القوة الناعمة في الإعلام (3)

باعتباره من أهم أدوات القوة الناعمة ووسيلة قوية للتأثير في الشعوب.

في هذه المقالة وباعتبارها الجزء الأخير من هذه السلسلة، سيتم عرض بعض النماذج التي نجحت في تسخير أدوات القوة–وخاصة أداة الإعلام–للنهوض بدولها ومجتمعاتها، والتأثير في الرأي العام سواء كان ذلك محليـًّا أو دوليـًّا.

انفراد المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين

من نعم الله على المملكة العربية السعودية بأن سخر لها أحد أقوى أدوات القوة الناعمة على مستوى العالم، من دون أي تدخل للبشر، فمجرد وجود هذين البيتين العظيمين على هذه الأرض المقدسة جعل من المملكة قائدة للعالم الإسلامي، وزرع يقينـًا في قلوب الآخرين – سواء كانوا أصدقاء أو أعداء – بأن كل ما قد يصيب هذه البلاد سيكون كل مسلم معنيـًّا به.

بذلت الحكومة السعودية خلال السنوات الماضية جهودًا كبيرة لخدمة زوار بيت الله، ولكن غالبـًا ما كان الإعلام الخارجي يركز على الأمور السلبية المصاحبة لما يوصف بأنه من أكبر التجمعات البشرية السنوية، كما كان الإعلام المحلي مقصرًا في عملية نقل الصورة الواضحة لما يتم تقديمه من خدمات للحجيج.

وفي السنوات القليلة الماضية حصل تغيير جذري من خلال استحداث الحكومة لأساليب جديدة عملت على إبراز تلك الجهود.

لقد نجحت الحكومة السعودية في الاستغلال الأمثل لوسائل الإعلام من خلال نقل صورة حديثة عن جميع الخدمات والفعاليات التي تقدمها لزوار المملكة، وتمثل ذلك في النقلة النوعية الواضحة لعملية إنتاج مواد مرئية تميزت بطريقة عرض جاذبة، بالإضافة إلى ترجمة تلك المواد لأكبر عدد من اللغات؛ لضمان وصولها لأكبر عدد من المستهدفين، فقد نجحت المملكة في انتاج أفلام وثائقية غير اعتيادية عن الحرمين الشريفين وما يتبعهما، مثل مصنع الكسوة وبئر زمزم ومجمع طباعة القرآن الكريم، حيث تفردت تلك المواد الوثائقية عن سابقاتها بأنها كشفت عن معلومات غير معروفة لدى عامة الناس، كما تميزت بأساليب عرض شائقة تجبر الناظر على الاستمرار بمتابعتها من دون كلل، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من المؤثرين في وسائل الإعلام الجديد، ما أسهم في جذب فئة من الشباب لم تكن مهتمة بهذا الشأن.

وفي نطاق موازٍ، عززت المملكة العربية السعودية من موقعها الإسلامي الريادي، من خلال الإعلان عن عدد من المشاريع الضخمة المرتبطة بهويتها الإسلامية مثل إنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، وحصر أكثر من (500) موقع شاهد على التاريخ الإسلامي للبلاد، وتأهيل عدد من المواقع التاريخية الإسلامية الكبرى، مثل جبل النور وغاري حراء وثور والحديبية ومعركتي أحد والخندق والوسط التاريخي لمدينة بدر.

مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة

تعد التجربة الإماراتية في استغلال قوتها الناعمة – وخاصة  استغلال الأدوات الإعلامية – تجربة ناجعة وسباقة من خلال تطبيق مبادئ القوة الناعمة منذ تأسيسها في العام 1971م، وذلك على يد المؤسس المغفور له –بإذن الله –الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومن هنا ارتأت حكومة دولة الإمارات ضرورة استكمال هذا النهج وتطويره من خلال تشكيل مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات في إبريل من العام 2017م، حيث كانت أول مهمة لهذا المجلس هي استحداث إستراتيجية القوة الناعمة للدولة، والتي رأت النور في سبتمبر من العام نفسه مستندة على عدد من الأهداف وهي:

تطوير هوية موحدة للدولة في كافة المجالات الإنسانية والاقتصادية والسياحية والإعلامية والعلمية.

تطوير شبكات دولية فاعلة مع الأفراد والمؤسسات حول العالم بما يخدم أهداف الدولة ومصالحها.

ترسيخ سمعة الدولة كدولة حديثة، منفتحة، متسامحة ومحبـّة لكافة شعوب العالم.

إن اقتناع حكومات دولة الإمارات المتعاقبة بأهمية عكس صورة مشرفة عن الدولة من خلال قوتها الناعمة، أدى إلى نتائج متميزة لا يمكن حصرها ولكن يمكن ذكرها على سبيل المثال:

تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة الدول العربية في مؤشر القوة الناعمة للعام 2020م بالإضافة إلى حصولها على المركز الثامن عشر عالميـًّا في نفس المؤشر.

تميّز السياسة الخارجية لدولة الإمارات من خلال عقد التحالفات العسكرية والاتفاقيات الاقتصادية مع أقوى الدول في العالم.

إن هذه السياسة الرصينة والمتزنة شجعت معظم دول العالم على استقبال الحاملين لجواز السفر الإماراتي من دون قيود، فبحسب منظمات التصنيف العالمية يعدُّ الجواز الإماراتي أقوى جواز سفر في العالم، حيث يسمح لحامله بدخول ما يقارب (180) دولة من دون تأشيرة.

في مجال الأعمال والاستثمار استطاعت الدولة استقطاب أكثر من (50%) من المكاتب الإقليمية للشركات الأجنبية في الشرق الأوسط.

وفقـًا للتصنيفات العالمية يعدُّ اقتصاد دولة الإمارات ثاني أقوى اقتصاد عربي على الرغم من عدم اعتماده على النفط، كما صعدت الإمارات في العام 2018م إلى المرتبة التاسعة والعشرين على مستوى العالم ضمن مؤشر الدول الأعلى في الناتج المحلي الإجمالي.

الكويت .. السبق في استخدام القوة الناعمة

قبل استقلال دولة الكويت في العام 1961م، كان حكامها يديرون شؤون الدولة الداخلية فقط في حين كانت بريطانيا تدير الشؤون الخارجية للكويت، وبانسحاب البريطانيين أدرك قادة الكويت أهمية امتلاك أدوات تغني عن صغر مساحة الدولة وضعف الإمكانات العسكرية.

لقد كانت الكويت صاحبة السبق في المجال الإعلامي بمنطقة الخليج العربية، وذلك قبل عقود من استقلالها، ولكن بعد الاستقلال ارتأت الحكومة الكويتية ضرورة استغلال ريادتها في هذا المجال لفرض قوتها الناعمة على المستوى الإقليمي، فقامت بالترويج للإنتاج الدرامي والسينمائي والإذاعي الكويتي والذي اعتبر الأقوى بعد مصر في المنطقة العربية، كما قامت بإنشاء محطات إرسال تلفزيوني خارج حدود الكويت بهدف تدعيم مكانتها الثقافية.

وتميزت الكويت بأنها كانت صاحبة السبق في مجالات عدة بالمنطقة، مثل التعليم النظامي والمهرجانات والفعاليات الترفيهية والرياضية، بالإضافة إلى التنمية والاستثمار وتقديم المساعدات الإنسانية لمختلف دول العالم.

هذه الأدوات أسهمت بشكل فعال أثناء احتلال الكويت في العام 1990م، فقد استطاعت دولة الكويت، وفي فترة قصيرة نسبيـًّا، جمع أكثر من (30) دولة في تحالف على الأرض بهدف تحريرها، وهو ما حدث في فبراير من العام 1991م.

القوة الناعمة الأمريكية

تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤشر القوة الناعمة للعام 2020م وهو موقع تميزت به لسنوات طويلة، ويعود ذلك لتفرد أسلوبها في فرض الهيمنة الأمريكية على المجتمع الدولي، من خلال إعلامها واقتصادها وقوتها العسكرية والسياسية، بل يعتقد عدد من الخبراء والباحثين بأن مصطلح “العولمة” لم يعدّْ دقيقـًا في وقتنا الحالي، حيث يرى كثير أن المصطلح الواجب استخدامه هو “الأمركة”، وذلك نظرًا إلى التأثير الأمريكي في مختلف دول العالم وتمكنها من صبغ المجتمعات بالصبغة الأمريكية، حتى وصل الأمر إلى أن المجتمعات الأوروبية لم تستطع مواجهة هذا الطوفان الأمريكي وهي المجتمعات التي تعتز بتاريخها وثقافتها.

ومن المثير للإعجاب أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت استغلال قوتها العسكرية في ميادين القوة الناعمة، فمجرد نشر فكرة امتلاك هذه الترسانة العسكرية أدى إلى تحقيق مكاسب قد لا يمكن تحصيلها من خلال استخدام القوة الصلبة.

كما أن الولايات المتحدة استطاعت –بتفرد– استغلال قوتها الصلبة مجتمعة مع الأشكال الأخرى للدبلوماسية الدولية، ويتجلى هذا النموذج في التعامل الأمريكي مع الملف الكوري الشمالي، فبالإضافة إلى استمرار فرض العقوبات القائمة على هذه الدولة، لم تتوانى الحكومة الامريكية في الترويج عن انفتاحها واستعدادها لفتح أبواب الحوار والتعهد بإبرام الاتفاقيات مع كوريا الشمالية، ويسمى هذا النموذج المعتمد على المزج بين استخدام كل من القوة الناعمة والقوة الصلبة بـ”القوة الذكية”.

وفي منحنى آخر، استطاع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تغيير الفكرة السائدة عن قوة المؤسسات الإعلامية الأمريكية والتي توصف بأنها امبراطوريات إعلامية، وذلك من خلال استغلاله للانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي او ما يسمى بـ “الإعلام الجديد”.

لقد استطاع الرئيس الأمريكي من خلال مؤتمراته الصحفية وتغريداته في حساب تويتر –المجاني – أن يواجه عمالقة الإعلام الأمريكي مثل CNN وNBC وABC، بل اتهم هذه المؤسسات الإعلامية بعدم النزاهة وروج بأنها تفتقد للمعايير الصحفية، وأنها ليست عدوًا لترامب نفسه بل للشعب الأمريكي، وقد تعدى ذلك إلى تصريحه بأن الولايات المتحدة لم تعدّْ تتمتع بحرية الصحافة.

 وللتأكيد على قوة الإعلام الجديد في مواجهة الإعلام التقليدي، فقد تمكن ترامب في العام 2018م من إجبار نحو (350) صحيفة أمريكية على تنظيم حملة موحدة لنشر مقالات افتتاحية في يوم واحد للدفاع عن حرية الصحافة ومواجهة اتهامات الرئيس الأمريكي.

وعلى الرغم من تفاوت الإمكانات المتاحة للمؤسسات الإعلامية مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي، فمن الواضح بأن الإعلام الجديد ذا الإمكانات المادية المتواضعة استطاع أن يجاري تلك المؤسسات بل يتوفق عليها في أحيان كثرة.

الصين .. القوة الناعمة القادمة

تزايدت قوة الصين على الساحة الدولية خلال العقدين الأخيرين بشكل كبير جدًّا، ومن يتابع السياسة الصينية في جذب الآخر سيلاحظ أنها قد اتخذت النموذج الأمريكي بحذافيره باستثناء عامل استعراض القوة الصلبة والعسكرية، وهو ما جعلها أكثر تقبلاً من الولايات المتحدة.

وكما ذكرنا بأن الإعلام يعدُّ أقوى ذراع للقوة الناعمة، فقد اتجهت الصين للتركيز على هذا الجانب من خلال محاولة مصارعة المؤسسات الإعلامية العالمية، وذلك بإطلاق عدد كبير القنوات الصينية، ولكنها وعلى الرغم من كل تلك الجهود لم تستطع المنافسة في هذا المجال وذلك بسبب عائق اللغة.

وعلى ذلك قامت الصين بتركيز جهودها في مجال نشر الثقافة واللغة الصينية من خلال تقديم المنح الجامعية للطلاب الأجانب بالإضافة إلى ابتعاث عدد كبير من الطلبة الصينيين لمختلف دول العالم.

كما استطاعت الصين ومن خلال شراكاتها التجارية في تغيير النظرة السلبية لمنتجاتها، فبعد أن كانت علامة (Made in China أو صنع في الصين) تعدُّ عيبًا في المنتج، أصبحت في وقتنا الحالي ختم جودة للمنتج.

وختامـًا، فإننا نؤكد أن للقوة الناعمة دورًا محوريـًّا في تعزيز سمعة الدول واحترامها بين الدول والشعوب الأخرى، ويكون ذلك من خلال الاستخدام الصحيح والمثالي لأدوات القوة الناعمة والتي يعدُّ الإعلام أهمها وأخطرها في نفس الوقت، حيث يمكن تسخير وسائل الإعلام لبناء الدول والمجتمعات، كما يمكن استغلالها في التدمير والهدم.

الإعلام المنتظر!.. هل آن الأوان لإعادة هيكلة التخصص؟!

الإعلام ضرورة.. هذه حقيقة؛ بل مسلمة لا جدال فيها، فحاجة الأفراد والمجتمعات له منذ القدم، بغض النظر عن أدواته وأشكال عرضه التي كان عليها وكيفية تطوره، هي خير دليل على ذلك، إذ إن الإعلام في صورته البدائية، بوصفه نوعـًا من أنواع الاتصال، متواجد بقوة في تشكيل حياة البشر الذين جبلت نفوسهم على تتبع مصادر المعلومة نتيجة سيكولوجية غريزة الفضول، وحبّ الاستطلاع المزروعة فيهم، وإن كان حجم استهلاكهم لمضامينه ليس على درجة واحدة، وإنما يتفاوت فيما بينهم بشكل ملحوظ، وفقـًا لعوامل عدة من بينها طبيعة الحاجات والاهتمامات.

من هذا المنطلق، فإن شقّ استهلاك المادة الإعلامية مثَّل – ولا يزال – جزءًا من السلوك الإنساني منذ القدم، وهو أمر نشأ في سائر الثقافات، وبمختلف اللغات من خلال سؤال يومي مستمر، أوجده حرص الأفراد الدائم على تعرّف كل ما هو جديد من أحداث في شتى الدوائر المحيطة بهم؛ قريبة كانت أم بعيدة، هذا السؤال الدارج يتلخص في: ما الجديد؟ أو ما الأخبار؟

لم تكن أدوات ووسائل الإعلام في البدايات كما هي اليوم، ولن تبقى وسائل اليوم شكلاً ثابتـًا لوسائل الغد، وبين كل حقبة وأخرى، يتجاذب القائمون بالاتصال والمستخدمون الساحة الإعلامية بين متمسك بالقديم، ومتحمس للجديد، وهي بكل تأكيد لن تحابي أيًا منهم طالما أن التغير والتطور هو سمتها؛ وبالتالي فإن المحك في الحكم مرتبط بالهدف الرئيس للنشاط، وهو إيصال “الرسالة” بأسرع وسيلة، وأقدرها على الانتشار الأوسع، مع ضرورة الالتزام بقيم الإعلام وآلية صناعة الرسائل، والأساليب المهنية الفاعلة التي تتلاءم مع طبيعة الوسائل، وكيفية تعزيز القدرة على استقطاب الجمهور. 

وعلى الرغم من قِدَم الإعلام كنشاط، إلا أن ظهوره بمفهومه العصري كتخصص وكمهنة مستقلة، بما في ذلك تسميته بـ “الإعلام” (Mass Communication)، لم يبدأ إلا مع بزوغ نجم الطباعة التي أذنت بنشأة الصحافة بمفهومها العصري، كوسيلة قادرة على تحقيق انتشار ووصول متزامن إلى المجتمعات والجماهير على نطاق واسع.

ومع اختراع المذياع والتلفزيون، انضمت وسيلتان ذات شكل جديد في خاصية النشر الأوسع إلى الوسيلة الأم بعد أن كان يُظنّ أن الكتاب والسينما، وقبلهما الشعر والرواية هي أقصى أساليب النشر العريض.

هذا التطور وما تبعه من تحولات في أشكال التحرير وأساليب العرض وطرق البثّ المرئي والمسموع، قاد تدريجيـًّا، وفي تنافس بناء، إلى تشكل كيانات إعلامية صحفية وإذاعية وتلفزيونية، وإلى نشأة شركات إنتاج يشار لها بالبنان، كما أن الجهود العلمية التي صاحبته وتمثلت في دراسات تتطلبها المرحلة، وبخاصة البحوث التي ركزت على الانعكاسات والتأثيرات السلبية أو الإيجابية المتوقعة من الوسائل الجديدة، قادت هي الأخرى إلى تأسيس أقسام وكليات متخصصة في هذا الشكل الجديد للاتصال الجماهيري (الإعلام)، ويأتي في مقدمة تلك الدراسات وأشهرها على الإطلاق ملف دراسات متنوعة شارك فيها علماء متخصصون في علم الاجتماع، والنفس، والتربية، والجريمة، وغيرها ذات الصلة، وبتمويل حكومي وإشراف مباشر من الرئيس التنفيذي لهيئة الصحة العامة الأمريكية Surgeon General.

الدراسات التي امتدت على مدى سنوات الستينيات الميلادية، كانت المعين الخصب لظهور حزمة كبيرة من النظريات التي لا تزال إلى اليوم مرجعـًا في بابها، والسبب الأعمق لنمو وتأسيس العديد من الأقسام والكليات المتخصصة.

كان حريـًا بهذه التغيرات أن تكون مؤشرًا كافيـًا للمعرفيين والمهنيين كي يدركوا أنهم حيال تخصص متغير ومتجدد، غير أن دور النشر الإعلامي وإمبراطورياتها ومعاهد وأقسام الإعلام وكلياته الأكاديمية الذين كانوا في خضم نشوتهم ببلوغ حقلهم مرحلة النضج، فوجئوا باقتحام عالمهم الأثير، ابتكارٌ مختلفٌ تمامـًا عمـّا اعتادوا عليه سابقـًا، الذي كان يقتصر على التعريف بوسيلة تضاف إلى الوسائل الأصل، وعلى تطوير يسهل تبنيه بصورة ترفع من إمكاناتهم فيضيف لها.

كان الابتكار هذه المرة مزلزلاً؛ فقد حلـّت الإنترنت كوسيلة هائلة الإمكانات ومتعددة المشارب، لتبتلع الوسائل التي لا تقبلها أو لا تتفاعل مع ما تفرضه من تغييرات في المبنى والمعنى، باختصار شكّل القادم الرقمي فضاءً جديدًا يقوض الفضاء القديم، ويغير من أشكال صناعة الإعلام التقليدية، ففرض مسارات اتصالية متنوعة لتقديم الرسالة التي هي الأساس بطرق أخرى، ولتقديم خدمات اتصالية غير مسبوقة ليس لكافة التخصصات الأخرى فحسب؛ بل وللجمهور بأكمله الذي أصبح شريكـًا في ممارسة الاتصال والنشر.

لم يكن لبعض المؤسسات الإعلامية أن تستوعب حجم التغيير الذي طال الصناعة، وظن القائمون عليها أن التعامل معه ممكن في ضوء محيط محدود كما كان عليه الأمر مع الابتكارات الأخرى؛ وتراوحت أسباب التجاهل بين فئة بالغت في الثقة بإمكاناتها، مستمدة أنفتها من حجم القوة التي اكتسبتها كسلطة رابعة يهابها حتى صناع القرار، وفئة أخرى عزّ عليها التخلي عن مصدر سخي لدخل إعلاني لا يمكن تعويضه بسهوله عبر أية خيارات أخرى.

لعل من المفارقات أن يشكل بعض من أصحاب تلك المواقف الذين برعوا لفترة غير قصيرة في صناعة الإعلام في مرحلة التحول عبئـًا على تطور التخصص وأن يتسببوا –من غير قصد – في انهيار مقوماته، وكان مكمن الخلل في حساباتهم أنهم لم يتوقعوا النتائج الكارثية التي ستحل ببعض المؤسسات القائمة لاحقـًا، فغادر كثير من تلك المؤسسات بصورة تراجيدية الساحة الإعلامية بعد أن كانت ملء السمع والبصر، ولو أنهم عززوا من علاقتهم البينية مع الشركاء الجدد في حقل الاتصال الذي بات مشاعـًا لكثيرين منهم، وتقبلوا حقيقة التقاطعات التي شكلها نسيج مختلف لقنوات اتصالية غير متناهية، محتفظين بخبرتهم وإرثهم العريق في كيفية صناعة المحتوى المهني، وليس في إدارة وسائله، من دون التشبث بالأدوات التقليدية، لحافظوا على مكانتهم في ثوب جديد قشيب.

وعلى الرغم من ذلك كله، لازال من بقايا الأمس من ظلّ يقاوم التجديد طوعـًا أو كرهـًا ويتمسك بأطر قديمة لا تجاري لغة العصر، من دون محاولة جادة للتطوير الشمولي الذي يستوعب المتغيرات ويتماهى معها، حيث استمروا في إسقاط قواعد عمل الزمن المتواري على واقع الحالة الاتصالية الجديدة، بما في ذلك مسميات المهنة وتصنيفاتها، في صورة تشبه تمامـًا إصرار مَنْ كان قبلهم على بقاء الوسائل، التي انهارت وسقطت معها الرسائل على الرغم من أهميتها، فخسر الجمهور مصادر معلومات ذات إرث تاريخي عريق اتسم بالموثوقية والمصداقية، وللإبقاء على وميض الوهج الذي يوشك على التلاشي، نشأت مجموعات وكذا جمعيات لا تكتفي بتأمل الزمن الجميل أو تتغنى به وتذكر الآخرين بما تحقق فحسب؛ بل إن بعضها يمنح عضويات غير واضحة المعايير أو الأسس، التي تذكّر في بعض ممارساتها بثقافة “صكوك الغفران” التي حتمـًا لن تُدخل أصحابها الجنة، كما أن هذه العضويات لن تعيد المجد القديم.

ومهما كانت قيمة الخسائر المادية والمعنوية التي منيت بها صناعة الإعلام خاصة في الدول النامية، أو حجم الفوضى التي حلـّت بساحته، وكذا درجة تشاؤم المتخصصين والممارسين حول مستقبله، فإن ذلك لا يعني نهاية الإعلام الذي سيظلُّ ضرورة وواقعـًا يفرض ذاته؛ غير أنه بحاجة ماسة إلى أن يخرج أصحابه من الصندوق العتيق بروح أكثر انفتاحـًا، وتطلعـًا للآفاق الأرحب، والتفاعل معها وفق ما يمليه الواقع، لا ما تختزنه العواطف، وذلك على نحوٍ يسهم بجدية في إعادة هيكلته، وترتيب عناصره بما يفضي إلى إعلام عصري مطور ينتظر العالم بدوله ومؤسساته وأفراده ولادته بطريقة موضوعية، وبفكر مختلف ومرن يضع الأمور في نصابها، ويقبل الحقائق، فيحترم كل ممارس للنشاط الاتصالي؛  ويُمنح المساحة التي تتلاءم مع دوره وفقـًا لدرجة تأثيره في الجمهور، في إطار تنظيم مهني شامل منضبط ودقيق.

السياسات الإعلامية في عهد جائحة (كوفيد 19)

ما إن ظهر فيروس كورونا في مدينة (ووهان) الصينية ولفّ العالم، حتى صاحب ذلك متابعة قوية من قبل وسائل الإعلام العالمية، واهتمام واسع النطاق على مستوى العالم للمهتمين في إدارة المخاطر والحد من انتشار الأمراض والأوبئة، في ظل الظروف الصحية التي تطلبت مزيدًا من التوعية الإعلامية والمجتمعية في مجال الوقاية من الإصابة بالفيروس والحد من مخاطره.

لقد أصبح الإعلام مرآة الشعوب والمؤثر الأساسي في توجهات المجتمع، إذ يُعدُّ مركز استقاء المعلومات في القضايا السياسية والاجتماعية، ويسهم في تحريك الفكر البشري وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، من ثم تكتسب الجماهير الاتجاهات الجديدة وتعدل قيمها بما يتماشى مع المتغيرات، لذا يجب الاهتمام بتشريع سياسات إعلامية تُسهم في تعزيز التنمية الوطنية في مواجهة الجائحة، من خلال اتباع إجراءات الوقاية من مخاطر انتشار وتفشي فيروس كورونا.

من المعروف أنه في أوقات الأزمات والكوارث تظهر مجموعة كبيرة من التغيرات في الظواهر المجتمعية المختلفة، مما يعمل على تغيير مسار النشاط اليومي المعتاد، فمنذ تفشي جائحة كورونا في العالم انصاع الإعلام الدولي لمواجهة هذا الانتشار الواسع، وسُخّرت الإمكانات والتقنيات الحديثة للتوعية ومكافحة المرض، إذ إن الإعلام في هذا الجانب أصبح المصدر الأول للمعلومات والأخبار، وزادت معدلات متابعة الصفحات الإلكترونية لوسائل الإعلام المملوكة لكبرى الشركات الموثوقة عالميًّا، إذ أسهم التحول الإعلامي المقروء والمطبوع إلى إصدارات إلكترونية تتماشى مع الإجراءات المتخذة في الحدِّ من انتشار الفيروس، وتقليل عمليات التلامس وتعزيز التباعد الاجتماعي.

واتجهت المنظومات الإعلامية إلى تعزيز أواصر التنمية الإعلامية، من خلال الإعلام الإلكتروني كإحدى الأدوات المهمة في بناء إستراتيجيات التوعية بمخاطر الفيروس، والاستفادة القصوى من منظومة الإعلام الإلكتروني في تطوير أساليب ووسائل التعليم والتدريب التفاعلي عبر الوسائل الإعلامية الحديثة، والتي من الممكن أن تعمل على تأسيس سياسات وطنية منهجية توظف التقنيات التكنولوجية الحديثة في تقليل مخاطر انتشار الفيروس.

والملاحظ أن في أوقات الأزمات يتم الاهتمام بمراجعة وتصميم السياسات الإعلامية التي تحارب التناقض وتعزز الإدراك؛ لأهمية المنظومة الإعلامية في تطوير وتحسين جودة التواصل الجماهيري المباشر مع مختلف المستويات القيادية والحكومية إلى بقية فئات المجتمع.

إلا أن هناك مجموعة من العوامل المؤثرة في رسم السياسات الإعلامية، من أهمها:

-العوامل السياسية

تؤثر العوامل السياسية في رسم السياسات الإعلامية وتوجيه المجتمعات لتحديد شكل آليات الاتصال والتواصل مع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في الدول المختلفة، وهذا من شأنه صناعة الأزمات الدبلوماسية بحكم التغيرات الطارئة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول، ويهتم الإعلام غالبًا في توجيه المجتمعات لتطوير التفاعل مع هذه العلاقات بين الدول، أو الحد منها وبيان آثارها السلبية، وذلك بما يخدم مصالح الدولة.

-العوامل الاقتصادية

للاقتصاد تأثير مباشر في نشأة الصراعات الإعلامية بين الدول والتأثير في قضايا الاقتصاد القومي، كقضايا الدخل القومي والسياسات الإعلامية وخاصة الإعلام الاقتصادي، فالدعاية والإعلام مصاحبان للطفرات الاقتصادية أو تراجع قوة الدولة اقتصاديًّا، ومنه يمكن أن يشكل الإعلام ضغطـًا على الدولة والمؤسسات الرسمية بشكل هائل، لذا لا بد من تحليل السياسات الاقتصادية في الدولة أثناء بناء السياسات الإعلامية وارتباطها بالسياسات الدولية.

-العوامل الاجتماعية

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات المستخدمة في توجيه الرأي العام العالمي، وخاصة في القضايا ذات الحساسية المجتمعية والخلافية، وبالتالي تدمير منظومة القيم والروابط الاجتماعية وتشويه صورة المجتمعات في حال كانت موجهة من قبل مجموعات، كخلايا ضاغطة لديها أجندات تعبوية تستهدف تفتيت الأمن المجتمعي ونشر الأيديولوجيات المتطرفة.

أما فيما يخص السياسات الإعلامية، يجب أولاً فهم المخاطر الناتجة عن الأزمة أيًّا كانت، فخلال تفشي جائحة كورونا، على سبيل المثال، فإن الوضع القائم لانتشار هذا الفيروس يتطلب دراسة المهددات والمخاطر الإعلامية المؤثرة في التكوين المجتمعي، وخاصة في ظل الدعوة المستمرة لاتباع سياسة التباعد الاجتماعي بسبب الفيروس، وكذلك الدعوة لاستخدام وسائل الإعلام الحديثة في العمل عن بُعد أو التعليم أو ممارسة الأنشطة السلوكية البشرية المختلفة، وهذا بدوره سوف يشكل مخاطر على مستخدمي هذه الوسائل الإعلامية ويؤثر سلبًا في الصحة النفسية والبدنية ويتسبب في الإرهاق، مما يتطلب تركيزًا عاليًا في أثناء تنفيذ المهام على الوسائل الإلكترونية.

كذلك ينبغي تحليل الإستراتيجيات الإعلامية عبر تشخيص واقع المنظومة الإعلامية القائمة، ومدى ارتباطها بالمكونات الرسمية والاهتمام بالقضايا الوطنية، وعلى ذلك تتم دراسة القضايا الشائكة والعالقة بين المكونات المجتمعية ومستوى التأثير الإعلامي في الصراعات الداخلية والإقليمية، إذ ارتبطت السياسات الإعلامية بالصراعات وأصبح الإعلام يغذيها ويزيد من وتيرتها ويهدد الاستقرار المجتمعي، ويُسهم في تدني قوة الترابط المجتمعي الإقليمي بين الدول المتجاورة.

إن التحليل الإعلامي يتطلب دراسة الموارد الإعلامية القائمة، وقوة تأثير الشخصيات العاملة في القطاع الإعلامي، لذا تكمن هنا أهمية تحليل السياسات الإعلامية المتبعة في التعامل مع الحدِّ من انتشار فيروس كورونا.

وبعد التحليل للسياسات الإعلامية لا بد من أن يتمَّ العمل على وضع البدائل المختلفة لدراسة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشريعية؛ بغية فهم الوعي المجتمعي، وقدرة المجتمعات على التعاطي مع توجهات الدولة في التوعية والالتزام بالسياسات الوطنية المختلفة، إذ إن توعية المجتمع بالإجراءات المصاحبة للتعاطي مع انتشار الجائحة يجعل المجتمعات تفكر في كيفية استقاء الوسائل الإعلامية للمعلومات والبيانات من مصادرها الرئيسية.

كما أن بناء السياسات الإعلامية يتطلب مشاركة أصحاب الخبرة في تصميمها وتحليل العوامل المؤثرة في بنائها، حيث إن هناك حاجة للخبراء في مجالات التعبئة الجماهيرية والحشد والمناصرة وصناعة القرار في الإجراءات الاحترازية الوقائية من الفيروسات، بالإضافة إلى ممثلين عن المنظمات الصحية المجتمعية والمؤسسات الإعلامية، وذلك بغية الوصول إلى سياسات وطنية واضحة تراعي المصالح الوطنية، وتحد من المخاطر المؤثرة في صحة الأفراد وحمايتهم من الإصابة بالفيروس.

كما أن هناك مجموعة من السياسات المهمة الواجب مراعاتها للتعامل الآمن مع تفشي انتشار الجائحة، وذلك بما يُسهم في بناء منظومة إعلامية يمكنها أن تتماشى مع استدامة الحياة البشرية والتعايش مع مخاطر انتشار الفيروس، ومن ذلك:

سياسات تنظيمية، وهي السياسات الواجب بناؤها لتحقيق الحماية المتكاملة لمختلف الفئات المجتمعية وتحقيق الكفاءة الإعلامية، وذلك من خلال سياسات تنظيم متطلبات الوقاية من انتشار تفشي جائحة كورونا.

سياسات التوزيع، وهي السياسات الواجب أن توزع فيها الجهات المسؤولة المهام بشأن التوعية، فمثلاً توزيع الأدوار على المؤسسة الصحية والإعلام الصحي والإعلام التقني، وما يصاحب ذلك من توزيع للموارد والإمكانات، وما يتطلب ذلك من توجيه المواطنين بوساطة الإعلام، للوصول للموارد والسلع الأساسية وغيرها من آليات التوزيع.

سياسات وقائية، وهي السياسات التي لا بد من خلالها تعزيز المنظومة الوقائية الإعلامية وتسخير الإمكانات والموارد الإعلامية المختلفة، لتعزيز التوعية المجتمعية والآليات الواجب اتخاذها من قبل السكان لمنع تفشي انتشار الفيروس والتوعية بأساليب الوقاية منه.

والخلاصة، إن هناك مجموعة كبيرة من السياسات الواجب اتباعها من قبل المجتمع الدولي لتوجيه الإعلام لخدمة السياسات الوقائية المختلفة في مواجهة تفشي انتشار الفيروس، إذ إن الواقع الذي نعيشه يتطلب منا البحث عن سياسات تعمل على التعايش الآمن مع انتشار الفيروس، وهذا يتطلب الدراسات الواقعية من خلال ورش عمل تناقش قضية تفشي الفيروس، ودور التوجيه الإعلامي في الحد من انتشاره.

لقد أسهم انتشار الفيروس في تغيير مسار الحياة البشرية، وزيادة الاعتماد على تكنولوجيا الإعلام الاجتماعي في الاستفادة منها ضمن العناصر البشرية لتحقيق الأهداف التنموية، وما يرافق ذلك من السياسات التعليمية والصحية الملازمة لتعزيز الإعلام المجتمعي التفاعلي، واستخدام الوسائل التقنية في عقد اللقاءات والاجتماعات وورش العمل.

وهذا بلا شك يستدعي من المؤسسات الرسمية المتابعة الحثيثة لوسائل التواصل والإعلام التفاعلي، وتشديد الرقابة على كل ما يثير قضايا خلافية تؤثر في نمط الحياة الطبيعية، مثل نشر الإشاعات حول أعداد الإصابات أو الوفيات أو توجيه الأفراد لمخالفة التوجهات الرسمية في مكافحة مخاطر الفيروس وآثاره في الدولة.

القوة الناعمة في الإعلام (2)

تُعدُّ القوة الناعمة مصطلحًا حديثـًا لم يظهر إلا في أواخر القرن العشرين، والإعلام – بشكليه التقليدي والحديث – يعتبر من أهم أدوات القوة الناعمة، حيث يوصف بأنه الذراع الأقوى للقوة الناعمة، وكما أن الإعلام يُعدُّ أهم أداة للقوة الناعمة في بناء المجتمعات، فهو ‒ أيضًا ‒ أحد أخطر أدواتها المدمرة لتلك المجتمعات، وهو ما أوضحناه بالتفصيل في المقالة السابقة، بالإضافة إلى قدرة الأجهزة الإعلامية، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، على التأثير بشكل إيجابي أو سلبي في المتلقين وفرض آراء معينة عليهم.
وفي هذا الجزء من السلسلة سيتم التركيز على الإعلام كأداة من أدوات القوة الناعمة ووسيلة مهمة للتأثير في الشعوب.

الإعلام .. ملتقى أدوات القوة الناعمة
ذكرنا أدوات متعددة للقوة الناعمة، مثل: الثقافة، واللغة، والسياسة الخارجية للدول، والمساعدات الإنسانية، والسياحة، والرياضة وغيرها، ولكن هل من الممكن أن نتخيل نجاح نشر تلك الأدوات وترويجها من دون وجود آلة إعلامية عصرية وقوية تعمل على تحقيق ذلك الهدف؟
إن الإجابة عن هذا السؤال بسيطة جدًّا، وذلك من خلال الاطلاع على واقعنا الذي نعيش فيه، فالإعلام هو مـَن ينشر الثقافة والعلوم والأحداث الرياضية، وهو مـَن يلمع السياسات الخارجية للدول، وهو مـَن يبرز الدور الإنساني الذي تقوم به، وبالتالي يمكن وصف الإعلام بأنه (اليد الصلبة للأدوات الناعمة).

الإعلام وتنظيمه منذ القدم
إن ظهور مصطلح القوة الناعمة في نهايات القرن العشرين لا يعني أن أدواته
– وأهمها الإعلام – هي أدوات حديثة، بل هي قديمة قدم البشر، والإعلام كان ولا زال له دور مؤثر في حياة الشعوب.
كما أن تعاطي وسائل الإعلام مع الأحداث لم يكن يتم بشكل عشوائي أو ارتجالي، بل كان يتم بتنظيم يضمن له نجاحه وتحقيق هدفه، وهو التأثير في أكبر عدد ممكن من المتلقين، ففي الجزيرة العربية وقبل أكثر من (15) قرنـًا كان شعراء القبائل يجتمعون في أسواق أدبية لوصف شجاعتهم وكرمهم وقوتهم من خلال تصوير المعارك التي شاركوا فيها، فقد كانت تلك الأسواق عبارة عن منابر إعلامية لتلك القبائل، مثل سوق عكاظ التاريخي.

القوة الناعمة للإعلام والقوة الصلبة للجيوش
إن تطور الإعلام ووسائله بهذا الشكل السريع واللافت جعل منه جهازًا يتفوق على الأجهزة العسكرية، ويحقق نتائج لا تستطيع الجيوش المدججة بالأسلحة أن تحققها، ولعل أبرز مثال يؤكد هذه المقولة ما حققته وسائل الإعلام إبان الحرب الباردة، فالحرب التي استمرت لأكثر من أربعين عامًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي كانت عبارة عن حرب نفسية سلاحها الإعلام والدعاية، وفي النهاية تفوقت الولايات المتحدة الأمريكية من دون حرب عسكرية، بل بتأثير إعلامي واسع أدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد كانت وسائل الإعلام وأبرزها الإذاعات المؤيدة للدعاية الأمريكية أهم الأسلحة الموجهة لنقد النظام الشيوعي، ونشر الكراهية ضده في أوروبا وأمريكا، وكانت إذاعات أوروبا الحرة ولندن وصوت أمريكا أهم الأدوات التي تعزف تلك الدعاية الأمريكية.

الإعلام والتطرف
في هذا الجزء، نستعرض مثالاً معاصرًا لمدى تأثير الإعلام في ظاهرة واحدة فقط وهي ظاهرة الإرهاب والتطرف.
لقد تطور مفهوم الإرهاب منذ ثمانينيات القرن الماضي من خلال استحداث مصطلحات مثل التطرف والتطرف العنيف، ومثلما تطور هذا المصطلح على مرِّ الزمن فقد تطورت الأساليب الدعائية للإرهابيين وطرق تجنيدهم، وذلك من خلال استخدام القوة الناعمة وأدواتها ومن بينها الأداة الإعلامية، وهنا نؤكد مرة أخرى بأن القوة الناعمة لا تعني بأنها تستخدم استخدامًا إيجابيًّا في جميع الحالات، فمن الممكن استغلال هذه القوة في تدمير الدول وتأجيج الحروب وإثارة الاضطرابات.
إن المراقب لتاريخ التنظيمات المتطرفة سيلاحظ مدى التغير في استخدام وسائل التجنيد، فبعد أن كان التجنيد يتم إجباريًّا من خلال الهجوم على بعض المناطق وأسر المتواجدين فيها بغرض تجنيدهم، أصبحت عملية جذبهم لتلك التنظيمات من خلال الاجتماعات السرية الصغيرة أو من خلال منشورات بدائية، تشجع على تبني الفكر المتطرف لهذه التنظيمات، والذي قد يكون أساسه ديني أو عرقي أو غير ذلك.
ومن ثم تطور هذا الأمر حتى أصبحت عملية التجنيد تتم من خلال نشر فيديوهات دعائية بدائية، إلى أن وصلنا إلى الاستخدام الاحترافي لوسائل التواصل الاجتماعي، والتي سهلت من عملية التواصل مع الهدف حتى لو كان على بُعد آلاف الكيلومترات من مراكز التنظيمات الإرهابية، فقد ظهرت أساليب حديثة للتجنيد تعتمد على القوة الناعمة لهذه التنظيمات المتطرفة، وهو ما يدعى بتجنيد “الذئاب المنفردة”، وذلك يتم من خلال وسائل الجذب المتمثلة في الفيديوهات والمنشورات والألعاب الإلكترونية التي تحرض على العنف، حيث يقوم الهدف المتلقي بتطبيق كل ما يراه أو يسمعه من تلك الجهات على أرض الواقع، ويكتفي التنظيم بإعلان مسؤوليته عن هذا النوع من الحوادث، مما يحقق دعاية تضاف إلى رصيد ذلك التنظيم.
فلو أخذنا على سبيل المثال تنظيم “داعش” الإرهابي، فسنرى بأن من أهم الأسباب التي مكنت هذا التنظيم من الظهور واستمراريته لهذا الوقت هو التفوق الإعلامي، فلأول مرة يملك أحد التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط هذه الماكينة الإعلامية القوية التي سهلت إيصال رسائله الدعائية بكل سهولة، كما مكنت هذه الاحترافية في استخدام وسائل الإبهار من جذب عدد كبير من المقاتلين والمتعاطفين على الرغم من بشاعة ما تنشره الأذرع الإعلامية لهذا التنظيم، بل إن هذا التنظيم تمكن بأسلوبه العصري من إيصال رسائله إلى فئة من الشباب الغربي، بل وتقبلها البعض من أصحاب الخلفيات الأوروبية.
ومن هنا يمكن القول : إن التنظيمات التي كانت تُعدّ في السابق الطرف الأضعف في المعادلة، أصبحت تجاري أو تتفوق في بعض الأحوال على الطرف الآخر المكافح لها، وذلك بفضل تطور إستراتيجيتها المرتبطة باستخدام القوة الناعمة، ومن هنا برزت حاجة الدول والمجتمع الدولي إلى تطوير أساليب مكافحة الإرهاب المعتمدة على القوة الناعمة – وخاصة الاستخدام الأمثل لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي – بالإضافة إلى استخدام الأساليب العسكرية أو الصلبة.

الاستثمار في الإعلام
في وقتنا الحالي يتفق كثير من صناع السياسات مع مقولة “مـَن يملك الإعلام يملك العالم”، وبالتالي فقد ارتأت بعض الدول أن الاستثمار الهائل في الإعلام هو المفتاح لبوابات الاستثمار الأخرى.
تُعدُّ فكرة التحول الأكاديمي لمفهوم الإعلام من أهم أدوات الاستثمار في الإعلام، فلم يعد الإعلام مجرد مهنة تكتسب من خلال الخبرة والتدريب التقليدي، بل أصبح علمًا لديه نظرياته الخاصة وأساليبه التجريبية التي تُعدُّ من أهم أساليب التدريب ونقل الخبرات، ولقد أسهمت مؤسسات التعليم العالي من خلال افتتاح كليات الإعلام في إحداث ثورة في الفكر الإعلامي، كما تزايد الطلب على افتتاح معاهد تدريبية تخصصية في مجال الإعلام من أجل ترسيخ هذا الفكر المتطور والمرتبط بما يسمى صناعة الإعلام.
إن هذا الاهتمام بالإعلام حولها لأحد أهم الصناعات في العالم، والاستثمار في هذه الصناعة لا يُعدّ استثمارًا عاديًّا أو تقليديًّا فقط، بل تعدى ذلك لأن يكون نوعًا من أنواع الاستثمار في المعرفة.
لفترة قريبة جدًّا كان الإعلام مقيدًا نسبيًّا فيما يسمى بالمحلية، إلى أن نقلته الثورة المعلوماتية إلى العالمية، وأصبح القائمون على وسائل الإعلام هم القادة الجدد للعالم، كما استطاعوا أن ينتزعوا سلطات كثيرة من أيدي السياسيين سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال التأثير في الرأي العام واستمالة الجماهير.
ولذلك لاحظنا في الفترة الأخيرة اهتمام بعض الدول العربية ببناء واستحداث منصات إعلامية تهدف إلى التأثير في الرأي العام العربي والإقليمي والعالمي، وعندما أرادت دول أخرى الدخول للمنافسة لم تجد الوقت الكافي لاستحداث قنوات ومنصات جديدة، بل اتجهت نحو الاستحواذ على منصات عالمية موجودة فعليًّا سواء كانت قنوات إعلامية أو صحف أو منصات إلكترونية.
مما سبق يتبين مدى أهمية الإعلام في جذب الآخر والتأثير في الرأي العام وتبديل الآراء والقناعات، ومن الممكن وصف أداة الإعلام بأنها (اليد الصلبة للأدوات الناعمة).
وختامًا، فمن المناسب عرض بعض التجارب عن مدى نجاح الدول في استغلال وسائل الإعلام لتعزيز قوتها الناعمة، من خلال جذب الآخر سواء كانوا أفرادًا أو حكومات، أو من خلال تحسين وتغيير الصورة النمطية السائدة عن بعض الدول، ففي الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة، سيتم عرض بعض النماذج لدول نجحت في تسخير أدوات القوة الناعمة – وبخاصة أداة الإعلام – لخدمة مجتمعاتهم، كتجارب دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية.

كيف سيغير الواقع الافتراضي صناعة المحتوى في العالم؟

في عام 2012م لاحظ الشاب “بالمر لوكي” ضعف نظارات الواقع الافتراضي المتوافرة في العالم، كانت آنذاك تعاني من كبر حجمها وضعف أدائها وارتفاع سعرها، ومساحة محدودة لمشاهدة المحتوى، جمع “لوكي” (50) نظارة واقع افتراضي مصنعة من التسعينيات واشتراها بمبلغ (39) ألف دولار، كان قد جمعها من عمله في إصلاح أجهزة الهواتف الذكية.

قرر بمعاونة عدد من أصدقائه إنتاج نسخة أولية لنظارة واقع افتراضي في جراج منزله، ثم أعد محتوى مرئي يشرح واقع ومستقبل التقنية، تلتها حملة لتمويل إنتاج نظارة “أوكيولس ريفت” عبر منصة التمويل الجامعي (Kickstarter).

كانت الإستراتيجية تعتمد على محورين، الأول الدعم المادي (التبرع)، بينما الخيار الثاني الشراء قبل الإنتاج، ونجح “لوكي” في جمع (2,5) مليون دولار خلال بضعة أيام، ما أعطى مؤشرات إيجابية للمشروع الريادي الناشئ.

الانطلاقة

نجحت المرحلة الأولى في توفير نموذج عصري لنظارات الواقع الافتراضي، ثم بدأت تطور الشركة الناشئة نظارات الواقع الافتراضي حتى استحوذت عليها شركة “فيسبوك” بعد أربع سنوات، في صفقة قدرت بملياري دولار، وشككك حينها بعض المراقبين بمبلغ الصفقة، وأعلن الرئيس التنفيذي لفيسبوك “مارك زوكربيرج” أن تقنية الواقع الافتراضي والمعزز ستكون جزءًا من حياة الناس اليومية.

اليوم تُعدُّ شركة “أوكيولس” من أهم شركات إنتاج نظارات الواقع الافتراضي، حيث تصنع نوعين رئيسين من النظارات ذاتية لا تحتاج لهاتف أو حاسب لتشغيلها، وأخرى مرتبطة بالحاسب الآلي، فالنوع الأول مهم جدًّا ومناسب لأغلب مستخدمي التقنية لسهولة استخدامها، بينما النوع الآخر يستخدم بشكل رئيس في مجال الألعاب الاحترافية وفي قطاع الأعمال.

التاريخ يعيد نفسه

تقنية الواقع الافتراضي ستغير العالم مثلما فعل الحاسب قبل عقود من الزمن، ويدعم ذلك محورين رئيسين: الأول على مستوى الإنتاج، ويتمثل في الانخفاض التدريجي للتكلفة والتطوير المستمر، والذي يقلل من حجم النظارة ويزيد من مساحة المشاهدة، والمحور الثاني ما تملكه التقنية من عوامل تجعل من النظارة أكثر تأثيرًا من وسائط عرض المحتوى المتوافرة حاليًّا، ويتمثل ذلك في عدم وجود عنصر وسيط، وهو عادة ما يكون المحرر أو المصور الذي ينقل الحدث، ما يسهل على المشاهد أو المستخدم المشاهدة بمستوى (360) درجة، ما ينتج عنه تصور حقيقي للمشاهدة، وهي نقطة تحول كبيرة في صناعة المحتوى.

من ناحية أخرى، هناك عوامل عدة نجحت في تعزيز تجربة المستخدم للتقنية، تتمثل في وجود أكثر من (10) منصات لاستخدام الواقع الافتراضي، تحوي أكثر من (4) آلاف تطبيق في مجالات متعددة، تشمل التعليم والترفيه والإعلام والأفلام، فضلاً عن زيارة الفضاء وغيرها من المجالات، ما يعزز من تجربة المستخدم ودخول التقنية في مختلف القطاعات الاقتصادية لصناعة محتوى وتأثير لا يمكن إنتاجها عبر الوسائط المتاحة حاليًّا.

نماذج ناجحة

أما على مستوى تأثير التقنية، فيمكن الإشارة إلى عدد من الأمثلة التي توضح حجم تأثير التقنية على المشاهد أو المستخدم، وسأكتفي بشرح مثالين:

الأول: يتمثل في تجربة الأمم المتحدة في جمع تبرعات للاجئين السوريين من خلال إنتاج فيلم واقع افتراضي، حيث استعانت المنظمة بأحد بيوت الخبرة لإنتاج فيلم يحكي معاناة اللاجئين السوريين، وتمَّ عرضه على المانحين في منتدى “دافوس” الاقتصادي، وكانت النتيجة أن تمَّ جمع تبرعات بقيمة (3.8) مليار دولار، (60%) أعلى من المبلغ المستهدف.

الثاني: تجربة جمعية “تشيريت ووتر” غير الربحية في نيويورك، والمتخصصة في إيصال المياه الصالحة للشرب للدول النامية، حيث أنتجت المنظمة فيلم واقع افتراضي يجسد معاناة ملايين الأطفال حول العالم، من خلال قصة طفلة أثيوبية لا تستطيع الذهاب للمدرسة لانشغالها بتأمين مياه غير صالحة للشرب لأسرتها، وعُرض الفيلم في حفل جمع تبرعات بمتحف “ميتروبولتون” وكانت النتيجة جمع أكثر من (2) مليون دولار في ليلة واحدة من خلال (400) شخص، وهذه أمثلة توضح أهمية التقنية وتأثيرها.

على مستوى وسائل الإعلام يوجد العديد من التجارب لإعداد تطبيقات على منصات الواقع الافتراضي، ومن أبرزها تجربة صحيفة “نيويورك تايمز” حيث وزعت أكثر من نصف مليون نظارة “جوجل” الكرتونية في عام 2015م للمشتركين مع النسخة الورقية؛ حتى تتيح لهم مشاهدة المحتوى (360) درجة عبر تطبيقات الصحيفة في المنصات المختلفة، وأنتجت الصحيفة تجارب مختلفة من نقل فعاليات الموضة والألعاب الرياضية إلى المحتوى الإخباري المنوع.

وهنا يتبادر سؤال.. ما مستقبل التقنية وصناعة المحتوى في العالم؟

الواضح وبلا شك أن صناعة المحتوى على مستوى توظيف الحواس في المحتوى لم تتغير لعقود طويلة، فهي تستند على حاسة أو حاستين في أفضل الأحوال وهي السمع والبصر، لتأثير الحاستين على العقل، وهذا يوضح التطور المتسارع لشاشات العرض بدرجة أولى والسماعات بدرجة أقل، بينما تقنية الواقع الافتراضي قادرة على توظيف الحواس الثلاث المتبقية، اللمس، الشم، والتذوق، بحسب التجربة المستهدفة، وأهمية توظيف الحواس الثلاث المتبقية يتمثل في رفع مستوى التأثير في المستخدم، ومن الأمثلة على إنتاج محتوى بتوظيف حاسة اللمس، على سبيل المثال تجربة بعض شركات التوعية المرورية والتي تعطي المشاهد تجربة الركوب في مقصورة قيادة ثم تجربة افتراضية لحادث سير باستخدام حزام الأمان ومن دونه، ما يعطي للمشاهد تجربة افتراضية واقعية (مرعبة) لحاث سير من دون استخدام حزام الأمان، بينما توظيف حاسة الشم يتم استخدامه في المجالات الطبية العلاجية، وتوظيف الحواس الخمس يستخدم في إنتاج الأفلام بمختلف المجالات، لا سيما المجال السياحي، كعرض تجربة زيارة وجهة سياحية أو التجول في غابة أو منطقة بها مزارع للورود، مما يعزز من حجم الشعور بالتواجد في الموقع الافتراضي.

اتحاد التقنيات

من ناحية أخرى تتيح تقنية الواقع الافتراضي دمج تقنيات أخرى معها لصناعة المحتوى (التجربة)، فعلى سبيل المثال؛ يمكن دمج تقنية الذكاء الاصطناعي معها، مثل التحدث مع رجل آلي في الفضاء الإلكتروني، أو تنفيذ حجوزات السكن، أو شراء أسهم من خلال الطلب من الرجل الآلي افتراضيًّا بتنفيذ عملية الشراء.

كل ذلك يضعنا على أعتاب مرحلة جديدة في الحياة والتفاعل عبر تقنية الواقع الافتراضي والتي تتيح خيارات غير محدودة في ابتكار طريقة صناعة التجربة.

نقلت تقنية الواقع الافتراضي صناعة المحتوى من كونها مشاهدة لأن تكون تجربة (Experience) وهذا يعطي بُعدًا أكبر، حيث إن الشخص عند مشاهدة المحتوى يقترب ذهنيًّا من الإحساس بوجوده في ذات المكان الافتراضي، لذلك نشاهد اليوم نمو إنتاج نظارات الواقع الافتراضي والتوسع في استخدامها في مختلف المجالات، ما يعطي فرصة لتغيير العالم بالاستناد على حجم التأثير، لا سيما في المجال الإعلامي والرعاية الصحية، وغيرها من المجالات التي يمكن الاعتماد عليها في تحسين الصورة الذهنية.

فصل المقال ما بين الصحة والإعلام

لم يتوقف النقد الموجه لوسائل الإعلام منذ أن أعلنت “سيلفي بريان”
(Sylvie Briand)، مديرة التحضير لمخاطر الأمراض المعدية في المنظمة العالمية للصحة بأن جائحة (كوفيد 19) تخفي وراءها جائحة أخرى، إنها الجائحة الإعلامية.
لقد تناوب على هذا النقد أهل مهنة الطب، والكتّاب والمثقفون، ورجال السياسة، والفاعلون في المجتمع المدني، وحتى الصحافيون ذاتهم!

اتفقوا كلهم تقريبًا على خطورة التّخمة الإعلامية التي أصبح الجمهور يعاني منها جراء التغطية الإخبارية المفرطة لجائحة (كوفيد 19) بكل اللغات، إذ يذكر على سبيل المثال أن القنوات التلفزيونية الإخبارية الفرنسية خصصت (74.9%) من وقت بثها لجائحة كورونا خلال أسبوع فقط من (16 – 22 مارس 2020م) وفق الدراسة التي أعدّها المعهد الوطني للسمعي –  البصري الفرنسي؛ بمعنى أن كل قناة تلفزيونية بثت ما يعادل (13) ساعة و(30) ثانية في اليوم عن هذه الجائحة!

لم يحدث في تاريخ التلفزيون أن حظي أي حدث بمثل هذه التغطية المباشرة والمتواصلة على مدار ثلاثة أشهر.

لقد كادت القنوات التلفزيونية الشاملة والعامة تتحول إلى قنوات متخصصة في الأخبار، نظرًا لتركيزها المكثف على التغطية الإعلامية للجائحة المذكورة، وأعادت القنوات التلفزيونية الإخبارية النظر في برامجها فاستغنت عن بعضها لصعوبة التصوير أو التسجيل في الاستوديوهات، نظرًا للتدابير الصحية المتخذة، وكيّفت بعضها الآخر مع الوضع الصحي العالمي لمواكبة تطور انتشار الجائحة محليًّا ودوليًّا.

إن الأمر لم يقتصر على التلفزيون الفرنسي، بل شمل مختلف القنوات التلفزيونية الدولية، وحتى المحطات الإذاعية والصحف والمواقع الإخبارية في شبكة الإنترنت، لقد وجدت المنصة الرقمية المختصة في الرصد الإعلامي: (تاغا داي Tagaday) أن ما نشرته عينة تتكون من ثلاثة آلاف صحيفة وموقع إعلامي فرنسي في شبكة الإنترنت عن الجائحة المذكورة، خلال الأسبوع الثالث من مارس الماضي، يزيد على (250) ألف مادة صحفية، وحتى وكالات الأنباء العالمية التي من المفروض أن توجه موادها الإعلامية إلى وسائل الإعلام المحلية والدولية وبعضًا من القطاعات الاقتصادية والمالية والعسكرية أصيبت هي الأخرى بــ”الوباء الإعلامي”، فوكالة الأنباء الفرنسية على سبيل المثال التي من المعروف أنها تنتج أقل عدد من برقيات الأنباء يوم الأحد، الموافق لإجازة نهاية الأسبوع، نشرت (1563) برقية يوم الأحد 15 مارس المنصرم، جلّها عن (كوفيد 19)، أي بمعدل زيادة يقدر بـ(130) برقية عمـّا تنشره يوميًا.

يعتقد البعض أن الإطناب في الحديث الإعلامي عن هذه الجائحة هو نتيجة منطقية للضغوط التي تمارس على وسائل الإعلام أثناء الأزمات من لدن السلطات العمومية، والمجتمع الطبي، والمجتمع المدني، وحتى الجمهور، ففي ظل الأزمات تتحول وسائل الإعلام إلى مشجب تعلق عليه كل المشاكل والصعوبات التي تعاني منها مختلف قطاعات المجتمع، فنادرًا ما تفلت من الاتهام سواء بالإطناب الذي يؤدي إلى المبالغة في الحدث ومنحه أكثر من حجمه، مثلما جرى مع وباء “أنفلونزا الخنازير”، أو الاهتمام الضعيف به مما يؤدي إلى الاستهانة به.

جائحة العصر

نظرًا لتصنيف (كوفيد 19) ضمن الأمراض الناشئة أو جائحة العصر، فإن التخمة الإعلامية التي رافقته أفرزت ظاهرتين: الظاهرة الأولى وتعتبر تقليدية، وتتمثل في أن التركيز على هذه الجائحة أفضى إلى تجاهل ما يحدث في العالم، إذ يبدو أن الزمن توقف فيها ولم يجر في الكون أي شيء غيرها، والأكثر من هذا أن السياق الذي تنشط فيه وسائل الإعلام في العديد من البلدان يتصدى لأي معارضة إعلامية لهذه التخمة.

يذكر في هذا الإطار “ستيفان جوردن”، رئيس تحرير المحطة الإذاعية الفرنسية “فرنس أنترن” أنه حاول أن ينجو من “الوباء الإعلامي” المذكور، فاقترح بثّ برنامج إخباري قصير بعنوان: “أخبار العالم باختصار بعيدًا عن كوفيد”، لقد نبع هذا المقترح من قناعته بأن المحطة الإذاعية التابعة للقطاع العام يجب أن تؤدي خدمة عمومية يستفيد منها الجميع، لكن لم يستطع هذا البرنامج الصمود أمام “الإنزال الإعلامي” المتضمن الأخبار عن فيروس الكورونا المستجد، حيث تراوح عدد متابعيه في الموقع الإلكتروني للقناة ما بين (10 – 20) ألف متابع، قد يقول البعض : إن هذا العدد مقبول جدًّا، لكنه متواضع إن قارناه بمليوني متصفح لبعض المواد الإعلامية التي نشرت في الموقع ذاته، أو بمشاهدي التلفزيون الذين بلغ عددهم عشرين مليون متابع للأخبار في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية التي استأثرت بالحديث عن الجائحة المذكورة.

ما وراء التخمة

يتساءل الفيلسوف الفرنسي (آلان كونت سبونفيل Alain Conte Sponville) عن عائد هذه التخمة الإعلامية إن علمنا أن القنوات التلفزيونية التي استحوذت على أكبر عدد من جمهور وسائل الإعلام قدمت الأخبار المتواترة عن عدد المصابين بالعدوى وضحاياها على الصعيد المحلي وفي العالم، واتجهت إلى بثِّ القصص الإخبارية ذات البـُعد الإنساني من خلال إجراء مجموعة من المقابلات التلفزيونية مع بعض المصابين بهذه الجائحة أو الذين تعافوا منها أو الذين فقدوا عزيزًا بسببها؟ ويؤكد بأن الإطناب في ذكر الإحصائيات أو بثـّها يجعلها فاقدة القيمة ما لم تطرح في سياقها ولا تقدم بنوع من النسبية، فلماذا لا نقارن بين عدد الفرنسيين الذين قضوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والمعدل الشهري للفرنسيين الذين غادروا عالم الأحياء نتيجة حوادث المرور أو بسبب الأمراض المزمنة؟  أو عدد ضحايا (كوفيد 19) مقارنة بعدد ضحايا (الأنفلونزا الإسبانية) التي أودت بحياة (50) مليون شخص أو ضحايا مرض (فقدان المناعة المكتسب) أو حتى (9) ملايين شخص الذين تحصد أرواحهم المجاعة سنويًّا منهم ثلاثة ملايين طفل!

إن إعلام الجمهور عن طريق هذه الإحصائيات المفصولة عن سياقها والمشحونة بالقصص ذات البـُعد الإنساني والدرامي رفع درجة القلق والخوف الذي يدفع إلى البحث عن مزيد من المعلومات والأخبار عن هذه الجائحة، لقد أصبح للخوف مفعول كرة الثلج وسط الجمهور يزداد عدده بتدحرجها.

إن أكبر “مكسب” حققته وسائل الإعلام المختلفة من جائحة كورونا هو استعادة ثقة جمهورها في بلدان الديموقراطيات، الثقة التي تآكلت تدريجيًّا منذ ما أصبح يُعرف بحادثة “تميشورا” في نهاية عام 1989م، لقد استغلت وسائل الإعلام الكبرى، خاصة القنوات التلفزيونية التي شرعت في البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، المظاهرات المعادية لنظام (تشاوتشيسكو) برومانيا، وأخرجت جثث الذين وافتهم المنية من مستشفى بوخارست وأظهرتهم كأنهم ضحايا رصاص المخابرات الرومانية، فشحنت حركة الاحتجاج والسخط على نظام (تشاوتشيسكو) التي لم تنته إلا بشنقه هو وزوجته، ونقلت هذا الحدث مباشرة عبر الأقمار الصناعية.

وبانكشاف هذه الحيلة أو الخديعة سحبت نسبة كبيرة من الجمهور ثقتها في وسائل الإعلام، وتراجعت هذه الثقة – أيضًا – بعد أحداث برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001م، حيث ازداد شك قطاع واسع من الجمهور فيما قدمته وسائل الإعلام من معلومات عنها، إذ كان يعتقد أنها كانت تخفي الكثير من المعلومات عن هذا الحدث المأساوي، ويرجح البعض أن ميلاد مفهوم صحافة المواطن ولد من رحم هذا الشك.

مـَن المستفيد؟

يعتقد البعض أن المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي هي أكبر مستفيد من هذه الجائحة، نظرًا للسيل الهائل من الأخبار المتدفقة فيها، وارتفاع عدد متابعيها، لكن ما يلاحظ أنها شكلت مشتلاً للأخبار المزيفة، ففي البداية كان رواد هذه المواقع ينشرون الأخبار غير الدقيقة عن مصدر هذه الجائحة، وطرق انتشارها، وكيفية الوقاية منها نظرًا لجدّتها، ولقلة المعلومات الطبية عنها الموثوق في صحتها أو لتضاربها، لكن هذا السبب المنفرد لا يفسر كثرة انتشار الأخبار الملفقة وسرعة انتشارها، لقد شكلت الصحة مثار جدل كبير، وساحة للنزاع، فمعارضة اللقاحات في العديد من بلدان العالم لازالت مستمرة منذ سنوات، والحديث عن الطب يشوبه القلق والخوف دائمًا، هذا إضافة إلى أن مختلف الجمعيات المعارضة أصبحت تتحكم في تقنيات الاتصال وأسراره، خاصة وأن العدة الرقمية أصبحت في متناول الجميع، ليس هذا فحسب، بل إن الشركات الكبرى المصنعة للأدوية وتسويقها انساقت عبر هذه المنصات والمواقع في صراع تجاري مغلف بالحديث الطبي عن ظهور أجيال جديدة من هذه الجائحة وفاعلية الأدوية لعلاجها، ومدى قدرة بعض الشرائح الاجتماعية على مقاومتها، مثل الأطفال والنساء، والزعم بمناعة أبناء القارة الإفريقية من ذوي البشرة الداكنة ضد هذه الجائحة.  

أمام وفرة الأخبار عن هذه الجائحة وسرعة انتشارها، اتجهت وسائل الإعلام إلى نقلها من مصادرها الموثقة عبر البيانات والمؤتمرات والمقابلات الصحفية وطورت قدرتها على التحري في صحتها.

تحوّل

لقد أعطت هذه الجائحة دفعة قوية لما أصبح يعرف بـ (الترنسميديا Transmedia) أي المادة الإعلامية التي تتجاوز الوسيلة الإعلامية الواحدة، بمعنى أنها تنشر وتعرض أو تُبثُّ عبر أكثر من وسيلة إعلامية، هذا ما بينه موقع صحيفة “لوموند” الفرنسية التي نشرت الكثير من المواد ذاتها عبر نشراتها الإخبارية التي ترسل إلى المشتركين على الساعة السابعة صباحًا، وفي الموقع الإلكتروني وفي الصحيفة الورقية.

وفرضت صحيفة “لوموند” الفرنسية أسلوب التغطية المباشرة والمتواصلة لجائحة (كوفيد 19) على مدار (24) ساعة لمدة (84) يومًا، وأنشأت صفحة خاصة لتساؤلات القراء عن كل ما يتعلق بهذه الجائحة في موقعها الإلكتروني، إذ يذكر أن صحافييها أجابوا على ما بين ألفين وثلاثة آلاف سؤال يوميًّا، وكلفهم البحث عنها ساعات طوال في فحص آلاف الصفحات والمواقع المتخصصة، وهكذا تحول الخبر الصحفي إلى حوار مع القراء.

لقد زعزعت جائحة (كوفيد 19) الاعتقاد الراسخ بهيمنة العولمة الإعلامية التي محت الحدود المحلية للإعلام، وعززت ما يعرف بــ”القرب الجغرافي” و”الوجداني”، على الرغم من أن هذه الجائحة ظهرت في الصين في آخر شهر من السنة الماضية إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تهتم بها إلا في 24 فبراير 2020م، وهو تاريخ سقوط أول ضحية أمريكية من ضحايا هذه الجائحة.

لقد تجاهلت وسائل الإعلام الفرنسية موت سائح صيني في فرنسا بسبب هذه الجائحة يوم 14 فبراير الماضي، ولم تهتم بها إلا بعد (12) يومًا من هذا التاريخ، أي بسقوط أول ضحاياها من الفرنسيين وبعد بداية انتشارها في إيطاليا الدولة المجاورة.

وكالعادة لم تنج الأخبار عن هذه الجائحة من التأطير المحلي الذي سيّس الموضوع الطبي، لقد استغلتها وسائل الإعلام الأمريكية لتأجيج الصراع الدائر بين الجمهوريين والديموقراطيين عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ووظفتها الأحزاب الفرنسية لتعزيز برامجها السياسية، فحزب اليمين المتطرف الفرنسي، على سبيل المثال؛ لم ير أي علاقة بين تزايد عدد الذين لقوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والسياسة الليبرالية الجديدة التي دعت إلى تقليص الميزانية المخصصة للرعاية الصحية التي تُعدُّ من صلب المسؤولية الاجتماعية للدولة.  

إعلام أزمة الأزمات… كورونا!

مصطلح “إعلام الأزمات”! هو مسمى معروف مهنيًّا وأكاديميًّا لنشاط ليس حديث النشأة، ارتبط في بداياته بالحروب والكوارث الجسام، إلى أن تدرج ليشمل بشكل عام الصعوبات المفاجئة التي تواجهها الجهات: مؤسسات وأفراد، مما لها صلة بالرأي العام، ولخصوصيته الطارئة والمتجددة، بات لا يستخدم إلا في فترات متقطعة، ووفقــًا لطبيعة الحدث، ومدته، وبالتالي فإن تطبيقه لا يدوم لفترة طويلة؛ وإنما يتوارى عن الأنظار بانتهاء الحالة التي أوجبته، ولعل هذا ما جعله من أقل المصطلحات تداولاً وحضورًا، ليس في ميدان الممارسة الإعلامية بالمؤسسات والإدارات المعنية فحسب، بل وفي أروقة الكليات والأقسام الأكاديمية المتخصصة، وذلك مقارنة بغيره من المجالات الأخرى.

ويُعدُّ إعلام الأزمات فريدًا في تشكله وتشكيله؛ فهو يتطلب تعاملاً مختلفًا في الأسلوب وكيفية صياغة مضامينه، وهو حين يظهر لا ينطلق من الغرض الرئيس في النشر ذي المغزى التسويقي في معظمه، المتمثل في إيصال مزيد من الرسائل الإيجابية، أو تعزيز آثار تراكماتها عبر مفردات شبه متكررة في المبنى أو المعنى، ووفق طرق تسير بانسيابية في اتجاه واحد، لكنه يُصاغ بعناية فائقة وحذرة من أجل إيقاف معول هدم محتمل لجميع ما تمَّ بناؤه في مجال صناعة الصورة الذهنية، وإن كان – وهذه من خصائصه – يتيح للمتمكن منه، والماهر في بحر الاتصال، استثمار المواقف على صعوبتها لصالح الجهات المعنية بها، ليقلب المعادلة ويحول الأزمة إلى نعمة، والمصائب إلى مكاسب.

يثور إعلام الأزمات مباغتـًا كما هو حال الأزمة نفسها التي توقظه بعنف، وذلك بالنظر إلى فجائيتها المروعة، وهو ما يحتم على مـَن قد يتعرض لها أن يكون في أقوى درجات جاهزيته، خاصة أن الأزمة تشكل كابوسًا يهزُّ، وفقـًا لدرجة تأثيرها، كيان الأطراف ذات العلاقة بأسبابها والمتأثرين بها، لذا ليس مستغربًا أن تهرع الإدارة العليا في الغالب إلى نفسها لتخطيط الكيفية الأنسب للتفاعل مع الأزمة بشكل مباشر، وهي – أي الإدارة العليا – إن تمنّعت عن الظهور في الصورة في بداية الأمر، إلا أنها خلف الكواليس، تستنفر كافة أذرعها وتعقد الاجتماعات وتوالي الاتصالات للتحقق من أنها ستتخذ الإجراء السليم، كل ذلك بهدف تقليل حدة الزلزال الذي لم يكن في الحسبان؛ بل إنها في حالات معينة تعلق البرنامج المعتاد الذي تعرض له أو تبطئه، لتصعد مهمة التعامل مع الحدث المربك في صدارة المهام، ذلك أن الجميع يدرك أنها لحظة استثنائية تتطلب تصرفـًا خاصًا مدروسًا كفيلاً بالتصدي لعاقبة نشوء كرة ثلج ثقيلة تعصف بالمقدرات، وتحدث الكثير من الخسائر، وتهدّد المصالح، ما يؤكد أن إدارة الأزمات إعلاميًّا، مشروع محوري يستحق أي جهد يبذل له، أو مال ينفق عليه، بما يضمن امتلاك جهاز مهني فعال، وكوادر بشرية مؤهلة.

لعل من المفارقات التي تحدث في تعاطي الدول أو المؤسسات أو الأفراد مع الإعلام من حيث نشر المعلومات وسرعة الإفصاح عنها، أن مرحلة الأزمة التي يمرُّ بها أي منها، تشكل في الواقع الحالة المثالية للكيفية التي من المفترض أن يتم بها التعامل مع الرأي العام بكافة أطيافه في بيئة العمل الاتصالي، وألا يكون الاهتمام بالإعلام عملية انتقائية؛ بل منظومة متكاملة يتناغم بعضها مع الآخر.

إن مما يؤزّم إعلام الأزمات، أنه على الرغم من عمق التجارب فيه، والعلم الأكيد بآثارها، ونتائجها، إلا أنه لا يقدم وصفة نموذجية موحدة لعلاج ناجع، وذلك لتفاوت المتغيرات فيه، وحساسيتها، والتي يجب أن تتمَّ قراءتها، والتحرك في فلكها وفقـًا لحسابات تتناسب مع طبيعتها، مما يعني أن كل أزمة تتطلب يقظة عالية لمراحل تطورها وتوجهها، ولكن مما يستفاد من ذلك كله، أن هناك جملة أسس وأطر عامة، تشكلت بشكل جيد، فأوجدت أركانـًا مهمة يُستأنس بها لاتخاذ خطوات سريعة عند وقوع أيه أزمة لإيجاد الحلول الفعالة للتصدي لها، وهو ما يجعل بعض الجهات تلجأ إلى تهيئة خطط استباقية، من شأنها أن تقصِّر حجم الوقت المطلوب للتدخل عند الحاجة، بوصفه عنصر التحدي الأبرز والأهم، ومن تلك الخطط إعداد سيناريوهات متنوعة لأزمات محتملة.  

هذه المقدمة، تقودنا إلى أزمة الأزمات التي اجتاحت العالم هذا العام، الذي ربما يلقب بها “جائحة كورونا”، فقد جسدت بحق أزمة غير اعتيادية في كثير من سماتها، بدءًا من المتضررين بها، فهي لم تستثن أحدًا: أفرادًا ومؤسسات، ودولاً بكافة مكوناتها، وعلى الرغم من أن القطاعات الصحية تبدو المعنية بها بالدرجة الأولى، إلا أن دائرتها أوسع من ذلك بكثير، فقد شكلت ظاهرة عريضة لأزمات متداخلة، سياسيًّا، واقتصاديًّا ومجتمعيًّا، وعلى ذلك لم يكن مستغربًا أن يتقدم قادة زعماء الدول إلى الصفوف الأمامية لإيجاد الوعي اللازم لتجنب مخاطرها ومحاولة معالجة آثارها الجسيمة، بما في ذلك بثّ الطمأنينة في نفوس شعوبهم، على نحو ما فعل خادم الحرمين الشريفين ملك المملكة العربية السعودية سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حفظه الله، حين وجه كلمة عميقة ووثيقة، ذات رسائل مباشرة وشفافة حول الإجراءات المتخذة لمواجهتها، وحول ما يجب على المجتمع القيام به لضمان تضافر الجهود ونجاحها، واكب ذلك كله طوفان نشر غير مسبوق من المعلومات القيمة أولاً بأول، سواء عبر مؤتمر صحفي للمتحدث الرسمي لوزارة الصحة تشاركه فيه مجموعة من متحدثي الجهات ذات العلاقة، وكذا إطلاق حملات متناغمة في هيئة حملة مكثفة شاركت بها المؤسسات الحكومية والخاصة؛ مما أبقى المجتمع على اطلاع تام على المستجدات، يساندهم في ذلك أفراد المجتمع النشطون اتصاليًّا، الذين شاركوا بكم هائل من الرسائل التوعوية عبر شبكات التواصل، ومن خلال النتائج الإيجابية، يمكن القول:إننهج الدولة في معالجة الأزمة شكل في تدرج خطواته وتناغمها، واستباقها لتطورات الأزمة، أسلوبًا استثنائيًّا أدى إلى تقليل الخسائر، وهو نجاح يمكن أن يعرف بـ”النموذج السعودي”.

بطبيعة الحال لم تكن النماذج الدولية متشابهة، بل كانت تتباين بناءً على معطيات مختلفة ومتنوعة، غير أن اللافت منها أن جمهور العالم أجمع أصبح على موعد يومي مع مؤتمر صحفي متلفز حول الجائحة، عبر العديد من المحطات، لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وربما اضطره إلى ذلك، من بين أسباب أخرى تتعلق بإدارة الأزمة، أنها باغتته في فترة تهيئه للترشح لفترة رئاسية ثانية.

كما أن من أبرز الأساليب الإعلامية التي استخدمت في التعامل مع أزمة الأزمات اللافتة، أسلوب (أندرو كومو)، حاكم ولاية نيويورك الأمريكية التي تفشى فيها فيروس الوباء بنسبة مخيفة مقارنة ببقية الولايات، فقد أقدم بذكاء على تكثيف حضوره الإعلامي عبر مؤتمر صحفي يومي، وحوارات متتالية مع أبرز نشرات الأخبار التلفزيونية، ليسلط الضوء على واقع الحالات في الولاية، ويستثمرها في ممارسة الضغط على الحكومة الفيدرالية بالتدخل الفوري لتدارك الوضع الصحي في ولايته قبل انهياره، وهي سياسة حقق من خلالها هدفه، ارتكزت في محورها الرئيس على وضع الدولة إعلاميًّا أمام الأمر الواقع، وتبرئة ساحة الولاية من أية تبعات.

خلاصة الأمر؛ إن جائحة كورونا لم تكن أزمة تقليدية، ولأنها طالت العالم أجمع، فقد عرّفت بنماذج مختلفة ومتعددة في طريقة التعامل معها إعلاميًّا، وهو ما يعني أن الظاهرة أوجدت كمـًّا هائلاً من التجارب التي ستنعكس إيجابًا في ميدان الممارسة، كما وفرت مخزونـًا ثريًا في ساحة البحث العلمي، يجب أن يفيد منه أصحاب الاختصاص الذين سيجدون في منجمه فرصًا وموضوعات عديدة، لدراستها وتحليل أبعادها ونتائجها لسنوات غير قصيرة، ليس هذا فحسب؛ بل إن الجائحة أسهمت بطريقة غير مباشرة في فتح أعين القائمين بالاتصال، وبخاصة مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي، على مسؤولياتهم الجسيمة في أهمية التحقق من دقة المعلومات، والاعتماد على مصادر موثوقة يعتد بها، وهو ما أعاد – في رأي
كثيرين – شيئـًا من الاعتبار إلى الوسائل التقليدية، التي شكلت في معظم الحالات مصدر المعلومات الرئيس لسائر المصادر الأخرى، وهو ما ساعد إلى حد كبير في تقليص الشائعات التي تترعرع عادة في أوقات الأزمات ومحيطها.

في انتظار (الميديا المتأنية)

مَن كان يدري أن حركة الاحتجاج التي قادها المواطن الإيطالي “كارلو بيتريني” على افتتاح مطعم “ماكدونالدز” في ساحة “سبنا” بروما في سنة 1986م، ستؤدي إلى ميلاد حركة دولية مناهضة للوجبات السريعة أو بالأحرى الأطعمة السريعة، وينضم إليها المثقفون والفنانون وعلماء الاجتماع والمزارعون، وتعترف بها الأمم المتحدة في سنة 1989م؟

لم يكن أحد يتوقع في تلك السنة أن هذه الحركة التي اتخذت من الحلزون، رمز البطء، علامتها المميزة (Logo) تتحول إلى تيار فكري وفلسفي يتعدى الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة في إنتاج المواد الغذائية وطبخها واستهلاكها، ويمتد إلى كثير من الميادين، مثل: السفر، والعلاقات العامة، والأخبار، والصحافة، والتلفزيون، والميديا بصفة عامة.
لقد لاحظ كثير من المختصين أن الانتقال إلى العصر الرقمي قد ضاعف كمية المعلومات والأخبار وعجل في تدفقها وسريانها في أرجاء الكرة الأرضية، فالباحثة الفرنسية المختصة في إدارة المعلومات في الشركات (كارولين سوفجول ريالوند)، ترى أن عدد الأخبار يتضاعف كل أربع سنوات، وأن البشرية أنتجت من المعلومات عددًا من الأخبار في السنوات الثلاثين الأخيرة ما يتجاوز ما أنجزته طيلة (5) آلاف سنة من تاريخها!.

تخمة الأخبار
يعتقد البعض أن كمية الأخبار المتداولة بين البشر ما انفكت في التزايد قبل ميلاد العصر الرقمي، فالباحث الأمريكي في العلوم الاجتماعية “برترام ميرون”، ابتكر مفهوم “الإفراط في الأخبار” في سنة 1962م، وقد وظفه عالم المستقبليات الأمريكي “آلفين توفلر” في كتابه المعنون بـ: “صدمة المستقبل”، لتحليل تأثير التكنولوجيا في إدارة المؤسسات وفي السلوك الاجتماعي، ولعل المفهوم الأكثر دقة ودلالة على ضخامة الأخبار التي تطفح عبر مختلف الحوامل الرقمية في العصر الراهن هو “البدانة الإعلامية (infobesity)” الذي ابتكره الكاتب والسينمائي الأمريكي “دافيد شنك” في مؤلف بعنوان: “ضباب البيانات الدخاني: النجاة من تخمة المعلومات”، ونشره في سنة 1993م، ويمكن تعريف هذه البدانة بكمية الأخبار والمعلومات  الرهيبة التي تصلنا عبر مختلف الوسائط التقليدية والحديثة بشكل آني ومتزامن ومتواصل، فتصيب الفرد بالتخمة.

لقد بلغت هذه التخمة درجة أن (60%) من الأشخاص يتقاسمون المقالات التي تصلهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن يقرؤونها، حسب الدراسة التي قامت بها جامعة كولومبيا الأمريكية ونشرتها بمعية المعهد الوطني للبحث في علوم التكنولوجيا الرقمية الفرنسي، ونشرت صحيفة “الواشنطن بوست ” يوم 16 يونيو 2016م ملخصها.

إن كانت التخمة تحول من دون ابتلاع الأخبار فلا مجال للسؤال عن عملية هضمها، أي ترتيبها وفق نظام من الأولويات لأنها تتضمن الغث والسمين والمهم والتافه، وإدراك معناها، وتذكرها.

حقيقة أن قدرات الإنسان الذهنية والعقلية التي تؤهله للاحتفاظ بالمعلومات لفترة طويلة وتذكرها متفاوتة، وتختلف من شخص لآخر، لكنها تظل محدودة في نهاية المطاف، فالتخمة الإخبارية لا تنهك الذاكرة فقط، بل تشتت ‒ أيضًا ‒ الانتباه وتضعفه.

مفارقة
إن التغيير المتسارع في الإنتاج الإعلامي أدى إلى تراجع التقاليد الصحافية، حيث اضطرت كثير من الصحف إلى إنتاج أكبر عدد ممكن من المواد الإعلامية بأقل عدد من المهنيين لمواجهة الأزمة التي تواجهها.

لقد وجدت وسائل الإعلام نفسها مضطرة إلى ركوب موجة التكنولوجيا الرقمية لمنافسة “الميديا الجديدة” في أرضية ليست لصالحها: أرضية الآنية، والسبق الصحفي من دون التأكد من مصدر الأخبار، والسعي للحصول على أكبر عدد من المتابعين والمعجبين بكبسة على الأيقونة قصد الحصول على أكبر نصيب من الإعلانات، ففي هذا الإطار يقول مؤسس المجلة البريطانية “ديلايد غراتفيكشن Delayed Gratification” في مقال له بعنوان: “الإشباع المتأخر”: “إننا انتقلنا من شراء منتجات مادية بفضل الإعلانات التي تنشرها وسائل الإعلام إلى نموذج إعلاني خالص يتمثل في التحريض على نشر المحتويات المستفزة، والتي تتسم بالإثارة والخالية من أي قيمة مضافة أو إبداع، مجانـًا للحصول على المال مع إدراج الإعلانات الغازية: شرائط الإعلان المنبثقة في الشاشة بشكل فجائي، وفيديوهات إشهارية مبرمجة آليًا، وغيرها.  

ظهرت “الميديا المتأنية” في سنة 2009م، لمعالجة المفارقة الكبرى التي أصبحت تعاني منها البشرية: ففي الوقت الذي تزايدت فيه الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبية والمناخية تعقدًا، اتجهت “الميديا” بمختلف أنواعها، إلى التبسيط الذي يخل بالفـَهمِ، وإلى التسطيح الذي يتماهى مع التتفيه، وإلى الكتابة المستعجلة القائمة على الصور النمطية والكليشيهات على حساب التروي والتأمل، فالجمهور لا يهمه تعرّف ما الوسيلة الإعلامية التي سبقت غيرها في نقل خبر انتخاب فلان في هذا البلد أو ذاك، ما يهمه حقـًّا هو الشرح الذي يفسر له أهمية هذه الانتخابات وتأثيرها في حياته بشكل مباشر أو غير مباشر، وما ينتظر بلده منها.     

ما “الميديا المتأنية”؟
تُعرف الصحافية “إميلي موغي” العاملة في الموقع الفرنسي في شبكة الإنترنت “كاتر أورQuatre heures ” أي “أربع ساعات”، هذا الضرب من الميديا بأنه: “نوع من العقد الذي يبرمه الناشر مع القارئ، إنه أكبر من دعوة إلى القراءة بل انغماس في الأحداث، يمثل قطيعة مع إيقاع الإنتاج الإعلامي وتوزيعه”. وتقول عنها الصحافية “كلير برثليم” من المجلة الرقمية الفرنسية “لانبريفي l’imprévu” أي “غير المتوقع”: إنها تتطرق إلى المواضيع التي تمرُّ عليها وسائل الإعلام الكلاسيكية مرور الكرام،  تعالجها بعمق وتحللها: القضايا القضائية، والكوارث الطبيعية، والنزعات الاجتماعية، أي كل القضايا التي تبرزها وسائل الإعلام لفترة، فتثير زوبعة من ردود الفعل، ثم تنصرف عنها بسرعة وتطوى في غياهب النسيان”. 

يعتقد البعض أن مسمى “الميديا المتأنية” يحيل إلى المدة الزمنية التي تُصرف في إنتاج ما تبثه أو تنشره، خلافـًا لوسائل الإعلام التقليدية التي تسعى إلى تغطية أكبر عدد من الأحداث والموضوعات في أقصر فترة زمنية ممكنة وبطريقة سطحية، فالميديا المتأنية تشرك الكتـّاب والمثقفين والفنانين والباحثين في الكتابة عن الموضوعات المختلفة من وجهات نظر متنوعة تتضمن طائفة من الأفكار المتعددة، إنها تنأى قليلاً عن الأحداث الطارئة والملتهبة لتنظر إليها مليًّا وبتأمل من أجل إنتاج نصوص لا تموت في لحظة إنتاجها، ويمكن العودة إليها بشغف بعد أشهر.

لذا نلاحظ أن الصحافة المتأنية استثمرت في الأنواع الصحفية التعبيرية والاستقصائية المطولة، مثل: “الريبورتاج، والتحقيق الصحفي، والبورتري”، وأعادت المجد للسرد الصحفي الذي يعتبر أفضل وسيلة لاستعادة الذاكرة الجماعية وبعث الحياة في أحداث الماضي.

لقد ابتكرت الصحافة المتأنية شكلاً جديدًا من الإنتاج المكتوب وهو “موك”، وهذه الكلمة عبارة عن تركيب لمختصر الكلمتين الإنجليزيتين: “ماغازين magazine المجلة” و”بوك” أي الكتاب، وأبرز مثال على ذلك هي المجلة الفصلية الفرنسية المسماة “XXI” التي تصدر في (256) صفحة وتباع في المكتبات، وهي في الحقيقة نموذج متطور للمجلات الصادرة باللغة الإنجليزية، مثل: “ذو نيويوركر
The New Yorker” و”أمبير Empire”.

إعادة النظر
إن “الميديا المتأنية” تعيد النظر في علاقة الوسيلة بالجمهور؛ لأن مادتها الإعلامية لا تسلك اتجاهًا أحاديًا من الصحافي إلى الجمهور، ولا تعدّ هذا الأخير قاصرًا أو من دون مستوى، بل تتعامل معه كصاحب تجربة اجتماعية، ويملك خبرة في مجال معين، ويمكن أن يكون طرفـًا في عملية إنتاج موادها، وقد تلجأ بعض وسائل الإعلام التي تنتمى إلى هذا النوع من الميديا، مثل الموقع الهولندي “دو كرسبوندنDe Correspondent “، أي “المراسل” في شبكة الإنترنت إلى عرض بعض مقالته على متابعيه  قبل نشرها!.

ويمكن أن نذكر بالمناسبة أن هذا الموقع يشكل النموذج الناجح لهذا الضرب من الميديا الذي حقق ما وعد به: إحداث القطيعة مع اقتصاديات وسائل الإعلام الكلاسيكية، فلا ينشر أي إعلان ولا يعتمد على المعلنين في تمويله، بل يستند إلى جمهوره فقط، وقد استطاع أن يجمع خلال أسبوع واحد مليون يورو، تبرع بها (15) ألف مستخدم لشبكة الإنترنت، ولازال هذا الموقع يجذب (30) مشتركًا جديدًا يوميًا، وتؤكد إحدى صحافياته، “ماييك غوسانغا”، أن ثلاثة أرباع المشتركين الجدد يظلون أوفياء للموقع بعد مرور سنة على اشتراكهم.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذا الضرب من الميديا يروج النوع وليس الكم، ولا يسعى ليكون جماهيريـًّا، فهل هذا يعني أن جمهوره نخبوي؟ لا يفضل رواد “الميديا المتأنية” صفة النخبوية، وإن كانوا يعترفون أن الصحافة غير المجانية تتطلب من القارئ الذي تعود على المواد الصحفية المختصرة والمبسطة التي تنشرها الصحف المجانية أو مواقع التواصل الاجتماعي بعض الجهد، وبهذا يؤكدون ما قاله مؤسس صحيفة (لوموند) أي “العالم” الفرنسية،”هربرت بوف ميري”، ذات مرة، بأن ثمن جريدته يكمن في سعرها في السوق إضافة إلى الجهد الذي يبذل في قراءتها!. 

مبادئ
إن “الميديا المتأنية” فلسفة قبل أن تكون منتجًا، هذا ما أكده البيان الذي أصدره بعض مناصريها الألمان في يناير سنة 2010م، وصاغوه في جملة من المبادئ، وترجمته الصحافة “الأنجلوساكسونية، والفرنسية، والسويسرية، والكندية”؛ لكن لم نعثر، مع الأسف، على أي ترجمة له في الصحافة العربية، لذا نحاول أن نختصرها في النقاط التالية: تسهم هذه الميديا في ديمومة المحتوى خلافـًا للمقولة التي تنصُّ على أن المادة الإعلامية، مثل الأخبار، شديدة التلف “تموت بسرعة”، وتشجع التركيز على المنتج والمتابعة في زمن يمجد السرعة ويعزز تشتت الذهن وانصرافه إلى الاهتمام بأكثر من شيء في الوقت ذاته، وتروج التميـّز والجودة التي يمكن التماسها على مستوى المحتوى والإخراج، وتسعى إلى إشراك الجمهور في مسار الإنتاج بأفكاره وآرائه، وتُعدّ الميديا المتأنية خطابـًا يغذي الحوار مع الجمهور.

 تعددت التجارب الصحفية منذ سنة 2009م، تاريخ ميلاد “الميديا المتأنية”، لتشكل اليوم نماذج، فإضافة إلى مجلة (XXI) التي ذكرناها سابقـًا، والتي توزع (22) ألف نسخة وتهتم بالشعر والأدب وتترجم كثيرًا من النصوص من المجلات الصادرة باللغة الإنجليزية، يمكن أن نذكر المجلة الفصلية “Delayed Gratification” “الإشباع المتأخر” البريطانية التي صدرت في سنة 2011م، والتي تغطي الأحداث والقضايا التي طُرحت خلال الفصل بنظرة مغايرة وبأشكال تعبيرية ومرئية مختلفة تباع في العديد من بلدان العالم، والمجلة الفرنسية  “فيتون” التي صدرت في سنة 2011م، والتي طورت أشكال السرد الصحفي، إنها تسحب عشرين ألف نسخة توزع في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وكندا.

التلفزيون المتأني
لم يتأخر التلفزيون عن تيار “البطء” الذي يسعى إلى إعادة النظر في إنتاج الإعلام واستهلاكه، فالقناة التلفزيونية النرويجية “إن. أر. كيه NRK” نصبت كاميرا في مقدمة القطار الذي يربط العاصمة “أسلو” بمدينة “بيرغت” على مسافة (500) كم في سنة 2009م، وبثــّت ما صورته لمدة سبع ساعات، وجمعت (1.2) مليون مشاهد، أي ربع السكان، وقد شجعها هذا النجاح على إعادة التجربة في رحلة بحرية بثت لمدة خمسة أيام، وتابعها (3,2) مليون مشاهد.

وفي فرنسا خاضت القناة الرابعة تجربة مماثلة بعنوان: “طوكيو، الاتجاه المعاكس” الذي يسرد رحلة من طوكيو إلى فرنسا، لكنها لم تجمع سوى (1,4) مليون مشاهد خلال تسع ساعات من البث، لكن الغريب أن بعض الصحافيين الفرنسيين أكدوا أن هذا البث لفت نظر رواد موقع “تويتر” فأرسلوا (13) ألف تغريدة عنه، وكان عددهم أكثر من الذين غردوا على تعيين “مانويل فالس” الذي عُين رئيسًا للحكومة الفرنسية في اليوم الذي بثَّ فيه هذا الشريط. 

هل التلفزيون المتأني يختلف عن التلفزيون الكلاسيكي في طول المدة الزمنية التي يستغرقها بثّ مواده؟ إن كان الأمر كذلك فكثير من البرامج  انزاحت عن المعايير المعروفة والمعتمدة في إنتاج المواد التلفزيونية، وهي (20، و52، و90) دقيقة، فبرامج تلفزيون الواقع، على سبيل المثال؛ كانت السباقة في هذا المجال. 

للإجابة عن هذا السؤال يؤكد “بوريس رازون” مدير الكتابات الجديدة في التلفزيون الرسمي الفرنسي قائلاً: إن تلفزيون التأني لا يقول للمشاهد ما الأشياء التي يجب أن تفكر فيها، فخلافًا لبرامج تلفزيون الواقع، لا يتضمن تلفزيون التأني سيناريو، ولا أدوارًا سردية، إنه يعبر عن الأصالة، فالوقت الذي يقضيه المشاهد أمام الشاشة هو الزمن الحقيقي.

خلافـًا لما يعتقد، إن حركة التأني تنمو ‒ أيضًا ‒ في حضن شبكة الإنترنت التي تتميز بالسرعة، فالتقارير المتلفزة وأفلام “الواب” الوثائقية التي تستغرق وقتًا طويلاً لمشاهدتها بدأت في الانتشار، والمواقع مثل: “نيوز دوت كم News.com”، و”بريف دوت مي Brief.me” وغيرها تنتقي من الأحداث والأخبار التي يعتقد أنها أكثر أهمية وتسلط عليها الأضواء، ليس هذا فحسب، لقد بدأت كثير من التطبيقات الرقمية التي تسمح بتأجيل قراءة المواد الصحفية في الانتشار لتضاف إلى التلفزيون الاستدراكي والمشاهدة بأثر رجعي، والتي تبين أن للمرء حياة أخرى وليس سجين شبكة الإنترنت ومنصاتها الرقمية.

أخيرًا، متى يحن موعد انطلاق “الميديا المتأنية” في المنطقة العربية؟

القوة الناعمة في الإعلام

يُعدُّ الإعلام أهم أداة من أدوات القوة الناعمة، ويمكن وصفه بأنه الذراع الأقوى للقوة الناعمة، ولذلك فإننا نرى بأن الدول المتقدمة تعمل على تسخير هذا الجهاز القوي وتوجيهه نحو كل ما يحقق مصالحها الداخلية والخارجية.

ولكن ما القوة الناعمة؟ وما العلاقة بين هذا المصطلح وبين الإعلام؟ وما التأثيرات الناتجة من تلك العلاقة؟ وهل توجد قوة صلبة تقابل هذه القوة الناعمة؟

بما أن مفهوم القوة الناعمة يُعدُّ حديثــًا نسبيـًّا، فإن الأسئلة الآنف ذكرها بالإضافة إلى عدد كبير من الأسئلة الأخرى التي يتم طرحها من قبل مـَن لم يسمع بهذا المصطلح سابقًا ستتم الإجابة عنها في سلسلة من المقالات، نبدأها بهذا المقال.

مفهوم القوة الناعمة
إن قدرة الشخص أو الدولة في التأثير في سلوك الطرف الآخر، وجعله يتبنى ما يريده الطرف الأول تدل على أن الطرف الأول يمتلك قوة، وبشكل عام فإن هذا التأثير يمكن أن يحدث من خلال ثلاث وسائل، هي:

1-الإكراه والتهديد.
2-التحفيز من خلال دفع الأموال.
3-الجذب من خلال أفعال لا تحمل توصيات مباشرة، وهي ما تسمى بعملية التأثير في سلوك الآخرين من خلال القوة الناعمة.

إن القوة الناعمة هو مصطلح صاغه الدبلوماسي والأكاديمي الأمريكي البروفسور جوزيف ناي، الذي تولى عدة مناصب أبرزها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية والدولية، كما عمل في المجال الأكاديمي – أيضًا – بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية.

في سنة 1990م، ألف البروفسور ناي كتابًا بعنوان: “حتمية القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية”، وذكر في هذا الكتاب مصطلح القوة الناعمة لأول مرة، حيث قال: إنه عندما تقوم دولة بجعل دول أخرى تريد ما تريده تلك الدولة، فإن هذا يسمى بالقوة الناعمة للدولة.

وعلى النقيض فإن هناك ما يسمى بالقوة الصلبة، وهي تعني إصدار الأوامر للدول الأخرى لفعل ما تريده الدولة المستخدمة لتلك القوة، ويمكن اعتبار استخدام القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية أوضح مثالين للقوة الصلبة أو الحادة كما يسميها البعض.

ومن هنا يمكن القول: إن القوة الناعمة هي قدرة التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج المرادة، أو القدرة على جذب الآخرين من دون إكراه، وبكلمات أبسط فإن القوة الناعمة هي القدرة على الفوز بقلوب الآخرين.

وفي سنة 2004م، اُستخدم مصطلح القوة الناعمة بشكل واسع جدًّا وغير مسبوق من قبل السياسيين والإعلاميين بالإضافة إلى الباحثين في مجال العلوم السياسية، وذلك بعد صدور كتاب آخر لصاحب المفهوم والذي حمل عنوان: “القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية”، ولا نبالغ حين نقول: إنهذا المصطلح قد تحول إلى مصطلح علمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ومن جدير بالذكر بأنه قد ظهر مصطلح آخر متعلق بعلم السياسة والعلاقات الدولية، حيث يشير المصطلح إلى عملية المزج والدمج بين استخدام كل من القوة الناعمة والقوة الصلبة في آن واحد وذلك من أجل تحقيق الأهداف المرجوة وسمي ذلك بـ”القوة الذكية”، ومن أبرز الأمثلة على استخدام القوة الذكية بين الدول هو ما يتمثل في السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع الملف الكوري الشمالي، فمن ناحية تفرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية بالإضافة إلى التهديد الدائم بالرد العسكري المناسب متى ما تطلب الوضع، وفي نفس الوقت فإن الحكومة الأمريكية تروج على الدوام بأنها تبادر دائمًا بطلب التفاوض وإعادة الحوار بين البلدين.

أدوات القوة الناعمة

تؤدي القوة الناعمة دورًا محوريـًّا في تعزيز سمعة الدول واحترامها بين الدول والشعوب الأخرى على حد سواء، وذلك من خلال الاستخدام الصحيح والمثالي لأدوات القوة الناعمة، فما تلك الأدوات التي تعمل على رسم الخطوط الرئيسية لإستراتيجيات الدول في المجتمع الدولي؟

يُعدُّ الإعلام أحد أهم وأخطر أدوات القوة الناعمة في هذا العصر وذلك بشكليه التقليدي والحديث، فمن خلال وسائل الإعلام – خاصة وسائل التواصل الاجتماعي – يمكن التأثير بشكل إيجابي أو سلبي في المتلقي، ومن السهولة بمكان فرض آراء معينة على مستقبل المعلومة إذا ما تم دراسته سلوكيًّا ونفسيًّا، ومن هنا يتبين أن الإعلام كأداة من أدوات القوة الناعمة يمكن استخدامها لبناء المجتمعات، كما يمكن استخدامها لهدم دول وأمم كما هو حاصل حاليًا من نشر للتطرف من خلال وسائل إعلام تتبع لحكومات ومنظمات وأشخاص أيضًا، وبالتالي فإن الإعلام سلاح ذو حدين كما هي القوة الناعمة، وسيتم التطرق لهذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

تُعدُّ السياسة الخارجية للدول – أيضًا – من أبرز وسائل القوة الناعمة في مجال العلاقات الدولية، فهي وسيلة مهمة لزيادة النفوذ العالمي لأي دولة وبخاصة فيما يتعلق ببناء التحالفات الاقتصادية والعسكرية وغيرها. فكلما اتصفت السياسة الخارجية لأي دولة بالاتزان والذكاء السياسي، كلما استطاعت جذب عدد أكبر من الدول في صفـّها، وبالتالي تفوز بدعم دولي في عدة مجالات مثل الموافقة على القرارات الدولية التي تتقدم بها الدولة أو الحصول على التصويتات الخاصة باستضافة الأحداث العالمية الرياضية والثقافية والاقتصادية.

ويُعدُّ العمل الإنساني وتقديم المساعدات الخارجية من أدوات القوة الناعمة التي ترتبط بشكل مباشر مع الشعوب قبل الدول، فهذا النوع من المشاريع التنموية تعمل على إيجاد تأثير قوي من قبل الدول المانحة للدول والشعوب الممنوح لها، وتعزز من سمعة الدول المانحة على المستوى العالمي وترسخ من محبة الشعوب كافة، كما تعمل على فتح أبواب شراكات قوية مع المؤسسات الخيرية غير الحكومية، مما يؤدي إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة لجميع دول العالم.

كما تُعدُّ ثقافة أي بلد أو شعب ذراعًا مهمًا من أذرع القوة الناعمة، كونها تجذب العديد من الأفراد والشركات العالمية، مما يؤدي إلى جذب الدول الأخرى لعقد اتفاقيات وشراكات تعود بالنفع في الجانب الاقتصادي، وتشمل الثقافة جوانب عديدة مثل اللغة والطعام والسياحة والتراث والعادات والتقاليد والفنون بجميع أشكالها.

فاللغة هي الوسيط وعامل الجذب بين الناس، سواء كانوا سياسيين أو مثقفين أو حتى أشخاص عاديين، وهي جسر التواصل بين الحكومات والشعوب، فعلى سبيل المثال؛ نرى أن قوة اللغة الإنجليزية أوصلتها لأن تكون هي لغة العلم والسياسة والتكنولوجيا في العالم، كما أن سحر اللغة العربية وتفردها جذب عددًا كبيرًا من غير المتحدثين بها، وأيقنت بعض الدول – خاصة في شرق قارة آسيا – بأن اللغة العربية هي البوابة الرئيسة للدخول إلى عالم الاستثمار مع الدول العربية، فعلى سبيل المثال تمَّ استحداث مشاريع ضخمة وغير مسبوقة لتعليم اللغة العربية في كوريا الجنوبية، كما ارتأت الصين بأن اللغة العربية هي المفتاح الذي يمكن استخدامه لنشر الثقافة الصينية في الوطن العربي، حيث إن هذا التبادل الثقافي المرتبط باللغة ليس وليد الأمس القريب، فاللغة العربية ربطت العرب بشعوب الهند والصين وذلك منذ القرن السابع الميلادي.

ويُعدّ الطعام أو ما يسمى بثقافة الأكل من أهم وسائل الجذب، وذلك لأن هذه الثقافة تعدُّ من النوادر التي يمكن اعتبارها اهتمامًا مشتركًا بين جميع الناس، فمن غير المستغرب أن يكون أول هدف للمسافر إلى بلد معين هو تعرّف ثقافة هذا البلد من خلال أطباقه المحلية الأصيلة، ومن غير المستغرب أن ترى مجموعات من الناس تتكبد عناء السفر من أجل تذوق “البيتزا” في إيطاليا أو “البرياني” في الهند.

وقد أكد التاريخ بأن الفن بجميع صوره من شعر وأدب ورسم ونحت ودراما وسينما ومسرح وغيرها، يُعدُّ أحد أدوات القوة الناعمة المهمة لأي دولة، فقد ترسخت اللهجة المصرية في أذهان العرب من خلال الدراما والسينما المصرية، كما أن باريس تتبادر إلى الذهن بمجرد النظر إلى لوحة “الجيوكاندا” أو “الموناليزا” على الرغم من أن رسامها إيطالي!

لذلك فإن الدول المتقدمة دائمًا ما تركز على تنوع العنصر الثقافي بها من خلال الاهتمام بنشر الثقافة المحلية، بالإضافة إلى قبول الآخر والتعايش مع ثقافته ما دامت لا تتصادم مع ثقافة البلد.

كل ما سبق ذكره من أدوات بالإضافة إلى أدوات أخرى مثل السياحة والرياضة وغيرها تعزز من القوة الناعمة للدول، وتضيف لها رصيدًا قويًا لا يقل أهمية عن القوة الصلبة لتلك الدول.

صياغة الخطاب الإعلامي

الخطاب كل تلفظ بين متحدث ومستمع أو كاتب وقارئ، وكثيرًا ما يهدف الطرف (الأول/المرسل) إلى الإقناع والتأثير في الطرف (الثاني/المستقبل)، وهذا حال الخطاب الإعلامي، رسالة مكتوبة أو منطوقة له أشكال متعددة وغايات متباينة، ويفترض فيه الموضوعية وعدم التحيـّز.

يقول “أداوف. س. أوكس” ناشر جريدة نيويورك تايمز: “إن الصحافة مهنة لا تستميلها الصداقات ولا يرهبها الأعداء، وهي لا تطلب معروفـًا ولا تقبل امتنانـًا، إنها مهنة تقضي على العاطفة والتحيـّز والتعصب”.

إن المتابعة المتأنية للغة المستخدمة في وسائل الإعلام، تكشف عن عناية في اختيار مصطلحات وتعبيرات محددة لتوصيف موضوع ما، ومما لا شك فيه أن عملية إبداع التعبيرات المناسبة إعلاميًا، والتي تؤدي الغرض المرجو منها ليست عملية هينة، ولا تقوم على فعل إعلامي عابر مثلما قد يعتقد البعض، بل هي نتاج جهد يقوم به مختصون ببراعة كبيرة، تخفي وراءها خلفيات مبدعيها ومآربهم.

ولا ريب في أن الوقوف على دلالات هذه التعبيرات الإعلامية يسمح بالمراجعة والتدقيق بعيدًا عن الظروف التي تكتنف الصياغة الإعلامية، والتي يسابق الصحفي فيها الزمن جريًا وراء تحقيق السبق الإعلامي، كما جاء في بحث الصياغة اللغوية والتضليل الإعلامي للدكتور أحســن خشـــة: “لقد بلغ الاستخدام العشوائي أو المقصود لبعض المصطلحات في وسائل الإعلام حدًّا كبيرًا، بحيث صار يفتقد في كثير من الأحيان إلى التبصر في المعاني التي تحملها، ومدى تحقيقها للمصلحة الاجتماعية والفردية”، واستعرض بعض التعبيرات المتداولة إعلاميـًّا، موضحًا الدلالات التي تحملها وكذا انعكاساتها السلبية المحتملة على المجتمع.

ولا شك في أن الوقوف على دلالات هذه اللغة وتتبع معانيها واستخداماتها المختلفة في وسائل الإعلام كما فعل، يمكننا من الكشف عن المقاصد المتوخاة منها ومن أساليب الإعلام في صناعة الرأي العام أو توجيهه والتأثير فيه من خلالها، ومن هذه النماذج والتعبيرات ذات الدلالات التي يمكن وصفها بالمضللة:

(النيران الصديقة) وهو من التعبيرات الإعلامية التي تجمع بين الضدين، وتحقق غايات سياسية في زمن الحروب فتمتص جزءًا من الغضب.

(إعادة انتشار) ويطلق على التراجع والانهزام والانسحاب.

(هزيمة بطعم الفوز)، أو (هزيمة مشرفة)، وهذا من التلاعب بالألفاظ الذي يؤثر في نفسية المتلقي، وتجعله يتقبل الوضع ولا يُسهم في تغييره، ويكون سلبيـًّا تجاهه.

ومن ذلك كلمة (الاستعمار) التي تحمل معنى التعمير والبناء، صارت تستعمل نعتـًا للعدو والاحتلال الظالم الذي يهلك الحرث والنسل.

ومثلها تعبيرات تُسهم في ترسيخ انطباعات إيجابية أو سلبية لدى الرأي العام، مثل: حركة مقاومة، مجموعة إرهابية، مجموعات متمردة، مليشيات، ومنها أيضًا: عمليات جهادية أو انتحارية، وبالمقابل فإن وصف (جماعة مسلحة) أو (مليشيا) في منطقة معينة يضفي عليها حكمًا تقييميـًّا سلبيـًّا.

وقد تسمى أشياء بغير مسمياتها؛ فتطلق (المشروبات الروحية) على الخمر الذي يذهب بالعقل ويفتك بالصحة، وتستعمل (الفوائد المصرفية) في التعبير عن الربا الذي ورد النهي عنه في مواضع من القرآن الكريم والسنة الشريفة.

كما قد تدمج مفردات متناقضة تنتزع من سياقها الأصلي مثل (الأم العازبة) وهي تعبيرات مضللة لا تعكس المعنى الحقيقي، وتلتف على المقصود الفعلي، والأمهات العازبات ترجمة للتعبير الأجنبي (Les femme célibataire)، والأم في سياقنا الديني والقيمي والثقافي يطلق على المرأة المتزوجة بطريقة رسمية وشرعية، وأنجبت بعدها، بخلاف المقصود هنا.

ومن التعبيرات الرائجة (شيطنة الآخر)، فكلمة “الآخر” يقصد بها الغير ويحمل عدم إعطائه قيمة، و”الشيطنة” المقصود بها تشويه صورة شخص أو حزب أو جماعة أو دولة لتحقيق هدف ما، والواقع الإعلامي يقول عن قنوات إعلامية وحملات يقودها إعلاميون أو سياسيون، يعمدون إلى تسليط أضواء سلبية كثيفة على سلوكات جماعات أو أحزاب أو مواقف دول؛ بهدف تشويه سمعتها لدى الرأي العام، والحدّ من أثرها وانتشارها أو نفوذها الاجتماعي أو السياسي والاقتصادي.

أخيرًا فإن اللغة في الوجود أداة مطلقة، لكنها في الإعلام على اختلافه وظيفة متحكمة، ذات أبعاد مختلفة ودلالات موجهة للرأي العام، ويتجلى ذلك في السلطة التي تمارسها على المتلقي، فتجعله يدرك الأشياء بالطريقة التي تحددها له، سواء أكانت حقيقية أم تضليلاً.