفراد كظواهر اجتماعية وليست حكايات ذاتية منعزلة عن الواقع([30]).

أما بالنسبة لكيفية استثمار خبرة المعنى في الفيلم، فقد بدت جلية في الاهتمام الكبير بالإيحاء والتعبير عن الواقعية كصوت وصورة وإصرار المخرج على تنفيذ كل ذلك على الطبيعة، ولأجل ذلك تمت معايشة الأوساط الريفية والاختلاط بأهاليها بغية تعرّف أسلوب حياتهم ونوعية لباسهم ودراسة اللهجة الريفية وإجادتها.

ونظرًا لهذا الأسلوب الواقعي الذي قدّم به الفيلم كتبت جريدة “لوموند”
(Le Monde) الفرنسية معلقة: “… لقد أثار فيلم الحرام للمخرج بركات اهتمامًا خاصًا… كان من الممكن لهذا الفيلم أن يكون مجرد فيلم ميلودرامي، لكنه كان متميزًا لأنه حافظ على الواقعية، فكان سجلاً حقيقيًّا ليوميات المجتمع القروي الصعبة”([31]).

وفي جريدة “الآداب” (Lettres) الفرنسية، كتب الناقد الفرنسي “جورج سادول” يقول: “… إن فيلم الحرام مفاجأة كبيرة، بعدما اعتدنا على ما نراه من أفلام مصرية في المهرجانات السابقة، لقد كان طفرة، ويشاركني هذا الرأي كثيرون أعجبوا بالواقعية التي عرض بها الفيلم الحياة اليومية في قرية مصرية…”([32]).

وما يؤكد واقعية هذا الفيلم وأثره الواضح في نفس المشاهد، رؤية يوسف ادريس لثلاث سيدات يبكين بشدة بعد انتهاء عرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي الدولي سنة 1965م، الأمر الذي دفعه إلى سؤال إحداهن عن سبب هذا التأثر الشديد وعن سر حزنها الكبير على بطلة الفيلم (عزيزة) وهي من بلاد بعيدة عنها ولا تمت لها بأية صلة؟ فاندهشت المرأة وسألته عن سر اهتمامه، فأجابها أنه كاتب الرواية ويريد التوصل إلى سر ذلك الارتباط بين الجمهور وبين أبطال ووقائع العمل، فأجابته بقولها: “أنت تكتب عن الإنسان بعيدًا عن ظروف الزمان والمكان، وأنا تأثرت ببطلة الفيلم أكثر من تأثري بجارتي التي تقاربني في الزمان والمكان…”، وتلك هي أسرار المحاكاة الفنية([33]).

من هنا يتأكد أن معنى أي عمل فني لا يقف عند حدود تصنيفه، بل يتجاوزه إلى تأويله من خلال مشاركة المشاهد له والتفاعل معه على نطاق واسع من التحاور، أو ما يدعوه رومان انجاردن بـ “التجسيد” الذي يقرب المتلقي من العمل معرفيًّا وجماليًّا([34]).

هنا تتأكد الحقيقة الأساسية التي تفيد أن تداخل الفنون بعضها ببعض لا يعني نفي فن لصالح فن آخر، وذلك أن الفن يتجدد دائمًا، فالفن كائن متطور، لكنه مثل الكائنات أحادية الخلية (الأميبيا) ينقسم عندما يصير ناضجًا، فتنتج عن هذا الانقسام كائنات جديدة لها مميزاتها، لكنها تشترك حتمـًا مع غيرها([35]).

خاتمة
نخلص مما سبق إلى أن وضع الفيلم السينمائي بين النص الأدبي والكتابة للشاشة هو وضع فلسفي يتراوح بين جماليات وشعريات الكتابة، والحدود الفنية للمحاكاة الواقعية، بهذا المعنى فهو ينشد تعالقًا تشكيليًّا يغدو بموجبه الحرف علامة جمالية ضمن نسق المشهد العام.

وتغدو معه الكلمات المحاكة في إطار تصوير لغوي لقطات مصورة يرتقي بها المونتاج إلى “كادرات بصرية” ذات مغزى.

الهوامش
([1]) Pierre Rodrigo: Phénoménologie des arts, édition Gallimard, paris, 2003, p7.
([2]) نذكر من هؤلاء: جون برنار فراي، وجورج ماتيو، وجون لوك شاليمو… وغيرهم.
([3]) Jean Pierre Bru: Esthétique des arts, Armand Colin, Paris, 2001, p11.
([4]) Ibid., p13.
([5]) André Labarrére: L’écriture des stars, édition Ramsay, Paris, 2004, p63.
([6]) Daniel Crovannageli: La Passion des arts, édition du seuil, Paris, 1999, p56.
([7]) Ibid., p57.
([8]) Gérard Génette: L’œuvre de l’art, édition Payot, Paris, 2000, p16.
([9]) Jean Bernard Vray: Littérature et cinéma: écrire l’image, édition Dunod,Paris, 2003, p14.
([10]) Ibid., p15.
([11])خلفة بن عيسى، الرواية والرواية السينمائية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص9.
([12]) ثابت مدكور، في علم الجمال السينمائي، مجلة الفنون، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، عدد (9)، يونيو 1980م، ص25.
([13]) Jean Bernard Vray: L’adaptation cinématographique des testes littéraires : théories et lectures, édition Gallimard, paris, 2008, p27.
([14]) Ibid., p28.
([15]) Ibid., p30.
([16]) Jean Luc Chalimeau: Les théories de l’art, librairie Vuibert, Paris, 2002, p63.
([17]) Ibid., p64.
([18]) Ibid., p65.
([19]) Gilles Deleux: Abstraction, figuration et signification, éditions de minuit, 1988, p20.
([20]) Jean Bernard vray: L’adaptation cinématographique, Op, Cit, p51.
([21]) Ibid., p52.
([22]) Ibid., p52.
([23]) Ibid., p53.
([24]) Ibid., p54.
([25]) George Mathieu: Ecrire pour le cinéma, édition Dunod, Paris, 2000, p18.
([26]) Ibid., p21.
([27]) Ibid., p23.
([28]) Ibid., p33.
([29]) Ibid., p35.
([30]) Jean Bernard vray: L’adaptation cinématographique, Op, Cit, p72.
([31]) عفيف البهنسي، السينما والواقع: دراسة في خبرة الجمال، دار الشؤون العامة، بغداد، 2004م، ص92.
([32]) Renée Bouversse: récits cinématographiques: essai sur problème dela réalité, édition Armand Colin, Paris, 2002, p86.
([33]) Ibid., p87.
([34]) توفيق سعيد، السينما العربية: الاستيطيقا والفن، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2005م، ص12.
([35]) رومان انجاردن، العمل الفني الأدبي، ترجمة أبو العيد دودو، منشورات مختبر الترجمة والمصطلح، الجزائر، 2007م، ص410.

الأمين العام يستهل مهام عمله بلقاء أصحاب الجلالة والسمو قادة ورؤساء دول المجلس

استهل معالي الأمين العام لمجلس التعاون، الدكتور نايف فلاح مبارك الحجرف، مهام عمله أمينًا عامًا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بجولة خليجية ألتقى خلالها أصحاب الجلالة والسمو قادة ورؤساء دول مجلس التعاون، وأصحاب السمو والمعالي وزراء خارجية دول المجلس أعضاء المجلس الوزاري، وعدد من كبار المسؤولين، بما يعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك، ويعكس منجزات المسيرة المباركة لمجلس التعاون.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود
ملك المملكة العربية السعودية
“تمنى له التوفيق في تعزيز العمل الخليجي المشترك”

صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان
ولي عهد أبو ظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة
“تمنى له التوفيق في تعزيز مكانة المجلس وتحقيق تطلعات شعب الخليج”

صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة
ملك مملكة البحرين
“هنأه بثقة القادة وتمنى له التوفيق في تحقيق تطلعات شعب الخليج”

صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق
سلطان سلطنة عُمان
“تمنى له التوفيق في تعزيز المسيرة المباركة للمجلس وخدمة شعب الخليج”

صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني
أمير دولة قطر
“هنأه بثقة القادة وتمنى له التوفيق في تحقيق المصالح الخليجية المشتركة”

صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح
أمير دولة الكويت

“تمنى أن تتكلل جهوده بالنجاح في دعم العمل الخليجي المشترك”

صورة

أوصى بالاستثمار في الشباب ودعا الإعلام لتعزيز الإيجابيات (المنتدى الدولي للاتصال الحكومي 2020م) يستشرف المستقبل

عقد المنتدى الدولي للاتصال الحكومي دورته التاسعة، في دولة الإمارات العربية المتحدة بإمارة الشارقة، تحت رعاية سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى لدولة الإمارات حاكم الشارقة، خلال يومي الرابع والخامس من مارس 2020م، بتنظيم المركز الدولي للاتصال الحكومي التابع للمكتب الإعلامي لحكومة الشارقة.

وأوضح الشيخ سلطان بأن التواصل الحكومي تواصل له منفعة عامة، تقوم به المجموعات المواطنة، والإدارات والهيئات العمومية، ويهدف إلى خدمة العموم وتعريفهم بمختلف المستجدات من خدمات حكومية وغيرها، وإشراكهم في حوار التنمية، وتوجيههم لأفضل الممارسات الصحية والتعليمية والأمنية.

وسرد الشيخ سلطان في كلمته شواهد من عطاء الشارقة الثقافي الذي امتدَّ لما يربو على (40) عامًا، مشيرًا إلى إصداره المعنون: بـ”حصاد السنين”، الصادر سنة 2010م، وقال: “كيف أننا اليوم ونحن في العام 2020م، وبعد مرور (10) سنوات على ذلك الإصدار نجد أن ما حصدته الشارقة ثقافيـًّا خلال هذه الفترة فاق ما تمَّ حصاده في الثلاثين سنة الأولى”، مؤكدًا أن التواصل الحكومي تطور في الشارقة بذات الصورة التي تطور فيها عطاؤها الثقافي.

من الشعار الواحد إلى المحاور المتعددة
قال رئيس مجلس الشارقة للإعلام، الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، إن المنتدى خرج بطرح جديد لينتقل من صيغة الشعار الواحد إلى محاور متعددة، وهي ترسيخ ثقافة التفاعل في الحكومة، والتكنولوجيا ودورها في تمكين المجتمعات، والاتصال عبر الثقافة، والرفاه الفردي والمجتمعي، مشيرًا إلى أن هذه المحاور تمثل الخصائص والثقافة والفلسفة التي تتطلب من فرق الاتصال، الاستدلال بها لتطوير المهارات.

ولفت الشيخ سلطان بن أحمد إلى أن محور الشباب من أهم المحاور التي يركز عليها المنتدى، إذ من الضروري أن يتعرف جيل الشباب على أفضل الطرق في الاتصال الحكومي وأن يطبقوها.

من جانبه أشار مدير المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، طارق سعيد علاي، إلى أن المنتدى قدم برامج ومنصات، نظمها لأول مرة، مؤكدًا أن الهدف منها هو ابتكار المحتوى وعمق البحث والقدرة على التأثير في آليات تعامل المؤسسات والحكومات مع واقع الاتصال.

وقال علاي: “إن المنتدى يجسّد تجربة إمارة الشارقة في الاتصال الحكومي ويسعى إلى استكمال مشروعها المعرفي، والثقافي، كون الثقافة جوهر العمل، ودور الثقافة يتمثل في تعزيز الوعي بأهمية العمل كمرتكز رئيس لتطوير القطاع وبناء فكره، في الوقت الذي نؤكد فيه على دور الاتصال في تحرير طاقات العقول، لهذا حرصنا من خلال هذه الدورة على الوصول لصيغة مشتركة للتفاهم الثقافي في العالم وتكامل الطاقات لبناء المجتمعات وتطويرها”.

وشارك في المنتدى (64) شخصية من كبار المسؤولين الحكوميين، ونخبة من المفكرين العرب والخبراء يمثلون (16) دولة عربية وأجنبية، في حوار مفتوح امتد على (15) جلسة حوارية تفاعلية، و(10) خطابات ملهمة، وصاحبها (9) ورش عمل، و(3) جلسات عصف ذهني، قدمت من خلال (20) منصة تفاعلية، فضلاً عن حزمة من المبادرات الجديدة التي تضمنت “برنامج اتصال”، و”حديث الاتصال الحكومي”، و”سينما المؤثرين”، واستضافة استديو “الخط المباشر”، إلى جانب تنظيم استديو بعنوان: “استديو حرر عقلك”.

تنوع الفعاليات استهدف الشباب
تضمنت فعاليات المنتدى تنظيم “ملتقى الشباب”، ومنصة “ابتكارات”، ومنصة “القلب الكبير”، ومنصة “الشارقة العاصمة العالمية للكتاب”، إلى جانب منصة “باحثون” التي أُطلقت الدورة السابقة.

ومن أبرز الجلسات الحوارية التي شهدها المنتدى: “الاتصال العابر للثقافات” و”معادلة البقاء” و”المسافة الفاصلة بين رؤية الاتصال وأدواته الأساسية”، و”الاتصال المعزز بتقنيات الغد: هل من مكان للإنسان؟”، و”الاتصال في عصر البلوك تشين”، و”الصحافة والذكاء الاصطناعي”، و”سر تأثير الشاشة في الرأي العام”، و”الثقافة العربية في سباق الاتصال الثقافي العالمي”، إلى جانب جلستي عصف ذهني: الأولى بعنوان: “الاستثمار في التواصل الثقافي”، والثانية بعنوان: “حلول من أجل الرفاهية”.

التوصيات الختامية تستشرف المستقبل
أوصى المنتدى في ختام فعالياته، بـ(19) توصية تهدف إلى تعزيز أثر الاتصال في النهوض بواقع المجتمعات وتفعيل دوره في القضايا المحلية والدولية، حيث وجهت التوصيات بضرورة إدخال قضايا اللاجئين والنازحين ضمن برامج التواصل الحكومي، كما أوصى باستحداث فئة جديدة لجائزة الشارقة للاتصال الحكومي متخصصة بالتواصل العمومي لتكريم مبدعيه المتميزين، وفئة أخرى لأفضل سيناريو استشرافي لمستقبل الاتصال الحكومي، يتعلق بتقديم تصورات حول أهم أدوات وساحات الاتصال في المستقبل القريب.

وشملت التوصيات الدعوة إلى الدمج بين نظم التواصل الحديثة، ورؤية عالمية متصالحة مع الذات ومع الآخر، وتوثيق مسيرة الاتصال الحكومي في المجال الثقافي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لإمارة الشارقة، وتبنّي نظم تعليم رقمية متطورة وتوجيهها نحو الإبداع والابتكار.

دعوة الإعلام للتعريف بمشتركات الشعوب
كما دعت التوصيات الحكومات وصناع الإعلام إلى توحيد جهودهم الرامية لتعريف الشعوب بالثقافات المختلفة في جميع أنحاء العالم، والتركيز على مكونات الثقافة المشتركة، وأن تعمل كل مؤسسة على استحداث مؤشرات قياس لتعرّف مدى تأثير عملية الاتصال التي تمارسها على تعزيز الممارسات الإيجابية لدى الجمهور والارتقاء بجودة حياتهم، وإدخال الاتصال الحكومي في منظومة حوكمة المؤسسات واستحداث جملة من المعايير لضمان تطبيق الحوكمة في الاتصال.

تاريخ المنتدى في سطور
يُعدُّ المنتدى الدولي للاتصال الحكومي إحدى المبادرات التي ينظمها المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة بشكل سنوي، حيث انطلقت أعمال دورته الأولى سنة 2012م، ويُعدُّ المنتدى التجمع الأكبر في المنطقة لمناقشة أفضل الممارسات العالمية في الاتصال الحكومي، ويحرص على ضرورة بلورة منصة موثوقة للتحاور ومناقشة أفضل الأساليب المتبعة في الاتصال الحكومي في العالم، وذلك للارتقاء بالأداء الحكومي وأساليب الاتصال بين الحكومات والجمهور.

ويسعى المنتدى إلى بناء منظومة فكرية جديدة في هذا المجال بما يفيد المؤسسات الحكومية والعاملين في قطاع الاتصال، ليس في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة العربية فحسب، وإنما في العالم أجمع.

المنتدى في أرقام
عدد الدورات (9) دورات منذ 2012م – 2020م.
عدد الحاضرين (23273) حاضرًا خلال الدورات السابقة للمنتدى.
عدد المتحدثين (303) متحدثين خلال الدورات السابقة للمنتدى.
عدد التغطيات (10734) تغطية الإعلامية خلال الدورات السابقة للمنتدى.