الواقع الافتراضي والقوة الناعمة

قصص الدول في استخدام القوة الناعمة مختلفة، ولكنها ذات طابع مميز، ففي اليابان كان الارتكاز على المحافظة على قيم المجتمع على الرغم من التطور الاقتصادي الكبير، بينما اعتمدت الهند على إنتاج أفلام “بوليوود” لإبراز الدولة كمصنع للكفاءات التقنية والترويج لبعض المأكولات الشعبية عالميـًّا، وتمثلت القوة الناعمة للمملكة المتحدة في دور المجلس الثقافي البريطاني وهيئة الإذاعة البريطانية للترويج لها حول العالم وكذلك تعزيز استخدام اللغة الإنجليزية عالميـًّا، أما رائدة القوة الناعمة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت أفلام “هوليود” علامة فارقة في قوتها الناعمة، والتي صنعت الصورة الذهنية عن الولايات المتحدة وقوتها العسكرية ومدنها العصرية.

القوة الناعمة بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، الدكتور جوزيف ناي، استخدام وسائل الجذب والنفوذ للتأثير في الرأي العام لتحقيق مصالح الدول بدلاً من استخدام القوة العسكرية، وهي في تطور واهتمام عالمي مستمر، كونها أداة لتحقيق المصالح بالاعتماد على الثقافة والتعليم والإعلام وغيرها من أدوات الجذب.

اليوم تتطور أدوات التواصل حول العالم، ومع دخول العالم لمرحلة الإعلام الغامر (Immersive Media) والتي بدورها تستطيع إلى حد كبير إيهام العقل بتواجده في الأماكن التي يشاهدها عبر نظارة الواقع الافتراضي، يطرح تساؤل حول كيف يمكن استخدام تقنية الواقع الافتراضي كقوة ناعمة؟

 بالاطلاع على عدد من الممارسات العالمية، نجد عددًا كبيرًا من الاستخدامات، ففي مجال الترويج للدول والوجهات السياحية على سبيل المثال؛ نلاحظ ازدياد عدد زوار مدينة نيويورك بعد حملة أطلقتها وكالة “توماس كوك” للسفر والسياحة البريطانية، حيث ارتفع عدد الزيارات بنسبة (190%)، وارتفع العائد على الاستثمار (40%)، بينما يمكن تجربة زيارة مدينة ملبورن الاسترالية والتجول عبر منطاد ومشاهدة المزارع وأبرز معالم المدينة عبر يوتيوب الواقع الافتراضي (YouTube VR)، فيما يكمن لأي شخص لم يسبق أن زار العاصمة البريطانية لندن زيارتها افتراضيـًّا ومشاهدة أبرز معالم المدينة من مسارح وفعاليات ثقافية وترفيهية  بتقنية (360) درجة مما يعطي شعورًا بتواجده فيها، وما ينطبق على الزيارات الافتراضية للمدن ينطبق تمامـًا على توظيف التقنية ثقافيـًّا، حيث عمد متحف اللوفر على سبيل المثال إلى تطوير تجربة افتراضية لمشاهدة لوحة الموناليزا عبر الواقع الافتراضي، وذلك بمناسبة ذكرى الـ(500) عام على وفاة الفنان والعالم الإيطالي ليوناردو دا فينشي، ما زاد من مشاهدات مقتنيات المتحف عالميـًّا.

ما يحدث اليوم عبر منصات الواقع الافتراضي هي البداية لمرحلة جديدة في التواصل العالمي، وتعرف الشعوب على بعضها، والاطلاع على قصص لم ترو وكنوز لم تشاهد من قبل، كل ذلك يفتح نوافذ جديدة لاستخدام تقنية الواقع الافتراضي كقوة ناعمة تسهم في تحسين الصورة الذهنية للدول من أجل تحقيق المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية بأقل التكاليف وأكثرها تأثيرًا.

أفلام الأطفال الكرتونية في الإعلام المرئي

الأطفال ثمرة، وكلما بذل الآباء مجهودًا في الرعاية والاعتناء بهم بطريقة سليمة وعلمية كانوا أفضل وأكثر ذكاء، وينبغي أن يدرك الآباء والمربين أن الأطفال أصبحوا أصعب في زماننا لأن ذكاءهم سابق لِسنـّهم ومصادر المعلومات المتوافرة لديهم كثيرة وغزيرة وخطيرة.

ويولد الطفل صفحة بيضاء نقية طاهرة بلا دوافع للشر أو العدوان، لكن هناك مجموعة من المؤثرات تُسهم في تكوين شخصية عدوانية عنيفة، فالطفل يقلد من دون أن يشعر حيث يخزن كل ما يراه، وهو يعشق المحاكاة بسذاجة وبلا وعي سواء كان ما يحاكيه خطأً أم صوابـًا، لذا يحلم بأن يكون مثل الشخصيات الكرتونية ذات القوة الخارقة التي يراها تضرب وتقتل وتطير وتفعل كل ما هو مستحيل.

وتشير الإحصاءات إلى أن الطفل في مجتمعاتنا العربية من أكثر أطفال العالم قضاء لوقته وحيدًا أمام التلفزيون، يشاهد الأفلام والمسلسلات الكرتونية، وأغلب هذا الكرتون مستورد وبعيد عن واقعنا ومغرق في الخيال السلبي الذي لا علاقة له بقيمنا وأخلاقنا الإسلامية، محملاً بالمشاهد العنيفة التي تنشئ طفلاً عصبيـًّا وعنيفًا يفتقد التركيز، مما يجعله غير قادر على استيعاب شرح المعلمين في المدرسة، ما يؤثر في تحصيله الدراسي.

ويرى مختصون أن الطفل يقلد ما يراه أمامه صورةً وصوتـًا وفكرةً، وهذا يُعدُّ إيجابيـًّا إذا كان ما يقدم له حسنًا، لكن المشكلة في تلك الأفلام والمسلسلات الكرتونية إنها تعتمد على الصورة المتحركة ذات  الألوان والمؤثرات الصوتية والموسيقية الجذابة التي تجذب وتؤثر في الإنسان العادي عمومًا، فما بالنا بهذا الطفل الضعيف، حيث تتسرب هذه المشاهد إلى وجدانه ومشاعره وتعيش في فكره ثم تتحول إلى سلوك عنيف في أي موقف يتعرض له الطفل.

كما نجد أن بعض المسلسلات والأفلام الكرتونية في إعلامنا المرئي تشتمل على أفكار خطيرة سلبية لا تلائم البيئة الإسلامية والعربية، حيث يُعرض للأطفال قصصًا اجتماعية فيها غرام وإثارة للغرائز في سنّ مبكرة، وبعضها ينمي لدى الأطفال الغلظة في المشاعر والبلادة في الأحاسيس، وهذا من شأنه أن ينعكس على علاقة الطفل وتصرفاته داخل الأسرة.

كذلك يرى الخبراء أن مسلسلات وأفلام الكرتون الموجهه للأطفال من الممكن أن تكون خطرًا حقيقيـًّا وتتحول إلى سموم قاتلة عندما تكون قادمة من مجتمعات غير إسلامية وعربية، فكل مجتمع له ثقافته وعاداته وتقاليده التي تميـّزه عن غيره من المجتمعات الأخرى، ثم يكون المتلقي هنا أطفال بيئة ومجتمع آخر وأبناء ثقافة وحضارة مغايرة تمامًا، وهنا تبرز أهمية الإعلام المرئي في التوعية الملتزمة بالأخلاق الحميدة والقيم والـمـُثل العليا والأعمال الصالحة الفضلى في المجتمع وفق منهجية وطريقة الإسلام والأصالة البشرية.

إن مرحلة الطفولة هي المرحلة التي نغرس فيها القيم والمبادئ، وكذلك التعاليم البسيطة للإسلام في قلوب أطفالنا، ومع الأسف نحن نهدر هذه المرحلة المهمة من خلال مشاهدة مسلسلات وأفلام الكرتون عبر القنوات الفضائية المختلفة والتي لها دور كبير في التأثير في  شخصية أطفالنا، فهي تمنعه من ممارسة الأنشطة الحركية والثقافية الأخرى، وكذلك تحرمه من التفاعل والتواصل الاجتماعي، ولهذا فعلى القائمين على إعلام الطفل أن يبتعدوا عن استيراد مثل هذه الأفلام والمسلسلات الكرتونية ويتوجهوا لعرض ما يفيد أطفالنا.

السياسات الاتصالية ودورها في تحقيق التنمية

حددت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة في (17) هدفـًا، من خلال رؤيتها التي تتعلق بالتنمية المستدامة وعُرفت بـ”رؤية 2030م”، وذلك خلال قمة التنمية العالمية في نيويورك بتاريخ 25 سبتمبر 2015م، واستندت فيها إلى ميثاقها وإلى “إعلان الحق في التنمية” الصادر في سنة 1986م، تحت شعار “لا أحد سوف يُترك في الخلف”.

وإذ تمثل التنمية المستدامة هاجسًا دوليًّا لا يمكن بلوغ أهدافها وخصوصًا الهدف (16) “السـّلم والعدل والمؤسسات القوية” من دون تخطيط إستراتيجي، يهمنا جدًّاتعرّف دور الإعلام والسياسات الاتصالية في بلوغ تلك الأهداف.

لقد بدأ الاهتمام بمفهوم الإعلام التنموي منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث تتحدد وظيفة الإعلام هنا في الرقابة واتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات والتشريعات والتنشئة والتربية وتنمية المهارات.

ومثلما أن هدف التنمية الأول والأخير هو الإنسان، فإن هدف الإعلام ‒ أيضًا ‒ هو الإنسان وكل ما يتعلق بالحقيقة، لذا انتقل الإعلام من نقل المعلومات إلى إنتاج المعارف، لكن الإعلام نفسه الذي يؤدي دورًا إيجابيًا في التواصل ونشر المعرفة، يكون سلبيًا حين يغذي عوامل التعصب المنتج للتطرف، وهذا الأخير يمكن أن يتحول إلى عنف إذا صار سلوكًا، بل وقد يصبح إرهابًا إذا ضرب عشوائيًا.

وهناك اعتراف متزايد بأن إشراك وسائل الإعلام كأولوية في السياسات والبرامج الوطنية أصبح لا غنى عنه لإحراز تقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بعدما حدث كثير من التحولات في المشهد الإعلامي خلال القرن الواحد والعشرين، حيث أصبح الإنترنت في متناول (4) مليار شخص، كثير منهم متفاعلون مع منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها تشكل لديهم مصدرًا للحصول على المعلومات وآخر الأخبار.

ثم إن زيادة المنصات الإعلامية الإلكترونية أدت إلى إيجاد فضاءات واسعة للحوار وتبادل المعلومات والآراء، إلا أن ذلك التحول في المشهد الإعلامي صاحبه خلط كبير بين الشائعات والحقائق، الأخبار والآراء، الأسرار الشخصية ومهددات الأمن القومي، بل تسبب ذلك الخلط في تفشي عدة ظواهر إعلامية، منها: “الأخبار الزائفة، وفقاعات المعلومات، وغرف الصدى الأيدلوجية”، مما نتج عن ذلك زيادة الضغوط على الصحفيين المتمسكين بالمهنة في مجاراة تلك الظواهر، وتأثير وحدة التماسك في المجتمعات، وصناعة القرار العام.

ولكي يؤدي الإعلام دوره في التنمية وتحقيق السـّلم والعدل وتقوية المؤسسات
لا بد من أن يتمَّ أولاً تعزيز دوره، من خلال دعم الإصلاحات القانونية والتنظيمية في البيئة الإعلامية، ودعم قدرة وسائل الإعلام على تعزيز المساءلة، وتعزيز حرية الصحافة، وحماية الصحفيين، وكذلك تطوير الاحترافية في قطاع الإعلام من خلال تدريب المشتغلين في الحقل الإعلامي وتوعيتهم بأدوارهم النبيلة في تنمية المجتمع والإنسان.

والإعلام الناجح هو الذي يرتكز على سياسة اتصالية محددة، وهي تعني “مجموعة المبادئ والمعايير التي تحكم نشاط الدولة تجاه عمليات تنظيم وإدارة ورقابة وتقييم وموائمة نظم وأشكال الاتصال المختلفة، من أجل تحقيق أفضل النتائج الاجتماعية الممكنة”، والهدف الأساسي من الاهتمام بقضية السياسات الاتصالية هو الدعوة إلى محاولة رسم سياسات مستقبلية تتسم بالتكامل ووضوح الأهداف.

أما السياسات الإعلامية الوطنية، فهي تعمل على تعزيز الروح الوطنية بين أفراد الشعب، وذلك عبر تعريفهم بتاريخهم الوطني وإنجازاته، والعمل ‒ أيضًا ‒ على مناهضة التيارات الهدامة والأيديولوجيات الفكرية الزائفة وبيان خطرها على الأفراد والمجتمعات، والتصدي للتحديات الإعلامية والدعائية التي تستهدف الهجوم على المكتسبات الوطنية في مجالات الأمن والاستقرار المجتمعي.

هذا إلى جانب بلورة رأي عام وطني مستنير مسلح بالرؤية الواضحة للأحداث ومتطلبات مواجهتها وفق كل الاحتمالات الممكنة، واستثمار الطاقات المبدعة في عملية البناء الوطني الشامل في مجالات الحياة الديموقراطية والتنموية كافة من خلال العمل الإعلامي مع الالتزام بضوابط حرية التعبير.

ومن المستحسن كتابة السياسة الإعلامية وطبعها في كتيب وتوزيعها على العاملين بوسائل الإعلام للتعرف عليها، إضافة إلى طبع بعض أجزائها وتوزيعها على المؤسسات والجماعات والشخصيات المهمة التي تؤثر في هذه الوسائل أو تتعامل معها.

وتوجد عدة أبعاد للسياسات الاتصالية أبرزها البـُعد الإنمائي، حيث يتناول خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية وعلى الأخص ما تعلق منها بالتعليم النظامي وتعليم الكبار، ومدى ملاءمة النشاط الاتصالي وخدمته ومساهمته في هذه الخطط.

ويزخر العالم بالعديد من التجارب في مجال الاهتمام بتوظيف السياسات الاتصالية لتحقيق أهداف التنمية، ومن ذلك على الصعيد العربي وتحديدًا الخليجي نجد أن السياسة الإعلامية في المملكة العربية السعودية نصـّت في أكثر من مادة على ضرورة ملازمة وسائل الإعلام السعودية لخطط الدولة التنموية، لذلك تحرص دوائر الإعلام الرسمية في المملكة على إنتاج البرامج الإعلامية التي تلائم الطفل السعودي  أولاً، وتسعى أن تكون تلك البرامج توجيهية مبنية على أسس تربوية علمية مدروسة، كما أنها تولي اهتمامًا كبيرًا ‒ أيضًا ‒ ببرامج المرأة التي تعينها على أداء وظائفها الملائمة لفطرتها داخل المجتمع السعودي، بالإضافة إلى برامج الشباب ولا سيما المراحل الحرجة التي يمرّون بها بدءًا من سنِّ المراهقة إلى بلوغ الرشد وتحصينهم من التيارات الفكرية الهدامة.

ويدرك المسؤولون الإعلاميون  في السعودية أهمية تعميق الإحساس بالانتماء الوطني، وأن يكون السعودي صوت حقّ وصدق في كل ما يصدر عنه، كما نصـّت عليه المادة الأولى من السياسة الإعلامية.

وهناك ‒ أيضًا ‒ التجربة الإماراتية الرائدة في تدشين الهوية الإعلامية الرقمية للدولة، وقد روعي فيها إبراز القيم والمبادئ الراسخة التي قامت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة، مثل قيم التسامح وحب الآخر واحترامه، فالبلاد التي تحتضن على أراضيها أكثر من (200) جنسية أصبحت مثالاً نموذجيـًّا في التعايش لأجيال، ويستمر هذا التعايش القائم على الـمـُثل العليا في جذب مزيد من الزوار والمستثمرين والطامحين نحو معيشة أفضل من جميع أنحاء العالم.

وقد اختيرت الهوية لتعكس روح الاتحاد الإماراتي، فهي مؤلفة من (7) خطوط تمثل حكام الإمارات السبعة الذين اتحدوا ليكوّنوا دولة الإمارات العربية المتحدة تحت راية واحدة.

أما مملكة البحرين، فقد هدفت إلى توسيع مدركات الإعلاميين بما يُسهم في تنفيذ أجندات أهداف التنمية البشرية، حيث تمَّ بالشراكة والتعاون بين مركز الشيخ عيسى الثقافي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تنظيم ورشة عمل بعنوان: “مقدمة حول أهداف التنمية المستدامة ودور الإعلام في السعي نحو تحقيقها”، وأكدت أطروحات الورشة على أهمية وسائل الإعلام في نشر أهداف التنمية المستدامة والتوعية بها، خصوصًا أن ميثاق العمل الوطني في البحرين بشأن تنمية الشباب، والأساس الاقتصادي للمجتمع البحريني القائم على الحرية الاقتصادية والعدالة، والاستخدام الأمثل للموارد يعكس الروح الواردة في جدول أعمال التنمية المستدامة للأمم المتحدة (2030م) والأهداف الـ(17) للتنمية المستدامة الواردة فيه.

وعلى صعيد التجارب الدولية، فهناك تجربة البرازيل التي اتخذت عدة خطوات لمواءمة أهداف التنمية المستدامة مع أهدافها الوطنية، فعدد سكانها أكثر من (200) مليون نسمة، ما يمثل تحديًا أمام الدولة للوصول إلى كل هؤلاء الأفراد، وتوطين أهداف التنمية المستدامة، وبالتالي كان الاعتماد إلى جانب وسائل الإعلام الرسمية على الاستعانة بشركات الإعلام الخاصة من أجل تعزيز الوعي العام بأهداف التنمية المستدامة.

وتمثلت مبادرة البرازيل في عقد شراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع (GLOBO TV) وهي محطة تلفزيونية خاصة تتمتع بشعبية واسعة في البرازيل، فكان من السهل الوصول من خلالها وبسرعة إلى نطاق جماهيري واسع، وعرض رسائل مفهومة وجذابة تُعرض مرارًا وتكرارًا على مدار اليوم خلال أوقات الذروة لمدة شهر، بالإضافة إلى إنتاج البرامج التي تتعمق في قضايا التنمية وتشجيع البرازيليين لأن يكونوا أكثر تفاعلاً مع تلك الأهداف.

وأسفرت تلك الشراكة بين الجهتين لمدة سنة (2017 /2018م) عن (3) حملات تلفزيونية، هدفت كلها إلى تعريف الجماهير بالأفكار الكامنة وراء أهداف التنمية المستدامة، فالتعاون مع المؤسسات الإعلامية والإعلاميين ممن يملكون قدرات متميزة في صناعة المحتويات الترفيهية والمؤثرة قد أسهمت بلا شك في نجاح الحملات الإعلامية والترويج لأهداف التنمية في نطاق أعداد جماهيرية كبيرة.

تجربة أخرى نسوقها من المالديف، حيث يعتبر (47%) من سكان جزر المالديف من الشباب، وهم الذين أسهموا في انتقال بلادهم إلى الديموقراطية وترسيخها، لكن تراجعت مشاركتهم في الحوارات واتخاذ القرارات حسب دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة الشفافية في جزر المالديف سنة 2015م، وتسبب في تعقيد المسألة أن الشباب متفرقون في العديد من جزر البلاد التي تقع في المحيط الهندي، مما يحد من فرص إجراءات مناقشات جماعية معهم حول التنمية وأولوياتها.

وتمثلت مبادرة المالديف في عقد شراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع (DHIRAAGU) أكبر مزود للاتصالات السلكية واللاسلكية من أجل تنفيذ مبادرة تسمى “فيلم من أجل التغيير”، وهي مبادرة كانت تهدف إلى تضخيم أصوات الشباب في التنمية، وتعليمهم مهارة صناعة الأفلام كوسيلة لسرد الروايات المقنعة عن التنمية والتي تؤثر في حياتهم والمجتمعات، وقد تمَّ تنفيذ دورات تدريبية للشباب، كل دورة كانت تجمع حوالي (20) مشاركـًا تتراوح أعمارهم بين (18 و28) سنة، يتعلمون كيفية جعل الأفلام مركزة على أهداف التنمية المستدامة وترتبط بحياتهم اليومية، ويتم عرض تلك الأفلام في عدة مواقع عامة بينها المقاهي لإشراك المتفرجين مع الشباب في محادثات مباشرة حول تلك الأهداف والمواضيع التي تطرحها، كما يتم تحميل تلك الأفلام على مواقع التواصل الاجتماعي وتداولها.

 وكان من بين النتائج الاعتراف بأن المبادرة وفرت مساحة للشباب للمناقشة والحوار حول ما يهمهم، ويتطلع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى ضمان استدامة المبادرة على المدى الطويل من خلال تعزيز دور القطاع الخاص في تنفيذها.

وخلاصة القول: إن الإعلام بما يمتلكه من كوادر بشرية وتكنولوجيات إبداعية بإمكانه أن يكون نقطة دخول فعالة لتعزيز إشراك الشباب وكافة مكونات المجتمع في قضايا التنمية الرئيسة.

أخلاقيات الإعلام الجديد

نعيش اليوم عصر التكنولوجيا والمعلومات والتواصل الاجتماعي، ويتضح  ذلك من خلال مجتمع المعلومات الذي يعتمد على استثمار التكنولوجيات الحديثة في إنتاج المعلومات الوفيرة لاستخدامها في تقديم الخدمات على نحو سريع وفعال، وتشكل المعلومات أساسًا في التنوير والتطوير، ومـَن يملك المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب فإنه يملك عناصر القوة والسيطرة في عالم متغير يعتمد على العلم في كل شيء بعيدًا عن العشوائية والارتجالية
.صاحب ذلك تطور البث الفضائي والتعددية الإعلامية، مما أدى إلى سهولة إطلاق الفضائيات عند توافر المال والتقنيات اللازمة، وأضحى لوسائل الإعلام دور كبير في التأثير في المجتمعات، بل أصبحت بالفعل السلطة الأولى، قبل سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء، بفعل قدرتها على التأثير والتغيير، ولا يمكن إغفال هذا الدور في تغيير الاتجاهات وترسيخ المفاهيم سواء كانت إيجابية أو سلبية.
من هنا نشأت المطالبة بوجود ميثاق شرف أخلاقي للتعامل مع الإعلام الرقمي – التفاعلي، الذي يشمل الصحافة الإلكترونية “الإعلام الإلكتروني”، التدوين، والتصوير الصحافي الإلكتروني، وصحافة المواطن، والميديا الاجتماعية أو شبكات التواصل الاجتماعي.
وبقدر ما أسهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصال في توسيع حرية التعبير ، بقدر ما فتحت الباب على مصراعيه أمام أنماط جديدة من الانتهاكات الأخلاقية، وبالقدر ذاته يفترض أن تزيد من مسؤولية الصحافي المهني ومعرفة كيفية استخدام هذا الإعلام الجديد للبحث والنشر والبث، وكيفية استخدام النصوص والصور وتوظيفها التوظيف الصحيح في عمله، وكيفية إطلالته إعلاميًّا من المنصات المختلفة لهذا الإعلام الجديد، فالهدف التنظيم لا التعقيد، وليس السيطرة على المواقع والمدونات الإلكترونية، بل الارتقاء بالأداء المعني لهذا النوع من الإعلام، فالممارسات الإعلامية النزيهة أيا كانت مصادرها  الإلكترونية أو الورقية لابد من أن تلتزم لمجتمعها بحقـّين أساسيين أولهما: حق الناس في الاطلاع وثانيهما: حق الجمهور في التعبير.
ومواثيق الشرف الأخلاقية ما هي إلا مجموعة المعايير والقيم المرتبطة بمهنة الإعلام والتي يلتزم بها الصحفيون في تعاملهم مع المادة الإعلامية على الإنترنت، سواء كانت من أجل نشرها في المدونات أو مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال آليات وإلزام والتزام الصحفيين بها، والتي يصيغها الصحفيين أنفسهم في إطار النقابات المهنية أو التي تصيغها المؤسسات الإعلامية.
وهناك نوعان من مواثيق الشرف، منها مواثيق إجبارية إلزامية، وهي التي تحمل بعض أشكال العقاب لـِمن يخالف أو ينتهك ما جاء فيها، وأخرى مواثيق اختيارية، وتعدُّ بمثابة تنظيم ذاتي للعاملين في المهنة الإعلامية للعمل على تنمية قيم المسؤولية الاجتماعية في نشر الأخبار في فضاء الإنترنت الذي ينشطون فيه.
وتتباين المعايير المهنية والأخلاقية الصحافية من دولة إلى أخرى ومن بيئة إلى أخرى، حيث ينبغي أن يتمثل التغيير الجوهري في أخلاقيات الإعلام في ثلاث مجالات: رؤية جديدة لطبيعة أخلاقيات الإعلام، ثم أخلاقيات تطبيقية تحكم الممارسات الإعلامية، وثالثـًا أخلاقيات الإعلام العالمي باعتبار هذا الإعلام عابر للقارات ويتخطى الحدود الجغرافية والدولية، ومما يشير إلى ضرورة التوصل إلى ميثاق شرف للعاملين في الإعلام الإلكتروني العديد من المظاهر التي يمكن رصدها، ومنها: الشك في المصداقية، والأخبار مجهولة المصدر، والتعليقات المنشورة معها، واستخدام لغة غير مهذبة لا تراعي الذوق العام، والإساءة إلى الشخصيات العامة، وازدراء الأديان وغيرها من المظاهر الأخرى، لتبدو مهمة ضبطه “أكثر صعوبة” ونجد أن الحاجة إلى تشريعات وضوابط مهنية وأخلاقية مسألة معقدة وليست بالهيّنة، ولا يمكن الوصول فيها إلى حالة من الضبط التـّام الملزم للجميع، فهذا الإعلام يحلُّ في الفضاء المفتوح وينطلق من منصات إلكترونية لا يمكن حصرها وتحديدها.
إن أهم أهداف العمل على الإنترنت في مجال الإعلام الإلكتروني تتمثل في كسب ثقة الناس، وذلك عبر الالتزام بالمصداقية والموضوعية وإدراك خدمة المصلحة العامة، وحماية المجتمع من التبسيط الزائد للقضايا والأحداث، وتوفير نطاق واسع من المعلومات لتمكين الجمهور من اتخاذ القرارات الصحيحة، بالإضافة إلى السعي من أجل جعل النشاطات التجارية الخاصة والعامة علنية، وهذا يدعم الثقة بين الوسيلة الإعلامية والجمهور.  كما لا بد للصحفي الإلكتروني من تقديم الأخبار الصحيحة بدقة متناهية، وهذا أساس آخر من أساسيات ومبادئ أخلاقيات العمل المهني عبر الإنترنت، وكذلك العدل والإنصاف من خلال عرض الأخبار بحيادية، وإضافة قيمة أساسية على الأخبار ذات العلاقة، ونقل التنوع في الآراء والأفكار، وإعداد تقارير تحليلية قائمة على الفـَهم المهني وليس الانحياز والنمطية، ناهيك عن احترام الحق في محاكمة عادلة، فمن أهم الأخلاقيات الإعلامية مسألة الحيادية التي تعني العدل والتوازن في عرض المحتوى، وألا تكون لدى المشاركين في إعداد هذا المحتوى، أفرادًا كانوا أم مؤسسات، أفكار مسبقة مؤيدة أو معادية لأي جهة معنية يأتي ذكرها في المواد الصحفية حتى تكون أكثر مصداقية.

الإعلام ولغة الطفل: الإشكاليات والحلول

اللغة لها قيمتها في جميع مجالات الحياة، حيث تُعدُّ وسيلة اتصال بين البشر، وأداة تعبير عن مكنونات النفس، والمساعد على استيعاب المواضيع والمفاهيم ومتغيرات العالم وأفكار الآخرين، وهي نمط من السلوك لدى الأفراد والجماعات، بها تتحقق اللُّحمة، ويكتسب المجتمع هويته، وكيانه، وتميّزه عن باقي المجتمعات.

واللغة ليست وسيلة اتصال وحسب، وإنما هي رمز للهوية ووعاء للثقافة ومكون مهم للنسيج الاجتماعي والثقافي لأي مجتمع وأمة، وهي فكرة مهمة تأتي في سياق رفعها إلى مستوى الخيار الحضاري الضروري علّ أبناءها يصلون إلى مستوى المفاخرة بها، إذا تيقنوا أنها ليست وسيلة اتصال مجرد.
ومنذ ظهور الإذاعة ثم التلفزيون، والجدل قائم حول مدى تأثيرهما في المتابعين، ومن ذلك ما يتعلق بالتأثير في لغة الأطفال.

هناك لغتان للإذاعة والتلفزيون: لغة فصحى ولغة عامية، والأفضل استخدام الفصحى في لغة الإذاعة والتلفزيون؛ لأنها هي اللغة الأم، ونحن نخسر كثيرًا بجعل اللهجة العامية هي لغة الحديث في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وفي الحوار بالمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، حيث تنتقل منهم إلى الناشئة الذين يقضون وقتـًا طويلاً في متابعتها، فالأطفال هم الذين سينقلون اللغة إلى مـَن بعدهم، واللغة العربية الفصحى إذا ما اضمحلت من ألسنة الصغار ستضعف في المستقبل من دون شك.

لقد أدت الإذاعة سابقـًا دورًا مؤثرًا في تنمية اللغة لدى الطفل، حيث تميزت برامجها بأسلوب خاص يعتمد على الكلمة المنطوقة، والكلام المنطوق عبارة عن رموز صوتية لها دلالة ومعنى يتعلمها الطفل بادئ ذي بدء بالاتصال المباشر بالأشياء وبالتفاعل الواقعي مع أحداث عالمه.

ومن الإشكاليات الحالية في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، والتي تشكل خطرًا على لغة الطفل، إهمال الفصحى إهمالاً كاملاً في البرامج المباشرة، وضعف إعداد المذيعين في قنوات الأطفال، بالإضافة إلى تبني بعض قنوات الأطفال العامية لغة للأناشيد، إلى جانب غياب البرامج الإذاعية الموجهة للطفل، بخاصة تلك المهتمة باللغة.

وهنا يجب العمل على مراجعة كل ما يُقدَّمُ لأطفالنا في قنواتهم الخاصة أو القنوات العامة من خلال حُسن اختيار المذيعين القادرين لغويـًّا، وجعل اللغة الفصحى لغة الحوار، وكذلك العمل على أن تكون اللغة العربية الفصحى الميسَّرة هي اللغة الشائعة في برامج الأطفال، وهناك تجارب رائدة في خدمة اللغة العربية لدى الأطفال في عالمنا العربي وهي تجربة برنامج “افتح يا سمسم”، وهو أول برنامج عربي موحد، اعتمد اللغة العربية الميسرة في صيغة متنوعة الفقرات، فيه التجديد والترفيه ما يغري الطفل العربي بمشاهدته كل يوم، وبرنامج “افتح يا سمسم” هو النسخة العربية من برنامج “شارع سيسامي” وهو برنامج أطفال أمريكي أنتجته “ورشة تلفزيون الأطفال” في نيويورك عام 1969م، وتمَّ تكليف مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي ومقرها دولة الكويت بمهمة الإشراف على البرنامج، وكانت المؤسسة قد أقرت بإجماع خبرائها أن تكون لغة البرنامج اللغة العربية الفصحى الميسرة التي يمكن للطفل أن يفهمها بلا عناء من دون أن يكون هناك تخصيص لبعض اللهجات المحلية أو الدارجة في بيئة ما، حتى لا يصعب على الأطفال في البيئات الأخرى فـَهمهما وإدراكها، ومن التجارب المهمة ‒ أيضـًا ‒ تجربة قناة (mbc) للأطفال التي أنتجت برنامجـًا مختصًا بتطوير وتنمية لغة الطفل العربي وهو برنامج “عالم سمسم”، بالشكل الذي نجح في ربط الطفل العربي بالبرنامج، عل الرغم من أن الشخصيات الخيالية التي أعطاها البرنامج أسماء عربية هي في الأصل شخصيات أجنبية، وهنا يجب تعميم مثل هذه البرامج مع ابتكار شخصيات ونماذج لعرائس عربية تمامًا، سواء من قبل منتجي برامج الأطفال أو من قبل الفضائيات المتخصصة للأطفال.

ينبغي على أصحاب القرار في المؤسسات الإعلامية العربية إعادة النظر في جميع البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تقدمها، بخاصة تلك الموجهة للأطفال، والأخذ في الاعتبار تقديمها بلغة عربية صحيحة تراعي قواعد اللغة، وأن تكون مبسطة وسلسة في ذات الوقت.

الإعلام‭ ‬التفاعلي‭ ‬والعمل‭ ‬التطوعي

يحتفل العالم في الخامس من شهر ديسمبر من كل عام باليوم العالمي للتطوع، والحديث عن التطوع يعني حديثـًا عن عمل حضاري وإنساني ومسؤولية جماعية مشتركة فهو يعكس تكافلاً بين مختلف فئات المجتمع، وتراحمـًا وتآخيًا بين أفراده، ويأتي دور الإعلام في العمل التطوعي في مقدمة الأدوار الفاعلة في ترسيخ مفهوم العمل التطوعي وأهميته، وذلك من خلال قدرته على إحكام السيطرة على الأفراد عبر قناعات فكرية وثقافية واجتماعية بضرورة العمل التطوعي.

ولقد أصبح الإعلام التفاعلي مشاركـًا للإعلام التقليدي كونه يحتوي في مضمونه على كافة الفنون الإعلامية والتقنيات الحديثة لمواقع التواصل الاجتماعي، مثل: «الفيسبوك، وتويتر» وغير ذلك من المواقع التي تتسم بعناصر الفورية، والتفاعلية، وتعدد الوسائط.

ويقصد بالإعلام التفاعلي مجموعة من الخصائص والوسائط والخدمات الملحقة بأي وسيلة إعلامية مطبوعة أو مرئية أو إلكترونية تتيح للجمهور أن يتفاعل معها عن طريق المشاركة برأيه، إضافة إلى مشاركات الجمهور في البرامج المرئية والإذاعية، ومداخلاتهم في قاعات المحاضرات والندوات، وهي منتديات إلكترونية ملحقة بمواقع النشر الإلكتروني، أو مستقله بذاتها، وكثير من الفاعليات الإعلامية تدخل تحت هذه العناوين. 

ويُعدُّ العمل التطوعي من الوسائل المهمة في تنمية الولاء والانتماء للوطن، حيث يوثق علاقة الفرد بدينه ووطنه وينمي بداخله مبادئ وقيم إسلامية ووطنية وإنسانية نبيلة، فالعمل التطوعي هو المعيار الذي نقيس به مستوى التكافل والتعاون في المجتمع، فمن المعروف أن العطاء بلا مقابل سواء كان علمـًا أو جهدًا أو مالاً يعكس مدى ارتباط الفرد بمجتمعه وقضاياه وهمومه.

كما أن العمل التطوعي هو ما يبذله الفرد بعيدًا عن الفروض والواجبات والأعمال الوظيفية التي يحصل على مقابل لها، وهو بذلك من الأعمال المستحـّبة في الإسلام، والمستحـّب في الشريعة هو ما طلب الشرع فعله لا على سبيل الإلزام وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. إن العمل التطوعي قرار فردي ورائه دافع ذاتي لا يكون الفرد مجبرًا فيه على أمر بحد ذاته مما يشعر المتطوع بالنجاح مع كل خطوة يخطوها.

ولقد أسهم غياب الدور الإعلامي عن التوعية بأهمية التطوع وبمؤسساته وبالأدوار التي يمكن أن يقدمها للمجتمع في قلة الإقبال على التطوع، حيث نجد قلة البرامج والفعاليات الخاصة بالتطوع مما يحد من تفاعل وسائل الإعلام، كما نجد قلة مصادر المعلومات عن برامج التطوع ومجالاته وغيرها من المعلومات التي يمكن صياغتها على شكل مواد إخبارية إعلامية. في حين يعطي الإعلام التفاعلي فرصة اطلاع أكبر، ففي جلسة واحدة أمام الكمبيوتر يستطيع القارئ مطالعة عشرات المصادر الإعلامية من جميع أنحاء العالم، ومن دون تكلفة مالية، وهذا غير ممكن مع الإعلام التقليدي من حيث الوقت والتكلفة، وللمستخدم حرية الانتقاء والمقارنة من خلال الاطلاع السريع على العديد من المصادر متعددة الرؤى والخلفيات، ثم يستخلص لنفسه النتيجة التي يراها أقرب إلى الحقيقة من دون أن يتعرض لرؤية محددة تفرضها الحكومات أو الشركات المالكة لوسائل الإعلام.

   أن الاهتمام الإعلامي بالعمل التطوعي واجب وطني، ولا يمكن الاستغناء عن الإعلام التفاعلي في صوره المختلفة؛ فقد أصبح جزءًا أصيلاً من حياة قطاع عريض من المجتمع العربي، ولا بد من القيام بحملات إعلامية للتوعية بما تتضمن عناصر العمل التطوعي بداية من المفهوم والأهمية وإبراز قيم العمل التطوعي، ومرورًا بكيفية العمل التطوعي ومجالاته، وأخيرًا التجارب الناجحة في هذا المجال.

دور‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬تنشئة‭ ‬الطفل

إعلام الطفل، هو من أنواع الإعلام المعاصر المهمة، فعالم الطفل قابل للتشكيل بحسب الرغبات والأهداف المقصودة، وهو رهان كبير على المستقبل والحاضر إذ بامتلاكه والسيطرة على وعيه والتحكم في ميولاته يمكن امتلاك المستقبل والسيطرة عليه، فالطفل هو الغد القادم، وما يرسم هذا الغد هو نوعية التربية والتلقين لهذا الطفل في الحاضر، وما تتسم به البرامج الموجهة للطفل هو محاولة قضاء وقت الفراغ لدى الأطفال من دون تخطيط ودراسة كافية لكيفية الربط بين قضاء وقت الفراغ وتحقيق الاستفادة المرجوة، فتشبع الكثير من رغباته أي أنها وسيلة لتزويد الطفل بالمعلومات والأفكار والقيم ليس ذلك فحسب، بل تـُسهم في تشكيل لون من ألوان السلوك فتحدث تجاوب مع الوعي الحسي والحركي لديه، وتحدث استجابات معينة في إداركه، تُسهم فيما بعد في تشكيل وعيه وتصوره للأشياء من حوله؛ لأنه يختزنها وتصبح رصيده الثقافي والوجداني والشعوري.

ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة سحرها يفوق أي أداة إعلامية أخرى، وبخاصة في فنون العرض واستخدام المؤثرات السينمائية لأنها تجمع بين حاستي السمع والبصر والتي تُسهم في تدعيم الفكرة وتثبيتها في ذهن الطفل، فكلما زاد عدد الحواس التي تستخدم في تلقي فكرة معينة أدى ذلك إلى دعمها وتثبيتها في ذهن الطفل حسب الإتقان التقني والإبهار البصري الذي يتحول مع الوقت إلى إبهار معرفي وثقافي يجعل الطفل يتفاعل مع جل ما يصاحب المادة التلفزيونية من توجيهات وسلوكات التي لا يملك فيها رقابة ذاتية من وعيه وإدراكه وشعوره؛ لأنه في طور تكوين فكره عن الحياة وعمره لا يسمح له إلا حدود يسيرة التمييز بين الغثِّ والسمين والجميل والقبيح، فتراه أمام التلفزيون يتابع الأحداث بكل اهتمام وانتباه، ويكاد نفسه ينقطع إذا ما تأزم الموقف، ثم تنطلق صيحاته وتتحرك يداه بعفوية عند أي موقف مثير ناسيـًّا ما حوله ومـَن حوله، فتنمي الحسّ الجمالي إحساسـًا باللون والشكل والإيقاع الصوتي الجميل، وتناسق الحركة وملائمة أجزاء الصورة بعضها البعض، وتنمي الخيال بأنواعه القصصي والدرامي بالخروج عن الواقع إلى شخصيات لا تجدها في عالمنا، وأحداث لا يمكن أن تقع شرط ألا يكون مغرقـــًا سلبيـًّا لا يحمل قيمة، ولا يغرس فضيلة، فهو الذي يعطي الطفل الرؤى بعيدة المدى، وهو الذي يجعله يحلل ما يدور حوله من أحداث ومواقف، ويفعل عمليات التفكير العليا لديه، كالاستدلال والمقارنة والاستنتاج والتحليل والتركيب، والذي نفقده غالبـًا بسبب التركيز على مهارة واحدة وهي مهارة التذكر، وإهمال الفصحى إهمالاً كاملاً في البرامج المباشر منها وغير المباشرة سواء كان في ضعف إعداد المذيعين لغويـًّا، أو الرسوم المتحركة التي يتلقها الطفل بالعامية، وهو ما يصعب عليه اللغة الفصحى الصافية ويحجزه عن التجاوب الشعوري معها، فضلاً عن إنه يقلل من فـَهمه واستيعابه لما يقال ويكتب بها. 

إن البرامج الموجهة للأطفال يجب أن يخطط لها، وأن تكون هادفة، وإجراء تنسيق بين كافة الأجهزة والمؤسسات المسؤولة عن رعاية الطفل، مثل: «الأسرة والمدرسة والقائمين على إعداد البرامج التلفزيونية»، حيث إن هناك ندرة في المادة الكرتونية الهادفة المناسبة للأطفال، والقلة العددية في عدد ساعات البثّ، والتي تعتمد على النمطية وقلة التشويق والتوجيه المباشر في أغلب الأحيان، أضف إلى ذلك البرامج المستوردة وما تحتويه من مشاهد لا تليق بالطفل وتؤثر في سلوكه وأخلاقه، واحتوائها على مشاهد وإيحاءات جنسية، وانحرافات عقائدية، ومشاهد العنف والتي بدورها تثير العنف في سلوك بعض الأطفال، حيث إن تكرار أعمال العنف الجسمانية والأدوار التي تتصل بالجريمة تؤدي إلى تبلد الإحساس بالخطر وإلى قبول العنف كوسيلة استجابة تلقائية، ما يؤدي ذلك إلى اكتساب الأطفال سلوكات عدوانية مخيفة وإلى انحراف الأطفال، فبرامج الرسوم المتحركة لا يتمّ عرضها بمجرد وصفها رسومًا ملونة، بل بما تحويه من قيم ومفاهيم وأدوات درامية اختزنتها المسلسلات الكرتونية ويتقبلها الطفل كما هي، فالأقوى تعليمـًا والأكثر رسوخـًا في ذهن الطفل هو التعليم عبر الترفيه، فهو يعيش لحظات ممتعة بالنسبة له أمام شاشة صغيرة أجادت وتفننت بذلك. 

مصداقية‭ ‬الإعلام

في أوقات الأزمات والحروب كثيرًا ما تلتصق تهمة الكذب بالإعلام، وقد بدأ ذلك منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا ما جعل الخبراء يبحثون عن دور الإعلام في الأزمات، لأن دوره في الأوقات العادية يقتصر على مهمات واضحة ومحددة، منها: التثقيف والتوعية والتوجيه، لكن مجرد حدوث أزمة، فإن الإعلام يقع في المحظور ما بين التزامه بالمعايير الأخلاقية والمهنية التي تتطلب حرفية من وسائل الإعلام والقائمين عليها، وما بين تنفيذ الأجندات والأولويات لمالكي وسائله والقائمين على الاتصال.

ولرئيس الحكومة البريطانية «ونستون تشريشل» مقولة مبهرة، وهي: «إن الحقيقة في وقت الحرب ثمينة جدًّا لدرجة أن يتطلب حمايتها بحرس شخصي من الأكاذيب».

لكن الحقيقة لديها مقاييس عند مـَن يملكها، ويعتقد ما يجب أن يوّجه إلى الناس على أنه حقيقة، وبالتالي هو يعمل على بتر أجزاء من الحقيقة لإيصالها إلى الناس كما يريد، ومتى ما بُتر جزء من الحقيقة فهذا يؤثر في مصداقية القائم بالاتصال. 

وأهم أدوات الحروب الإعلامية، هي «الأخبار الزائفة»، حيث إن استخدام الأخبار الكاذبة بنيّة معينة من أجل تحقيق هدف محدد قديم العهد في الاجتماع السياسي للبشرية، ومن المهم التوقف عند النيـّة والغاية خلف الأخبار الكاذبة، ذلك أنه في بعض الحالات ما يبدو أخبار كاذبة قد يكون في الواقع «سخرية إخبارية»، وهذا النوع من السخرية يلجأ إلى المبالغة ويُدخل عناصر غير واقعية، وهدفه التسلية أو إيصال رسالة ما، وليس الخداع.

وهناك المضمون التدجيلي، ويعني اختلاق مصادر كاذبة أو انتحال صفة مصادر حقيقية.

ومن أنماط الأخبار الزائفة تلك التي تتعمد الربط الخاطئ بين مضمونها والعنوان الذي يتصدرها، فلا تكون هناك علاقة بينهما أبدًا. 

وتنشر المعلومات المضللة الخادعة من خلال الصحافة الورقية التقليدية ووسائل الإعلام الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، بقصد التضليل وإلحاق الضرر بجهة ما أو شخص ما وتحقيق مكاسب معينة.

ولإبعاد الشك عن الأخبار الكاذبة يلجأ صانعوها إلى ظاهرة «غسل الأخبار» وهي ظاهرة تشبه ظاهرة «غسل الأموال» التي تكون قائمة على أموال غير مشروعة المصدر ومحرمة، مثل: أموال السرقة والمخدرات والفدية، التي يتم تدويرها من خلال الاستثمار في مشاريع تجارية وعقارات كي تودع بعد ذلك في المصارف بصورة مشروعة.

من هنا فإن ظاهرة «غسل الأخبار» تقوم أولاً على صناعة أخبار زائفة يتم نشرها في وسائل إعلامية محدودة الانتشار وتدويرها بينها، إلى أن تتلقفها الوسائل الإعلامية الرسمية من خلال عملية إعادة النشر والنقل فتصبح معتمدة.

ويلجا صانعو الأخبار الكاذبة إلى هذا الأسلوب لإبعاد الشبهة عن المسائلة في حالة التحقيق معهم عن مدى صحة المعلومات والمصادر.

وعملية «غسل الأخبار» تستدعي تكوين خلايا عمل كبيرة يعهد إليها بتدوير الأخبار الزائفة، وهذه الخلايا تتكون من عدة أشخاص يمتلكون حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، غايتهم تضليل الرأي العام.

وهذا ما يفسر ملاحظة القارئ لأخبار تذاع وتنشر على الوسائل الإعلامية الرسمية تبدأ بعبارة «تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تويتر …».

ومما يفاقم من ظاهرة الأخبار الزائفة الاعتماد على شهود عيان وهميين، يبنى عليهم جلّ الخبر إن لم يكن كله، على الرغم من أن الشهود يجب أن يكونوا جزءًا من الخبر فقط. 

ولهذا نجد الإعلاميين يعارضون الاعتماد المكثف على الشهود، مشددين على ضرورة الفصل بين المراسلين والمندوبين الصحفيين، وبين الشهود، لأنهم يختلفون على مستوى المهنية والحرفية في نقل الحدث وسرد تفاصيله من موقعه.  

وشيء آخر لا يقل أهمية في موضوع الأخبار الزائفة، هي تلك المصادر التي يطلق عليها مجازًا «مصادر الشبح»، إذ يشمل هذا المفهوم كل خبر خال من اسم مصدر صريح  سواءً كان فردًا أو مؤسسة، ونقل أية معلومة من دون إرجاعها إلى مصدر صريح الاسم، وتندرج تحت ذلك إشارات من قبيل «مصدر موثوق» أو عبارات تقوم على البناء المجهول للفعل، مثل: «عُلِم أن»؛ لكن المصادر المجهولة كثيرًا ما تكون المفتاح الوحيد للكشف عن قصة كبيرة يقف خلفها الفساد، لا يفطن إليها سوى الصحفيين الأكفاء  مهنيـًّا وأخلاقيـًّا.

وإزاء تلك الظواهر الدخيلة على الإعلام الحر النزيه لا بد من تكثيف الوعي الإعلامي، واستخدام مهارة التفكير الناقد، وتدريب المتلقي على مهارة حـُسن الاختيار للمضامين الإعلامية والتفاعل والمشاركة في صياغة المحتويات الإعلامية الهادفة بما هو متاح أمامه اليوم من وسائل تكنولوجية واسعة الانتشار والتأثير.