اجتماعات مكثفة لمعالي الأمين لبحث الشأن الاقتصادي الخليجي

قام معالي الأمين العام لمجلس التعاون، الدكتور نايف الحجرف، بجولة خلال شهر سبتمبر الماضي، شملت دول مجلس التعاون، عقد خلالها عددًا من الاجتماعات مع وزراء الخارجية والمالية والتجارة والاقتصاد والصناعة والإعلام والسياحة في دول المجلس.

هدفت هذه الاجتماعات إلى استمرار وتعزيز التعاون والتكامل في العمل الخليجي المشترك في كافة المجالات بشكل عام، وفي المجال الاقتصادي بشكل خاص، ضمن جهود الأمانة العامة لمجلس التعاون الساعية لتوثيق عرى التعاون الاقتصادي الخليجي وتفعيله ومتابعة مستجداته؛ لبناء أرضية خليجية مشتركة صلبة تجمع هذه القطاعات وتحدد مشتركاتها التنموية وأهدافها، تنفيذًا لتوجيهات أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون.

بُحث خلال الاجتماعات العديد من القضايا والموضوعات ذات الشأن الاقتصادي الخليجي المشترك، وسبل تعزيز مسيرة تكامل العمل الخليجي، بخاصة ما يتعلق في مجالات لجنة التعاون التجاري، ولجنة التعاون المالي والاقتصادي، في ظل التحديات التي تواجهها دول مجلس التعاون والعالم بعد جائحة “كورونا”؛ لتحقيق ما يسهم في دفع مسيرة النمو والتكامل الاقتصادي الخليجي، وتعزيز دور المنظومة الخليجية وتحقيق غاياتها وتطلعات شعوبها.

حضر الاجتماعات إلى جانب الأمين “الحجرف”، عدد من منسوبي الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، منهم: الأمين المساعد للشئون الاقتصادية والتنموية، خليفة العبري، ورئيس قطاع الشؤون الاقتصادية، عبدالملك آل الشيخ، ومدير عام الإدارة العامة للمعلومات والتخطيط، عبدالعزيز الناصر، بالإضافة إلى مدير مكتب معالي الأمين العام، عبدالله الجربوع.

الواقع الافتراضي والقوة الناعمة

قصص الدول في استخدام القوة الناعمة مختلفة، ولكنها ذات طابع مميز، ففي اليابان كان الارتكاز على المحافظة على قيم المجتمع على الرغم من التطور الاقتصادي الكبير، بينما اعتمدت الهند على إنتاج أفلام “بوليوود” لإبراز الدولة كمصنع للكفاءات التقنية والترويج لبعض المأكولات الشعبية عالميـًّا، وتمثلت القوة الناعمة للمملكة المتحدة في دور المجلس الثقافي البريطاني وهيئة الإذاعة البريطانية للترويج لها حول العالم وكذلك تعزيز استخدام اللغة الإنجليزية عالميـًّا، أما رائدة القوة الناعمة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت أفلام “هوليود” علامة فارقة في قوتها الناعمة، والتي صنعت الصورة الذهنية عن الولايات المتحدة وقوتها العسكرية ومدنها العصرية.

القوة الناعمة بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، الدكتور جوزيف ناي، استخدام وسائل الجذب والنفوذ للتأثير في الرأي العام لتحقيق مصالح الدول بدلاً من استخدام القوة العسكرية، وهي في تطور واهتمام عالمي مستمر، كونها أداة لتحقيق المصالح بالاعتماد على الثقافة والتعليم والإعلام وغيرها من أدوات الجذب.

اليوم تتطور أدوات التواصل حول العالم، ومع دخول العالم لمرحلة الإعلام الغامر (Immersive Media) والتي بدورها تستطيع إلى حد كبير إيهام العقل بتواجده في الأماكن التي يشاهدها عبر نظارة الواقع الافتراضي، يطرح تساؤل حول كيف يمكن استخدام تقنية الواقع الافتراضي كقوة ناعمة؟

 بالاطلاع على عدد من الممارسات العالمية، نجد عددًا كبيرًا من الاستخدامات، ففي مجال الترويج للدول والوجهات السياحية على سبيل المثال؛ نلاحظ ازدياد عدد زوار مدينة نيويورك بعد حملة أطلقتها وكالة “توماس كوك” للسفر والسياحة البريطانية، حيث ارتفع عدد الزيارات بنسبة (190%)، وارتفع العائد على الاستثمار (40%)، بينما يمكن تجربة زيارة مدينة ملبورن الاسترالية والتجول عبر منطاد ومشاهدة المزارع وأبرز معالم المدينة عبر يوتيوب الواقع الافتراضي (YouTube VR)، فيما يكمن لأي شخص لم يسبق أن زار العاصمة البريطانية لندن زيارتها افتراضيـًّا ومشاهدة أبرز معالم المدينة من مسارح وفعاليات ثقافية وترفيهية  بتقنية (360) درجة مما يعطي شعورًا بتواجده فيها، وما ينطبق على الزيارات الافتراضية للمدن ينطبق تمامـًا على توظيف التقنية ثقافيـًّا، حيث عمد متحف اللوفر على سبيل المثال إلى تطوير تجربة افتراضية لمشاهدة لوحة الموناليزا عبر الواقع الافتراضي، وذلك بمناسبة ذكرى الـ(500) عام على وفاة الفنان والعالم الإيطالي ليوناردو دا فينشي، ما زاد من مشاهدات مقتنيات المتحف عالميـًّا.

ما يحدث اليوم عبر منصات الواقع الافتراضي هي البداية لمرحلة جديدة في التواصل العالمي، وتعرف الشعوب على بعضها، والاطلاع على قصص لم ترو وكنوز لم تشاهد من قبل، كل ذلك يفتح نوافذ جديدة لاستخدام تقنية الواقع الافتراضي كقوة ناعمة تسهم في تحسين الصورة الذهنية للدول من أجل تحقيق المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية بأقل التكاليف وأكثرها تأثيرًا.

مؤسسات الإعلام الرقمي الجديدة

(هولو) للفيديو والتلفزيون حسب الطلب .. محلك سر أم منافس قوي

لزمن طويل ساد الإعلام الدولي أسماء إمبراطوريات معروفة، مثل: “تايم وارنر، وإكسل شبرنغر، وبرتلزمان، وديزني” وغيرهم، الآن دخلت وجوه جديدة تصنع محتوى جديد كليًّا ويعرفها جيل الشباب، أسماء مثل: “نيتفلكس، فايس ميديا، وبزفيد، وإنسايد إديشن، وفوكس، وإم آي سي ميديا، وأمازون برايم فيديو وهولو، هم عمالقة جدد في الإعلام الدولي بأحجام وتأثيرات واتجاهات مختلفة.

من مشروع مشترك إلى خدمة تلفزيون عبر الإنترنت

“هولو Hulu”، هي منصة رقمية أمريكية للفيديو والتلفزيون بنظام الاشتراك، يديرها بالكامل ويملك جزءًا كبيرًا منها فرع من شركة “والت ديزني” هو ( Walt Disney Direct-to-Consumer & International)، مع “إن بي سي يونيفرسال” (NBC Universal) المملوكة لشركة (Comcast)، بصفتها صاحبة قدر عال من الأسهم.

تمَّ تأسيس الخدمة في البداية كمشروع مشترك بين (News Corporation) و”إن بي سي يونيفرسال” و(Providence Equity Partners)، ولاحقًا شركة والت ديزني، والتي تعمل على توفير حلقات المسلسلات التلفزيونية من شبكات التلفزيون الخاصة بها.

في عام 2010م، أطلقت “هولو” الاشتراك في خدماتها، وتمَّ تصنيفها في البداية باسم (Hulu Plus)، وقد تضمنت مواسم كاملة من البرامج والمسلسلات من الشركات والشركاء الآخرين، مع سرعة الوصول إلى عروض الحلقات الجديدة.

وفي عام 2017م أطلقت الشركة خدمة “هولو” مع (Live TV)، وهي خدمة تلفزيون عبر الإنترنت (IPTV) فائقة الجودة تضم عددًا من القنوات التلفزيونية، وقد حازت شركة “تايم وورنر” العملاقة (Time Warner)  (الآن ورنر ميديا Warner Media) لاحقًا على حصة في الخدمة.

تمَّ الإعلان عن “هولو” في مارس 2006م، بشراكة مع “أميركا أون لاين، وإن بي سي يونيفرسال مع فيسبوك وإم إس إن، وماي سبيس، وياهو” الذين كان مخططًا لهم أن يكونوا شركاء في التوزيع الأولي، وقد تمَّ تعيين “جيسون كيلار” رئيسًا تنفيذيًّا للشركة في أواخر عام 2007م.  

تمَّ اختيار اسم “هولو” أي قارورة القرع (húlu)، والتسجيل التفاعلي (hùlù) حسب لغة الماندرين الصينية، عندما تمَّ  نشر الموقع في شبكة الإنترنت، وكان يحمل إعلانًـا فقط ومن دون محتوى، وقد دعت الشركة المستخدمين إلى ترك عناوين بريدهم الإلكتروني للاختبار التجريبي.

وفي أكتوبر 2007م، بدأ الاختبار التجريبي الخاص عن طريق الدعوة، ثم سمحت للمستخدمين بدعوة الأصدقاء لاحقـًا.

في 12 مارس 2008م، تمَّ إطلاق الخدمة للجمهور في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان أول منتج تمَّ إطلاقه هو شبكة (HULU Syndication)، التي تمَّ تصميمها وتطويرها في 29 أكتوبر 2007م من قبل فريق “إن بي سي يونيفرسال” في نيويورك.

خطة رباعية للخدمات

تقدم “هولو” خدماتها عبر أربع خطط، هي (Only Hulu، وHulu، وHulu No Ads، وHulu + LIVE TV)، وتتيح الخطة الأولى الوصول إلى مكتبة بثّ تحتوي على آلاف البرامج والأفلام، والعروض الأصلية الحصرية، والمواسم الماضية من المسلسلات، والحلقات الحالية، فضلاً عن إمكانية إضافة “لايف تي في” للرياضة والأخبار والأحداث التي لا يمكن تفويتها.

أما الخطة الثانية المدعومة بالإعلانات، فهي –أيضًا– تتيح الوصول إلى أكبر مكتبة بث تشمل (85) ألف حلقة من الأفلام وبرامج الأغاني والموسيقى والبرامج الجديدة الأكثر شعبية، مثل: (This is Us، و(The Handmaid’s Tale The Good Doctor، والحلقات الجديدة من مسلسل (Grey’s Anatomy)، وميزات “هولو” في ذلك متابعة الحلقات الجديدة للمسلسلات الجديدة لأنها تُحمّل على المنصة بسرعة كبيرة.

ويمكن متابعة أغلب هذه البرامج من دون إعلانات في الخطة الثالثة.

أما الخطة الأخيرة فهي تركز على المشاهدة عند الطلب والبث المباشر لأكثر من (50) قناة بث وقنوات الكابل، بما في ذلك خدمات شبكات البث الخمس الرئيسية، (ABC، وCBS، وNBC، وFox وCW Television Network)، بالإضافة إلى قنوات الكابل المملوكة للمشاركين في “هولو إن بي سي يونيفرسال”.  كما توفر الخطة خدمات (Century Fox 21st) “ووالت ديزني”، جنبًا إلى جنب مع “فياكوم سي بي إس، وورنر ميديا”،  و(HBO، وCinemax، وShowtime) مقابل رسوم إضافية، لتوفر مواد الرياضة والأخبار والترفيه وغيرها، مع وصول غير محدود إلى مكتبة بث “هولو” الرئيسية.

بالنسبة للإنتاج الأصلي، قامت هولو في الفترة ما بين 17 يناير 2011م إلى 24 أبريل 2014م، ببث سلسلة الويب الخاصة بها (The Morning After) وهو عرض إخباري للثقافة الشعبية كأول إنتاج خاص بها، بعد أن كانت في الماضي موزعًا للمحتوى الذي ينتجه الآخرون بشكل أساسي.

وفي 16 يناير 2012م، أعلنت أنها ستبث أول برنامج أصلي لها بعنوان: (Battleground)، وهو دراما سياسية على غرار الأفلام الوثائقية، وقد تمَّ  عرضه لأول مرة في فبراير 2012م على خدمة الويب المجانية، فضلاً عن برنامج (The Fashion Fund)، وهو برنامج واقعي من ستة أجزاء، يحصل الفائز في نهايته على (300) ألف دولار لبدء مسيرته المهنية.

وللاستمرار في إنتاج وبث البرامج الأصلية، أعلنت هولو وقتها عن سبعة برامج أصلية لبثها، هي: (Battleground، وDay in the Life، وUp to Speed​​)، ثم أضافت أربعة عروض أخرى إلى قائمتها تشمل: ( Don’t Quit Your Daydream، وFlow، وThe Awesome، وWe Got Next). وقد بدأ بث بعض هذه البرامج في عام 2012م، بينما تمَّ عرض برامج أخرى لأول مرة على مدار السنوات القليلة التالية.

في الرابع من مايو 2016م، استحوذت على الفيلم الوثائقي (The Beatles: Eight Days in Week) ضمن مجموعة أفلامها الوثائقية، وقد عرض الفيلم لأول مرة في القاعات في 15 سبتمبر 2016م، قبل أن يظهر لأول مرة عبر خدمة البث على الإنترنت في 17 سبتمبر.

وفي يوليو 2020م، وقع الشاب العشريني جوي كينج صفقة مع “هولو” وهو من أصغر المنتجين الذين أبرموا صفقة مع شبكة بثّ رقمي لينتج لها برامج ومسلسلات تلفزيونية.

انتشارها على الساحة وأهم سلبياتها
فيما يتعلق بمشاهدتها وانتشارها، كان لدى هولو اعتبارًا من الربع الأول من عام 2020م (35.5) مليون مشترك، ويتم تتبع أعداد المشاهدين من قبل شركات القياس، مثل (ComScore) وتقييمات (Nielsen، وQuantcast).

وبالشراكة مع (ComScore) فإن هولو هي أول شركة رقمية تتلقى قياسًا متعدد المنصات يشمل حجم  المشاهدة المشتركة لأجهزة غرف المعيشة.

وقد وجد تقرير (ComScore) للاتجاهات الرقمية ( ComScore’s Digital in Review) لعام 2010م، أن هولو تمت متابعتها بضعف عدد المشاهدين الذين تابعوا منصات الإنترنت الرقمية الخاصة بشبكات التلفزيون الخمس الكبرى مجتمعة.

وفي مايو 2018م أعلنت هولو أنها تجاوزت (20) مليون مشترك في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن موثوقية هذه المقاييس أصبحت موضع شك، ويرجع ذلك جزئيًا إلى التقديرات المتباينة على نطاق واسع، فعلى سبيل المثال بين مايو ويونيو عام 2010م، قامت (ComScore) بتحديث منهجية التسجيل الخاصة بها وتقديراتها لـهولو، حيث انخفضت أرقام المتابعة من (43.5) مليون مشاهد مميز إلى (24) مليون في شهر واحد.

وبالنسبة للانتشار العالمي فهو محدود للغاية، ففي يوليو عام 2010م كشفت صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن هولو  كانت تعمل على خطط لإطلاق “هولو بلس” عالميًّا لعدة أشهر، وقد حددت المملكة المتحدة واليابان كأسواق يمكن أن يعمل فيها موقعها المجاني ونموذج الاشتراك، وقتها أعرب رئيسها التنفيذي جيسون كيلار، عن اعتقاده بإمكانية تكرار النموذج الأمريكي في مكان آخر ، قائلاً: “لن نكون راضين حتى تصبح هذه خدمة عالمية”.

وقد بدأ التوسع الأول للشركة في السوق الدولية مع إطلاق خدماتها في اليابان في الأول سبتمبر 2011م، وفي 27 فبراير 2014م، أعلنت (Nippon TV) أنها ستستحوذ على أعمال هولو اليابانية مع احتفاظ الخدمة باسمها الأصلي، وستواصل هولو توفير بنيتها التحتية ودعمها للخدمة بصفتها المرخص لها على المستوى الإقليمي.

أما بالنسبة لكندا، فنظرًا لأن الحقوق المتعلقة بمحتواها مملوكة بالفعل من قبل جهات بث أخرى، فإن خدمات الفيديو عند الطلب الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك هولو، لا تتوافر عادةً في كندا، لذلك اكتفت بسوق إعلان محدود هناك بسبب عدم إطلاق خدماتها في هذا البلد.

أما عن عيوب هولو، ففي حين أن هناك توافرًا لجميع حلقات المواسم السابقة للعديد من المسلسلات في المنصة، فإن المشاهد قد لا يجد كافة حلقات المواسم السابقة لمسلسلات أخرى، لذلك إذا أراد المشترك مشاهدة أحداث سابقة من إحدى هذه المسلسلات، فقد يضطر للبحث عنها في منصة أخرى.

القوة الناعمة في الإعلام (3)

باعتباره من أهم أدوات القوة الناعمة ووسيلة قوية للتأثير في الشعوب.

في هذه المقالة وباعتبارها الجزء الأخير من هذه السلسلة، سيتم عرض بعض النماذج التي نجحت في تسخير أدوات القوة–وخاصة أداة الإعلام–للنهوض بدولها ومجتمعاتها، والتأثير في الرأي العام سواء كان ذلك محليـًّا أو دوليـًّا.

انفراد المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين

من نعم الله على المملكة العربية السعودية بأن سخر لها أحد أقوى أدوات القوة الناعمة على مستوى العالم، من دون أي تدخل للبشر، فمجرد وجود هذين البيتين العظيمين على هذه الأرض المقدسة جعل من المملكة قائدة للعالم الإسلامي، وزرع يقينـًا في قلوب الآخرين – سواء كانوا أصدقاء أو أعداء – بأن كل ما قد يصيب هذه البلاد سيكون كل مسلم معنيـًّا به.

بذلت الحكومة السعودية خلال السنوات الماضية جهودًا كبيرة لخدمة زوار بيت الله، ولكن غالبـًا ما كان الإعلام الخارجي يركز على الأمور السلبية المصاحبة لما يوصف بأنه من أكبر التجمعات البشرية السنوية، كما كان الإعلام المحلي مقصرًا في عملية نقل الصورة الواضحة لما يتم تقديمه من خدمات للحجيج.

وفي السنوات القليلة الماضية حصل تغيير جذري من خلال استحداث الحكومة لأساليب جديدة عملت على إبراز تلك الجهود.

لقد نجحت الحكومة السعودية في الاستغلال الأمثل لوسائل الإعلام من خلال نقل صورة حديثة عن جميع الخدمات والفعاليات التي تقدمها لزوار المملكة، وتمثل ذلك في النقلة النوعية الواضحة لعملية إنتاج مواد مرئية تميزت بطريقة عرض جاذبة، بالإضافة إلى ترجمة تلك المواد لأكبر عدد من اللغات؛ لضمان وصولها لأكبر عدد من المستهدفين، فقد نجحت المملكة في انتاج أفلام وثائقية غير اعتيادية عن الحرمين الشريفين وما يتبعهما، مثل مصنع الكسوة وبئر زمزم ومجمع طباعة القرآن الكريم، حيث تفردت تلك المواد الوثائقية عن سابقاتها بأنها كشفت عن معلومات غير معروفة لدى عامة الناس، كما تميزت بأساليب عرض شائقة تجبر الناظر على الاستمرار بمتابعتها من دون كلل، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من المؤثرين في وسائل الإعلام الجديد، ما أسهم في جذب فئة من الشباب لم تكن مهتمة بهذا الشأن.

وفي نطاق موازٍ، عززت المملكة العربية السعودية من موقعها الإسلامي الريادي، من خلال الإعلان عن عدد من المشاريع الضخمة المرتبطة بهويتها الإسلامية مثل إنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، وحصر أكثر من (500) موقع شاهد على التاريخ الإسلامي للبلاد، وتأهيل عدد من المواقع التاريخية الإسلامية الكبرى، مثل جبل النور وغاري حراء وثور والحديبية ومعركتي أحد والخندق والوسط التاريخي لمدينة بدر.

مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة

تعد التجربة الإماراتية في استغلال قوتها الناعمة – وخاصة  استغلال الأدوات الإعلامية – تجربة ناجعة وسباقة من خلال تطبيق مبادئ القوة الناعمة منذ تأسيسها في العام 1971م، وذلك على يد المؤسس المغفور له –بإذن الله –الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومن هنا ارتأت حكومة دولة الإمارات ضرورة استكمال هذا النهج وتطويره من خلال تشكيل مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات في إبريل من العام 2017م، حيث كانت أول مهمة لهذا المجلس هي استحداث إستراتيجية القوة الناعمة للدولة، والتي رأت النور في سبتمبر من العام نفسه مستندة على عدد من الأهداف وهي:

تطوير هوية موحدة للدولة في كافة المجالات الإنسانية والاقتصادية والسياحية والإعلامية والعلمية.

تطوير شبكات دولية فاعلة مع الأفراد والمؤسسات حول العالم بما يخدم أهداف الدولة ومصالحها.

ترسيخ سمعة الدولة كدولة حديثة، منفتحة، متسامحة ومحبـّة لكافة شعوب العالم.

إن اقتناع حكومات دولة الإمارات المتعاقبة بأهمية عكس صورة مشرفة عن الدولة من خلال قوتها الناعمة، أدى إلى نتائج متميزة لا يمكن حصرها ولكن يمكن ذكرها على سبيل المثال:

تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة الدول العربية في مؤشر القوة الناعمة للعام 2020م بالإضافة إلى حصولها على المركز الثامن عشر عالميـًّا في نفس المؤشر.

تميّز السياسة الخارجية لدولة الإمارات من خلال عقد التحالفات العسكرية والاتفاقيات الاقتصادية مع أقوى الدول في العالم.

إن هذه السياسة الرصينة والمتزنة شجعت معظم دول العالم على استقبال الحاملين لجواز السفر الإماراتي من دون قيود، فبحسب منظمات التصنيف العالمية يعدُّ الجواز الإماراتي أقوى جواز سفر في العالم، حيث يسمح لحامله بدخول ما يقارب (180) دولة من دون تأشيرة.

في مجال الأعمال والاستثمار استطاعت الدولة استقطاب أكثر من (50%) من المكاتب الإقليمية للشركات الأجنبية في الشرق الأوسط.

وفقـًا للتصنيفات العالمية يعدُّ اقتصاد دولة الإمارات ثاني أقوى اقتصاد عربي على الرغم من عدم اعتماده على النفط، كما صعدت الإمارات في العام 2018م إلى المرتبة التاسعة والعشرين على مستوى العالم ضمن مؤشر الدول الأعلى في الناتج المحلي الإجمالي.

الكويت .. السبق في استخدام القوة الناعمة

قبل استقلال دولة الكويت في العام 1961م، كان حكامها يديرون شؤون الدولة الداخلية فقط في حين كانت بريطانيا تدير الشؤون الخارجية للكويت، وبانسحاب البريطانيين أدرك قادة الكويت أهمية امتلاك أدوات تغني عن صغر مساحة الدولة وضعف الإمكانات العسكرية.

لقد كانت الكويت صاحبة السبق في المجال الإعلامي بمنطقة الخليج العربية، وذلك قبل عقود من استقلالها، ولكن بعد الاستقلال ارتأت الحكومة الكويتية ضرورة استغلال ريادتها في هذا المجال لفرض قوتها الناعمة على المستوى الإقليمي، فقامت بالترويج للإنتاج الدرامي والسينمائي والإذاعي الكويتي والذي اعتبر الأقوى بعد مصر في المنطقة العربية، كما قامت بإنشاء محطات إرسال تلفزيوني خارج حدود الكويت بهدف تدعيم مكانتها الثقافية.

وتميزت الكويت بأنها كانت صاحبة السبق في مجالات عدة بالمنطقة، مثل التعليم النظامي والمهرجانات والفعاليات الترفيهية والرياضية، بالإضافة إلى التنمية والاستثمار وتقديم المساعدات الإنسانية لمختلف دول العالم.

هذه الأدوات أسهمت بشكل فعال أثناء احتلال الكويت في العام 1990م، فقد استطاعت دولة الكويت، وفي فترة قصيرة نسبيـًّا، جمع أكثر من (30) دولة في تحالف على الأرض بهدف تحريرها، وهو ما حدث في فبراير من العام 1991م.

القوة الناعمة الأمريكية

تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤشر القوة الناعمة للعام 2020م وهو موقع تميزت به لسنوات طويلة، ويعود ذلك لتفرد أسلوبها في فرض الهيمنة الأمريكية على المجتمع الدولي، من خلال إعلامها واقتصادها وقوتها العسكرية والسياسية، بل يعتقد عدد من الخبراء والباحثين بأن مصطلح “العولمة” لم يعدّْ دقيقـًا في وقتنا الحالي، حيث يرى كثير أن المصطلح الواجب استخدامه هو “الأمركة”، وذلك نظرًا إلى التأثير الأمريكي في مختلف دول العالم وتمكنها من صبغ المجتمعات بالصبغة الأمريكية، حتى وصل الأمر إلى أن المجتمعات الأوروبية لم تستطع مواجهة هذا الطوفان الأمريكي وهي المجتمعات التي تعتز بتاريخها وثقافتها.

ومن المثير للإعجاب أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت استغلال قوتها العسكرية في ميادين القوة الناعمة، فمجرد نشر فكرة امتلاك هذه الترسانة العسكرية أدى إلى تحقيق مكاسب قد لا يمكن تحصيلها من خلال استخدام القوة الصلبة.

كما أن الولايات المتحدة استطاعت –بتفرد– استغلال قوتها الصلبة مجتمعة مع الأشكال الأخرى للدبلوماسية الدولية، ويتجلى هذا النموذج في التعامل الأمريكي مع الملف الكوري الشمالي، فبالإضافة إلى استمرار فرض العقوبات القائمة على هذه الدولة، لم تتوانى الحكومة الامريكية في الترويج عن انفتاحها واستعدادها لفتح أبواب الحوار والتعهد بإبرام الاتفاقيات مع كوريا الشمالية، ويسمى هذا النموذج المعتمد على المزج بين استخدام كل من القوة الناعمة والقوة الصلبة بـ”القوة الذكية”.

وفي منحنى آخر، استطاع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تغيير الفكرة السائدة عن قوة المؤسسات الإعلامية الأمريكية والتي توصف بأنها امبراطوريات إعلامية، وذلك من خلال استغلاله للانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي او ما يسمى بـ “الإعلام الجديد”.

لقد استطاع الرئيس الأمريكي من خلال مؤتمراته الصحفية وتغريداته في حساب تويتر –المجاني – أن يواجه عمالقة الإعلام الأمريكي مثل CNN وNBC وABC، بل اتهم هذه المؤسسات الإعلامية بعدم النزاهة وروج بأنها تفتقد للمعايير الصحفية، وأنها ليست عدوًا لترامب نفسه بل للشعب الأمريكي، وقد تعدى ذلك إلى تصريحه بأن الولايات المتحدة لم تعدّْ تتمتع بحرية الصحافة.

 وللتأكيد على قوة الإعلام الجديد في مواجهة الإعلام التقليدي، فقد تمكن ترامب في العام 2018م من إجبار نحو (350) صحيفة أمريكية على تنظيم حملة موحدة لنشر مقالات افتتاحية في يوم واحد للدفاع عن حرية الصحافة ومواجهة اتهامات الرئيس الأمريكي.

وعلى الرغم من تفاوت الإمكانات المتاحة للمؤسسات الإعلامية مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي، فمن الواضح بأن الإعلام الجديد ذا الإمكانات المادية المتواضعة استطاع أن يجاري تلك المؤسسات بل يتوفق عليها في أحيان كثرة.

الصين .. القوة الناعمة القادمة

تزايدت قوة الصين على الساحة الدولية خلال العقدين الأخيرين بشكل كبير جدًّا، ومن يتابع السياسة الصينية في جذب الآخر سيلاحظ أنها قد اتخذت النموذج الأمريكي بحذافيره باستثناء عامل استعراض القوة الصلبة والعسكرية، وهو ما جعلها أكثر تقبلاً من الولايات المتحدة.

وكما ذكرنا بأن الإعلام يعدُّ أقوى ذراع للقوة الناعمة، فقد اتجهت الصين للتركيز على هذا الجانب من خلال محاولة مصارعة المؤسسات الإعلامية العالمية، وذلك بإطلاق عدد كبير القنوات الصينية، ولكنها وعلى الرغم من كل تلك الجهود لم تستطع المنافسة في هذا المجال وذلك بسبب عائق اللغة.

وعلى ذلك قامت الصين بتركيز جهودها في مجال نشر الثقافة واللغة الصينية من خلال تقديم المنح الجامعية للطلاب الأجانب بالإضافة إلى ابتعاث عدد كبير من الطلبة الصينيين لمختلف دول العالم.

كما استطاعت الصين ومن خلال شراكاتها التجارية في تغيير النظرة السلبية لمنتجاتها، فبعد أن كانت علامة (Made in China أو صنع في الصين) تعدُّ عيبًا في المنتج، أصبحت في وقتنا الحالي ختم جودة للمنتج.

وختامـًا، فإننا نؤكد أن للقوة الناعمة دورًا محوريـًّا في تعزيز سمعة الدول واحترامها بين الدول والشعوب الأخرى، ويكون ذلك من خلال الاستخدام الصحيح والمثالي لأدوات القوة الناعمة والتي يعدُّ الإعلام أهمها وأخطرها في نفس الوقت، حيث يمكن تسخير وسائل الإعلام لبناء الدول والمجتمعات، كما يمكن استغلالها في التدمير والهدم.

الأمين العام لمجلس التعاون: مسبار الأمل جاء محققـًا للآمال ومسجلاً للطموح ومستشرفـًا للمستقبل

أشاد معالي الأمين العام لمجلس التعاون، الدكتور نايف الحجرف، بالإنجاز العلمي الكبير لدولة الإمارات العربية المتحدة بإطلاق مسبار الأمل، والذي يأتي محققـا للآمال، ومسجلاً للطموح، ومستشرفاً للمستقبل.

‎وقال الأمين العام: “يأتي مسبار الأمل محققـًا لآمال الملايين من أجيال المستقبل، ومؤكدًا ألا شيء مستحيل لتجاوز التحديات، والتطلع لاكتشاف الفرص وتحقيق القفزات العلمية الرائدة على مستوى العالم، وفقـًا للرؤى الحكيمة والثقة بالكفاءات الوطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي التي ارتقت بإرادة أبناء الإمارات وعزمهم، وعززت من إلهامهم لتنفيذ عدد من المشاريع الضخمة”.

‎وأضاف الدكتور الحجرف: “يأتي مسبار الأمل مسجلاً للطموح، وذلك بالحضور العلمي والبحثي في مجال استكشاف الكوكب الأحمر، طموحـًا عززته قدرات (150) مهندسة ومهندسًا يعملون في مختلف المجالات الهندسية والعلمية والبحثية، فمشروع مسبار الأمل سيضع دولة الإمارات العربية المتحدة والعالم العربي في مصاف الدول الموفرة للمعرفة، وسيجعلها مشاركة بشكل فاعل في دعم قطاع الفضاء، والإسهام  في تطوير المعرفة ودعم المؤسسات العلمية ومراكز البحوث حول العالم”.

‎وأكد الأمين العام أن مسبار الأمل يأتي مستشرفـًا لمستقبل واعد لبناء كوادر إماراتية وعربية عالية الكفاءة في مجال تكنولوجيا الفضاء والابتكار والبحوث العلمية، وتطوير البنى التحتية الهندسية والصناعية، مشيرًا إلى أنه على الرغم من التحديات التي تواجه منطقتنا العربية والإنسان العربي، إلا أن مسبار الأمل جاء باعثـًا للأمل ومحفزًا للطموح ومحلقـًا بالهمم العالية التي لا تعرف المستحيل، حيث إن مصدره أحد الدول الأعضاء في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تنعم  بشعب طموح وقيادة داعمة للتنمية الشاملة.

‎وقال الأمين العام: “إن تزامن وصول مسبار الأمل إلى مدار كوكب المريخ في عام 2021م مع الذكرى الخمسين لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، يثبت قدرتها على تحقيق كثير من الإنجازات العملاقة في فترة وجيزة، وليس هذا فحسب، بل وقدرتها على تحقيق أرقام قياسية من خلال تقليل مدة تطوير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ، ومشاركة نسائية هي الأعلى في فريق المشروع مقارنة مع المشاريع المشابهة له”.

‎ونوّه الدكتور الحجرف إلى أن السباق العالمي نحو تكنولوجيا الفضاء أصبح وسيلة ضرورية للارتقاء باقتصاديات الدول وأمنها، ومن أهم مقومات الحياة، مؤكدًا أن إطلاق مسبار الأمل من دولة الإمارات العربية المتحدة ما هو إلا ركيزة أساسية وبداية قوية لمستقبل واعد لوطننا العربي في الفضاء.

‎وقدم الأمين العام لمجلس التعاون شكره وتقديره لكافة العاملين في مشروع مسبار الأمل على الجهود النيّرة والكبيرة التي بذلوها لتحقيق هذا الانجاز العلمي الرائد في مجال الفضاء، متمنيـًّا لهم النجاح ومزيدًا من التقدم والازدهار.

الإعلام المنتظر!.. هل آن الأوان لإعادة هيكلة التخصص؟!

الإعلام ضرورة.. هذه حقيقة؛ بل مسلمة لا جدال فيها، فحاجة الأفراد والمجتمعات له منذ القدم، بغض النظر عن أدواته وأشكال عرضه التي كان عليها وكيفية تطوره، هي خير دليل على ذلك، إذ إن الإعلام في صورته البدائية، بوصفه نوعـًا من أنواع الاتصال، متواجد بقوة في تشكيل حياة البشر الذين جبلت نفوسهم على تتبع مصادر المعلومة نتيجة سيكولوجية غريزة الفضول، وحبّ الاستطلاع المزروعة فيهم، وإن كان حجم استهلاكهم لمضامينه ليس على درجة واحدة، وإنما يتفاوت فيما بينهم بشكل ملحوظ، وفقـًا لعوامل عدة من بينها طبيعة الحاجات والاهتمامات.

من هذا المنطلق، فإن شقّ استهلاك المادة الإعلامية مثَّل – ولا يزال – جزءًا من السلوك الإنساني منذ القدم، وهو أمر نشأ في سائر الثقافات، وبمختلف اللغات من خلال سؤال يومي مستمر، أوجده حرص الأفراد الدائم على تعرّف كل ما هو جديد من أحداث في شتى الدوائر المحيطة بهم؛ قريبة كانت أم بعيدة، هذا السؤال الدارج يتلخص في: ما الجديد؟ أو ما الأخبار؟

لم تكن أدوات ووسائل الإعلام في البدايات كما هي اليوم، ولن تبقى وسائل اليوم شكلاً ثابتـًا لوسائل الغد، وبين كل حقبة وأخرى، يتجاذب القائمون بالاتصال والمستخدمون الساحة الإعلامية بين متمسك بالقديم، ومتحمس للجديد، وهي بكل تأكيد لن تحابي أيًا منهم طالما أن التغير والتطور هو سمتها؛ وبالتالي فإن المحك في الحكم مرتبط بالهدف الرئيس للنشاط، وهو إيصال “الرسالة” بأسرع وسيلة، وأقدرها على الانتشار الأوسع، مع ضرورة الالتزام بقيم الإعلام وآلية صناعة الرسائل، والأساليب المهنية الفاعلة التي تتلاءم مع طبيعة الوسائل، وكيفية تعزيز القدرة على استقطاب الجمهور. 

وعلى الرغم من قِدَم الإعلام كنشاط، إلا أن ظهوره بمفهومه العصري كتخصص وكمهنة مستقلة، بما في ذلك تسميته بـ “الإعلام” (Mass Communication)، لم يبدأ إلا مع بزوغ نجم الطباعة التي أذنت بنشأة الصحافة بمفهومها العصري، كوسيلة قادرة على تحقيق انتشار ووصول متزامن إلى المجتمعات والجماهير على نطاق واسع.

ومع اختراع المذياع والتلفزيون، انضمت وسيلتان ذات شكل جديد في خاصية النشر الأوسع إلى الوسيلة الأم بعد أن كان يُظنّ أن الكتاب والسينما، وقبلهما الشعر والرواية هي أقصى أساليب النشر العريض.

هذا التطور وما تبعه من تحولات في أشكال التحرير وأساليب العرض وطرق البثّ المرئي والمسموع، قاد تدريجيـًّا، وفي تنافس بناء، إلى تشكل كيانات إعلامية صحفية وإذاعية وتلفزيونية، وإلى نشأة شركات إنتاج يشار لها بالبنان، كما أن الجهود العلمية التي صاحبته وتمثلت في دراسات تتطلبها المرحلة، وبخاصة البحوث التي ركزت على الانعكاسات والتأثيرات السلبية أو الإيجابية المتوقعة من الوسائل الجديدة، قادت هي الأخرى إلى تأسيس أقسام وكليات متخصصة في هذا الشكل الجديد للاتصال الجماهيري (الإعلام)، ويأتي في مقدمة تلك الدراسات وأشهرها على الإطلاق ملف دراسات متنوعة شارك فيها علماء متخصصون في علم الاجتماع، والنفس، والتربية، والجريمة، وغيرها ذات الصلة، وبتمويل حكومي وإشراف مباشر من الرئيس التنفيذي لهيئة الصحة العامة الأمريكية Surgeon General.

الدراسات التي امتدت على مدى سنوات الستينيات الميلادية، كانت المعين الخصب لظهور حزمة كبيرة من النظريات التي لا تزال إلى اليوم مرجعـًا في بابها، والسبب الأعمق لنمو وتأسيس العديد من الأقسام والكليات المتخصصة.

كان حريـًا بهذه التغيرات أن تكون مؤشرًا كافيـًا للمعرفيين والمهنيين كي يدركوا أنهم حيال تخصص متغير ومتجدد، غير أن دور النشر الإعلامي وإمبراطورياتها ومعاهد وأقسام الإعلام وكلياته الأكاديمية الذين كانوا في خضم نشوتهم ببلوغ حقلهم مرحلة النضج، فوجئوا باقتحام عالمهم الأثير، ابتكارٌ مختلفٌ تمامـًا عمـّا اعتادوا عليه سابقـًا، الذي كان يقتصر على التعريف بوسيلة تضاف إلى الوسائل الأصل، وعلى تطوير يسهل تبنيه بصورة ترفع من إمكاناتهم فيضيف لها.

كان الابتكار هذه المرة مزلزلاً؛ فقد حلـّت الإنترنت كوسيلة هائلة الإمكانات ومتعددة المشارب، لتبتلع الوسائل التي لا تقبلها أو لا تتفاعل مع ما تفرضه من تغييرات في المبنى والمعنى، باختصار شكّل القادم الرقمي فضاءً جديدًا يقوض الفضاء القديم، ويغير من أشكال صناعة الإعلام التقليدية، ففرض مسارات اتصالية متنوعة لتقديم الرسالة التي هي الأساس بطرق أخرى، ولتقديم خدمات اتصالية غير مسبوقة ليس لكافة التخصصات الأخرى فحسب؛ بل وللجمهور بأكمله الذي أصبح شريكـًا في ممارسة الاتصال والنشر.

لم يكن لبعض المؤسسات الإعلامية أن تستوعب حجم التغيير الذي طال الصناعة، وظن القائمون عليها أن التعامل معه ممكن في ضوء محيط محدود كما كان عليه الأمر مع الابتكارات الأخرى؛ وتراوحت أسباب التجاهل بين فئة بالغت في الثقة بإمكاناتها، مستمدة أنفتها من حجم القوة التي اكتسبتها كسلطة رابعة يهابها حتى صناع القرار، وفئة أخرى عزّ عليها التخلي عن مصدر سخي لدخل إعلاني لا يمكن تعويضه بسهوله عبر أية خيارات أخرى.

لعل من المفارقات أن يشكل بعض من أصحاب تلك المواقف الذين برعوا لفترة غير قصيرة في صناعة الإعلام في مرحلة التحول عبئـًا على تطور التخصص وأن يتسببوا –من غير قصد – في انهيار مقوماته، وكان مكمن الخلل في حساباتهم أنهم لم يتوقعوا النتائج الكارثية التي ستحل ببعض المؤسسات القائمة لاحقـًا، فغادر كثير من تلك المؤسسات بصورة تراجيدية الساحة الإعلامية بعد أن كانت ملء السمع والبصر، ولو أنهم عززوا من علاقتهم البينية مع الشركاء الجدد في حقل الاتصال الذي بات مشاعـًا لكثيرين منهم، وتقبلوا حقيقة التقاطعات التي شكلها نسيج مختلف لقنوات اتصالية غير متناهية، محتفظين بخبرتهم وإرثهم العريق في كيفية صناعة المحتوى المهني، وليس في إدارة وسائله، من دون التشبث بالأدوات التقليدية، لحافظوا على مكانتهم في ثوب جديد قشيب.

وعلى الرغم من ذلك كله، لازال من بقايا الأمس من ظلّ يقاوم التجديد طوعـًا أو كرهـًا ويتمسك بأطر قديمة لا تجاري لغة العصر، من دون محاولة جادة للتطوير الشمولي الذي يستوعب المتغيرات ويتماهى معها، حيث استمروا في إسقاط قواعد عمل الزمن المتواري على واقع الحالة الاتصالية الجديدة، بما في ذلك مسميات المهنة وتصنيفاتها، في صورة تشبه تمامـًا إصرار مَنْ كان قبلهم على بقاء الوسائل، التي انهارت وسقطت معها الرسائل على الرغم من أهميتها، فخسر الجمهور مصادر معلومات ذات إرث تاريخي عريق اتسم بالموثوقية والمصداقية، وللإبقاء على وميض الوهج الذي يوشك على التلاشي، نشأت مجموعات وكذا جمعيات لا تكتفي بتأمل الزمن الجميل أو تتغنى به وتذكر الآخرين بما تحقق فحسب؛ بل إن بعضها يمنح عضويات غير واضحة المعايير أو الأسس، التي تذكّر في بعض ممارساتها بثقافة “صكوك الغفران” التي حتمـًا لن تُدخل أصحابها الجنة، كما أن هذه العضويات لن تعيد المجد القديم.

ومهما كانت قيمة الخسائر المادية والمعنوية التي منيت بها صناعة الإعلام خاصة في الدول النامية، أو حجم الفوضى التي حلـّت بساحته، وكذا درجة تشاؤم المتخصصين والممارسين حول مستقبله، فإن ذلك لا يعني نهاية الإعلام الذي سيظلُّ ضرورة وواقعـًا يفرض ذاته؛ غير أنه بحاجة ماسة إلى أن يخرج أصحابه من الصندوق العتيق بروح أكثر انفتاحـًا، وتطلعـًا للآفاق الأرحب، والتفاعل معها وفق ما يمليه الواقع، لا ما تختزنه العواطف، وذلك على نحوٍ يسهم بجدية في إعادة هيكلته، وترتيب عناصره بما يفضي إلى إعلام عصري مطور ينتظر العالم بدوله ومؤسساته وأفراده ولادته بطريقة موضوعية، وبفكر مختلف ومرن يضع الأمور في نصابها، ويقبل الحقائق، فيحترم كل ممارس للنشاط الاتصالي؛  ويُمنح المساحة التي تتلاءم مع دوره وفقـًا لدرجة تأثيره في الجمهور، في إطار تنظيم مهني شامل منضبط ودقيق.

بين ملغاة ومعلقة وأخرى نارية.. تتويج ثلاثة أبطال لدوريات كرة القدم الخليجية

استؤنفت بعض دوريات كرة القدم الخليجية للموسم 2019 – 2020م، بعد أن توقفت لأشهر ضمن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول الخليج العربية على المستوى المحلي فيما يخصُّ أنشطتها الرياضية.

ترقب طويل وتوقعات متضاربة تناولها عشاق كرة القدم في دول الخليج العربية، بين متى وكيف تكون العودة، في حين كانت أزمة الفيروس التاجي (كوفيد–19) في أوج انتشارها، وكأن الجماهير تلوذ بعشقها لكرة القدم وإبداعات نجومها هربًا من ضبابية المرحلة حينها، قبل العودة الحذرة، ومن سطوة أخبار وإحصائيات العدوى التي تصدرت المشهد الإعلامي لأشهر، وكان مراقبون يتوقعون أن عودة الأنشطة الرياضية ستوجد متنفسًا لا بد منه؛ ليعيد نظارة المستطيل الأخضر، ويفكُّ أغلال الحجر الاحترازي.

الغائب الحاضر.. يصنع الحدث

عادت إثارة كرة القدم في ظل غياب أهم النجوم،الذي اكتفى بمشاهدة مجرياتها من خلف الشاشات، وكان المشهد ناقصًا لم تعوضه تقنيات البثِّ التي جربت إعادة نسخ من هتافات كانت تحيي المدرجات عند كل هجمة أو فرصة ضائعة أو هدف، وتبث الحماس في اللاعبين، وتصنع متعة كرة القدم الحقيقية، ألا وهو “الجمهور” الذي فرضت الجائحة الوبائية أن يشاهد “عن بـُعد”، ويعبر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بسخطه ورضاه، واكتفت وسائل الإعلام الخليجية الرياضية بالتغطيات المستمرة والاستوديوهات التحليلية في محاولة لمحاكاة الصخب الجماهيري الذي عرفته الملاعب من عشاق كرة القدم.

ضمن متابعة “إذاعة وتلفزيون الخليج” لأهم الأحداث الرياضية الخليجية، نرصد فيما يلي مستجدات الدوريات الخليجية التي استؤنفت، والدوريات المعلقة والملغاة، والتوقعات للفترة القادمة.

الإمارات.. سبق الإلغاء

ففي دولة الإمارات العربية المتحدة سبق وأن حسمت الجمعية العمومية لرابطة دوري المحترفين الإماراتية، في 18 يونيو 2020م، مصير الموسم الرياضي 2019/2020م بإلغاء جميع المسابقات على أثر تفشي الفيروس المستجد (كوفيد–19) في البلاد.

البحرين.. عاد ولا زالت المنافسة

أما في مملكة البحرين فقد عادت منافسات الدوري حسبما أعلن اتحاد الكرة البحريني سابقًا في 21 يونيو 2020م، وكان استئناف المسابقة الكروية “دوري ناصر بن حمد الممتاز” مطلع شهر أغسطس الماضي، ولا زالت المنافسة مستمرة ومحتدمة بين الثلاثي: الرفاع والمحرق والحد، بصدارة الأول حتى نهاية سبتمبر 2020م، والتوقعات بمستجدات كثيرة خصوصًا مع ضآلة الفارق النقطي بين الفرق الثلاثة الأوائل.

السعودية.. بطولة هلالية استثنائية

وفي المملكة العربية السعودية عاد دوري الأمير محمد بن سلمان، مطلع أغسطس الماضي بحسب الموعد الذي تضمنه بيان اتحاد كرة القدم السعودي المعلن في 12 يونيو الماضي، وشهدت المنافسات تفوق فريق كرة القدم بنادي الهلال الذي توج بطلاً للمسابقة، بعد أن أنهى الدوري برصيد (72) نقطة، كأكثر الفرق  حصدًا للنقاط في موسم واحد بتاريخ الدوري السعودي للمحترفين.

واحتفل الزعيم الأزرق بلقب الدوري السعودي للمرة السادسة عشرة في تاريخه، والبطولة رقم (60) في كل المسابقات، على ملعب جامعة الملك سعود بالرياض.

عمان.. لا جديد منذ تعليق مارس

أما سلطنة عمان فلم تعود المنافسات الرياضية استمرارًا للإجراءات الاحترازية منذ أن أعلنت تعليق أنشطتها الرياضية في مارس الماضي، على الرغم من التوقعات بعودتها في سبتمبر 2020م حسبما أعلن في بيان اتحاد كرة القدم العماني الصادر في 18 مارس 2020م، والذي تضمن –أيضًا– إلغاء كأس الاتحاد والمراحل السنية.

قطر.. الدحيل يحصد لقب الدوري

عاد دوري نجوم قطر في يوليو الماضي والذي شهد تتوج فريق كرة القدم بنادي الدحيل بطلاً للدوري للموسم 2019– 2020م، إثر فوزه على الأهلي بهدف دون رد في المباراة التي جرت بينهما في 21 أغسطس 2020م.

الكويت.. بطلها “الكويت”

كانت العودة في دولة الكويت بعد أن سجل تاريخ الجائحة أنها أول من بادر خليجيًّا بتعليق النشاط الرياضي، حين أعلنت الدولة ذلك في 24 فبراير2020م، وتلاه قرار وموعد الاستئناف في منتصف أغسطس الماضي الذي أصدره الاتحاد الكويتي لكرة القدم حينها، وقد توج فريق الكويت الأول لكرة القدم بلقب بطولة الدوري الكويتي الممتاز لكرة القدم للمرة (16) في تاريخه، بفوزه على منافسة السالمية بنتيجة (4–1)، في نهاية أغسطس 2020م، في ختام منافسات الجولة (17) للمسابقة، وقبل جولة من النهاية، حيث رفع “الأبيض” رصيده إلى (40) نقطة مبتعدًا بفارق (4) نقاط عن ملاحقه القادسية.

واحتفظ “الكويت” باللقب للمرة الرابعة على التوالي، وتعدُّ هذه النسخة الأطول في تاريخ الدوري الكويتي بعدما استمرت قرابة العام حيث بدأت في 14 سبتمبر 2019م واختتمت في 3 سبتمبر 2020م.

السياسات الإعلامية في عهد جائحة (كوفيد 19)

ما إن ظهر فيروس كورونا في مدينة (ووهان) الصينية ولفّ العالم، حتى صاحب ذلك متابعة قوية من قبل وسائل الإعلام العالمية، واهتمام واسع النطاق على مستوى العالم للمهتمين في إدارة المخاطر والحد من انتشار الأمراض والأوبئة، في ظل الظروف الصحية التي تطلبت مزيدًا من التوعية الإعلامية والمجتمعية في مجال الوقاية من الإصابة بالفيروس والحد من مخاطره.

لقد أصبح الإعلام مرآة الشعوب والمؤثر الأساسي في توجهات المجتمع، إذ يُعدُّ مركز استقاء المعلومات في القضايا السياسية والاجتماعية، ويسهم في تحريك الفكر البشري وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، من ثم تكتسب الجماهير الاتجاهات الجديدة وتعدل قيمها بما يتماشى مع المتغيرات، لذا يجب الاهتمام بتشريع سياسات إعلامية تُسهم في تعزيز التنمية الوطنية في مواجهة الجائحة، من خلال اتباع إجراءات الوقاية من مخاطر انتشار وتفشي فيروس كورونا.

من المعروف أنه في أوقات الأزمات والكوارث تظهر مجموعة كبيرة من التغيرات في الظواهر المجتمعية المختلفة، مما يعمل على تغيير مسار النشاط اليومي المعتاد، فمنذ تفشي جائحة كورونا في العالم انصاع الإعلام الدولي لمواجهة هذا الانتشار الواسع، وسُخّرت الإمكانات والتقنيات الحديثة للتوعية ومكافحة المرض، إذ إن الإعلام في هذا الجانب أصبح المصدر الأول للمعلومات والأخبار، وزادت معدلات متابعة الصفحات الإلكترونية لوسائل الإعلام المملوكة لكبرى الشركات الموثوقة عالميًّا، إذ أسهم التحول الإعلامي المقروء والمطبوع إلى إصدارات إلكترونية تتماشى مع الإجراءات المتخذة في الحدِّ من انتشار الفيروس، وتقليل عمليات التلامس وتعزيز التباعد الاجتماعي.

واتجهت المنظومات الإعلامية إلى تعزيز أواصر التنمية الإعلامية، من خلال الإعلام الإلكتروني كإحدى الأدوات المهمة في بناء إستراتيجيات التوعية بمخاطر الفيروس، والاستفادة القصوى من منظومة الإعلام الإلكتروني في تطوير أساليب ووسائل التعليم والتدريب التفاعلي عبر الوسائل الإعلامية الحديثة، والتي من الممكن أن تعمل على تأسيس سياسات وطنية منهجية توظف التقنيات التكنولوجية الحديثة في تقليل مخاطر انتشار الفيروس.

والملاحظ أن في أوقات الأزمات يتم الاهتمام بمراجعة وتصميم السياسات الإعلامية التي تحارب التناقض وتعزز الإدراك؛ لأهمية المنظومة الإعلامية في تطوير وتحسين جودة التواصل الجماهيري المباشر مع مختلف المستويات القيادية والحكومية إلى بقية فئات المجتمع.

إلا أن هناك مجموعة من العوامل المؤثرة في رسم السياسات الإعلامية، من أهمها:

-العوامل السياسية

تؤثر العوامل السياسية في رسم السياسات الإعلامية وتوجيه المجتمعات لتحديد شكل آليات الاتصال والتواصل مع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في الدول المختلفة، وهذا من شأنه صناعة الأزمات الدبلوماسية بحكم التغيرات الطارئة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول، ويهتم الإعلام غالبًا في توجيه المجتمعات لتطوير التفاعل مع هذه العلاقات بين الدول، أو الحد منها وبيان آثارها السلبية، وذلك بما يخدم مصالح الدولة.

-العوامل الاقتصادية

للاقتصاد تأثير مباشر في نشأة الصراعات الإعلامية بين الدول والتأثير في قضايا الاقتصاد القومي، كقضايا الدخل القومي والسياسات الإعلامية وخاصة الإعلام الاقتصادي، فالدعاية والإعلام مصاحبان للطفرات الاقتصادية أو تراجع قوة الدولة اقتصاديًّا، ومنه يمكن أن يشكل الإعلام ضغطـًا على الدولة والمؤسسات الرسمية بشكل هائل، لذا لا بد من تحليل السياسات الاقتصادية في الدولة أثناء بناء السياسات الإعلامية وارتباطها بالسياسات الدولية.

-العوامل الاجتماعية

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات المستخدمة في توجيه الرأي العام العالمي، وخاصة في القضايا ذات الحساسية المجتمعية والخلافية، وبالتالي تدمير منظومة القيم والروابط الاجتماعية وتشويه صورة المجتمعات في حال كانت موجهة من قبل مجموعات، كخلايا ضاغطة لديها أجندات تعبوية تستهدف تفتيت الأمن المجتمعي ونشر الأيديولوجيات المتطرفة.

أما فيما يخص السياسات الإعلامية، يجب أولاً فهم المخاطر الناتجة عن الأزمة أيًّا كانت، فخلال تفشي جائحة كورونا، على سبيل المثال، فإن الوضع القائم لانتشار هذا الفيروس يتطلب دراسة المهددات والمخاطر الإعلامية المؤثرة في التكوين المجتمعي، وخاصة في ظل الدعوة المستمرة لاتباع سياسة التباعد الاجتماعي بسبب الفيروس، وكذلك الدعوة لاستخدام وسائل الإعلام الحديثة في العمل عن بُعد أو التعليم أو ممارسة الأنشطة السلوكية البشرية المختلفة، وهذا بدوره سوف يشكل مخاطر على مستخدمي هذه الوسائل الإعلامية ويؤثر سلبًا في الصحة النفسية والبدنية ويتسبب في الإرهاق، مما يتطلب تركيزًا عاليًا في أثناء تنفيذ المهام على الوسائل الإلكترونية.

كذلك ينبغي تحليل الإستراتيجيات الإعلامية عبر تشخيص واقع المنظومة الإعلامية القائمة، ومدى ارتباطها بالمكونات الرسمية والاهتمام بالقضايا الوطنية، وعلى ذلك تتم دراسة القضايا الشائكة والعالقة بين المكونات المجتمعية ومستوى التأثير الإعلامي في الصراعات الداخلية والإقليمية، إذ ارتبطت السياسات الإعلامية بالصراعات وأصبح الإعلام يغذيها ويزيد من وتيرتها ويهدد الاستقرار المجتمعي، ويُسهم في تدني قوة الترابط المجتمعي الإقليمي بين الدول المتجاورة.

إن التحليل الإعلامي يتطلب دراسة الموارد الإعلامية القائمة، وقوة تأثير الشخصيات العاملة في القطاع الإعلامي، لذا تكمن هنا أهمية تحليل السياسات الإعلامية المتبعة في التعامل مع الحدِّ من انتشار فيروس كورونا.

وبعد التحليل للسياسات الإعلامية لا بد من أن يتمَّ العمل على وضع البدائل المختلفة لدراسة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشريعية؛ بغية فهم الوعي المجتمعي، وقدرة المجتمعات على التعاطي مع توجهات الدولة في التوعية والالتزام بالسياسات الوطنية المختلفة، إذ إن توعية المجتمع بالإجراءات المصاحبة للتعاطي مع انتشار الجائحة يجعل المجتمعات تفكر في كيفية استقاء الوسائل الإعلامية للمعلومات والبيانات من مصادرها الرئيسية.

كما أن بناء السياسات الإعلامية يتطلب مشاركة أصحاب الخبرة في تصميمها وتحليل العوامل المؤثرة في بنائها، حيث إن هناك حاجة للخبراء في مجالات التعبئة الجماهيرية والحشد والمناصرة وصناعة القرار في الإجراءات الاحترازية الوقائية من الفيروسات، بالإضافة إلى ممثلين عن المنظمات الصحية المجتمعية والمؤسسات الإعلامية، وذلك بغية الوصول إلى سياسات وطنية واضحة تراعي المصالح الوطنية، وتحد من المخاطر المؤثرة في صحة الأفراد وحمايتهم من الإصابة بالفيروس.

كما أن هناك مجموعة من السياسات المهمة الواجب مراعاتها للتعامل الآمن مع تفشي انتشار الجائحة، وذلك بما يُسهم في بناء منظومة إعلامية يمكنها أن تتماشى مع استدامة الحياة البشرية والتعايش مع مخاطر انتشار الفيروس، ومن ذلك:

سياسات تنظيمية، وهي السياسات الواجب بناؤها لتحقيق الحماية المتكاملة لمختلف الفئات المجتمعية وتحقيق الكفاءة الإعلامية، وذلك من خلال سياسات تنظيم متطلبات الوقاية من انتشار تفشي جائحة كورونا.

سياسات التوزيع، وهي السياسات الواجب أن توزع فيها الجهات المسؤولة المهام بشأن التوعية، فمثلاً توزيع الأدوار على المؤسسة الصحية والإعلام الصحي والإعلام التقني، وما يصاحب ذلك من توزيع للموارد والإمكانات، وما يتطلب ذلك من توجيه المواطنين بوساطة الإعلام، للوصول للموارد والسلع الأساسية وغيرها من آليات التوزيع.

سياسات وقائية، وهي السياسات التي لا بد من خلالها تعزيز المنظومة الوقائية الإعلامية وتسخير الإمكانات والموارد الإعلامية المختلفة، لتعزيز التوعية المجتمعية والآليات الواجب اتخاذها من قبل السكان لمنع تفشي انتشار الفيروس والتوعية بأساليب الوقاية منه.

والخلاصة، إن هناك مجموعة كبيرة من السياسات الواجب اتباعها من قبل المجتمع الدولي لتوجيه الإعلام لخدمة السياسات الوقائية المختلفة في مواجهة تفشي انتشار الفيروس، إذ إن الواقع الذي نعيشه يتطلب منا البحث عن سياسات تعمل على التعايش الآمن مع انتشار الفيروس، وهذا يتطلب الدراسات الواقعية من خلال ورش عمل تناقش قضية تفشي الفيروس، ودور التوجيه الإعلامي في الحد من انتشاره.

لقد أسهم انتشار الفيروس في تغيير مسار الحياة البشرية، وزيادة الاعتماد على تكنولوجيا الإعلام الاجتماعي في الاستفادة منها ضمن العناصر البشرية لتحقيق الأهداف التنموية، وما يرافق ذلك من السياسات التعليمية والصحية الملازمة لتعزيز الإعلام المجتمعي التفاعلي، واستخدام الوسائل التقنية في عقد اللقاءات والاجتماعات وورش العمل.

وهذا بلا شك يستدعي من المؤسسات الرسمية المتابعة الحثيثة لوسائل التواصل والإعلام التفاعلي، وتشديد الرقابة على كل ما يثير قضايا خلافية تؤثر في نمط الحياة الطبيعية، مثل نشر الإشاعات حول أعداد الإصابات أو الوفيات أو توجيه الأفراد لمخالفة التوجهات الرسمية في مكافحة مخاطر الفيروس وآثاره في الدولة.

عرب سات توقع عقدًا لتصنيع أول أقمار جيلها السابع.. والإطلاق 2023م

بالتعاون مع شركة ايرباص للدفاع والفضاء

بالخيور: “بدر 8” إضافة نوعية لعرب سات ومواكبة لأحدث تقنيات البث الفضائي

وقعت المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية (عرب سات)، مع شركة ايرباص للدفاع والفضاء عقدًا لتصنيع القمر (بدر – 8) الذي يعدُّ أول أقمار الجيل السابع لعرب سات، والمتوقع إطلاقة في بداية عام 2023م.

وسيتمُّ بناء القمر باستخدام منصة ايرباص الجديدة (Eurostar Neo) التي تمَّ تصميمها حديثـًا لأقمار البث التلفزيوني والاتصالات ذات المدار الثابت، مما يعدُّ نقلة نوعية في مجال تصنيع الأقمار الصناعية بزيادة قدرات حمولة البث مع كفاءة في استخدام الطاقة وأنظمة التحكم الحراري، واستخدام أنظمة الدفع الكهربائية، ما يطيل عمر القمر التشغيلي، ويقلل من فترة تصنيع القمر بشكل كبير.

ويتضمن القمر (بدر – 8)، تقنية جديدة خاصة بالاتصالات الضوئية، حيث يحتوي على حمولة مضافة تستخدم من قبل شركة ايرباص لدراسة تأثير العوامل الجوية في إشعاع ضوئي (أشعة الليزر) يرسل من الأرض إلى القمر الصناعي، حيث من المتوقع أن تمثل الأشعة الضوئية نقلة نوعية في صناعة الأقمار المستقبلية.

وسيغطي القمر الجديد (بدر – 8)، أول أقمار الجيل السابع منطقة الشرق الأوسط وأجزاء كبيرة من أوروبا وإفريقيا وآسيا.

بالخيور: القمر الجديد يضمن استمرار خدماتنا بجودة وموثوقية عالية

وأوضح لـ”إذاعة وتلفزيون الخليج” الرئيس التنفيذي لعرب سات، المهندس خالد بالخيور، أن القمر (بدر–8) سيكون إضافة نوعية لمنظومة عرب سات الفضائية لتعزيز مركزها القيادي في خدمات البث التلفزي عبر الموقع الساخن (26) شرقـًا، حيث تمَّ تحديد مواصفات القمر وفق أحدث تقنيات البثِّ الفضائي والاتصالات التي تقدمها شركات التصنيع العالمية في هذا المجال؛ لضمان استمرارية الخدمات بجودة وموثوقية منقطعة النظير، حيث أن (بدر–8) يحمل أنظمة وأجهزة تمكن عرب سات من الحفاظ على مستوى كاف من السعات الاحتياطية الجاهزة لخدمة عملاء عرب سات في حال دعت الحاجة لذلك، كما يعزز من إطلاق القمر الجديد دور عرب سات الريادي بمنطقة الشرق الأوسط لخدمات البثِّ التلفزيوني والاتصالات الفضائية.

وحول الخطط الحالية والمستقبلية لتشغيل القمر الجديد بيَن “بالخيور” أنه حال وصول القمر لموقعه المداري في منتصف العام 2023م بمشيئة الله، سيتم إدخاله في الخدمة مباشرة بإضافة الباقات التلفزية عليه تدريجيـًّا وفق الخطط المعدة لذلك مسبقـًا، كما سيتمُّ البدء في تقديم خدمات اتصالات حديثة ونوعية على القمر تماشيـًّا مع إستراتيجيات عرب سات السباقة في هذا المجال.

التكلفة الإجمالية والمردود الاستثماري المتوقع لـ “بدر 8”

وقال “بالخيور” مجيبًا عن السؤال عن التكلفة الإجمالية والاستثمارات المتوقعة للقمر الجديد: من المتوقع أن تصل تكلفة المشروع إلى حوالي (300) مليون دولار أمريكي شاملة التصنيع والإطلاق والتأمين إضافة إلى التجهيزات الأرضية اللازمة للتحكم بالقمر وتشغيله وفق أفضل المعايير العالمية.

وأضاف: في الجانب الاستثماري يعدُّ تدشين عرب سات لهذا المشروع الضخم والطموح في مثل هذه الظروف القاسية التي يمرُّ بها  القطاع الاقتصادي وسوق الأعمال العالمي بسبب جائحة “كورونا” يعتبر مؤشرًا واضحًا وجليًا على رسوخ قدم عرب سات في مجال خدمات البث والاتصالات الفضائية، وصلابة قدرتها الاستثمارية، في الوقت الذي أعلن فيه العديد من شركات الاتصالات الفضائية إفلاسها أو طلبها للمعونات الحكومية للبقاء، ولا يكون ذلك إلا بتوفيق من الله ثم بإدارة ذكية ومرنة للموارد المتاحة والتحوط للمخاطر والأزمات؛ فمجال الاتصالات الفضائية محفوف بالمخاطر الفنية والمالية بسبب ضخامة الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة، وقد تفوقت عرب سات على مثيلاتها في هذا المجال طوال أربعة عقود مضت.

نصر: “بدر– 8” يحتوي أفضل التقنيات الفضائية

من جهته قال رئيس قطاع الفضاء بإيرباص جان مارك نصر: إن هذا العقد المهم مع عرب سات، له أهمية خاصة بالنسبة لشركة إيرباص للدفاع والفضاء، حيث يعدُّ أول قمر صناعي من الجيل السابع لعرب سات وأول قمر صناعي من فئة “يوروستار نيو”، نقوم ببنائه لعرب سات بعد ستة أقمار صناعية سابقة من “يوروستار”.

وأشار “نصر” إلى أن (بدر – 8) يحتوي على أفضل التقنيات، بما في ذلك حمولة اتصالات ضوئية مبتكرة حديثه، مؤكدًا أن هذا سيعزز الشراكة الإستراتيجية المستمرة مع المنظمة العربية للاتصالات الفضائية، التي تعمل على ربط المجتمعات من خلال أقمارها الصناعية عبر الشرق الأوسط والعالم لأكثر من (40) عامًا.

الدور الفضائي الريادي لعرب سات في المنطقة

يذكر أن عرب سات التي تأسست عام 1976م من قبل الدول الـ (21) الأعضاء في جامعة الدول العربية، تبث أكثر من (450) قناة تلفزيونية و(30) قناة عالية الوضوح HD، و(4) شبكات تلفزيونية مسبقة الدفع، بالإضافة إلى (160) محطة راديو تصل إلى عشرات الملايين من المنازل في أكثر من (100) دولة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وإلى ما وراء ذلك في مختلف أنحاء العالم، ليتجاوز عدد مشاهدي عرب سات (170) مليون مشاهد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يوجهون جميعهم أجهزة الاستقبال الخاصة بهم إلى الموقع الفضائي الحصري لعرب سات.

وتعدُّ عرب سات المشغل الوحيد للأقمار الصناعية في منطقة الشرق الأوسط التي تقدم مجموعة كاملة من خدمات الاتصالات والبثّ وخدمات النطاق العريض بتشغيلها لأسطولها المتنامي من الأقمار الصناعية في المدار على المواقع (26) درجة شرقـًا، (30.5) درجة شرقـًا، و(20) شرقـًا.

وسائل التواصل الاجتماعي منصات لنشر ومشاركة الأخبار المضللة والأكاذيب

مقدمو المعلومات المضللة يستغلون مواطن الضعف في المتلقين.

أصبح انتشار المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة ممكنة إلى حد كبير عبر الشبكات والمراسلات الاجتماعية، مما يطرح التساؤلات حول مدى رقابة الدول والرقابة الذاتية للشركات التي تقدم هذه الخدمات.

في هذا الشأن أصدرت اليونسكو دليلاً للتدريس والتدريب في مجال الصحافة بعنوان: “الصحافة والأخبار الزائفة والتضليل” (Journalism, Fake News & Disinformation) كتبه الخبيران “جولي بوسيتي وشيرلين إيريتون “، وقد نُشرت ترجمة الدليل إلى اللغة العربية هذا العام 2020م، في العاصمة الأردنية عمّان بعون من مؤسسة “فريديرش ناومان” الألمانية.

يستجيب الدليل لمشكلة المعلومات المضللة العالمية الناشئة التي تواجه المجتمعات بشكل عام، والصحافة بشكل خاص، وهو يتجنب افتراض أن مصطلح “الأخبار الزائفة” له معنى صريح واضح أو مفهوم يتفق عليه الجميع، وذلك لأن “الأخبار” تعني معلومات يمكن التحقق منها خدمة للمصلحة العامة، وبالتالي فإن المعلومات التي لا تلبي هذه المعايير لا تستحق أن تصنف كأخبار، ومن هذا المنطلق؛ فإن “الأخبار الزائفة” تحمل في طياتها تناقضًا يتمخض عن تقويض لمصداقية المعلومات التي تجتاز فعلاً عتبة التحقق وتخدم المصلحة العامة – أي الأخبار الحقيقية.

وَلـِفـَهم أفضل للحالات التي تنطوي على التلاعب الاستغلالي للغة وقواعد صياغة ونشر الأخبار بمختلف أنواعها، يسمي هذا المنشور أعمال الاحتيال هذه بمسمياتها؛ باعتبارها ضربًا من المعلومات الزائفة التي تندرج ضمن مجموعة متنوعة ومتسعة من المعلومات المضللة.

في كتاب اليونسكو يتم استخدام مصطلح “المعلومات المضللة” (disinformation) عمومًا للإشارة إلى المحاولات المتعمدة (المخطط لها بعناية في كثير من الأحيان) لإرباك الأشخاص أو التلاعب بهم عبر تقديم معلومات كاذبة لهم، وغالبًا ما يقترن ذلك بإستراتيجيات اتصالات متوازية ومتقاطعة ومجموعة من التكتيكات الأخرى مثل القرصنة أو المساس بسمعة الناس ومصالحهم.

ويتمُّ استخدام مصطلح “المعلومات الخاطئة” (misinformation) بشكل عام للإشارة إلى المعلومات المضللة التي يتمُّ إنشاؤها أو نشرها من دون وجود نوايا تلاعب أو خبث، وكلا النوعين يمثلان مشكلة للمجتمع، ولكن المعلومات المضللة من النوع الأول تشكل خطورة؛ لأنها غالبًا ما تكون منظمة وتتوافر لها الموارد وتعززها التكنولوجيا المؤتمتة.

يقول الدليل: “إن مقدمي المعلومات المضللة يستغلون مواطن الضعف في المتلقين أو الانقسامات الممكنة بينهم آملين في استغلالهم لتضخيم الكذبة ونشرها على نطاق أوسع، وهم بهذه الطريقة يسعون لتحفيزنا كي نصبح قنوات لرسائلهم عبر استغلال ميولنا لمشاركة المعلومات على تعدد أسبابنا لفعل ذلك”، وهناك خطر خاص يتمثل في أن “الأخبار الزائفة” بهذا المعنى عادة ما تكون مجانية؛ وهذا يعني أن الأشخاص الذين لا يستطيعون دفع تكاليف الصحافة الجيدة، أو الذين يفتقرون إلى وسائل الإعلام المستقلة التي تقدم الخدمة العامة، ضعيفو التحصين بشكل خاص أمام المعلومات المضللة أو الخاطئة.

ويوضح الدليل وجود فروق واضحة تكشف اختلاف المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة عن الصحافة (عالية الجودة) التي تتوافق مع المعايير والأخلاقيات المهنية، وفي الوقت نفسه فإنها تختلف – أيضًا – عن الصحافة الهزيلة التي لا تحقق ما تعدّ به.

ويشمل ذلك على سبيل المثال: الأخطاء المستمرة (وغير المصححة) التي تنشأ عن سوء البحث أو ضعف التحقق، وهي تشمل كذلك الإثارة التي تنطوي على مبالغات لغايات التأثير في المتلقي، وعلى انتقائية منحازة للحقائق على حساب العدل والإنصاف.

هذا الأمر انعكس على الصحفيين وهم ليسوا مجرد متفرجين يشاهدون انهيارات جليدية متنامية من التضليل والمغالطة، بل إنهم يجدون أنفسهم في طريق هذا الانهيار معرضين للانجراف أيضًا، وهذا يعني أن الصحافة تواجه خطر الطمس بسبب الأصوات النشاز، كما يواجه الصحفيون خطر التعرض للتلاعب من قبل الجهات الفاعلة التي تخالف أخلاقيات العلاقات العامة عبر محاولة تضليل أو إفساد الصحفيين لنشر معلومات مضللة.

وفي سياق التضليل والمعلومات المغلوطة التي نشهدها اليوم، فإن الخطر الأقصى ليس القيود التنظيمية غير المبررة على الصحافة، إنما هو أن يأتي يوم لا تؤمن الجماهير بكل محتوى إعلامي؛ بما في ذلك ما تنشره الصحافة أو تذيعه.

وفي ظل هذا السيناريو، فإن من المرجح أن يصدق الناس المحتوى الذي تدعمه شبكاتهم الاجتماعية، والذي يتوافق مع مشاعرهم ورغباتهم وليس مع عقولهم والمنطق السليم، ويمكننا أن نرى منذ الآن الآثار السلبية لهذا الأمر على معتقدات العامة حول الصحة والعلوم والتفاهم بين الثقافات والقدرة على تمييز الخبير ممّن يدعي الخبرة.

هذه المخاطر هي السبب الذي يدفعنا لمقاومة تنامي ظاهرة “الأخبار الزائفة” بقوة، وهو ما يجعل تدريس الصحافة والتربية الصحفية أمرًا ضروريـًّا.

وفي الوقت نفسه، تشكل التهديدات – أيضًا – فرصة لمضاعفة الجهود لإبراز أهمية وسائل الإعلام وقيمتها، وهي توفر في أثناء الممارسة المهنية، فرصة للتأكيد على التميـّز في تقديم معلومات قابلة للتحقق، والتعليق المستنير الذي يخدم المصلحة العامة.

لقد حان الوقت لوسائل الإعلام أن تطبق المعايير والأخلاقيات المهنية بشكل أوثق، وتتجنب نشر المعلومات التي لم يتمّْ التحقق منها، والابتعاد عن المعلومات التي قد تهم بعض الجمهور، ولكنها لا تخدم الصالح العام، وبالتالي يعدُّ هذا الكتيب –أيضـًا– تذكيرًا يأتي في وقته، بأنه يجب على جميع المؤسسات الإخبارية والصحفيين، تجنب نشر المعلومات المضللة والخاطئة عن غير قصد ومن دون تمحيص.

ففي كثير من وسائل الإعلام اليوم، أدى إلغاء وظائف العاملين على التحقق الداخلي من الحقائق إلى حد ما إلى نقل هذه المهمة إلى أيدي ما يعرف الآن بـ”السلطة الخامسة” من المدونين وغيرهم من اللاعبين الخارجيين الذين ينتقدون بصوت عال الأخطاء التي يرتكبها الصحفيون، ولكن بعد نشرها.

كذلك لا بد من تحسين قدرة ممارسي العمل الإخباري على تجاوز النقل الأعمى عن المصادر، والتحقيق في صحة المعلومات المقدمة من أولئك الذين تشملهم التغطية الصحفية ومن واجب الصحافة – أيضًا – الكشف بشكل استباقي عن حالات وأشكال جديدة من التضليل وفضحها، وهذه مهمة بالغة الأهمية لوسائل الإعلام.

في حين تعدُّ هذه المهمة ردًا فوريًا على مشكلة أصبحت ذات أثر تدميري، فإنها تكمل وتعزز مزيدًا من إستراتيجيات المعالجة، مثل التربية الإعلامية التي تمكن الجماهير من التمييز بين الأخبار الصادقة والمعلومات المضللة والخاطئة، حيث تعدُّ قضية التضليل قصة ساخنة تستحق تغطية صحفية قوية من شأنها أن تعزز خدمة الصحافة للمجتمع.

هذا الدليل هو دعوة للعمل، وهو يهدف – أيضًا – إلى تشجيع الصحفيين على الانخراط في حوار مجتمعي حول كيفية إصدار الناس أحكامهم عمومًا حول المصداقية، ولماذا يتناقل البعض معلومات لم يتمّْ التحقق منها، وكما هي بالنسبة لوسائل الإعلام، وكذلك لكليات الإعلام وطلابها، إلى جانب المدربين الإعلاميين والمتعلمين؛ فإن هذه فرصة كبيرة لمشاركة مدنية قوية تنخرط فيها الجماهير، فعلى سبيل المثال: يُعدّ “اللجوء للجماهير كمصدر أمرًا ضروريـًّا إذا أرادت وسائل الإعلام الكشف عن معلومات مضللة خفية، مما ينشر كمراسلات على مواقع التواصل أو عبر البريد الإلكتروني والإبلاغ عنها”.

ويوفر هذا المرجع الجديد، الممول من برنامج اليونسكو الدولي لتنمية الاتصال (IPDC)، رؤية شاملة لقضية التضليل، إلى جانب بناء المهارات العملية التي تكمل ما يقدم من معرفة وفهم بغرض تشجيع الأداء الأمثل والرقابة الذاتية من قبل الصحفيين.