الإعلام التلفزيوني العربي وأزمة كورونا

-الجائحة تهيمن على أغلب بث القنوات العربية.
-رؤساء الدول العربية يخاطبون الجماهير ويدقون ناقوس الخطر.
-القنوات العربية تتبنى إستراتيجيات اتصال المخاطر.
-تحديات كبيرة أمام وسائل الإعلام العربية لتتبع الأحداث وتناولها.
-التداخل المعقد بين “إعلام الأزمات “و”إدارة الأزمات” عامل مهم في تمييز مستويات التخطيط.
-الإعلام التلفزيوني العربي يسخر كل جهوده وطاقاته لمسايرة مساعي السلطات الرسمية في إدارة الأزمة.
-فعالية التغطيات الإعلامية – خاصة في فترة الأزمات –  مرهونة بتقديم الأخبار الموثقة من مصادرها الرسمية.

مقدمة

أظهرت الأزمات على اختلاف أنواعها وخاصة الصحية منها – الأمراض
والأوبئة – أن للإعلام دورًا محوريـًّا لا يقل أهمية عن دور اختصاصي الصحة في التوعية بخطورة هذه الأمراض وطرق ووسائل الوقاية منها للحد من انتشارها، والإخبار بكل جديد بخصوص تفشيها وآخر الإحصائيات الرسمية التي تسفر عنها.

وعلى غرار وسائل الإعلام العالمية التي تتبعت أخبار (كوفيد – 19) منذ ظهوره لأول مرة في “ووهان” الصينية، تجندت القنوات التلفزيونية العربية لرصد تطورات هذا الوباء الذي تخطى حدود الصين وأوروبا ليسجل انتشاره بدرجات متفاوتة في دول العالم العربي، فكيف تعاملت هذه الوسائل إعلاميًّا مع هذه الأزمة الصحية المستجدة؟ وإلى أي مدى سايرت الإجراءات الرسمية في إدارة هذه الأزمة؟ وكيف تصدت للأخبار الزائفة (FAKE NEWS) التي تنشط في ظروف الطوارئ لتقديم إعلام ملون موازي؟ وهل التزمت بالمعايير المهنية التي تؤدي إلى التعامل مع الأزمة بشكل احترافي بعيدًا عن السياسات الإعلامية الضيقة؟ وهل استطاعت فعلاً التعريف بالفيروس الجديد للتوعية بمخاطره؟

1-الإعلام التلفزيوني العربي … وبدايات التعبئة 

إبان تسجيل أولى الحالات المؤكدة لفيروس كورونا في بعض الدول ظهرت مقاربات إعلامية مختلفة لتعبئة الجماهير، ففي حين ركزت بعض القنوات على الحملات التوعوية التي تتخلل البرامج المبثة والتي تحثُّ في مجملها على النظافة, وغسل اليدين باستمرار بالماء والصابون أو بمطهر كحولي، بالإضافة إلى ضرورة تبني سلوكات وقائية تقوم على تفادي التجمعات والأماكن المكتظة واحترام مسافة الأمان بين الأشخاص، اكتفت بعض القنوات في بداية هذه الأزمة بتبني “هاشتاج” ملازم لصورة القناة، مثل “هاشتاج” قنوات السعودية # كلنا مسؤول، وقنوات النيل المصرية #احم _نفسك_احم _ بلدك، وفي القناة التونسية الأولى #سلامتك_ و_سلامتي_مسؤولية_الكل.

ولأن الأزمة كما يقول (روديفور Roux du fort): “ليست مجرد حادث عابر، وإنما هي مجموعة من التفاعلات المتشابكة والمتلاحقة عبر الزمان والمكان وفق منحنى متغير الاتجاه والأبعاد”([i])، اتخذت أزمة كورونا منعطف أكثر حدة، مما ألزم رؤساء الدول العربية التدخل لمخاطبة الجماهير ودق ناقوس الخطر، وقد أسفر هذا الاتصال الرسمي المباشر عن اتخاذ جملة من التدابير والإجراءات الاحترازية المتسارعة، بدأت بتقديم عطلة تلاميذ التعليم العام وطلاب الجامعات لمنع تفشي الوباء، بالإضافة إلى الإغلاق التدريجي للحدود البرية والجوية والبحرية بين دول الوطن العربي ومناطق بؤر الوباء.

هنا تحول فيروس “كورونا” إلى معضلة صحية عالمية (جائحة) أضحت تستوجب من الناحية الإجرائية حكمًا وقرارًا من شأنهما أن يؤديا إلى تغيير للأفضل أو للأسوأ([ii])، وضمن هذا التوجه المصيري الحاسم بدأ الإعلام التلفزيوني العربي بالانخراط في “إعلام الأزمة” من خلال مواكبة كل القرارات والإجراءات الرسمية المتخذة بتبني شريط (العاجل) وآخر الأخبار والأخبار المهمة.

وبهذا التوجه الإعلامي الجديد تمَّ إعلام شعوب الدول العربية بكل البلاغات الرسمية الجديدة, مثل تعليق صلاة الجماعة والجمعة في بعض الدول مع الإبقاء على شعيرة الأذان، وغلق الحدود ومنع التنقل بين المدن الداخلية، وغلق كل الأماكن العامة والمقاهي والمطاعم والمحلات الكبرى والمتاحف ودور العرض، والإبقاء فقط على الصيدليات والمتاجر التي تضمن توفير كافة السلع الغذائية اليومية للمواطنين والمقيمين.

في هذه المرحلة اتجهت القنوات العربية إلى تبني إستراتيجيات اتصال المخاطر (Risk communication) من خلال العمل على التقليل من الآثار السلبية للإجراءات المتخذة والتعامل مع تداعياتها بشكل إيجابي.

وخدمة لهذا الغرض كثفت أغلب القنوات العربية على غرار “MBC” و”العربية” وقناة “الحياة” المصرية من البرامج الحوارية (Talk shows) التي تعتمد على استضافة خبراء في الصحة وعلم الأوبئة للتأكيد على أهمية النظافة وملازمة البيوت، في إطار إجراءات الحجر الصحي؛ لما في ذلك من نفع على عدم انتشار الوباء.

وفي هذا الإطار استمرت معظم القنوات العربية في التذكير بحملاتها التوعوية الداعية إلى ضرورة اتباع نصائح وتوجيهات المصالح المختصة، وهو ما تكرس بشكل مكثف في القنوات الرسمية والخاصة، كما أكدت هذه القنوات على ملازمة التلاميذ والطلاب لبيوتهم ومواصلة دراستهم عن بُعد عن طريق المنصات الرقمية، أو عن طريق تخصيص قنوات تعليمية.

وبدخول الأزمة مرحلتها المزمنة، فرضت على الدول العربية تقييمًا آخر في إطار مراجعةٍ كلية للوضع؛ للوقوف على مواطن الخلل والقصور([iii])، وهو ما دفع رؤساء هذه الدول إلى فرض حالة الطوارئ الصحية، وهي التدابير التي اتخذتها السلطات في عدد من الدول العربية، مثل: دول مجلس التعاون، ومصر، والجزائر، والأردن وغيرها، كتدابير استثنائية لا محيد عنها؛ لإبقاء فيروس كورونا تحت السيطرة.

ولأن الطوارئ من الناحية الإجرائية “تدابير استثنائية يتم اللجوء إليها في حالة وجود أمر يهدد الأمن القومي”، فهذا يعني اعتراف الدول العربية بأنها في وضع حرب مع هذا الوباء، وأن هذا الوضع يفرض تخطيطًا إستراتيجيًّا محكمًا لإدارة هذه الأزمة والخروج منها بأقل التكاليف([iv])، ووعيًا منها بجسامة التهديدات التي تحاصر الأمن القومي للدول، يتعاظم دور وسائل الإعلام في تتبع الأحداث وتناولها بشكل غير مسبوق، من حيث السرعة والتكثيف والآنية([v])، وهو التحدي الذي رفعه الإعلام التلفزيوني العربي في هذه الظروف.

2-الإعلام التلفزيوني العربي وتحدي الحرب على الوجود 

يشكل التداخل المعقد بين “إعلام الأزمات و”إدارة الأزمات” عاملاً مهمًا في تمييز مستويات تخطيط الحكومات والدول، من أجل التغلب على الأزمة والتحكم في ضغطها ومسارها واتجاهها وتجنب سلبياتها([vi]).

وفي هذا السياق سخر الإعلام التلفزيوني العربي كل جهوده وطاقاته لمسايرة مساعي السلطات الرسمية في إدارة أزمة كورونا، فتبنت “هاشتاج” آخر ملازم لصورة قنواتها تحثُّ فيه الجماهير على ملازمة بيوتها، خاصة بعد ارتفاع عدد ضحايا هذا المرض وزيادة عدد المصابين به.

وعلى الرغم من اختلاف لغة “الهاشتاج” والصياغة التي تبنتها القنوات العربية في التوعية بضرورة الحجر الصحي باعتباره وقاية إلزامية لوباء لا علاج له، إلا أنها اتفقت كلها في كون أن الحل الوحيد يكمن في المكوث في البيت.

وتشير الدراسات الإعلامية الحديثة إلى أن تبني مثل هذه الصيغ التوعوية في وسائل الإعلام المرئية هو ضرب من ضروب اتصال الأزمة الموقفي الذي يسير في اتجاه موازي مع مساعي السلطات في إدارة الكوارث([vii]).

ولأن إدارة الكوارث تعني صناعة القرار في أثناء الأزمة، ركز الإعلام التلفزيوني العربي على جهود الحكومات العربية في إدارة هذا الحدث الاستثنائي الصعب، من خلال التنويه بمساعي السلطات في إنشاء لجان يقظة وبائية أو لجان وطنية، لرصد ومتابعة تطور انتشار فيروس كورونا.

وتعمل هذه اللجان، التي تضم خبراء في الصحة وكبار الأخصائيين ولا سيما في مجال الأمراض المعدية، على تنشيط ندوات صحفية يومية لإطلاع الرأي العام العربي على تطورات الوضع الصحي لوباء (كوفيد – 19).

وتفعيلاً لهذه المساعي انتهجت القنوات العربية نهج الآنية، من خلال تخصيص نشرات ومواجيز إخبارية استثنائية لتتبع مستجدات انتشار الوباء أولاً بأول، إضافة إلى تقديم الحصيلة اليومية لعدد الإصابات الجديدة وعدد المتعافين، وكذا عدد الوفيات.

كما ركزت هذه النشرات على الجهود الطبية المحلية وعلى بروتوكولات العلاج التي كانت تتبعها الحكومات العربية في إنقاذ مصابي هذه الجائحة، مع التأكيد على الجهود الرسمية في احتواء الأزمة، من خلال الاستعانة بالإمدادات الطبية التي تلقتها بعض الدول العربية لمساعدتها في معركتها ضد الفيروس. 

وحتى لا يكون المجال متروكًا لهامش الخطأ في تغطية هذه المرحلة الحرجة أفردت كل القنوات العربية مساحات شاسعة لإطلاع الرأي العام العربي عن مستجدات انتشار الوباء عالميًّا ومحليًّا.

وفي ظل هذه التغطية المكثفة عملت معظم القنوات العربية على تبني شبكة مراسلين من جميع نقاط العالم لتتبع أخبار (كوفيد – 19) وجهود الحكومات في مواجهته، كما خصصت برامج حوارية مع أطباء ومختصين في الأمراض المعدية من جميع دول العالم لتوضيح الرؤى حول هذا الفيروس وكيفية الوقاية منه.

وانطلاقــًا من أن فعالية كل تغطية إعلامية – خاصة في فترة الأزمات –  مرهونة بتقديم الأخبار الموثوقة الصادرة من الجهات الرسمية([viii])، واجه الإعلام العربي التلفزيوني عبئــًا آخر، وهو كيفية الحد من المعلومة المغلوطة والخبر الزائف الذي يكثر انتشاره في مثل هذه الأزمات والذي يؤدي إلى نشر الذعر والتهويل، فالخوف مثل المرض ومثل الأخبار الزائفة ينتشر بسرعة، وهنا تزداد مسؤولية وسائل الإعلام في التصدي لهذه الشائعات درءًا لخطورة صناعة المحتوى الإعلامي في مواقع التواصل الاجتماعي، كثف الإعلام التلفزيوني العربي من برامجه وحملاته التوعوية لمواجهة هذا الإعلام الملون الموازي باستخدام كل أنماط صناعة المحتوى البسيط والمقنع، بل وتوجيه الناس إلى اتباع المعلومات والنصائح والإرشادات الصادرة فقط عن الجهات الرسمية والطبية للدولة.

ومثلما أملت هذه المرحلة ضرورة التصدي الإعلامي لكل الشائعات، أجبرت القنوات العربية – أيضًا – على مواكبة تغطيتها للمرض بالحديث عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا الوباء.

وفي هذا الإطار خصصت هذه القنوات برامج تتناول إشكالية الكساد الاقتصادي وتراجع البورصات في العالم العربي، وما أسفر عنه هذا الوباء من بطالة حوالي (5) ملايين شخص جراء توقف كثير من المهن والحرف.

كما ناقشت هذه القنوات التبعات السياسية التي سيفرج عنها واقع ما بعد كورونا من إعادة ترتيب لموازين القوى، ومن سلوكات اجتماعية وسيكولوجية مترتبة عن هذه الأزمة الصحية.

وفي هذه المرحلة الحساسة ضاعف الإعلام التلفزيوني العربي من جهوده التوعوية، ليقرن حملات التوعية بخطورة عدوى المرض وسرعة انتشاره بحملات التكفل بالفئات الضعيفة والمعوزة التي تضررت اقتصاديًّا من هذا الوباء، وفي هذا المنعرج تباينت أساليب التغطية لهذا الوباء بين الإعلام الرسمي المحلي والإعلام المضاد.

3-(كوفيد – 19) بين الإعلام العربي الرسمي وإعلام التواصل الاجتماعي

يختص الخطاب الإعلامي العربي خلافًا لغيره بخضوع معلوماته بتجاذبات ثنائية القطب بين إعلام رسمي يسير في اتجاه خدمة الوطن والمواطن، وبين إعلام شعبي هدفه اقتناص بعض الحقائق لتعزيز رغبات شخصية وبحث عن الأضواء.

ومما لا شك فيه فإن الحديث عن” الجيش الأبيض” الذي كان في الصفوف الأولى في مواجهة هذا الوباء، قد ألهم وسائل التواصل الاجتماعي إلى لفت أنظار الحكومات العربية إلى ضرورة الارتقاء بمكانة الأطباء المهنية والسوسيولوجية، فهم لا يختلفون في شيء عن الجيوش المسلحة المرابطة في الحدود، ذلك أن الجوائح قد أثبتت على مرِّ الزمن أن الطب هو تحدّي بكل ما تعنيه الكلمة، وأنه يفترض أن يكون في صلب انشغالات الأمم فهو ركيزة الوجود، وهو مقياس تطور الحضارات، ولهذا ألفينا الكثير من الدول تسارع لكسب السبق في مجال إيجاد لقاح لهذا الداء المستعصي، والتركيز على البحوث، واتخاذ إجراءات وتضحيات كبيرة واستباقية لصالح الإنسان.

4-الإعلام التلفزيوني العربي وحقيقة فيروس كورونا

يؤكد الخبراء على أن مواكبة الإعلام لمراحل إدارة الأزمات إنما يرتكز بشكل أساسي على تبسيط وتوضيح جوهر الأزمة حتى يستوعبها الرأي العام بشكل فعال وألا ينتقل إلى مرحلة الوقاية والحد من الضرر المحتمل من دون المرور على ما يسميه (ميتروف Mitroff) بمرحلة التحري الهادف([ix]).

وفي هذا السياق وجدنا أن معظم القنوات التلفزيونية العربية قد ركزت على خطورة الفيروس كونه مفاجئ وغير مرئي وأنه ينتقل بشكل سريع، من دون موافاة المشاهد العربي بمعلومات علمية دقيقة حول الخطر الذي يداهمه.

وهكذا اتجهت التغطية الإعلامية العربية التلفزيونية إلى التذكير في كل مرة بأعراض المرض وسُبل الوقاية منه من دون التركيز على مكمن الخطورة في هذا الداء.

وقد كان لغياب المعلومة العلمية الدقيقة حول الفيروس تبعات كثيرة على فهم المرض، وسُبل الوقاية منه، وكذا تفهم حقيقة مصدره، فهل هو طبيعي شأنه في ذلك شأن فيروس (Sars.Cov) الذي ظهر عام 2003م، والمتسبب لمتلازمة “الالتهاب التنفسي الحاد”؟ أو فيروس (Mers.Cov) أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية؟  أم أنه نتاج صناعة مختبرية كما تروج له طروحات نظرية المؤامرة؟ 

هنا يتأكد الدور الإعلامي في إثبات الحقيقة العلمية للفيروس، وتفنيد أو تأكيد مزاعم أخرى يمكنها أن تؤثر في تعرّف هذا الوافد الجديد الذي أدى جهله إلى تكبد البشرية أكبر حصيلة الضحايا منذ الحرب العالمية الثانية.

خاتمة

مما سبق نخلص إلى أن التغطية الإعلامية التلفزيونية العربية لأزمة كورونا قد شابتها الكثير من الثغرات التي نجمت عن عدم الاستعداد والتأهب لمواجهة الجوائح، وهذا ما وضعها أمام تحديات متعددة راهنة واستشرافية.

أما الثغرات التي سُجلت على هذه التغطية، فيمكن إجمالها في أنها تغطية لم تستطع الحياد عن الإثارة والتهويل في مقابل تقديم الخبر والمعلومة التي تفيد المشاهد في استيعابه للأزمة وفي التعامل معها بكل مسؤولية وحكمة.

كما اتسمت هذه التغطية – أيضًا – بأنها لم تكن في مستوى معركة الأخبار الزائفة التي كانت أخطر من الفيروس ذاته.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق – أيضًا – إلى أن القنوات التلفزيونية العربية في هذه الظرفية الخاصة قد انفردت إعلاميًّا في التعامل مع الأزمة ولم تشرك إلا قليلاً الجهات المسؤولة على توضيح تطورات الأزمة وما ستؤول إليه لاحقــًا، وبهذا طغى على هذه التغطية طابع “الإبلاغ” و”الإخبار” عوضًا عن التحليل والمناقشة لإضاءة الجوانب المظلمة من الأزمة.

وبالمحصلة يمكن القول: إن معالجة بعض المنابر الإعلامية لهذه الجائحة كانت معالجة جانبية لأنها ركزت على تقديم الحقائق التي يريدها بعض المسؤولين وليست تلك التي تكفل خدمة عمومية محايدة.

وتأسيسًا على ما سبق يتوجب على وسائل الإعلام ألا تكون جزءًا من صناعة القرار وإنما طرفًا مشاركًا في إعطاء تصورات عن كيفية صناعة القرار، على اعتبار أن مهمة الإعلام اليوم لا تقتصر فقط على تغطية الأخبار ومتابعتها، ولكنها مطالبة – أيضًا – بإعطاء تصورات ضمن منظور قصير أو بعيد المدى لتخفيف آثار ومضاعفات الأزمة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

وضمن هذا الفهم يبرز التحدي الكبير للإعلام العربي الكامن في كيفية الرفع من قيمة المعلومة وجودتها، وكذا تغيير فكرة الحكومات العربية نحو التسابق للاهتمام بالصحة والبحوث العلمية لاكتشاف لقاحات كفيلة بمجابهة جوائح مستقبلية أخرى.

الهوامش      


([i]) Christophe Roux Dufort: Gérer et decider en situation de crise, 2e édition, Dunod, Paris, 2009, P15.

)[ii]) Ibid, P17.

([iii]) Seerger Sellnow: Effective crisis communication: Moving from crisis to opportunity, Sage Publications, New York 2007, P35.

([iv]) Ibid, P37.

([v]) Paul Paillé: L’information au temps des crises, édition Gallimard, Paris, 2016, P57.

([vi]) Ibit, P59.

([vii]) Ibit, P60.

([viii]) Thierry Libaert, La communication de crise, édition Payot, 2011, P321.

([ix]) Ion Mitroff: Challenging crisis communication rules, Routledge, London, 2017; P14

السينما بين النص الأدبي والكتابة للشاشة

-علاقة الأدب بالسينما تكرس البـُعد الجمالي والفني.
-الرواية الأدبية تتجلى عندما تغدو منتجـًا مطروحـًا للتفكير والإدراك.
-الوفاء للشكل الفني والدرامي لروح النص الروائي من تيمة الاقتباس.
-العمل الفني يحمل كينونتين، كينونة الموضوع وكينونة المعنى الإبداعي.
-الاقتباس الجيد يعبر عن تقاطع مدركات جمالية بين العمل الفني ومتلقيه.

مقدمة
يختص الخطاب الفني في عمومه بإمكانية التحاور والترابط بين أنساقه الدالة على اختلاف ضروبها وحدودها الجمالية المتباينة، ولعل أبرز أوجه هذا الترابط وأقدمها في تأكيد الاتجاه التناصي للأنشطة الإبداعية، المزاوجة بين فنيات الرواية كجنس أدبي له مصنفات بنائية وجمالية مخصوصة والسيناريو الذي ينطوي على “أقلمة” النص الأدبي وإعادة صوغه وفق إستراتيجيات لغوية لفظية تختلف بين الشرح والتكثيف وإعادة التشكيل.

إن الاقتباس من الرواية وعالم الفكر والخيال إلى عالم الصورة والتمثيل والديكور، أوجد علاقة يشوبها نوع من التوتر أحيانـًا بين المنتج الروائي والمنتج السينمائي، جوهر التوتر هو عن مدى قدرة السينما على نقل واقع الرواية بكل حيثياته، ثم إلى أي حد يمكن التزام الصورة ومحافظتها على واقع النص الأصلي وأدبيته؟ وهل يمكن ترجمة النص الروائي المكتوب الذي وسيلته اللغة الأدبية إلى نص درامي وسيلته الصورة البصرية من دون الإخلال بروح المعنى؟

إن هذه الإشكالات التي تعيد مساءلة الكيفيات التي يغدو بها النص الأدبي عملا سينمائيًّا، هي من الجهود النقدية التي تسعى دوما في اتجاه استنطاق العلاقة بين الأدب والسينما لاستكشاف ما يجمعهما ويوفق بينهما وتلافي ما يدخلهما في صراع ويجنبهما إكراهات “المزاوجة” بين الفنون.

1-الأدب والسينما: ملامح الإحالات والتعالق التصويري
إن تناول علاقة الأدب بالسينما هو ما يدعوه المشتغلون في مجال الإعلام بعلاقة “التناص التصويري” (la relation d’intertextualité picturale)([1])، حيث يرى أنصار هذا الطرح([2]) أن التحاور والترابط الذي يصف ثنائية الرواية والفيلم هو بناء إبداعي جمالي يطرح نفسه شبكة من العلامات البصرية التي تنتظر إدراكًا جماليًّا خاصًا حتى في ثنايا اللغة([3]).

من هنا تتضح المعطيات الفنية الأولية التي تسمح بالتحول الإبداعي السلس من جنس الرواية إلى حدود نسق الفيلم، وبالإمكان أن ندرك في هذا الصدد ملامح الإحالة التي تعمل على تكريس (consécration) البـُعد الجمالي للعلامة البصرية([4])، فالأديب يتأمل الأحداث ثم يصورها على الورق، في حين يكون السينمائي مطالبًا بتحويل كل فكرة إلى حركة منظورة، ومن خلال عمليهما يبدو الاختلاف بينهما، فالأديب ينقل إلى القارئ صورة ذهنية (image mentale) أي معنى، وهو المعنى الذي يولد في الذهن الصورة، وإن كان المتأمل في نسيج كل الروايات أيا كانت جنسيتها او لغتها يجدها من دون شك حافلة بالصور، فهو من دون شك محتوى بصري محاكي([5])، وليست المحاكاة هنا غير الوعي الباطن الذي يلازم الأنا القارئة في صميم تأملاتها، كونه يحضر حضورًا شخصيًّا، فالمحاكاة بهذا المعنى، خبرة جمالية باطنية تعيشها الذات المتلقية جزئيًا وعلى مراحل([6]).

إن الصورة التي تتضمنها الرواية كجنس أدبي لا تتجلى من القراءة الأولى، وإنما تتجلى عندما تغدو معطى مطروح للتفكير والإدراك([7]).

وانطلاقًا من هذا الاعتبار، يأتي التذوق الجمالي للتعبير عن هذا المسار العميق الذي يقطعه فعل القراء (acte de lecture) ليحقق في كل مرة معنى معايشًا نتيجة مبدأ المحاكاة([8]).

هكذا يتأكد أن الفعل التصويري في الأدب سابق عن ذلك الذي ينشأ في السينما، فالروايات أنساق إبداعية دالة عامرة بضروب الصور، التي تسجل العلاقات الملموسة بين الأشياء والأحداث وتضاعف من الإحساس بوجودها، وما على السينمائي إلا ترجمة هذه الصور بطرائق تقنية ونقلها إلى المشاهد([9]).

هذا كله يفسر، بلا ريب، وقوف السينما أمام الأدب موقفـًا قاصرًا، لا يرقى إلى ولوج كل أغواره، الحقيقة التي يؤكدها كل من قرؤوا الأعمال الأدبية العظيمة ثم رأوها على الشاشة([10]).

لكن هذا الاختلاف بين الرواية والفيلم في صيغتهما، لا يعني بالضرورة تضادهما، لأن هناك الكثير مما يشتركان فيه، فكلاهما وسيلة للتعبير و”التعبير” يعني الإحساس بالشيء، يعني التصور الفرداني المنسجم لما يحسـّه الكاتب والفنان إزاء واقع معين بخاصة الواقع المتأزم، الواقع المتخلف، الواقع المريض، والتبليغ يعني القارئ بالنسبة للكاتب، والمشاهد بالنسبة للفنان السينمائي([11]). غير أن توافقهما كوسيلتي تعبير لا يقود إلى ذوبان أحدهما في الآخر، فتحويل رواية إلى فيلم سينمائي ليس بالأمر الهين، إذ لا يجب إبعادها عن خطـّها العام لأنها بذلك تفقد قيمتها وقد يفهم المشاهد ما لا يريد الكاتب إيصاله إليه.

وهكذا فالرواية قلما تصل إلى السينما من دون تغيير، على الرغم مما يبذله كاتب السيناريو من جهد، وكأن عملية الإخراج لا تتم إلا إذا تدخل المخرج في النص. ولعل هذا ما يدفع كريستيان جاك ريتورك (Christian Jacques Ritork) إلى القول: إن “المؤلف الحقيقي للفيلم هو المخرج مثلما هو السيناريست مؤلف السيناريو، فالمخرج هو المؤلف للفيلم الذي هو أصلاً عمل تمثيلي لا علاقة له بالمؤلف الأدبي”([12]).

وعلى الرغم من أن تاريخ السينما يشهد على أن أعظم الأعمال السينمائية هي التي اعتمدت على نصوص أدبية كرواية (عناقيد الغضب) لـ”شتاينبيك”، و”ذهب مع الريح” لـ”مرغريت ميتشل”، و”أنا كارنينا” لـ”تو لستوي”، و”قصر الشوق وبين القصرين” لـ”نجيب محفوظ”، و”دعاء الكروان” لـ”طه حسين” … وغيرها من الأعمال الناجحة التي اقتبستها السينما من الأدب، وهو ما يحولنا فلسفيـًّا إلى ضرورة التأكيد على أهمية الاقتباس.

إن الحديث عن تيمة الاقتباس يحيلنا إلى معاينة الكيفيات التي يتم من خلالها تأسيس الموضوع الجمالي للفيلم، ولعله من هذا الجانب تتضح أهمية الوفاء للشكل الفني والدرامي لروح النص الروائي([13])، فالموضوع الجمالي بهذا المعنى هو ذلك الموضوع المحسوس الذي لا تبقى مادته إلا إذا ظلَّ محتفظـًا بصورته، وهذه الوحدة الباطنة في أعماق “الموضوع الجمالي” بين المادة والصورة، وهي التي تجعل من “العمل الفني” أقوى تعبير عن البـُعد الإنساني من أبعاد الواقع([14]).

ويتضح في هذا المستوى من التحليل أن الاقتباس لا يعني التحويل أو التغيير أو التصرف المطلق، وإنما يعني تكييف المحتوى والشكل الفني للعمل الأصلي – النسخة المرجعية (la copie référentielle) ‒ ومعادلتها بأسلوب يختزل كل حدود المحاكاة الفنية الرئيسة لإعادة إنتاجها بما تتوافق وموضوع فني وجمالي آخر([15]).

2-الكتابة للشاشة ودلالة خبرة المعنى والأفق القصدي
ليس موضوع – خبرة المعنى – غير القيمة الجمالية والإبداعية التي تميز عملاً فنيًّا ما([16])، وليست القيمة الجمالية غير البصمة الفلسفية التي تسم الموضوع الجمالي لكونه شبيها بالذات (quasi-sujet)([17])، أي أن الفنان يحاكي عمله ويترك فيه شيئًا من ذاتيته وعالمه الذي أنتج فيه هذا العمل وعبر فيه عن شعريات بعينها([18]).

ولأن كل عمل فني يحمل كينونتين، كينونة الموضوع التي ترفض أن تختزل إلى كينونة تمثيل عارض، وكينونة معنى يدل على قيمة جمالية محسوسة في ذاتها([19]) لا تحتاج إلى نظرة نقدية حتى تكتسب مشروعية وجودها، فهي موجودة وتحتل حيزًا مكانيًّا وزمانيًّا من نسيج العمل الفني الجيد الذي يفضي إلى تلمس القيمة الجمالية المحسوسة ومعايشة المعنى الذي يبتغي المؤلف تبليغه([20]).

وقد أفضت الممارسة الفنية العملية إلى وجود “اقتباسات” متباينة للأعمال الأدبية الموجهة إلى الشاشة([21])، وهي كلها اجتهادات تتراوح ما بين الترجمة التي تتوخى تحويل النص الروائي من صورته الكتابية إلى صورته السمعية البصرية (audiovisuelle)([22])، إلى “الأقلمة” التي تعيد صوغ النص الأدبي وفق إستراتيجيات لغوية لفظية تختلف بين الشرح والتكثيف وإعادة التشكيل([23]).

وأيا كان الأسلوب المعتمد في طريقة النقل، يمكن اعتبار “المقتبس” حينها كـ”مؤلف ثان([24])؛ إذ تكمن مهمته في الحفاظ على معنى الأثر الفني وأثره في المشاهد، ولذلك وجب عليه تبني نهج عمل “المؤلف الأول” نفسه وتحصين خبرة المعنى الكامنة في ثنايا النص المرجع([25]).

ولا شك في أنه بهذه الكيفية يمكن لمن توكل إليه مهمة الاقتباس تفعيل البـُعد المقصدي للنص الأصلي، من خلال التركيز على آليات الاشتغال الداخلي للمعنى، وإذ ذاك يغدو الطرح الجمالي للعمل الفني موضوعًا محاكيًا في وعي متلقيه أولاً وأخيرًا([26])، بل يصبح “ضرورة” أمام ما يستوجبه العمل الفني من حقوق المشاهدة تجاهه، ذلك أن “حقيقة العمل الفني ثرية وملحة في الوقت ذاته، ثرية لأنها تتعلق بواقع درامي يستوجب أسلوب سرد معين، وملحة لأنها تتضمن معنى مقصدي ينبغي إدراكه”([27]).

يسفر ما تقدم بيانه عن نتيجة مهمة فحواها أن الاقتباس الجيد هو ذلك الذي يعبر عن تقاطع مدركات جمالية ما بين العمل الفني ومتلقيه، وعلى هذا الأساس تكون خبرة المعنى – التي أشرنا إليها سابقـًا ‒ جزءًا لا يتجزأ من خبرة هذه المدركات الجمالية حصرًا([28])، ويكون الاقتباس الناجح كما يقول جون برنار فراي
(Jean Bernard Vray): “هو ذلك الذي يقدم فنا يهزنا”([29]).

ولا غرو أن يكون التأثير الكبير في نفوس الجمهور مقياسًا أساسيـًا لتمييز الاقتباس الجيد، فقد أثبتت الممارسة الفنية أن أقوى الأعمال السينمائية التي اقتبست من الأدب هي تلك التي كان لها وقع كبير في نفس المشاهد، ولنا في السينما العربية بعض الأمثلة على غرار فيلم “الحرام” لمخرجه “هنري بركات”، من خلال دراما ملحمية كتب السيناريو والحوار لها “سعد الدين وهبة” عن قصة للأديب “يوسف إدريس”، وهي عبارة عن دراما صادقة تعبر عن الواقع في الريف المصري، وتتحدث – ولأول مرة ‒ عن شريحة اجتماعية معدمة من قاع السلـّم الاجتماعي، ألا وهي شريحة عمال الترحيل.

ولم يكن الفيلم مجرد تراجيديا لمأساة فردية، لكنه كان في ذات الوقت وسيلة تعرض الواقع المحيط بهذه الشخصية وفردانيتها، فقد اتخذ الفيلم منهجًا موضوعيًّا شاملاً، وذلك باعتبار أن الفن والأدب بشكل عام يتناولان مصائر الأفراد كظواهر اجتماعية وليست حكايات ذاتية منعزلة عن الواقع([30]).

أما بالنسبة لكيفية استثمار خبرة المعنى في الفيلم، فقد بدت جلية في الاهتمام الكبير بالإيحاء والتعبير عن الواقعية كصوت وصورة وإصرار المخرج على تنفيذ كل ذلك على الطبيعة، ولأجل ذلك تمت معايشة الأوساط الريفية والاختلاط بأهاليها بغية تعرّف أسلوب حياتهم ونوعية لباسهم ودراسة اللهجة الريفية وإجادتها.

ونظرًا لهذا الأسلوب الواقعي الذي قدّم به الفيلم كتبت جريدة “لوموند”
(Le Monde) الفرنسية معلقة: “… لقد أثار فيلم الحرام للمخرج بركات اهتمامًا خاصًا… كان من الممكن لهذا الفيلم أن يكون مجرد فيلم ميلودرامي، لكنه كان متميزًا لأنه حافظ على الواقعية، فكان سجلاً حقيقيًّا ليوميات المجتمع القروي الصعبة”([31]).

وفي جريدة “الآداب” (Lettres) الفرنسية، كتب الناقد الفرنسي “جورج سادول” يقول: “… إن فيلم الحرام مفاجأة كبيرة، بعدما اعتدنا على ما نراه من أفلام مصرية في المهرجانات السابقة، لقد كان طفرة، ويشاركني هذا الرأي كثيرون أعجبوا بالواقعية التي عرض بها الفيلم الحياة اليومية في قرية مصرية…”([32]).

وما يؤكد واقعية هذا الفيلم وأثره الواضح في نفس المشاهد، رؤية يوسف ادريس لثلاث سيدات يبكين بشدة بعد انتهاء عرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي الدولي سنة 1965م، الأمر الذي دفعه إلى سؤال إحداهن عن سبب هذا التأثر الشديد وعن سر حزنها الكبير على بطلة الفيلم (عزيزة) وهي من بلاد بعيدة عنها ولا تمت لها بأية صلة؟ فاندهشت المرأة وسألته عن سر اهتمامه، فأجابها أنه كاتب الرواية ويريد التوصل إلى سر ذلك الارتباط بين الجمهور وبين أبطال ووقائع العمل، فأجابته بقولها: “أنت تكتب عن الإنسان بعيدًا عن ظروف الزمان والمكان، وأنا تأثرت ببطلة الفيلم أكثر من تأثري بجارتي التي تقاربني في الزمان والمكان…”، وتلك هي أسرار المحاكاة الفنية([33]).

من هنا يتأكد أن معنى أي عمل فني لا يقف عند حدود تصنيفه، بل يتجاوزه إلى تأويله من خلال مشاركة المشاهد له والتفاعل معه على نطاق واسع من التحاور، أو ما يدعوه رومان انجاردن بـ “التجسيد” الذي يقرب المتلقي من العمل معرفيًّا وجماليًّا([34]).

هنا تتأكد الحقيقة الأساسية التي تفيد أن تداخل الفنون بعضها ببعض لا يعني نفي فن لصالح فن آخر، وذلك أن الفن يتجدد دائمًا، فالفن كائن متطور، لكنه مثل الكائنات أحادية الخلية (الأميبيا) ينقسم عندما يصير ناضجًا، فتنتج عن هذا الانقسام كائنات جديدة لها مميزاتها، لكنها تشترك حتمـًا مع غيرها([35]).

خاتمة
نخلص مما سبق إلى أن وضع الفيلم السينمائي بين النص الأدبي والكتابة للشاشة هو وضع فلسفي يتراوح بين جماليات وشعريات الكتابة، والحدود الفنية للمحاكاة الواقعية، بهذا المعنى فهو ينشد تعالقًا تشكيليًّا يغدو بموجبه الحرف علامة جمالية ضمن نسق المشهد العام.

وتغدو معه الكلمات المحاكة في إطار تصوير لغوي لقطات مصورة يرتقي بها المونتاج إلى “كادرات بصرية” ذات مغزى.

الهوامش
([1]) Pierre Rodrigo: Phénoménologie des arts, édition Gallimard, paris, 2003, p7.
([2]) نذكر من هؤلاء: جون برنار فراي، وجورج ماتيو، وجون لوك شاليمو… وغيرهم.
([3]) Jean Pierre Bru: Esthétique des arts, Armand Colin, Paris, 2001, p11.
([4]) Ibid., p13.
([5]) André Labarrére: L’écriture des stars, édition Ramsay, Paris, 2004, p63.
([6]) Daniel Crovannageli: La Passion des arts, édition du seuil, Paris, 1999, p56.
([7]) Ibid., p57.
([8]) Gérard Génette: L’œuvre de l’art, édition Payot, Paris, 2000, p16.
([9]) Jean Bernard Vray: Littérature et cinéma: écrire l’image, édition Dunod,Paris, 2003, p14.
([10]) Ibid., p15.
([11])خلفة بن عيسى، الرواية والرواية السينمائية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص9.
([12]) ثابت مدكور، في علم الجمال السينمائي، مجلة الفنون، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، عدد (9)، يونيو 1980م، ص25.
([13]) Jean Bernard Vray: L’adaptation cinématographique des testes littéraires : théories et lectures, édition Gallimard, paris, 2008, p27.
([14]) Ibid., p28.
([15]) Ibid., p30.
([16]) Jean Luc Chalimeau: Les théories de l’art, librairie Vuibert, Paris, 2002, p63.
([17]) Ibid., p64.
([18]) Ibid., p65.
([19]) Gilles Deleux: Abstraction, figuration et signification, éditions de minuit, 1988, p20.
([20]) Jean Bernard vray: L’adaptation cinématographique, Op, Cit, p51.
([21]) Ibid., p52.
([22]) Ibid., p52.
([23]) Ibid., p53.
([24]) Ibid., p54.
([25]) George Mathieu: Ecrire pour le cinéma, édition Dunod, Paris, 2000, p18.
([26]) Ibid., p21.
([27]) Ibid., p23.
([28]) Ibid., p33.
([29]) Ibid., p35.
([30]) Jean Bernard vray: L’adaptation cinématographique, Op, Cit, p72.
([31]) عفيف البهنسي، السينما والواقع: دراسة في خبرة الجمال، دار الشؤون العامة، بغداد، 2004م، ص92.
([32]) Renée Bouversse: récits cinématographiques: essai sur problème dela réalité, édition Armand Colin, Paris, 2002, p86.
([33]) Ibid., p87.
([34]) توفيق سعيد، السينما العربية: الاستيطيقا والفن، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2005م، ص12.
([35]) رومان انجاردن، العمل الفني الأدبي، ترجمة أبو العيد دودو، منشورات مختبر الترجمة والمصطلح، الجزائر، 2007م، ص410.

الإعلام الثقافي العربي: الرهانات والتحديات

-الثقافة انعكاس لطموح واستشراف الأمم على اختلاف انتماءاتها.
-الإعلام الثقافي العربي سجل تراجعـًا في محتواه وأسلوبه مع انحسار العمل الأدبي.
-يؤدي الإعلام الثقافي دورًا مؤثرًا في حياة الشعوب والأمم، فهو الداعم للمعرفة وركيزة النقد ووسيلة نقل التراث الاجتماعي.
-معظم البرامج الإعلامية الراهنة برامج إعلامية تثقيفية وليس إعلام ثقافي داعم لثقافة الإنسان.

المقدمة
يرتبط تطور المجتمعات البشرية وإنجازاتها الحضارية والفكرية بتطور معنى الثقافة، فثقافة المجتمعات البدائية ليست هي ذات الثقافة التي ظهرت مع المجتمع الصناعي ولا تلك التي تقترن بمجتمعات ما بعد الحداثة (postmodernes)، حيث سيادة العلوم والمعارف وحظوة المخترعات التكنولوجية.
إن الثقافة بالمعنى السابق هي انعكاس لطموحات واستشرافات الأمم على اختلاف انتماءاتها العرقية والدينية، وهي محصلة ما يتزود به الإنسان من معارف وعلوم، وما يحققه لإدراكه وفكره من تقدم وعمق.
وفي هذا الإطار يؤدي الإعلام الثقافي دورًا رياديًّا في تشكيل وتدعيم اتجاهات الأفراد وآرائهم إزاء قضايا الفكر والإبداع والثقافة، بل إن هناك من المفكرين من يربط تطور الوعي النقدي الفكري وانتعاش الثقافة في مجتمع ما بمدى تطور وفعالية الإعلام الثقافي في ذلك المجتمع([1]).
وحرّي التأكيد في هذا السياق أن الإعلام الثقافي العربي قد سجل تراجعًا في محتواه وأسلوبه مع تراجع وانحسار العمل الأدبي النقدي الهادف الذي قادته أسماء كبيرة مثل: طه حسين، وأحمد حسن الزيات، وزكي نجيب محمود، ومصطفى صادق الرافعي، وميخائيل نعيمة، والعقاد … وغيرهم، ممن أثروا الساحة الثقافية والنقدية بأفكارهم التي أوجزت فلسفة معرفة الحياة وكيف نفوز بها، وقدمت للبشرية أسباب تحقيق النجاح والنصر في هذه الحياة وأكدت على أهمية الإرادة والحيوية في تخطي الصعاب وتجاوز العراقيل، وأبانت بوضوح أثر الأخلاق في الوقاية من حالة الانكسار والضعف الذي تعرفه الأمة العربية حاليـًّا.
وحتى نفهم كيف ساد الإعلام الثقافي آنذاك وكيف استطاع أن يدقق في عرض موضوعات شتى بعيدًا عن النوازع الذاتية والتهويمات الشخصية، كان لزامًا علينا أن نتساءل عن معنى الإعلام الثقافي؟ أساسياته؟ وما أهم الرهانات والتحديات التي يواجهها الإعلام الثقافي عربيًّا؟.

الإعلام الثقافي: المفهوم والأبعاد الدلالية
الإعلام الثقافي، هو ذلك الجزء الخاص من الإعلام الذي يهتم بقضايا الثقافة وأسئلة الإبداع، ويناقش قضايا وهموم المعرفة ويطرح أسئلة وإشكاليات الحضارة والهوية وأبعاد الرقي والتطور([2]).
بهذا المعنى يكون للإعلام الثقافي دور مؤثر في حياة الشعوب والأمم، فهو الداعم للمعرفة وركيزة النقد ووسيلة نقل التراث الاجتماعي عبر الأجيال، بالإضافة إلى كونه منظومة لترسيخ القيم الإيجابية وكل ما من شأنه خدمة المجتمع وتحقيق برامجه في التنمية والثقافة، من خلال خطط آنية ومستقبلية وفي إطار رؤى عقلانية ومتأنية([3]).
ها هنا يتبدى الطابع الشمولي للإعلام الثقافي وتتأكد رؤيته الواسعة لمجالات بناء القناعات وتشكيل الرأي، فالإعلام الثقافي ليس لقاءً حواريًّا لمرة واحدة، ولا جلسة نقاش أو قدرة فكرية تمرُّ كعابر سبيل، ولا مقالة صحفية ناقدة سرعان ما يخفت واقعها، إنما هو إعلام يلاحقنا أينما تواجدنا: في الشارع، والبيت، والمدرسة، والجامعة، ووسائل المواصلات، والنوادي، والتجمعات العديدة اليومية، وأحيانـًا أماكن العمل، فالإعلام الثقافي هو كل كتاب جديد يحمل في طياته مادة علمية أو أدبية راقية، وكل إصدار أو منشور يستبطن فكرًا ثقافيًّا هادفًا، وكل ملتقى أو مؤتمر يطرح أفكارًا ويناقش قضايا ومسائل تؤدي إلى مستوى رفيع في الأداء والوعي الثقافي لدى المشارك والمتلقي والمهتم([4]).
مما سبق، يتضح أن الإعلام الثقافي هو ذلك الإعلام المتخصص الذي يوحد بين الثقافة كمضمون وبين الإعلام كوعاء يقدم من خلاله المضمون الثقافي، مستفيدًا من إمكانات الإعلام ووسائله، وهنا تتأكد العلاقة الوثيقة بين الثقافة والإعلام، وتتأكد معها وحدة الهدف القائمة على توصيل المعلومة، فلا ثقافة من دون إبلاغ وتعبير عن محتواها ولا إعلام جيد من دون ثقافة تؤازره([5]).
ولأن الإعلام الثقافي يضطلع في المقام الأول بمهمة نشر الوعي العلمي والمعرفي في أوساط المجتمع، وكذا تنمية المواهب والقدرات الفكرية لدى الأفراد كان من أساسياته الجوهرية أن يعمل على:
-النهوض بالإنتاج الفكري، من خلال تشجيع وإبراز كل أشكال الإبداع والابتكار الفكري، الفني والمادي، ونشره وتوزيعه على أوسع نطاق بين البشر([6]).
-تفجير الطاقات الإبداعية الكامنة في الأشخاص وتمكينهم، كل من موقعه، من الإسهام في الارتقاء بمستوى الثقافة وتهذيب الذوق العام، وحث الجماهير على التفاعل مع كل إنتاج فكري متوازن.
-تبسيط العلوم ونشر الثقافة العلمية ومحاربة الجهل والخرافة وغيرها من المظاهر البالية التي تغرق الشعوب في أوهامها وخرافاتها.
-التأكيد على أهمية الأسلوب والنهج العلمي في حل المشكلات، ومحاربة كل معوقات التقدم والتطور العلمي.
على هذا النحو تؤدي هذه المقاصد إلى تدعيم ديموقراطية الثقافة، وهو ما تعثر الإعلام الثقافي العربي في بلوغه.

رهانات وتحديات الإعلام الثقافي العربي
يعزي النقاد المعاصرون تراجع دور الإعلام الثقافي بالوطن العربي إلى عدم قدرته على التأثير في المجتمع وعدم تمكنه من تقديم ثمرات الفكر والفن والعلم على أوسع نطاق، فالمحتوى الثقافي الذي لا يدفع إلى مزيد من التفوق والإجادة هو محتوى  ‒ وفقًا لهؤلاء النقاد ‒ فارغ لا يعمل إلا على إلهاء المتلقي وصرفه عن قضايا جادة وعميقة([7]).
وما يصدق على الإعلام الثقافي المكتوب في هذا المجال، يصدق أكثر على البرامج الثقافية في التلفزيون باعتباره الوسيلة الأنجع لتحقيق التكامل بين فروع الثقافة المختلفة([8]).
فالبرنامج الثقافي الصحيح، هو البرنامج الذي يعمل على الارتقاء بمستوى الثقافة من خلال تبسيطها وجعلها مفهومة، وهذا يستوجب وجود سياسة إعلامية ثقافية هادفة ترتكز على إيجاد توازن بين الأنماط الثقافية شفوية ومكتوبة، مسموعة ومرئية، كلاسيكية ومعاصرة، علمية وفنية.
إن التأكيد على فكرة ارتباط البرامج الثقافية بمفهوم الثقافة لا يبرر بأي حال من الأحوال خلطها بالبرامج التعليمية، فهذه الأخيرة ترتبط بمفهوم التعليم وما يتطلبه من مضامين توجه إلى الكبار في قضايا تتصل بمحو الأمية، أو تعليم اللغات أو التدريب على بعض المهارات([9]).
من هنا كانت الثقافة كما يقول الدكتور طه حسين أوسع من التعليم، وأن كل متعلم ليس مثقفـًا بالمعنى الدقيق للكلمة، وهو الرهان الذي يجعل معدي هذا النوع من البرامج أمام جملة من التحديات، أهمها:
-كيفية بلوغ مستوى ثقافي يؤهل المعد لتقديم برنامج ثري ومفيد، فلا يكون مجرد معد ومقدم بسيط للمادة الثقافية، بل عليه أن يقوم بإثراء وتطوير المادة المراد إيصالها للمشاهد.وفي هذا الخصوص تصبح الثقافة الواسعة والخبرة بالنسبة لمعد البرنامج أهم من المؤهل الأكاديمي.
-أن يتسم معد ومقدم البرنامج بحبـّه وتفانيه في تقديم المادة الثقافية، وهو ما يستلزم بالضرورة أن يكون مثقفـًا وعلى درجة كبيرة من الاطلاع تؤهله لتقديم برنامج ثقافي هادف.
-أن يكون ذو شخصية رزينة، عميقة الفهم، جديرة بالثقة، قادرة على كسب احترام الجمهور، توحي بالعمق الذهني والحضور اللافت.
ولا يرتبط الحضور بمجرد الاهتمام بالمظهر الخارجي والأسلوب واللغة، بل يرتكز بالأساس على ما يمتلكه المقدم من مهارات وقدرات إقناعية، وتصبح هذه المسألة مهمة جدًّا في التلفزيون لأن المشاهد سرعان ما يكتشف ويفرق بين المقدم المتمكن الناضج المتوازن وبين النجم التلفزيوني الذي يلمع فقط من فوق السطح.
-أن يكون ذو بديهة حاضرة، فيقدم المادة الثقافية بكل بساطة ووضوح، بعيدًا عن كل تصنع ومغالاة في عرض الأفكار الثقافية.
-عليه أن يعرف جيدًا طبيعة الشريحة الاجتماعية التي يتوجه إليها، مع توسيع قاعدة البرامج الثقافية ذات الطبيعة الجماهيرية.

خاتمة
بالعودة إلى الضوابط السابقة تفضي المعاينة النقدية لواقع الحال إلى وجود برامج إعلامية تثقيفية وليس إعلام ثقافي عربي داعم لثقافة الإنسان العربي الباحث عن ذاته وعمـّا يحقق له وجوده في إطار العولمة وسيطرة الآخر على أساسيات الفكر.
إن التحدي الكبير الذي يواجه هذا النوع من الإعلام في منطقتنا العربية هو كيفية الحياد عن الرداءة الثقافية التي تبثـّها الفضائيات إلى جمهور عريض يظن نفسه قد أصبح مثقفـًا، وتبقى هويتنا في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز الذي يشكل مع غيره من المقومات التغيير المطلوب.

([1]) Serge Grazioni, La communication culturelle,édition Payot, Paris, 2010, p7.
([2]) عبد الله تايه، الإعلام الثقافي في الإذاعة والتلفزيون، منشورات دار المجد، رام الله، 2006م، ص5.
([3]) المرجع السابق، ص6.
([4]) Pierre Antoine Pntoizeau, La communication culturelle, édition Armond Colin, Paris, 1992, p11.
([5]) Ibid., p12.
([6]) مصطفى المصمودي، النظام الإعلامي الجديد، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1985م، ص198.
([7]) عبد الفتاح فرغلي، الإعلام الثقافي العربي. أي مستقبل؟، عالم الكتب، القاهرة، 2010م، ص8.
([8]) المرجع السابق، ص9.
 ([9])سهير جاد، البرامج التلفزيونية والإعلام الثقافي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987م، ص73.

السينما والطفل في الوطن العربي

سينما الطفل لا تعني برامج الرسوم المتحركة بل هي أعمال فنية متكاملة منتجة خصيصًا لهم.
الفيلم الموجه للطفل هو رسالة تربوية قبل أن يكون مضمونـًا ترفيهيًّا.
اتجه القائمون على قطاع الثقافة في الحكومات العربية إلى تنظيم المهرجانات الدولية للطفل لتعويض غياب ثقافة “سينما الطفل”.

مقدمة
إن الحديث عن علاقة السينما بعالم الطفولة في المنطقة العربية يعني التأكيد على إحدى أوجه النقد الثقافي البارزة في الساحة الفنية العربية والمتعلقة أساسًا بالمفارقة والهوة الماثلة بين نموذج فني غير متحقق عربيًّا، وهو سينما الأطفال بوصفها نوع خاص يحتاج إلى كتابة سيناريو ومعالجة فنية متخصصة، وبين السينما التي تتطلب حضور الطفل، كطرف فاعل أو ثانوي ضمن طاقم التمثيل.

وضمن هذا التضارب في إنتاج الواقعة السينمائية المتعلقة بالطفل، يتأكد قصور السينما العربية في إنتاج أفلام توعوية للصغار، وتتأكد معه المصادفة التي أدت دورًا في إيجاد أفلام وظف فيها أطفال صغار لجذب المشاهد وإحداث الطفرة السينمائية، وهو ما أسفر عن ظهور أبطال متميزين استطاعوا ترسيخ أدوارهم في أذهان الناس بما قدموه من أعمال إبداعية متفردة.

إن هذا الإسهام المتميز للطفل في السينما العربية يضعنا أمام إشكال جوهري ومنهجي: إذ كيف لهؤلاء الصغار الذين اثبتوا وجودهم في عالم السينما، بل وأسندت إليهم أدوار البطولة المطلقة، ألا يكون لهم سينما خاصة توافق نموهم النفسي والعقلي والخُلقي وتحوز الشروط التي يتطلبها مستقبلهم؟

-سينما الطفل: المفهوم وخصوصيات النوع الفني:
يجمع المهتمون بمجال سينما الأطفال في العالم على أن التحديد الدقيق لخصوصيات هذا النوع الفني إنما ينبع من فـَهم المصطلح ذاته، فسينما الأطفال خلافـًا لما هو رائج لا تعني برامج الرسوم المتحركة ولا العروض التي تستهوي الأطفال من حوارات أو كرتون أو عرائس تشخيصية أو مهرجانات سينمائية يتم فيها عرض أفلام سينمائية على الأطفال، بل هي أعمال فنية متكاملة منتجة خصيصًا لجمهور الأطفال.

إن التأكيد على جمهور الأطفال يعني التركيز على متطلبات هذه الشريحة، وهو ما يستلزم كتَّاب سيناريو متخصصين في إعداد نصوص درامية مواتية لهم([i])، نصوص يفترض أن تتضمن كل مقومات العمل السينمائي من حبكة، صراع، وشخصيات، ثم النهاية التي تأتي لختام الأحداث بشكل منطقي قادر على تمكين الطفل من مهارات التفكير النقدي المبدع([ii]).

يتضح مما سبق أن الفيلم الموجه للطفل هو رسالة تربوية قبل أن يكون مضمونـًا ترفيهيًّا، وهو إسهامًا فنيًّا جماليًّا على تزويد الطفل بأسباب وممكنات تحمل أعباء الحياة الشخصية والعامة بنفسه من دون مساعدة الآخرين، وأن يكون قادرًا على اتخاذ القرارات المهمة في الأوقات اللازمة([iii]).

لهذه الاعتبارات يفترض في الفيلم الموجه للطفل أن يكون حاملاً لقيم اجتماعية وعرفية وإنسانية سامية كفيلة بتنشئة رجل الغد القادر على التمييز بين الأمور والحكم عليها،  وألا يكون الفيلم مجالاً لإلهاء الطفل بمجرد لقطات استعراضية مشحونة بأطياف الخيال المقوض لمداركه العقلية والذهنية، وذلك هو جوهر التوصيات التي ألحَّ عليه أول مؤتمر دولي لأفلام الطفل المنعقد في فنيسيا عام 1950م، والذي عرّف سينما الطفل: “بأنها تلك الظاهرة الفنية التي تنشأ من خلال دراسة ومراعاة نفسية وسلوك الطفل وكذا مراحله العمرية، فأفلام الطفولة العادية والتي تخصُّ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (7 ‒ 12) سنة تختلف في مضامينها ومواضيعها المعالجة عن أفلام سنِّ المراهقة الموجهة لفئة من يزيد سنها على (12) سنة، حيث يبدأ نمو مداركهم الفكرية وتبدأ مشاكل الحياة تنفتح أمامهم، وأمام هذا الوضع لا يجب على هذه الأفلام أن تكون أداة لإثارة أحاسيسهم الجنسية والعاطفية، بل عليها أن تكون مقياسًا للتمييز بين السلبي والإيجابي، القبيح والجميل، النافع والضار، وهو ما من شأنه إعداد النشء إعدادًا سليمًا من جميع النواحي: النفسية والعقلية والفكرية بالإضافة إلى تنمية مهاراته وقدراته وإشباع حاجاته وصقل مواهبه وتشجيعه على ممارسة النقد في مختلف الوضعيات والأوقات”([iv]).

من هنا ترسخ معنى “سينما الأطفال” في المشهد الثقافي والفكري دالاً على عمل فني إبداعي موجه للطفل، سواء كان من الكرتون المعالج بطرق بالغة الحداثة من فن الجرافيك أو كان من الدمى المقلدة لصور شخصيات حقيقية، أو كان فيلمًا عاديًا بطله طفل مثل ثلاثية “وحدي في المنزل” الشهيرة([v]).

2-واقع سينما الطفل في العالم العربي:
إن مصطلح – سينما الطفل ‒ كما حددناه آنفـًاا غير موجود في الوطن العربي، على الرغم من ظهور مبادرات فردية لتكريسه، مثل مسلسل “بكار” للمخرجة الدكتورة منى أبو نصر، والذي لم يلق الرواج المنتظر.

على هذا النحو غيبت سينما الطفل في العالم العربي، وغاب معها كل مشروع للنهوض بأحلام الطفل وما يتطلع إليه مستقبلاً، وفي هذا الإطار أصبح الطفل ملزمًا بأحد الخيارين:

إما أن يتجه لمشاهدة أفلام الكبار – الكوميدية ‒ غالبًا، أو انتظار فيلم أجنبي تعرضه صالات السينما العربية، حيث تلقى الأفلام الأجنبية من مختلف الجنسيات اقبالاً كبيرًا لفئة الصغار.

ويرجع النقاد والمشتغلون في قطاع السينما غياب الفيلم الموجه إلى الطفل في العالم العربي إلى جملة من الأسباب، من أهمها:

-أزمة نصوص درامية، على الرغم مما يزخر به التراث العربي من كلاسيكيات الأدب والقصص القديم الهادف.

-عدم وجود مؤسسات متخصصة لعمل هذه الأفلام، بالإضافة إلى ندرة الكوادر المدربة على صناعة هذا النوع من الأفلام.

-غياب سياسة تشجيعية لتحفيز إنتاج هذا النوع من الأفلام في ظلّ منافسة الإنتاج الأجنبي الذي يتسم بأنه متوافر ورخيص، لذا أضحى شراء الفيلم أسهل من إنتاجه.

-عدم وجود جهاز مختص لتمويل وتسويق هذه الأفلام على الرغم من أن دراسات السوق أثبتت وجود عائدات هائلة في هذا المجال.

-قلة الأماكن المخصصة لعرض أفلام الطفل، ويعدُّ فيلم “الأميرة والأقزام السبعة” الذي لم يدم عرضه أكثر من أسبوعين في القاهرة خير مثال على ذلك.

ونظرًا لغياب ثقافة “سينما الطفل” في الوطن العربي، اتجه القائمون على قطاع الثقافة في الحكومات العربية إلى تعويض هذا النقص بتنظيم المهرجانات الدولية لسينما الأطفال، مثل مهرجان القاهرة لسينما الأطفال الذي تمَّ تأسيسه لأول مرة عام 1990م واستمر إلى عام 2011م، وفيه تمَّ عرض أكثر من (37) فيلمـًا كان معظمها أجنبيـًّا.

وفضلاً عن هذه الاحتفاليات الخاصة بالأطفال فقد تمَّ تكريس هذا الاتجاه الفني بتكثيف حضور الطفل في السينما، وهو الوضع الذي صنفه النقاد ضمن مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي كان فيها الطفل بطلاً للفيلم ومحركـًا رئيسـًا لأحداثه، ويمكن التأريخ لها باكتشاف اللبناني إلياس مؤدب “النجمة فيروز” وتقديمها إلى المنتج أنور وجدي الذي صنع منها “نجمة شباك” في العديد من الأفلام مثل: “ياسمين” و”فيروز هانم” و”ذهب”، ثم تلتها أفلام أخرى شارك فيها أطفال مثل: “نيللي”، “لبلبة”، “إيناس عبد الله”، “دينا عبد الله”… وغيرهم.

وما يميز أفلام هذه الحقبة هو أن الطفل الممثل بقي طفلاً بكل ملامح الطفولة وبراءتها وشقاوتها، وهو ما أوجد الاستثناء الفني لأفلام تلك المرحلة.

المرحلة الثانية: وفيها لجأت السينما إلى تقديم الطفل بمنظور جديد ومغاير، حيث تمَّ إلزامه بتقليد عالم الكبار على الرغم من صغر سنه مثل ما حدث مع الطفلة “مها عمار” في أفلام “خالتي فرنسا” و”سيب وأنا سيب” والطفلة “جنا نصرت” في أفلام “سامي أكسيد الكربون” و”حصل خير”، حيث تمَّ في كل هذه الأعمال إهدار الطفولة من خلال إرغامها على تقليد حركات الكبار واستخدام ألفاظهم وتفاصيلهم، وهو مظهر من مظاهر التجني على الطفولة([i]).

وهكذا عادت السينما العربية والمصرية تحديدًا إلى الخلف، فبعد أن كانت “سينما الطفل المعجزة” أصبحت “سينما الأطفال المبتزة”([ii]).

فمع كل ما أنتجته السينما العربية من أعمال، فإننا لا نكاد نجد فيلمًا كاملاً للأطفال، وهو ما يعني عدم وجود منتج فني واحد يدخل عالم الأطفال ويتحاور مع أحلامهم ويغذي خيالهم ويطعّم سلوكاتهم بالقيم التي تحثـّهم على النقد والتمحيص وتحمل المسؤولية في ظل القيم التنافسية للعولمة والغزو الثقافي.

تأسيسًا على ما سبق، تتعرض سينما الطفل في الوطن العربي لكثير من السجال والمساءلة، لأنها لا تستجيب في توجهاتها لخصوصيات النوع الفني الذي يميز هذا الضرب من السينما([iii]).

فمجمل القول إن سينما الأطفال لا تعني أفلام عن الأطفال، بل أفلام للأطفال بكل ما يتضمن هذا المبدأ من اطلاع على عوالم الطفل السيكولوجية والاجتماعية والمعرفية والأخلاقية، وهذا ما يبرر نجاح بعض الأفلام الأجنبية، مثل: (Harry Potter وPeter Pan)، وقد حققت سلسلة هذه الأفلام نجاحات تجارية كبيرة جدًّا في أمريكا والعالم، حيث بلغت إيرادات الجزء الأول من سلسلة “هاري بوتر” والذي حمل عنوان: “هاري بوتر وغرفة الأسرار” مبلغ (318) مليون دولار أمريكي، وذلك في أمريكا وحدها، ما وضع “راد كليف” على قائمة أغنى الشباب في بريطانيا([iv]).

خاتمة
نخلص مما سبق إلى أن سينما الطفل هي ذلك الموقف الفني الإبداعي الذي يتوجه إلى فئة النشء فيصوغ همومها ويبلور تطلعاتها ويعكس آمالها في غد واعد، فهي إذن ليست مجرد أداة لإعادة إنتاج واقع الطفل من خلال استغلال ظهوره على الشاشة، بل هي آلية مثلى لكيفيات استلهام القيم التراثية في التعامل مع معطيات العصر لغاية فضلى سامية تروم إعداد الإنسان الذي هو الركيزة الأساسية في إحداث النهوض والتنمية في أي مجتمع.

الهوامش

([1]) René Gardies: l’enfant et le cinéma; édition Armand Colin, Paris, 2010, p39.

([1]) Ibid., p40.

([1]) Jacques Roncière : les genres cinématographiques, Seuil, Paris, 2013, p49.

([1]) سمير فريد، سينما الأطفال، المجلس العربي للطفولة والتنمية، القاهرة، 1994م، ص177.

([1]) Jacques Roncière: les genres cinématographiques, Op,Cit, p56.

([1]) يعقوب الشاروني، سينما الأطفال في مصر والعالم العربي، المركز القومي المصري لثقافة الطفل، القاهرة، 2017م، ص25.

([1]) محمد برهوم، سينما الطفل بين الماضي والحاضر، دار الشرق للنشر والتوزيع، 2012م، ص11.

([1]) نفس المرجع، ص12. ([1]) René Gardies: l’enfant et le cinéma; Op. Cit, p52.




ترجمة الدراما التلفزيونية الأجنبية في الوطن العربي: الراهن والمأمول

مقدمة

تشير المعاينة النقدية الأولية للبرامج التلفزيونية العربية إلى تنامي حصة الدراما التلفزيونية الأجنبية المترجمة مقابل الإنتاج المحلي، وهو ما يجعل من المشهد الإعلامي العربي موضع كثير من النقد والمساءلة الفنية والثقافية، بعض أوجه هذا النقد تتعلق بالوقوف على أسباب تراجع الدراما العربية المحلية بعد أن سادت في سنوات القرن الماضي، والبعض الآخر يدور حول مدى قدرة هذه الترجمة على بناء المعاني الاتصالية التي يستوجبها التلقي في الثقافة العربية، وهي الانشغالات التي تبلورت عمليـًّا في صيغة الإشكالات الآتية: هل تستجيب هذه الترجمة للضوابط الفنية والاحترافية التي تكفل عملية النقل الوفي والجيد للمضامين الأصلية للأفلام؟ وهل ترتقي هذه الترجمة إلى مستوى الرهانات التي ينتظرها المتلقي العربي؟ وإلى أي مدى استطاعت الشركات العربية المتخصصة في الترجمة والدوبلاج أن تنتج توافقـًا فنيـًّا دراميـًّا يتناسب بنفس القدر مع جودة العمل الأصلي ويحافظ على المصداقية الفنية للنسخة المرجعية؟

إن الإجابة عن هذه الإشكالات تقتضي من دون شك ضرورة وضع هذه الترجمة في إطارها المعرفي والعلمي المحدد لأساسيات عملها وضوابط اشتغالها، الأمر الذي يستلزم إجرائيـًّا التطرق إلى خصوصيات الترجمة “السمعية البصرية”، ومقتضياتها العلمية وشروطها العملية.

1-الترجمة السمعية البصرية: المدلول والأبعاد المفاهيمية

تندرج الترجمة السمعية البصرية (la traduction audiovisuelle) ضمن الترجمة لوسائل الإعلام الجماهيرية (Mass translation) وهي تختصُّ بمهمة ترجمة الأفلام والبرامج التلفزيونية وكل إنتاج سمعي أو سمعي بصري أجنبي(1)، الأمر الذي دفع بعض المتخصصين مؤخرًا إلى توسيع الأطر المفاهيمية لهذا الضرب من الترجمة ليشمل الوسائط الحديثة كالويب والأقراص المدمجة، وهي الأدوات الحديثة التي صاغت المكون السياقي الجديد لمفهوم ترجمة “الملتيميديا” (la traduction multimédia)(2)، حيث تتجلى مختلف أوجه التفاعل والتداخل بين الاتصال اللغوي وغير اللغوي.

ومتى جنحنا إلى التاريخ لهذه الترجمة كممارسة احترافية وجدناها ترتبط بالبدايات الأولى للسينما، حيث كانت في شكل “تكييف” (adaptation) يتم بمقتضاه شرح وتأويل لقطات السينما الصامتة في تلك الفترة(3)، ولكن مع انتعاش السينما العالمية وظهور الحاجة إلى تسويق الإنتاج السينمائي على نطاق واسع لتحقيق الربح من جهة والترويج لثقافات الشعوب من جهة أخرى انتشرت ظاهرة ترجمة المسلسلات والأفلام الأجنبية وهي ترجمة تتسم بأنها “ترجمة قياسية تحيد عن المكافئ اللغوي لتعمل على مسألة المعادلة الثقافية التي تتوخى التأثير في المتلقي(4).

وعلى ذلك، فإن التمييز بين هذه الترجمة وما سواها يكمن في أنها ترجمة انتقائية (sélective) بامتياز، يتم أقلمتها واختصارها وإعادة صوغها، الوضع الذي يفضي إلى جملة من الإستراتيجيات الإعلامية والتخاطبية كالشرح والتكثيف والنشاطات كالمراجعة وإعادة التشكيل(5).

يتأكد مما سبق أن هذه الترجمة أعقد من مثيلاتها، فهي تخضع لأنظمة دلالية/بصرية ولسانية مختلفة تتفاعل فيما بينها لتشكل شكلاً متكاملاً يأخذ في الاعتبار أصناف وأساليب الأفلام والمسلسلات المترجمة من جهة وطبيعة الجمهور المتلقي في خصوصياته السوسيوثقافية، عاداته وآفاق انتظاراته(6).

وفي خضم هذا التشعب المليء بالصعوبات والمحفوف بالمفارقات تفرض هذه الترجمة من دون غيرها إلزاميـًّا ضرورة مراعاة أربع مسائل رئيسية ومفصلية، هي:

أ-مسألة العلاقة بين الصورة والصوت.

ب-مسألة العلاقة بين اللغة المنقول منها واللغة المنقول إليها.

ج-مسألة العلاقة بين النظام الملفوظ والنظام المكتوب.

د-مسألة المواكبة الثقافية بخاصة عندما يتعلق الأمر بترجمة رموز التراث الأسطوري واللامادي للشعوب(7).

إن الحديث عن إكراهات هذا النوع من الترجمة يفيد بأنها ترجمة منفردة ومتميزة تقتضي استجماع كثير من القواعد المعيارية لتوليد المعنى بطريقة صحيحة ومنسجمة، إنها باختصار عمل استثماري في أساليب بلوغ الكفاية الدلالية والشمولية الممكنة للتواصل الفعال، وهو ما لا يتأتى إلا بتبني طرائق علمية وعالمية متعارف عليها.

2-طرق الترجمة السمعية البصرية

تتم الترجمة السمعية البصرية بطرق مختلفة، أبرزها:

أ-الترجمة الكتابية أو العنونة (sous-titrage)

ينبغي أن نشير في تصديرنا لهذا المبحث الفرعي إلى إشكالية الاضطراب الاصطلاحي الذي طال ترجمة لفظ (sous-titrage، sub-titling) الأوروبي ومقابله العربي الذي يتراوح بين الحواشي السينمائية، العنونة، الترجمة الكتابية أو “السترجة” وهو تعريب للفظ الفرنسي الذي يحيل في أبعاده الدلالية إلى أحد أوجه المثاقفة والحوار الحضاري بين الشعوب(8).

وفي اعتقادنا أن مصطلح “العنونة” أقرب للدلالة على المعنى الذي نرفقه بالبرنامج أو العمل الفني المترجم بأن نزيل عن متلقيه جهله باللغة في شكل عناوين تؤدي له المعنى وتظهر في صورة كتابة تحتل أسفل شاشة العرض.

ومهما يكن فإن العنونة أو الترجمة الكتابية هي ترجمة مكثفة لحوار في عمل سينمائي أو تلفزيوني أجنبي ناطق في لغته الأصلية تكون معروضة في أسفل الشاشة في اللغة المنقول إليها، وهي تعتمد إستراتيجيات الإيجاز، التركيب اللغوي البسيط والوضوح(9)؛ لأنها:

1-مقيدة بالزمن، زمن القراءة وزمن الكلام المسموع في مقابل كثافة المعلومات عبر الصور والأصوات والمصطلحات المتخصصة.

2-مقيدة بالمساحة على فضاء الشاشة، حيث يضطر المعنون إلى كتابة ترجمة ما يتلفظ به المحاور في الفيلم في مكان ضيق وفي زمن معلوم، وهي المهمة التي تزداد صعوبة بخاصة مع تبني الفضائيات لشريط الأخبار أسفل الشاشة.

3-ملزمة بأخذ المشاهد بعين الاعتبار(10).

وعلى الرغم من هذه الضوابط التي تقيد هذا النوع من الترجمة، فقد ساعدت على رواج كثير من الأفلام الأجنبية بما كانت تقدم للمشاهد من شروحات وتعليقات مكتوبة بلغة عربية فصيحة نمت ذوقه العام وجعلته يحافظ على مسافة بينه وبين محتوى الفيلم أو المسلسل، واعيًا ومدركـًا لطبيعة المضمون “الأجنبي”، ضمن مسعى يعزز الاطلاع على ثقافة الآخر مع الإبقاء على فواصل أو حواجز تحول من دون التماهي الكامل أو المطلق مع المضمون.

ب-الدبلجة أو الدوبلاج

الدبلجة (doublage) هي نوع من الترجمة التقنية تقوم على استبدال (substituer) أصوات الممثلين في الأثر السمعي البصري الأصلي – سواء كان فيلمًا أو مسلسلاً – بأصوات ممثلين يتحدثون لغة غير تلك التي أنتج بها(11).

يتضح مما سبق أن الدبلجة هي تركيب صوتي فوق آخر مستبدل في الأفلام والمسلسلات وهي وجه من التأثير والتقارب و”التطبيع” الثقافي واللغوي الهدف منه نقل لغة الفيلم الأصلية إلى لغة أخرى فيما يشبه “الترجمة الصوتية”(12)، ومصطلح “الدبلجة” ليس عربيـًّا، فاللغة إنما تبتكر مفرداتها من نسيج عطاء مجتمعها وأدائه، وبما أن الدبلجة ليس “منتجـًا” عربيـًّا بالمعنى التاريخي، فقد تمَّ استلاف المصطلح من كلمة “دوبلاج” (doublage) الفرنسية التي تشير إلى عملية تسجيل أو استبدال الأصوات في فيلم أو مسلسل في مرحلة ما بعد الإنتاج (Postproduction).

وقد تزامن ظهور الدبلجة مع تدشين حقبة “الأفلام الناطقة” وظهور الحاجة الملحة للاطلاع على سينما الآخر، وهو ما أسس في الآونة الأخيرة لحركة كبيرة في مجال دبلجة الأفلام الأجنبية في الوطن العربي، من خلال دبلجة أول مسلسل مكسيكي بعنوان “أنت أو لا أحد” عام 1991م، والذي عرف نجاحًا غير متوقع، وتلته موجة المسلسلات التركية اعتبارًا من عام 2007م.

كما شملت الدبلجة – أيضـًا – الأفلام الهندية والكورية مما جعلها أحيانــًا تحيد عن مساراتها وتنغمس في فوضى فنية وثقافية ناجمة عن عدم فهم ضوابط وإكراهات هذا النوع من الترجمة، وما لذلك من أثر في المتلقي في المجتمعات العربية.

ها هنا كان لزامـًا علينا الوقوف على إكراهات وشروط هذا العمل الترجمي والآليات التي تجعله يحقق وحدة تمثيلية فنية توجد في ذهن المؤول معادلاً مكافئــًا، وهي على وجه التحديد:

-مسألة التزامن (la synchronicité)

لقد طرحت مسألة إعمال آليات التزامن في الدبلجة سجالاً علميـًّا وفنيـًّا كبيرًا في الأوساط النقدية، فهل أن التزامن يتعلق فقط بأطر مسايرة توليد السرد والتصوير والتصويت فحسب؟ أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى القفز على الثغرات الاتصالية التي يمكن أن تؤثر في نقاء وسلامة الدبلجة، وهي النقائض التي تتجلى واضحة فيما يسميه خبراء الترجمة “بعيوب المطابقة اللغوية وغير اللغوية”(13) كتفعيل دور نبرة اللغة
(le ton du langage)، ومطابقة حوار المدبلج مع الحوار الأصلي للفيلم في بداياته ونهاياته وآثاره وانطباعاته(14)، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا في الوطن العربي نظرًا
لما يلي:

1-صعوبة إيجاد ممثلين محاورين (dialoguistes) بنفس خامات وحضور ممثلي النسخة الأصلية، الأمر الذي يؤثر في عملية بلوغ المستوى التفاعلي المفترض في سيرورة الإقناع.

2-صعوبة نقل مسألة الغيرية (Altérité) كقيمة وجودية محددة لانتماء ثقافي بعينه(15)، فالثقافة لا تتحدد باللغة فقط، وإنما هي كل متكامل منظور إليه في ذاته ولأجل ذاته(16)، وهو يشمل الأسماء والألقاب والطقوس والعادات والممارسات الدينية والعرفية، الأمر الذي يجعل مسألة نقل كل هذه الأرصدة الثقافية مهمة ليست بالهينة.

3-صعوبة إحداث الانسجام والتوافق بين مستويات القصة الدرامية ومدلولاتها من جهة وتوالي اللقطات ونوعيتها من جهة ثانية، الأمر الذي ينتج تنافر دلالي بين مضمون الصورة ودلالات الحوار – أي الجمل اللفظية – بخاصة إذا علمنا أن مكون الجملة أو المقطع التعليقي في الحوار ومكون الصورة أو اللقطة التصويرية يجتمعان في توافق دلالي ليملأ حدود الفراغ النصي في العمل الفني ويحققان ما يسميه “كاندينسكي” (Wassily Kandinsky) “بالضرورة الفنية الداخلية”(17) التي تتجه إلى الروح والوعي أكثر مما تتجه إلى العين.

واستجماعًـا لما سلف ننتهي إلى أن واقع الدبلجة في الوطن العربي يحتاج إلى كثير من المراجعة وتضافر الجهود للارتقاء بهذا العمل إلى مستوى الاحترافية التي تتوافق وأفق انتظارات المتلقي العربي وهو ما لا يتسنى إلا بالاحتكام إلى:

3-قوانين الاشتغال الجمالي والفني للدبلجة

بالاستناد إلى قوانين الاشتغال الجمالي والفني للدبلجة، يمكن القول : إن ما تقوم به بعض الدول العربية في هذا المجال هو ارتجال فني أكثر منه حركة ترجمة احترافية، وهو الوضع الذي يكشف عن الفارق الكبير بين ما هو كائن وما يجب أن يكون في هذا الإطار.

إن الحديث عن مستلزمات هذه الترجمة يعني الكشف عن جملة المعوقات التي تعترض سبيل المؤسسات العربية المتخصصة في هذا النوع من الترجمة من أجل أداء مهمتها على نحو صحيح، وهي:

-الرؤية العربية السطحية التي تعتبر الترجمة السمعية البصرية واسطة فنية أو ترفـًا جماليـًّا، متجاهلة ما توليه الدول الغربية من عناية فائقة للنسق المعرفي الكلي المؤطر لنظريات وأبحاث هذا النوع من الترجمة.

-غياب حدود التوجه المهني المنظم لهذا النوع من الترجمة، الأمر الذي يسفر عن غموض وتداخل مهام كل من المترجم (traducteur)، المؤقلم (adaptateur) والمعاين (repérateur)، وهي مهام متفاوتة في مهن الترجمة السمعية البصرية(18).

-الابتعاد عن الترجمة التي تعتمد على توظيف اللغة العربية الفصحى كما في البدايات الأولى للدبلجة، وتكثيف توظيف اللهجات المحلية، مثل اللهجة اللبنانية، والمصرية والمغربية، والخليجية في دبلجة الأفلام الهندية وهو ما أحدث لدى المشاهد العربي ما يشبه التشظي بين مضمون الفيلم الأصلي واللغة التي يعرض بها.

فبعد أن كانت الدبلجة تتم بلغة عربية فصيحة خاضعة لمراجعة وتدقيق متخصص، تلونت شاشاتنا العربية بلهجات مختلفة أقحمت عنوة في أفواه نجوم الأفلام والمسلسلات الأجنبية، الأمر الذي أساء إلى جمالية اللغة وقدرتها على الابتكار الراقي القادر على تفعيل مهارات الاتصال في هذا النوع من الترجمة، فمعلوم أنه إذا استقام اللسان، وعلا البيان، دل ذلك على حكمة الإنسان ورقي الوجدان.

خاتمة:

نخلص مما سبق إلى أن ترجمة الدراما التلفزيونية الأجنبية في الوطن العربي ممارسة قدمت للمتلقي المحلي منتوجـ،ًا يتحدث لغته ولكنها في المقابل جعلت منه كائنـًا منقسمًا على نفسه من خلال قيامها بتشطيره إلى مستمع ومشاهد منفصلين.

والحقيقة أن على المؤسسات العربية المتخصصة في هذا المجال، إذا أرادت أن تقدم من خلال هذه الترجمة ميزة فنية وثقافية للمتلقي العربي، أن تحرص على مراعاة حسـّه النقدي وذوقه الجمالي، فهما وحدهما من يحدد ممارسة القبول أو الرفض لهذا الفعل الترجمي.


المصادر
(1) Yves Gambier: la traduction audiovisuelle: un genre en expansion, édition Septentrion, Paris, 2000, p11.
(2) Idorno Ranzato: La traduzione audiovisio, Bulzoni editore, Rome, 2010, p23.
(3) Lucien Merleau: La traduction audiovisuelle: pour une classification scientifique, édition Dunod, Paris, 2012, p8.
(4) Ibid., p9.
(5) Claude Heiss: la traduction audiovisuelle dans le cinéma la télévision et la scene, édition Dunod, Paris, 2010, p50.
(6) Ibid., p51.
(7) Ibid., p52.
(8]) منار رشدي أنور، إشكالية ترجمة المنظور الثقافي في السينما، دار النهضة العربية، بيروت، 2009م، ص3.
(9) Marianne Lederer: le sous-titrage: langue et statut, édition Gallimard, Paris, 2008, p21.
(10) Ibid., p23.
(11) Louise Dumas: le doublage filmique, édition P.U.F, Paris, 2007, p33.
(12) Ibid., p35.
(13) Christian Viviani : le doublage et les transferts culturels, édition Payot, Paris, 2013, p61.
(14) Ibid., p62.
(15) Ibid., p63.
(16) Ibid., p64.
(17) Antoine Goris: The question of foreign dubling, édition Routledge, London, 2006, p29.
(18) Emmanuel Plasseraud: théorie de la réception filmique dans le monde arabe, édition Presses Universitaires du Septentrion, Paris, 2011, p71.

الاتصال ودوره في بلورة الصورة الذهنية للمؤسسة

المقدمة
يحيل الاتصال التنظيمي في أبسط تعريفاته إلى أحد أوجه الاتصال العمومي التي تختصر إستراتيجيات ومهام عمل المنظمة داخل محيطها، فهو مرآة عاكسة لسير خططها، وأسلوب مباشر لترجمة سياساتها العامة ومقياس فعال لاختبار مدى حضور الحوكمة العمومية في منهجية عملها.
ومن الجدير بالذكر أن المنظمة اليوم لم تعدّ مجرد كيان اجتماعي هادف ومنسق يؤدي مجموعة من المهام لتحقيق منافع مشتركة، بل أضحت مؤسسة ذات شخصية معنوية تروم تحقيق التفوق وبلوغ الميزة التنافسية التي تجعل منها رقمـًا فاعلاً في معادلة التنافس ورفع التحدي، من هنا اهتمت المنظمات الحديثة بموضوع تكوين الصورة الذهنية للمؤسسة لما لهذه الأخيرة من دور فعال في تشكيل الآراء وتكوين الانطباعات وتوافر السلوك الإيجابي لدى الأفراد والجماعات اتجاه هذه المؤسسات.
فما المقصود بالمنظمة في هذا الإطار؟ وكيف يسهم الاتصال التنظيمي في بلورة صورتها الذهنية؟.

الصورة الذهنية للمؤسسة لها دور فعال في تشكيل الآراء وتكوين الانطباعات لدى الأفراد والجماعات.
أصبحت المنظمات تركز في الوقت الراهن على فعالية الاتصال التنظيمي ودوره في إرساء مفهوم المواطنة التنظيمية.

1-تعريف المنظمة:

يشير مفهوم المنظمة عمومـًا إلى النظم الاجتماعية التي تعني تلك الأوضاع التي يصطلح عليها المجتمع لتنظيم العلاقات بين الأفراد في مختلف شؤونهم([i])، وقد تكون هذه الهيئة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية بحسب القواعد أو القيود التي يضعها الإنسان لضبط أشكال تفاعلاتها الإنسانية([ii]).
فمن الناحية الاجتماعية والاقتصادية، قد تخصُّ المؤسسة فردًا أو أكثر بقصد تحقيق الربح التجاري الخاص، أو قد تقوم لخدمة الإنسان والمجتمع من دون ربح، وهي التي تسمى عادة بالمؤسسة الخيرية غير الهادفة للربح.
إن الحديث عن المنظمة اليوم يعني من دون شك التأكيد على فكرة المؤسسة والفكر المؤسساتي الذي يعيد إلى الواجهة أهمية المورد البشري ونظم المعلومات والاتصال ودور القيادة الإدارية في التعامل مع محيطيها الداخلي والخارجي([iii]).
فبعد أن كانت المنظمة في سنوات ماضية تضع في أولويات اهتماماتها مسألة تسطير الأهداف ورسم الخطط والإستراتيجيات وتقسيم الوظائف والهيكل التنظيمي، أصبحت تركز في مناخ العمل على فعالية الاتصال التنظيمي ودوره في إرساء مفهوم المواطنة التنظيمية التي تجعل العنصر البشري من العناصر المهمة لاستمرارية النسق، وتجعل من المنظمة نسقـًا مفتوحًا يؤثر في البيئة الخارجية ويتأثر بها، الذي من شأنه تبني مفاهيم جديدة في إدارة الموارد البشرية، مثل مفهوم الشريك عوضـًا عن الأجير، ومفهوم القيادة الإدارية بدلاً من مفهوم المدير، ومفهوم فريق العمل عوضـًا عن الرئيس والمرؤوس.

هكذا تتحدد فكرة المؤسسة بالمعنى المطلوب في الخطاب التنموي الحديث، فهي تقوم على أساس التفكير العقلاني والترشيد والدراسة التي تأخذ بعين الاعتبار معايير الكفاءة وتوقعات المستقبل في إدارة المنظمة وتوجيهها([iv]).
وفي الواقع يمكن أن نطلق تسمية منظمة على جميع منظومات الأدوار التي تنظمها معايير وقيم وتحكمها رتب ومراكز، وعلى ذلك يبرز السلوك المؤسساتي بهذا المعنى بتوجيه “تعاقدي” أي قانون وبيروقراطية وليس نتيجة لعمل وعلاقات اجتماعية متوارثة([v]).

فتح قنوات الاتصال في المؤسسة يعني تسهيل حركة المعلومة وتعزيز التفاعل. الصورة الذهنية للمؤسسة تمثل تقييمـًا عقليـًّا لكل ما يتعلق بالمنظمة لدى الجمهور.


من هنا كانت “المؤسساتية” حالة حديثة ومتقدمة في التنظيم الاجتماعي تستجيب لضرورات التطوير الاقتصادي والسياسي والثقافي المتكامل، وهي تفرز ثقافتها الخاصة كشكل من أشكال البنية الفوقية لها.
إن الحديث عن ثقافة المؤسسة في المنطق الوظيفي والجدلي لمعنى المنظمة يشير إلى أهمية ذلك الكل المتكامل الذي يصوغ مجموع المفاهيم والقيم والاتجاهات والحقوق والواجبات التي يتعامل بها العاملون في مؤسسة ما([vi])، إنها بتعبير آخر منظومة معيارية يسترشد بها العاملون فتحدد قواعد سلوكهم الوظيفي وأنماطه وترسم وسائل تعاملهم في البيئة الداخلية للمؤسسة ومع المتعاملين الخارجيين عنها.

ونظرًا لأهمية هذا المفهوم في التصور الإداري والتنظيمي الحديث أصبح لزامـًا على كل منظمة أو مؤسسة فرض منظومة تصوراتها وقيمها على أعضائها، حتى يتمثل هؤلاء الأفراد هذه المنظومة، مما يعني أن ثقافة المؤسسة سابقة في وجودها على الأفراد الذين تتكون منهم (المؤسسة) وتفرض نفسها عليهم وتبقى بعدهم، أما عدم تمثل الأفراد لثقافة المؤسسة التي ينتمون إليها فيعني إلى حد ما استبعاد أنفسهم عن التنظيم أو عدم جدارتهم للعمل المنضبط الحديث، مما يعني فشل فكرة المؤسساتية الضرورية لارتقاء المجتمع وتقدمه.

وحتى يتم تجسيد المؤسساتية وتفعيل فكرة ثقافة المؤسسة على نحو يؤدي إلى ترشيد السلوك التنظيمي والإداري الحديث، كان لا بد من مراعاة أهمية الاتصال كحلقة فاعلة في تعزيز العمل المؤسساتي وتطويره.

2-الاتصال التنظيمي: الأبعاد النظرية والعملية:

يجمع الباحثون في مجال دراسات المؤسسات وعلم الإدارة على أن الاتصال التنظيمي هو نوع من الاتصال في المؤسسة يشير إلى أشكال العلاقات والترابط فيما بين أعضائها سواء كأشخاص في نفس المجموعة، أو كأفراد في التنفيذ أو كمسؤولين على مهام يؤدونها انطلاقـًا من خطط وبرامج محددة مسبقـًا، وتسمح لهم هذه الاتصالات بتحقيق هدفين أساسين ومتلازمين:

الأول: يتعلق بإمكانية الحياة والحركة في نفس الإطار التنظيمي، بما يوفره الاتصال من نقل لمعلومات ومشاعر ومعاني كفيلة بتحقيق الانسجام والتنسيق في الحركات بين أعضاء المجموعة، الأمر الذي يمكنهم من الاتجاه كمجموعة تكون نظامـًا أو كائنـًا حيـًا، وهو الهدف الذي تصبو إليه كل منظمة.

الثاني:  الخاص بتميز وتفوق المؤسسة وببلوغ أهدافها المحددة وعلى رأسها تحقيق الثروة، وهو الهدف الذي يحدد ضرورة وجود المنظمة وبقائها([vii]).

على هذا النحو، تتبدى أهمية الاتصال في المؤسسة، ويتجلى دور التفاعل بين أعضائها، في زمن أضحت هذه الهيئات تتجه نحو الكبر والتعقيد، وتتباين فيما بينها في أوجه تنظيمها ومستويات إدارتها وفي طبيعة مواردها المستعملة.

إن فتح قنوات الاتصال في المؤسسة يعني تسهيل حركة المعلومة وتعزيز التفاعل وإيجاد إجابات أفضل للمشاكل المختلفة، وهي كلها عوامل تدعو إلى ترقية الاتصال التنظيمي باختلاف أنواعه “الصاعد، النازل، الأفقي” من أجل بلوغ الهدف الأسمى وهو بلورة صورة ذهنية إيجابية عن المنظمة، فما المقصود بالصورة الذهنية في هذا الخصوص؟

3-الصورة الذهنية: مفهومها وإيجابياتها بالنسبة للمنظمة:

تدل الصورة الذهنية في مفهومها العام على ذلك الناتج النهائي للانطباعات الذاتية التي تتكون عند الأفراد والجماعات إزاء شخص معين أو نظام ما أو شعب ما أو جنس بعينه أو منشأة أو مؤسسة أو منظمة محلية أو دولية أو مهنة معينة أو أي شيء آخر يمكن أن يكون له تأثير في حياة الإنسان، وتتكون هذه الانطباعات من خلال التجارب المعاشة ومن خلال الخبرات المكتسبة([viii]).

ومن الجدير بالذكر أن مصطلح الصورة الذهنية، قد ارتبط في بدايات ظهوره بالمجال السياسي، وكان العالم “جراهام دلاس” أول من أشار إليه في كتابه “الطبيعة البشرية والسياسية” حيث أقرنه بحاجة الناخبين في المجال السياسي إلى تكوين صورة ذهنية لدى الجماهير، من أجل بناء وتعزيز ثقتهم فيهم، ومنذ ذلك الوقت تمَّ استخدام المفهوم وانتشر ليشمل كل مناحي الحياة([ix]).

يضطلع الاتصال التنظيمي بدور مهم في ترجمة فلسفة المنظم وثقافته.

وقد تكرست أهمية هذا المصطلح بشكل واضح في المجال الاقتصادي، حيث سارعت المؤسسات الحالية إلى البحث في كيفية إيجاد انطباع جيد عن نشاطها، وهو ما فرض عمليـًّا إلزامية الاهتمام بكل العناصر الفاعلة في تشكيل الصورة الذهنية للمؤسسة بدءًا بإطارها التنظيمي والتشريعي وانتهاءً بصورة علامتها التي تختصر الهوية البصرية لهذه المنظمة([x]).

من هنا أصبحت الصورة الذهنية للمؤسسة هي ذلك المركب الفكري الذي يحيل إلى جملة الانطباعات والمدركات الكلية التي تتضمن التعاملات الإدارية والاتصالية للمؤسسات، وأطرها القانونية، وما تقدمه من منتجات وخدمات، وكذا مظهرها التنظيمي، وما تتركه كل هذه العناصر مجتمعة من آثار في جماهيرها([xi]).
مما سبق يتضح أن الصورة الذهنية للمؤسسة تمثل تقييمـًّا لكل ما يتعلق بالمنظمة في تصوّر الجمهور، سواء كان هذا التقييم جزئيـًّا لبعض عناصر المنظمة “صورة الإدارة أو صورة العلامة التجارية أو المنتج” أو تقييمـًا للعناصر الكلية للمنظمة بكل مكوناتها وأبعادها.

في هذا المجال يضطلع الاتصال التنظيمي بدور مهم في ترجمة فلسفة المنظمة وثقافتها، فهو يعكس خططها، سير عملها، توجهاتها الاستشرافية وأهدافها المستقبلية، وهو الذي يُسهم في تحديد معاملات انخراط المنظمة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي.
لهذه الاعتبارات كلها أولت المؤسسات في الدول المتقدمة عناية فائقة لدور الاتصال داخل المؤسسة، بل وجعلته الطاقة المفجرة لكل الجهود الرامية إلى تنمية الميزة التنافسية للمنظمات، منطلقة في ذلك من حكمة أن الإصغاء الجيد يصنع منصبـًا جيدًا، وأن تبادل الرؤى التنظيمية بين فريق العمل يوفر تفكيرًا إستراتيجيـًّا محكمـًا ومتوازنــًا([xii]).

الخاتمة:
نخلص مما أوردناه سابقـًا أن المتمعن في دور الاتصال في المؤسسة الحديثة يلتمس من دون شك أنه أحد المؤشرات البارزة في تحديد الكفاءة التنظيمية، وفي تجسيد مفهومي المشاركة والحوار داخل المؤسسة، الأمر الذي يفضي بدوره إلى إيجاد ورفع الروح المعنوية لدى منسوبيها.
ورفع الروح المعنوية التي تعني تنمية مختلف الاستعدادات الوجدانية التي تساعد الموظفين على زيادة كمية الإنتاج وإجادته من دون أن يعتريهم مزيد من التعب والاكتئاب، ليتم بلوغ أهداف المؤسسة وترقية أدائها، المعادلة التي تؤكد طروحات أن للاتصال التنظيمي دور لا يستهان به في بلورة الصورة الذهنية للمؤسسة.

الهوامش:
([1]) Michel Beau Champ: Tous sur l’entreprise, édition Payot, Paris, 2002, p8.
([1]) Ibid., p9.
([1]) Ibid., p10.
([1]) Paul Weil: Entreprise et management, édition Gallimard, Paris, 2009, p21.
([1]) Philippe Cabin: L’esprit de l’entreprise, édition Gallimard, Paris, 2009, p18.
([1]) Henri Bourguinot: Les théories de la culture organisationnelle, édition Economica, Paris, 2010, p20.
([1]) Alfred Rizonaut: La communication d’entreprise, édition Gallimard, Paris, 2009, p27.
([1]) علي عجوة، العلاقات العامة والصورة الذهنية، ط2، عالم الكتب، القاهرة، 2003م، ص9.
([1]) حجاب محمد منير، الاتصال الفعال للعلاقات العامة، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007م، ص166.
([1]) Daniel Maisonneuve: Communication d’entreprise, enjeux et défis, édition Payot, 2007, p19.
([1]) Ibid., p20. ([1]) Ibid., p21.

الصحافة نمط بلاغي أولاً وأخيرًا .. الأعمال الاستقصائية والوثائقية نموذجًا

تتجه بعض الأدبيات في الفيلم الوثائقي والأعمال الاستقصائية إلى ربط هذه الأعمال الاتصالية بالبيئة العلمية البحتة. يشير عزام أبو الحمام وهو يقدم لكتابه “المنهج العلمي في الصحافة الاستقصائية” إلى أن العمل الاستقصائي في الصحافة “ما هو إلا ضرب من ضروب البحث العلمي الرصين، المرتكز إلى المنطق العقلي وإلى التفكير العلمي وأدواته وإجراءاته”(1).

في المسار ذاته يميل أيمن نصار إلى علمية العمل الوثائقي بشكل غير مباشر، وهو يحثُّ المشتغلين في الحقل الأكاديمي والباحثين العلميين بالاتجاه صوب الكتابة للأفلام الوثائقية، ثم يضيف وهو يسرد متطلبات الإعلام العلمي المتخصص، على اعتبار انتماء الأعمال الوثائقية إليه، “أنه يحتاج إلى متخصصين لديهم القدرة على الكتابة المبسطة، والحديث المرن في تناول الموضوعات المعقدة بأسلوب علمي واضح وبسيط”(2).

مع ذلك، يعود نصار ليخصص بابه الأخير عن سيكولوجية التأثير عبر الشاشة ويضمنه الحديث عن التأثير والإقناع، وعن الإبداع والجماليات والفن، ثم يختم بقوله: “لكي يكون التأثير فعالاً، ويقبل المشاهد المعلومات والرسالة، فيجب أن نصل إلى إدراك المشاهد، ونبحث عن الاحتياجات النفسية له”(3)، وفي هذا تنازل واضح عن الأسلوب العلمي البسيط، الذي دعا إليه نصار في مطلع كتابه، واتجاهه نحو الأسلوب البلاغي للاستدلال.

في المقابل، تؤكد مجموعة من ذوي المرجعيات المتخصصة في الفيلم الوثائقي مثل: (Nichols)(4) و ( Plantinga )(5) و(Spence & Navarro)(6) أن الأفلام الوثائقية بشكل عام تنتمي إلى البيئة البلاغية في الاستدلال.

“نايكلز” اعتمد على البلاغة الأرسطية في الاستدلال والتي تتعدى مرحلة الإثبات والبرهنة إلى مرحلة الإقناع، حيث يؤكد أن الصحافيين يجب أن يقوموا بأدوار إقناعية خصوصًا عندما يقدمون تقارير ذات مضامين غير متوقعة وغير معتادة، هنا يحضر الاستدلال البلاغي، والحديث لنايكلز، على الرغم من تقييدها بوساطة القواعد التي تحكم العمل الصحافي.

أما “بلانتينقا” فيبين أن جميع الأعمال اللاخيالية (Nonfiction) بما فيها الأعمال الاستقصائية لا يمكن أن تنفك عن الاستدلال البلاغي، وبعد ذلك يستدل باستخدام الفيلم الاستقصائي حصاد العار (Harvest of the Shame) والذي بثـّته (CBS) في عام 1960م للاستدلال البلاغي.

“سبينس ونافارو” ليسا استثناءً من سابقيهم، إذ يؤكدان أن الحجاج البلاغي ليس مرتبطـًا بالخطاب الشفهي، وإنما قد تقوم الصورة والموسيقى والمؤثرات الصوتية بالإسهام في العملية الحجاجية، كما أن الحجاج البلاغي يوجد في مختلف الوسائل والقوالب الإعلامية، منها: “الأفلام الوثائقية بشكل عام”، ويضيفان أن واحدة من الطرق التي تعلماها من البلاغة القديمة التي تستخدم بفعالية لإقناع المتلقي في الأفلام الوثائقية هي عرض سلسلة من الأقوال التي تؤدي إلى خاتمة معينة ونتيجة محددة، وهذا ما يسمى بالسلم الحجاجي عند المتخصصين في البلاغة واللسانيات.  

المشتغلون في النظرية الحجاجية باعتبارها مرادفة للاستدلال البلاغي والاستدلال شبه المنطقي يبينون أن وسائل الإعلام تمثل إحدى تطبيقات الحجاج في العصر الراهن. 

يقول عبد الله صولة إن كلاً من “برلمان” و”تيتيكاه”، صاحبي كتاب “مصنف في الحجاج: الخطابة (البلاغة) الجديدة”، اعتمدا من أجل بناء نظريتهما الحجاجية على “ضروب المحاججات التي يستخدمها الصحفيون في صحفهم، والسياسيون في خطبهم، والمحامون في مرافعاتهم، والقضاة في حيثياتهم، والفلاسفة في تصنيفاتهم”(7).

كما يذكر محمد الولي أن “النظرية الحجاجية التي اكتملت خلقتها مع أرسطو…..، قد أعاد فيها الباحثون الحجاجيون المعاصرون النظر في عصرنا، الذي اشتهر بفوران التواصل البشري بسبب الازدهار منقطع النظير لوسائل الاتصال: الصحافة والقنوات والإنترنت…”(8).

ويخصُّ عبد العزيز لحويدق استخدامات الحجاج الوصفي بالأفلام الوثائقية والإعلام البصري، ثم يضرب مثالاً لصور الحروب البشعة؛ بهدف إدانة مرتكبيها وفضح تصرفاتهم أمام الرأي العام العالمي(9).

ربط أساليب الاستدلال في الأفلام الوثائقية الاستقصائية بالأسلوب البلاغي في الاستدلال أو الحجاج يتبين ‒ أيضـًا ‒ من خلال المقاربة المفاهيمية بين الأعمال الاستقصائية والاستدلال الحجاجي في البيئة البلاغية، فبالنظر إلى المفاهيم المتعلقة بالأعمال الاستقصائية يتبين أنها ركزت على التأثير والإقناع.

دي بورغ (De Burgh) يرى أن الصحافة الاستقصائية تقوم على توسيع دائرة الأفكار نحو القضايا والموضوعات التي ينبغي على الجمهور الالتفات إليها والاعتناء بها ودفعهم لـِفـَهمها على نحو معين(10).

وغني عن القول إن دفع الجماهير إلى فـَهم القضايا والموضوعات على نحو معين يُعدُّ فعلاً يتجاوز البحث عن الحقيقة إلى مرحلة لاحقة متمثلة في إقناع الجماهير، وهذا لب العمل الحجاجي أو الاستدلال البلاغي كما جاء في تعريف محمد العبد للحجاج بأنه: “جنس خاص من الخطاب، يبنى على قضية أو فرضية خلافية، يعرض فيها المتكلم دعواه مدعومة بالتبريرات، عبر سلسلة من الأقوال المترابطة ترابطـًا منطقيـًّا، قاصدًا إلى إقناع الآخر، بصدق دعواه والتأثير في موقفه أو سلوكه تجاه تلك القضية”(11).

وكما اهتم محمد العبد بقضية الإقناع، فإنه اهتم كذلك بالطريقة التي توصل إليه من خلال التبريرات والحجج والأدلة المترابطة التي من شأنها دعم الدعوى التي يبنيها المتكلم حول القضية.

في الصحافة الاستقصائية لا يبدو الأمر مختلفـًا، فبالرجوع إلى تعريف جينز (Gaines) للصحافة الاستقصائية يلاحظ أن مساحة التشابه واسعة، حين يصفها بأنها: “ذلك النوع من الصحافة الذي تكون فيه الأدلة والبراهين محور الاهتمام الأول، سواء لكشف زيف الادعاءات التي يدلي بها المشاركون أو لدعم ادعاءات الصحافي التي وجهها نحوهم”(12).

في السياق ذاته يرى “دي بورغ”، أن الطريقة التي من خلالها يوجه الصحافي الاستقصائي عقل المتلقي نحو الحقيقة أهم من الحقيقة ذاتها.

مما سبق، يتضح أن الأسلوب الاستدلالي في الأفلام الوثائقية الاستقصائية يتجه أكثر نحو الاستدلال البلاغي أو الحجاجي عنه في الاستدلال في البيئة العلمية البحتة، فهو بذلك: استدلال ظني وغير ملزم، بمعنى أنه يقبل الطعن في الدعاوي التي يوردها صانع الفيلم الاستقصائي، إذا ما توافرت حجة دحضية متفوقة، كما أنه لا يقف عند حد المعرفة واكتشاف الحقيقة، وإنما ينشد الإقناع وحشد الرأي العام للتأثير في صناعة القرار وتغيير الواقع، وبالتالي فهو يتطلب جمع أكبر عدد من الحجج والبراهين التي يتطلبها السلم الحجاجي ليقوي بعضها بعضًا، بخلاف الاستدلال المنطقي الرياضي والاستدلال في العلوم البحتة التي قد تكتفي بدليل واحد، يشترط فيه اللزوم ليؤدي إلى النتيجة. 

الفيلم الوثائقي الاستقصائي وهو يتبع للبيئة البلاغية في الاستدلال (الحجاج) لا يستثني المنهج العلمي بشكل كامل من خطواته الإجرائية، شأنه في ذلك شأن الحجاج بشكل عام، ولكن كافة الإجراءات العلمية يتم عملها في مرحلة سابقة للخطاب النهائي للفيلم، بمعنى أن هناك عملية سابقة قد تحتوي المنهج العلمي قبل مرحلة الإنتاج النهائي للخطاب في الأفلام الوثائقية الاستقصائية التي تتبنى الحجاج أسلوبـًا استدلاليـًّا.

يطلق أرسطو على هذه العملية “مرحلة الإيجاد”، وهي المرحلة التي يتم فيها إعداد التقرير الأولي، والتي قد تتطلب عمل الدراسات العلمية وجمع المعلومات وتحليلها.

عمل الدراسات هنا قد يقوم بها الصحافي أو صانع الفيلم مع ضرورة أن يكون قد تلقى تدريبـًا جيدًا، أو يقوم بها أشخاص متعاونون من المؤسسات الأكاديمية والبحثية، أو تقوم بها المراكز البحثية التابعة للمؤسسة الإعلامية، مثل: مركز إنسايت (Insight) التابع للصنداي تايمز.

وفي كل الأحوال السابقة تشترط بعض المؤسسات الإعلامية أن تكون الدراسات محكمة من قبل ثلاثة أعضاء مستقلين، ونتائج هذه الدراسات في النهاية ستكون بمنزلة الحجج التي تمَّ إيجادها لدعم فرضية الفيلم الاستقصائي، والتي تأتي متجاورة مع الحجج الأخرى في السلم الحجاجي في مرحلة إنتاج الخطاب النهائي للفيلم، بعبارة أخرى، صانع الفيلم الاستقصائي يحتاج لبعض المهارات العلمية في مرحلة الإعداد، لكنه في النهاية يحتاج إلى مهارة بلاغية حجاجية في مرحلة الرواية الأخيرة للفيلم.

يوفر الاستدلال الحجاجي للأفلام الوثائقية الاستقصائية، على الرغم من العمليات العلمية القبلية، مناخـًا من الحرية المنضبطة والحيوية التي قد تفرضها النمذجة (Paradigm) العلمية على مناهجها وأساليبها، هذا الهروب من النمذجة العلمية جعل صناع الفيلم والصحافيين الاستقصائيين يفلتون من وهم الموضوعية ليستبدلوها بالاستدلالات الحجاجية، وبالتالي فإن الاستدلال الحجاجي يضمن للصحافيين وصناع الأفلام في المجالات الاستقصائية حيزًا أكبر لممارسة رؤيتهم التفسيرية للمجتمع وقضاياه، كما أنه يوفر بيئة أوسع للدراسات النقدية الفيلمية لتقييم مستوى العملية الحجاجية من خلال ممارسة الحجاج.

إن من أهم المآخذ على استخدام الاستدلال البلاغي في الأفلام الوثائقية الاستقصائية هو إمكانية استخدام ما يسمى بالدليل العاطفي (Emotional Proof) بهدف الإقناع، باعتبار أن الإقناع في البلاغة الأرسطية التي تعتمد عليها أدبيات الفيلم الوثائقي تقوم على ثلاثة أنواع من الأدلة يوردها نايكلز (Nichols) على النحو التالي:
النوع الأول: الدليل الأخلاقي (Ethical Proof)، وهو ما يفترض أن يلتزم به صانع الفيلم في معالجته للموضوع وللشخصيات من العدالة والمصداقية، ويُشعِر المشاهدين به، كما أن شهرة صانع الفيلم وموثوقية الناس به عبر الزمن، تُسهم في مصداقية العمل الجاري.
النوع الثاني: الدليل العاطفي (Emotional Proof)، وفيه تبرز قدرة صانع الفيلم على شحذ العواطف من خلال الموسيقى والمؤثرات الصوتية والمونتاج المتجاور والحركة البطيئة، بالإضافة إلى التركيز على البـُعد العاطفي في القصص التي يوردها صانع الفيلم.
النوع الثالث: الدليل البرهاني (Demonstrative Proof)، ويعني الاحتكام إلى البراهين والأدلة، مثل: الوقائع والشهود والإحصاءات والأمثلة والاعترافات والوثائق، هذا النوع تحديدًا هو لب العملية الحجاجية، ومن دونه فإن الأدلة السابقة لا تستطيع أن تقدم ما يشفع لها في إطار العملية الإقناعية.

إن استخدام الدليل العاطفي هو محل النزاع في الأعمال الاستقصائية بصفة عامة، ففي حين يؤكد دي بورغ (De Burgh) أن معايير الإنتاج البريطاني للأعمال الاستقصائية، التي يفرضها قانون التشهير، تتطلب التزام أكبر بجودة الأدلة، يذكر سبينس ونافارو (Spence & Navarro) أن صانع الفيلم الأمريكي مايكل مور (Michael Moore) في الفيلم الاستقصائي (Bowling for Columbine) لم يستطيع أن يقدم إجابة شافية من خلال الأدلة على تساؤله الأساسي: لماذا تكثر جرائم القتل في أمريكا؟ على النقيض، استطاع فيلمه أن يؤثر عاطفيـًّا وبشكل كبير على المجتمع الأمريكي.

في السياق ذاته، يشير أوكوين (Aucoin) إلى أن الأعمال الاستقصائية الأمريكية الحديثة أصبحت تركز على البـُعد العاطفي أكثر من تركيزها على ربط المشاهد بالأدلة والإثباتات، حيث وجد من خلال مقارنته أن الأعمال الاستقصائية الصحافية في منتصف القرن الماضي استطاعت أن توسع دائرة الحقيقة، بحسب رأيه، من خلال تركيزها على الأدلة العقلية، مثل: استخدام الإحصاءات أكثر من الاعتماد على القصص العاطفية للضحايا(13).

مع كل هذه الاعتراضات فإن الأفلام الوثائقية الاستقصائية على الرغم ممـّا تقدمه من أدلة، لا تستطيع أن تنفصل عن الجانب العاطفي؛ ذلك لأن الوسائل السمع بصرية، مثل: التلفزيون والسينما، لا تستطيع أن تقدم موادها فارغة من العواطف بسبب طبيعتها في التعامل مع الصوت والصورة، والمؤثرات الصوتية، وأحجام اللقطات وزواياها، والموسيقى، والمونتاج.

كما أن الواقع المراد تمثيله في قضية معينة، قد يحتوي على معاني عاطفية لا يستطيع صانع الفيلم الاستقصائي إهمالها، فالضحايا الذين يحملون قصصًا مأساوية واقعية، قد يمثلون الحقيقة أكثر من تجاهلهم كما يعتقد أوكوين، وبالتالي فإن مسألة استحضار البـُعد العاطفي تعتمد على قدرتها في تمثيل الواقع، مع ضرورة عدم طغيانها على الأدلة العقلية.

وخلاصة القول: إن الاستدلال البلاغي المتمثل في الحجاج هو الأسلوب الذي يتبعه الصحافيون وصناع الأفلام في عملية الإثبات والإقناع، على الرغم من العمليات العلمية الأولية في جمع المعلومات والتأكد منها وتحليلها، هذه العمليات الأولية، عدا أنها مطلب حجاجي في الاستدلال البلاغي، إلا أنها لا تنتج خطابـًا في حدِّ ذاتها، وإنما يستخدمها الصحافيون ويوظفونها لرواية قصصهم النهائية، من خلال تقنيات الاستدلال في الأفلام الوثائقية الاستقصائية.

المراجع
(1) أبو الحمام، عزام، (2014م)، “المنهج العلمي في الصحافة الاستقصائية”، نبلاء ناشرون وموزعون، ودار أسامة للنشر والتوزيع، عمَان.
(2) نصار، أيمن، (2007م)، “إعداد البرامج الوثائقية”، دار المناهج للنشر والتوزيع، عمَان.
(3) المرجع السابق.
(4) Nichols, B. (2010), “Introduction to Documentary”. 2nd ed, Indiana University Press, Indiana.
(5) Plantinga, C, (1997), “Rhetoric and Representation in Nonfiction Film”, Cambridge University Press,U.K.
(6) Spence, L., and Navarro, V., (2012), “Crafting Truth: Documentary Form and Meaning”, Rutgers University Press, New Brunswick, New Jersey and London.
(7) صولة، عبد الله، (2011م)، “في نظرية الحجاج: دراسات وتطبيقات”، مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس.
(8) الولي، محمد، (2013م)، “الحجاج: مدخل نظري تاريخي”، في كتاب، علوي، حافظ، “الحجاج مفهومه ومجالاته: دراسات نظرية وتطبيقية محكمة في الخطابة الجديدة”، الجزء الأول، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية ناشرون، وهران وبيروت.
(9) لحويدق، عبد العزيز، (2013م)، “الأسس النظرية لبناء شبكات قرائية للنصوص الحجاجية”، في كتاب، علوي، حافظ،”الحجاج مفهومه ومجالاته: دراسات نظرية وتطبيقية محكمة في الخطابة الجديدة”، الجزء الثاني، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية ناشرون، وهران وبيروت.
(10) De Burgh, H, (2008), “Investigative Journalism”, Routledge, UK.
(11) العبد، محمد، (2013م)، “النص الحجاجي العربي: دراسة في وسائل الإقناع”، في كتاب، علوي، حافظ، “الحجاج مفهومه ومجالاته: دراسات نظرية وتطبيقية محكمة في الخطابة الجديدة”، الجزء الثاني، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية ناشرون، وهران وبيروت.
(12)  Gaines, W., (1998), “Investigative Reporting for Print and Broadcast”, 2nd edn. Wadsworth, Belmont.
(13) Aucoin, J., (2007) “Journalistic moral engagement: Narrative strategies in American muckraking”, Journalism, Vol. 8(5). P. 559-572.