المستقبل عن بُعد

مع بداية ظهور (كوفيد 19) خفية في نهاية 2019م في الصين قبل أن يُعلن على استحياء في نهاية شهر يناير الماضي عن اكتشاف أول حالات مرضية، ثم مفاجئة منظمة الصحة العالمية الدنيا بأسرها بتصنيف الفيروس كوباء في شهر مارس الماضي، تجلت التناقضات بسبب هيمنة (كوفيد 19) على الرأي العام العالمي، وتأثيرها في تفاصيل الحياة اليومية للبشرية سلبًا وإيجابًا، وأصبح الإنسان يصحو على إجراءات ويمسي على أخرى.

صاحب اليد الطولى والبارز الأكبر في متابعة الجائحة كان الإعلام التقليدي والرقمي، ووسائل التواصل الاجتماعي التي لقيت في هذه الأزمة مادة لا تنتهي، وجدلاً بين العامة والأطباء والعلماء، وأهل السياسة والتجارة ومراكز البحوث.

من أوجه التأثير الإعلامي لهذه الجائحة التدخل في تقييم الأداء السياسي والصحي والمعيشي للدول، وكيفية تعامل منظمات العمل الدولي.

متابعة (كوفيد 19) طغى على هياكل البثِّ التلفزيوني والإذاعي ومحتوى رسائل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أدى بالمواطن العادي إلى ركوب الموجة والمشاركة في الأزمة، من خلال رسائل في “تويتر” و”سناب شات” و”الفيسبوك” و”الواتساب” وغيرها، بل وتحول إلى مصدر مشوش لعمل الأطباء المتخصصين ومراكز البحوث، ولم يقف عند النقل فقط،  بل وصل بالإنسان البسيط إلى اقتراح إجراءات حياتية ومعيشية وطبية لمواجهة الفيروس الخطير.

تردد وتناقض وبطء القرار الصحي الدولي، والضخ الإعلامي المكثف والمشاركة الشعبية في مواجهة الجائحة أسهم في بروز مفاهيم جديدة للحياة في المستقبل.

المتابعة الإعلامية المركزة لانتشار الوباء ورقابة الالتزام بالتعليمات في الشوارع والأسواق والعمل أوجد آثارًا مهمة في يوميات البشر، منها تطبيق مفهوم “الحياة عن بُعد” الذي شمل العلاقات الإنسانية والتواصل، والعمل، والتسوق، والتدريب والترفيه.

الكوادر الطبية أو “الجيش الأبيض” كانوا أبطال المواجهة بتحديهم للمخاطر، إلا أن الإعلام بكافة أنواعه كان فارس الساحة والمستفيد الأول من التناقضات والمتغيرات، لأنه اعتاد على صنع الأزمات ومتابعتها والتربح بها ومنها ومعها.

في الأخير منظمة الصحة العالمية تقول: “نحن نتعلـّم” والإنسان يردد: “نحن نتألم”.

كرة القدم الخليجية.. مواعيد وتغييرات واحترازات ما بعد كورونا

الجماهير تحت وطأة الحظر الوقائي تنتظرها بشغف

بعد أن أطبقت جائحة “كورونا” على أنفاس النشاط الرياضي في دول مجلس التعاون لأكثر من ثلاثة أشهر، كما فعل أثرها الشديد في كافة مناحي الحياة، أعلنت اتحادات كرة القدم في دول مجلس التعاون عودة الحياة لأنشطتها الرياضية، حيث كان التوقف بقرارات الاتحادات الرياضية تبعًا للإجراءات الوقائية التي اتخذتها حكومات دول المجلس منذ تفشي الفيروس التاجي (كوفيد 19)؛ احترازًا ووقايةً لمحبي وممارسي الأنشطة الرياضية، وعلى رأسها “الساحرة المستديرة” التي ترقب جماهيرها ما ستقرره كل دولة، وهي تستعد للعودة بحذر دخولاً في مرحلة التعايش مع “كورونا”، حيث أتت بعض التوقعات بالتوقف وإنهاء الموسم الرياضي الحالي وإلغاء النتائج، على غرار ما فعلته بعض الدول الأوروبية التي تحظى بطولاتها بمتابعة كبيرة عالميًّا، بينما توزعت التوقعات الأخرى بين “تتويج المتصدرين” و”استكمال الجولات المتبقية”.

وبقي الحماس والترقب من محبي كرة القدم في الخليج طوال الفترة الماضية إلى أن ظهرت النوايا نحو مسابقات اللعبة الأكثر جماهيرية، من خلال قرارات اتحادات الكرة الخليجية، والتي تفاوتت بين إنهاء الموسم الرياضي أو مواصلته وفق مواعيد محددة وضمن إجراءات احترازية وصحية مُحكمة، والتي بدأت فعليًّا في بعض دول مجلس التعاون بعودة تدريجية مواكبة لتخفيف دول العالم الإجراءات الاحترازية والوقائية التي أوقفت الأنشطة الرياضية وغيرها، بينما تتوق جماهير الرياضة في دول الخليج لعودة المنافسات الرياضية؛ للتخفيف من وطأة الحجر المنزلي والحظر الذي فرضته دول الخليج؛ للحد من تفشي عدوى الفيروس.

“كورونا” يلغي دوري الخليج العربي في الإمارات

حسمت الجمعية العمومية لرابطة دوري المحترفين في دولة الإمارات العربية المتحدة، في 18 يونيو 2020م، مصير الموسم الرياضي (2019/2020م) بإلغاء جميع المسابقات، بعد استقبال اقتراحات الأندية، حيث أعلن الاتحاد الإماراتي لكرة القدم إلغاء دوري الخليج العربي وكأس رئيس الدولة، على إثر تفشي فيروس كورونا المستجد في البلاد، بعدما توقف النشاط الرياضي، واعتمدت الجمعية مواعيد انطلاق الموسم الجديد، على أن تكون البداية مع بطولة كأس الخليج العربي في الثالث من سبتمبر المقبل، ثم انطلاق بطولة دوري الخليج العربي في التاسع من الشهر نفسه وتليها بعد يومين مسابقة دوري الخليج العربي تحت (21) عامًا.

وجاءت تلك القرارات عقب سلسلة من الاجتماعات التنسيقية مع الجهات المعنية، شملت اجتماعًا مشتركـًا مع اتحاد الإمارات لكرة القدم، حضره ممثلو لجنتي المنتخبات والمسابقات في 21 يونيو 2020م، تلاه اجتماع مع الأندية المحترفة شهد حضور ممثلي الأندية المحترفة، ثم اجتماع آخر مع القنوات المالكة للحقوق.

أغسطس المقبل عودة الحياة للكرة البحرينية

أعلن اتحاد الكرة البحريني في 21 يونيو 2020م، استئناف المسابقات الكروية المحلية مطلع شهر أغسطس المقبل، وأصدر بيانــًا أوضح فيه اعتماد مجلس إدارة اتحاد الكرة استكمال مسابقات الكبار للموسم الرياضي (2019/2020م) بدءًا من الأسبوع الأول من أغسطس المقبل؛ بانطلاق دوري ناصر بن حمد الممتاز ودوري الدرجة الثانية.

السعودية تستأنف مسابقاتها وتشدد احترازها

في المملكة العربية السعودية، حدد الاتحاد السعودي لكرة القدم الرابع من أغسطس المقبل، موعدًا لاستئناف مسابقات كرة القدم للموسم (2019/2020م)، بعد أن توقف في (14) مارس الماضي بسبب أزمة فيروس كورونا المستجد.

وجاء في بيان رسمي صدر عن اتحاد كرة القدم السعودي، في 12 يونيو 2020م، أن إعلان استئناف المنافسات الرياضية جاء بناءً على قرار وزارة الرياضة بالسماح بعودة النشاط الرياضي، وبالنظر إلى المواعيد المحددة من الاتحاد الآسيوي لاستئناف المسابقات الآسيوية، وكذلك تحديد موعد استئناف تصفيات كأس العالم 2022م.

واستكمل الاتحاد التنسيق مع الأندية حتى عودتها للتدريبات بداية من 21 يونيو 2020م، استعدادًا لاستكمال الموسم الرياضي، وفق بروتوكول طبي وإجراءات احترازية مشددة.

واعتمد اتحاد كرة القدم السعودي زيادة عدد التبديلات في المباراة من ثلاثة إلى خمسة تبديلات خلال فترة استئناف المسابقات، وذلك بحسب التعديلات الجديدة في قانون اللعبة الجماهيرية المعتمد من اتحادها الدولي.

عُمان تعلق أنشطتها الرياضية وتلغي “كأس الاتحاد”

في سلطنة عُمان كان قرار تعليق الأنشطة الرياضية، وعلى رأسها الدوري المحلي لكرة القدم؛ والذي أعلنه اتحاد الكرة العُماني منذ 18 مارس 2020م، ينص على تأجيلها حتى سبتمبر المقبل، تماشيًا وتنفيذًا لقرار اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار الجائحة في السلطنة.

وتضمن البيان بالإضافة إلى الموعد المقترح استئناف بطولة كأس عُمان، والدوري العُماني ودوري الدرجة الأولى، مقابل إلغاء كأس الاتحاد ودوريات المراحل السنية.

الكرة القطرية تعود نهاية “يوليو”

أما الاتحاد القطري لكرة القدم فقد أعلن عن موعد استئناف النشاط الرياضي الكروي في بيان أوضح فيه أن المسابقات المحلية للموسم الحالي سوف تستأنف بداية من 24 يوليو إلى 26 أغسطس المقبلين.

تغييرات ودمج في المنافسات الكروية الكويتية

دولة الكويت كانت أول من بادر خليجيًّا بتعليق النشاط الرياضي، حين أعلنت ذلك في 24 فبراير2020م، ثم جاء قرار الاتحاد الكويتي لكرة القدم باستئناف الموسم الكروي الحالي في 15 أغسطس المقبل، وهو القرار الذي انتظرته جماهير الكرة في الكويت، وأوضح البيان الصادر عن اتحاد كرة القدم الكويتي أن القرار تمَّ بعد مخاطبة اللجنة الثلاثية المكونة من وزارة الصحة والهيئة العامة للرياضة واللجنة الأولمبية الكويتية.

وأوضح البيان الكويتي – أيضًا – أنه سيتم دمج مسابقتي الدرجة الممتازة والدرجة الأولى في الموسم الجديد، إذ تلعب الفرق بنظام البطولة من دور واحد، على أن يتم تصنيف الفرق بعدها إلى قسمين بواقع عشرة فرق في البطولة الممتازة، وخمسة في الدرجة الأولى، كما قرر الاتحاد الكويتي لكرة القدم إقامة كأس الأمير وكأس ولي العهد بنظام خروج المغلوب من مباراة واحدة.

إجراءات احترازية تغيب أهم النجوم

اتخذت العديد من أندية كرة القدم في الخليج، ممن أعلنت اتحاداتها عودة المنافسات قريبًا، حزمًا من الإجراءات والبرتوكولات الوقائية تواكب العمل الاحترافي الكروي الذي تنتهجه.

أما الغائب الأكبر فهو النجم المعروف باللاعب رقم (12) في فريق كرة القدم، جمهورها المتعطش لإثارتها، حيث فرضت الإجراءات الوقائية إقامة المباريات بمدرجات خاوية، بعد أن كان غياب الجمهور عن المدرجات استثناء لا يطبق إلا في حالات الضرورة القصوى أو من باب العقوبات، ولعل الهدف الأسمى للحد من تفشي الجائحة هو أهم الضرورات اليوم عالميًا.

وإعلاميًا يؤثر غياب الجمهور على متعة النقل والمشاهدة، فاختفاء صيحات عشاق الساحرة المستديرة وانفعالاتهم، وغياب تلك المشاهد الإبداعية التي ترسمها روابط الأندية على المدرجات بمختلف الألوان واللغات، ستفقد كرة القدم ما بعد “كورونا” جزءًا كبيرًا من متعتها، وفي هذا الإطار تجرب بعض المؤسسات الإعلامية الناقلة لمنافسات كرة القدم في مختلف أنحاء العالم الاستعاضة عن أصوات الجماهير ببدائل صوتية في محاولة لنقل إثارة الملاعب عبر الشاشة وخلف الأبواب المغلقة، لتصنع شعورًا تؤنس به وحشة المشاهدين خلال فترات الحظر الوقائي.

أبرز الأدوات التي واجهت بها المؤسسات الإعلامية تحديات العمل في ظلَّ جائحة كورونا

غرف التحرير الموزعة وصحافة الموبايل وتطبيقات العمل عن بُعد

يتعاظم دور الإعلام في التعامل مع الطوارئ والأزمات والجوائح العابرة للحدود، وفي ظل التطور التكنولوجي، تمكنت المؤسسات الإعلامية من استخدام التطبيقات التكنولوجية المتاحة في التعامل مع جائحة كورونا (كوفيد 19) التي دفعت الجهات المختلفة والأفراد في أنحاء العالم إلى تطبيق مفهوم “العمل عن بُعد”، وذلك بوسائل الاتصال والبثّ التشاركي، مثل: ( Webex, Skype, Zoom, Teams,  Messenger, Whatsapp , Google Hangouts, Facetime,  وغيرها)، وقد تأثرت مهنة الإعلام بشكل مباشر في هذه المرحلة، حيث أصبحت معظم اللقاءات وبعض البرامج وحتى نشرات الأخبار تتم عبر الإنترنت، فضلاً عن القيام بإعادة النظر في طريقة العمل وهيكلته بما يتفق مع الوضع الجديد.

غرف التحرير الموزعة.. الخيار الأول

خلال الجائحة اضطرت العديد من المؤسسات الإعلامية إلى إعادة تشكيل نفسها داخل مساحات رقمية موزعة، لتضمن استمرار العمل مؤقتـًا ولحين انتهاء الأزمة، ومع التجربة حققت الغرف الموزعة نجاحـًـا كبيرًا، حيث تمكنت المؤسسات من إدارة نفسها بالكامل عن بُعد، وهجرت المقرات والمكاتب نهائيًّا، وأدى الصحفيون أعمالهم من المنازل، ونجحت التطبيقات والأدوات وباقي مظاهر العمل الموزع في تحقيق المطلوب بكفاءة عالية.

وقد دفع هذا النجاح الخبراء للاعتقاد بأن الإعلام سوف يستمر ضمن هذه الأطر الموزعة لفترة طويلة من الزمن، حتى بعد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد، حيث تتبنى مؤسسة (Fathm – News Lab, Consultancy, Agency) للاستشارات الصحفية، ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الرأي ‒ أيضًا ‒ وأطلقت بدعم من مبادرة (أخبار Google) دليلاً تشغيليًّا باللغة الإنجليزية يحمل عنوان: (Distributed Newsroom Playbook)، ويشرح طرق التحول من غرف الأخبار التقليدية إلى الموزعة، هذا الدليل صاغه نخبة من خبراء الابتكار والتطوير في غرف الأخبار، ومعظمهم قاد بالفعل عمليات التحول لأنظمة العمل الموزعة على مدار السنوات الخمس الماضية، ويتضمن الآتي:

أولاً: إدارة الغرف الموزعة

في بداية طريق التحول للعمل الموزع، لا بد من إدراك أمرين في غاية الأهمية، هما:

الأول: إن الانتقال للعمل الموزع يحتاج بعضًا من الحكمة والواقعية، وأن غرف الأخبار الموزعة لا يمكنها أن تفعل نفس الأشياء التي كانت تفعلها الغرف التقليدية بالطريقة نفسها، فهناك حاجة إلى طرق مناسبة للتكيف مع الوضع الجديد.

الثاني: إن التحول للعمل الموزع ليس مجرد إطار لممارسة العمل عن بُعد، بل تأسيس تجربة تدار وتعمل رقميًّا من الألف إلى الياء، لكنها تحتفظ بروح العمل الجماعي ووحدة الهدف والأبعاد الإنسانية الأخرى.

في هذه الغرف الموزعة تُعقد الاجتماعات عبر أداة أو تطبيق لاستضافة مؤتمرات الفيديو، وتحدد المواعيد من أعلى لأسفل، وفق جدول العمل اليومي، بما لا يتعارض مع مواعيد انعقاد المؤتمرات الصحفية الخارجية، وتوجد ثلاثة أنواع من الاجتماعات تناسب طريقة العمل داخل الغرف الموزعة:

1-اجتماع يومي لمعالجة المسائل التحريرية فقط.

2-اجتماع أسبوعي لمناقشة الأمور الفنية والتقنية.

3-اجتماع شهري يجمع المديرين والموظفين الرئيسيين لتقييم سير العمل ووضع الخطط واتخاذ القرارات المصيرية.

ويفضل في كل الأحوال ألا يزيد زمن أي اجتماع يُعقد عبر الإنترنت على نصف ساعة، حتى لا يفقد قيمته بشكل كبير.

أمر آخر مهم من عمل الإدارة يتمثل في رصد مخاطر العمل الموزع وتجنبها، مثل السلبيات المتعددة لبيئة العمل المنزلي، فالعاملين من المنزل قد تقل طاقاتهم عن المستوى المعروف عنهم، لذا لا بد من أن تحدد الإدارة لموظفيها موعدًا يوميًّا لتسجيل الدخول وبدء العمل، وتتأكد من التزامهم به، وتحاسب المقصر، كما أن طاقة المحرر قد تقل ‒ أيضًا ‒ بسبب عدم امتلاكه أجهزة مناسبة للعمل في منزله، لذا يجب أن توفر الإدارة لموظفيها جميع ما يتطلبه العمل الموزع.

على الجانب الآخر ينخفض تأثير القيادة أو الإدارة عن بُعد مقارنة بالقيادة المباشرة، لذا يجب أن تحرص الإدارة على التواصل الدائم مع الموظفين، ومناقشتهم فيما يدور في أذهانهم عن العمل، والمشكلات التي تواجههم.

ثانيًا: هيكلة الغرف الموزعة

يأتي بعد ذلك تأسيس هياكل العمل داخل الغرف الموزعة، حيث يجب تنظيم الموظفين داخل أقسام عمل رقمية جديدة، تناسب أولاً طبيعة العمل الموزع، وتضمن الاحتفاظ ببعض الألفة التي كانت موجودة من قبل في صالة المكاتب.

هنا سيبقي التسلسل الهرمي للموظفين كما هو، وكذلك آليات إعداد التقارير التي اعتاد عليها فريق المحررين، لكن سيعاد تشكيل الأقسام التي تجمع الموظفين والمحررين وباقي العاملين، والتقليل من عددها قدر الإمكان.

ويجب معرفة أن النظام في الغرف الموزعة به قسمان رئيسان لا غنى عنهما:

1-قسم المهام والتكليفات، وهو عصب غرفة الأخبار الموزعة، وبمثابة مركز الاتصال الرئيسي، حيث يجتمع فيه جميع العاملين في المؤسسة، مديرين وموظفين، وفيه يتم طرح الأسئلة الخاصة بالعمل والإجابة عنها، وتخزين المعلومات الأساسية، وتحديد التكليفات والمهام، ومتابعة التنفيذ.

2-قسم الإنتاج، وفيه يُصب كل ما تمَّ إنتاجه من أخبار وتقارير ومواد مصورة ورسوم، لتجهيزها وإعدادها للنشر، في هذا القسم يُضمّ مديرو ومحررو الفيديو والرسومات والبيانات والصور، ومحررو النصوص ومخرجو الويب، أما باقي الأقسام فتحدد وفق احتياجات كل مؤسسة وطبيعتها، وبعد الانتهاء من تشكيل الأقسام، يجب إنشاء قناة اتصال رقمية لكل قسم من أجل التواصل الداخلي.

ثالثــًا: التحرير

في الغرف الموزعة لا تختلف قواعد وآليات التحرير كثيرًا عن الغرف التقليدية، لكن قد يكون هناك احتياج لإضافة بعض الأفكار والتوصيات لتتناسب عملية التحرير مع طبيعة العمل الموزع، ويفضل الاعتماد في الغرف الموزعة على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون خلال التغطية للأحداث العاجلة والاضطرابات والظروف الاستثنائية، وذلك لأنهم أقرب لبؤرة الحدث من المراسل الصحفي، لكن يجب التحقق أولاً من صحة هذا المحتوى قبل بثـّه أو نشره، وذلك باستخدام آليات التحقق المعروفة والمجربة، كما لا بد من الحصول على إذن بالنشر من صاحب المحتوى  قبل بثـّه للجمهور.

وفيما يخصُّ المصادر الخبيرة التي تتم الاستعانة بآرائهم لدعم التقارير والقصص، يُعتمد داخل الغرف الموزعة على المصادر الافتراضية ويتمُّ التواصل معها عبر الإنترنت، فهناك العديد من الأشخاص الذين لديهم خبرة كبيرة وإلمام في مجالاتهم، ونشطون ‒ أيضًا ‒ على مواقع التواصل الاجتماعي، ويمكن الاستعانة بهم، في حال عدم التمكن من الوصول للمصادر المعروفة والقديمة بسبب ضغوط الأزمة الحالية.

رابعًا: التدريب عن بُعد

مع التحول للغرف الموزعة، سوف تنتهج المؤسسة الصحفية وموظفوها طريقة عمل ومهام وظيفية جديدة، ما قد يتسبب في حالة ارتباك وخوف وعدم يقين بين العاملين، هنا يأتي دور التدريب لتأهيل الموظفين على طريقة العمل الجديدة والأدوات المستخدمة، في البداية توضع إستراتيجية للتعلـّم والتدريب عن بُعد، وتنفذ جيدًا، ثم يُحدد محتوى الدورات التدريبية بناءً على المهارات والأدوات التي يحتاجها رؤساء الأقسام والموظفون.

خامسًا: التكنولوجيا والأدوات

يجب السعي لبناء جهاز فعال للتحكم عن بُعد، وفي البداية يفضل اعتماد قائمة بالأدوات والتقنيات التي ستستخدمها المؤسسة وكل العاملين بها، والالتزم بكل أداة والغرض منها، على سبيل المثال؛ إذا اعتمدت المؤسسة تطبيق (Slack) للاتصالات الداخلية، فلا يجوز استخدام تطبيق آخر للغرض نفسه.

بعد ذلك يجب إعداد وضبط جميع الأدوات والتقنيات التي يستخدمها العاملون، بداية من إنشاء الحساب والتثبيت، إلى إنشاء كلمات مرور قوية وحفظها، كما يجب تثبيت تحديثات الأمان لجميع الأدوات الموجودة على أجهزة الموظفين جميعـًا.

صحافة الموبايل.. تأخذ دورها في الأزمة

قلّصت جائحة (كوفيد 19) من حركة فريق العمل في التغطيات، وبات من الصعب أن يتحرك فريق من (5) أشخاص يحملون معدات ضخمة لتغطية فعالية ميدانية أو حدث ضخم، فبات البديل عبارة عن صحفي مدرب جيدًا يحمل هاتفًا ذكيًّا وبعض المرفقات اللازمة لإنجاح مهمته.

ويناقش أسامة الديب، مدير تحرير “المالتيميديا” في مؤسسة “أونا” للصحافة والإعلام، التحول الحاصل في معظم غرف الأخبار نحو صحافة الموبايل، وأرجع ذلك إلى كثرة تطبيقات الهاتف المحمول والمنصات الإعلامية المتواجدة حاليًّا، مما دفع لهذا التحول، بل وسرّع فيه، ووضع عدة مداخل لفـَهم التعامل الجيد في هذا الإطار كما يلي:

أولاً: تحديد عناصر القصة الجيدة

تبدأ صحافة الموبايل الفعّالة بحسب “الديب” بتحديد عناصر القصة الجيدة، وهي التي تبث فيها الحياة بالمعالجة والتكنولوجيا، من هذا المنطلق يقول: “ابحث بدقة عن القصة الجيدة بكل تفاصيلها، ثمّ حدد زوايا التصوير والشخصيات الرئيسية في قصتك كي تستطيع أن ترسم ملامح الشخصيات وتعرّف المشاهدين على تفاصيل حياتهم عبر الفيديو أو الصورة، ومن خلال عملية تحديد العناصر ستلتقط المشاهد المعبّرة التي ستوصل القصة للجمهور وستمكّن المشاهد من فـَهم زوايا الحدث، وتفعّل من التواصل البصري مع شخصيات القصة”.

ثانيـًا: الهاتف الذكي ذو التقنية العالية

بعد تحديد عناصر القصة لا ينصح “الديب” الصحفيين بالانشغال بالمعدات الضخمة، بل بالبحث عن هاتف سهل الاستخدام، يعمل بشكل متكامل مع كافة أشكال التصميمات وطرق العمل والملحقات، ويملك بطارية تعمل لفترة طويلة، ويمكن تشغيل تطبيقات عالية الجودة من خلاله.

تطبيقات فيديو وصوت يُنصح باستخدامها

-تطبيق (Filmic Pro): يمكن للصحفيين تحميل هذا التطبيق من الأجهزة التي تعمل بنظامي تشغيل (IOS) و(Android)، وهو تطبيق متطور جدًّا، بحسب “الديب”، ويحوي مزايا عديدة، مثل إمكانية التحكم في مثلث التعريض الضوئي.

-تطبيق (Open Camera): متاح فقط للأجهزة التي تعمل بنظام تشغيل (أندرويد).

-تطبيق (Cinema 4K)، وتطبيق (Cinema FV-5): يمكن للصحفيين تحميلهما من الأجهزة التي تعمل بنظام تشغيل (Android)، ويُتيح التطبيقان للصحفيين مزايا متنوعة.

-تطبيق “آي موفي” لأجهزة آيفون، متوافر في متجر (آبل) بشكل مجاني، ومن مميزاته أنه يمنحك سرعة كبيرة في المونتاج، وإضافة الأصوات والمؤثرات، وتحسين الإضاءة ويدعم الكتابة باللغة العربية.

-تطبيق (RecForge Lite): يمكن للصحفيين تحميل هذا التطبيق من الأجهزة التي تعمل بنظام تشغيل (Android) فقط.

-تطبيق (Voice Record Pro): يمكن تحميل هذا التطبيق من الأجهزة التي تعمل بنظامي تشغيل (IOS) و(Android).

وأضاف “الديب”، في حديثه خلال (ويبينار) بُثّ عبر شبكة الصحفيين الدوليين، إلى أنه يمكن للمراسل الاعتماد على صحافة الموبايل لإعداد تقارير حول جائحة (كوفيد 19)، نظرًا لسهولة التنقل بهاتف محمول صغير، وسهولة تعقيمه لضمان سلامة الصحفي أثناء عمله، علمًا أنه من المهم دراية الصحفي بالأدوات الرئيسية على مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات التي تساعده في تحرير الفيديو، كي يستطيع مواكبة الإيقاع السريع الذي تعيشه غرف الأخبار في الوقت الراهن.

تطبيقات العمل عن بُعد والبث المشترك

فضلاً عن موضوع الغرف الموزعة واستخدام الهواتف الذكية، وضعت شبكة الصحفيين الدوليين أبرز النصائح للإعلاميين خلال استخدامهم تطبيقات العمل عن بُعد والبث المشترك، لتعرّفهم على أفضل الطرق والوسائل التي يمكن اعتمادها للظهور بطريقة محترفة.

أولاً: الحفاظ على الشكل والمظهر 

صحيح أن المضمون هو الأساس، ولكن الحفاظ على المظهر اللائق هو مفتاح أساسي للنجاح ‒ أيضًا ‒ عند الاستعداد للمشاركة في ندوة إلكترونية أو محاضرة أو مقابلة، يجب ارتداء الملابس المعتادة لهذا النوع من اللقاءات، فإذا كان اللقاء يستوجب لباسًا رسميًّا، علينا القيام بالأمر نفسه.

ثانيًا: نبرة الصوت ووتيرة الكلام

بسبب المشاكل التقنية أحيانـًا، وبسبب رداءة الصوت وغيرها من الأمور الناجمة عن التواصل عبر الشبكة الإلكترونية، يجب الحرص على أن يكون الصوت عاليًّا والانتباه لمخارج الحروف والنطق والتكلم بسرعة متوسّطة وبحيوية، وتفادي وتيرة الصوت النمطية، والتفاعل مع الحاضرين، وسؤال الفريق الآخر عمّا إذا كانوا يسمعون الصوت جيدًا ويفهمون ما يُقال قبل المضي قدمًا بالكلام.

ثالثــًا: محاولة الاختصار

بعد التجربة، تبيّن أن اللقاء الذي من شأنه أن يستغرق ربع ساعة من الوقت في الحياة العادية ما قبل (كورونا) يأخذ على الأقل نصف ساعة إلى ثلاثة أرباع الساعة على (الأونلاين)، لهذا يجب التحضير للاجتماع من خلال كتابة الأفكار الرئيسية على ورقة محاذية، والحرص على ذكر النقاط كلها وشطبها عند الانتهاء منها.

رابعـًا: تحديد مدة اللقاء

من الأخلاقيات واللياقة سؤال الفريق الآخر عن الوقت المتاح لإجراء المقابلة أو اللقاء الإلكتروني، فلا يجب الاعتقاد أن الشخص في “الحجر المنزلي” وقته غير محدود، بل لديه التزامات أخرى بالتأكيد، والسؤال عن الوقت المتاح يساعد على التحكم بمضمون اللقاء.

خامسًا: تسمية الأشخاص الحاضرين بأسمائهم

تختلف اللقاءات الإلكترونية عن سواها، إذ تغيب “لغة الجسد” ويغيب التفاعل المباشر، وأهم ما في ذلك النظر في عيون الحاضرين للّقاء، أحيانـًا كثيرة تغني نظرة عن إعطاء الكلام أو توجيه الملاحظة أو غيرها من الأمور، لذلك يُنصح بمناداة الأشخاص الحاضرين في الندوة أو اللقاء بأسمائهم للتأكد من أنهم مستوعبون لمضمون الحديث وليس لديهم أي سؤال أو استفسار.

والأمر نفسه يطبّق في بداية اللقاء، بحيث يجب إلقاء التحية على جميع الحاضرين، وإن كان الحوار يجرى بين فريقي عمل، يبدأ مسؤول الفريق بالتعريف عن فريق عمله أولاً بالأسماء، ومن ثمّ يطلب من المسؤول الآخر القيام بالأمر ذاته.

سادسًا: خاصيّة تشغيل الفيديو

هل نشغل الفيديو في اللقاء الإلكتروني أم لا؟ المسألة هنا – أيضًا ‒ أخلاقية، فإذا كان الشخص الآخر الذي نحاوره قد شغّل خاصيّة الفيديو في بداية اللقاء، علينا تشغيله حُكمًا، وهذا من باب الاحترام المتبادل والقول إننا ننتبه على الكلام الذي يقوله ونوليه أهمية.

أمّا إذا تعذر ذلك لأسباب ضعف في الشبكة أو ما شابه، يجب علينا القول للشخص الآخر منذ بداية اللقاء والاعتذار المسبق عن الموضوع، لكن الأهم هو التصرف على قاعدة الجاهزية خلال اللقاء للظهور أمام الكاميرا في أي وقت من المقابلة.

سابعـًا: إرسال الملفات والتحضير المسبق

سواء كان اللقاء لمناقشة فكرة أو مشروع أو نصّ أو مقال أو أي موضوع يحتاج إلى قراءات مسبقة حوله، يجب التواصل مع الفريق الآخر وإرسال تلك الملفات قبل موعد اللقاء بـ(24) ساعة على الأقل، كما يجب الإشارة إلى ضرورة الاطلاع على تلك الملفات ووضعها مع الأشخاص خلال الحوار للشرح والنقاش حولها.

ثامنـًا: طلب الكلام

إذا كان الحوار يضم أكثر من شخصين، لا بدّ من احترام أسس الحوار المباشر واعتماد طريقة “رفع اليد” لطلب الكلام وتفادي الكلام بنفس الوقت مع الآخرين، فهذا الأمر يوجد إزعاجًا كبيرًا لدى جميع المشاركين في الندوة الإلكترونية.

بعض التطبيقات تتيح خاصية “رفع اليد” أو “طلب الكلام” ومعظمها تحتوي على خاصية المحادثة أو الـ(Chatting)، ويمكن في الحالتين طلب الكلام من خلالها، كما يمكن ببساطة رفع اليد على الكاميرا والإيحاء بطلب الكلام.

تاسعًا: إطفاء الميكروفون خلال الأحاديث الجماعية

في حالة عدم الحديث، يجب وضع الميكروفون في صيغة الـ(Mute) أو إطفائه، وهذه الخاصية – أيضًا ‒ متاحة إلى جانب خاصية الكاميرا والتحكّم فيها، والهدف من هذا الأمر هو تفادي الأصوات المزعجة التي تأتي من الخلفية أو من البيت أو من الطريق أو الهاتف وغيرها من الأصوات التي قد تصدر.

عاشرًا: استخدام حسِّ الفكاهة للتقليل من حدّية الحوارات

لا يخلو الأمر من المواقف المضحكة خلال الحوارات المباشرة، أحيانـًا كثيرة قد يُسمع صوت حيوان أليف أو طفل يبكي أو ينادي وغيرها من المواقف، ينبغي عدم الشعور بالإحراج فالكل معرّض لهذه المواقف، بل ومحاولة إيجاد نكتة أو مسألة طريفة في هذا الموقف وإضفاء نوع من الفكاهة على اللقاء، وفي معظم الوقت، يفضّل التحلّي بروح إيجابية والتعاطف مع الآخرين، خاصة في زمن فيروس كورونا، حيث أثبتت الدراسات أن أغلبية الناس في منازلها باتت تعاني من الكآبة والخوف والقلق.

في الختام، تبقى الابتسامة مفتاح النجاح سواء (Online) أو (Offline)، وتبقى الدماثة والأخلاق ميزات أساسية لنجاح أي لقاء، وهذا ما يميّز الأفراد وما يجعل البعض يحبّك أو يتجنبّك. الخيار لك!

كيف سيغير الواقع الافتراضي صناعة المحتوى في العالم؟

في عام 2012م لاحظ الشاب “بالمر لوكي” ضعف نظارات الواقع الافتراضي المتوافرة في العالم، كانت آنذاك تعاني من كبر حجمها وضعف أدائها وارتفاع سعرها، ومساحة محدودة لمشاهدة المحتوى، جمع “لوكي” (50) نظارة واقع افتراضي مصنعة من التسعينيات واشتراها بمبلغ (39) ألف دولار، كان قد جمعها من عمله في إصلاح أجهزة الهواتف الذكية.

قرر بمعاونة عدد من أصدقائه إنتاج نسخة أولية لنظارة واقع افتراضي في جراج منزله، ثم أعد محتوى مرئي يشرح واقع ومستقبل التقنية، تلتها حملة لتمويل إنتاج نظارة “أوكيولس ريفت” عبر منصة التمويل الجامعي (Kickstarter).

كانت الإستراتيجية تعتمد على محورين، الأول الدعم المادي (التبرع)، بينما الخيار الثاني الشراء قبل الإنتاج، ونجح “لوكي” في جمع (2,5) مليون دولار خلال بضعة أيام، ما أعطى مؤشرات إيجابية للمشروع الريادي الناشئ.

الانطلاقة

نجحت المرحلة الأولى في توفير نموذج عصري لنظارات الواقع الافتراضي، ثم بدأت تطور الشركة الناشئة نظارات الواقع الافتراضي حتى استحوذت عليها شركة “فيسبوك” بعد أربع سنوات، في صفقة قدرت بملياري دولار، وشككك حينها بعض المراقبين بمبلغ الصفقة، وأعلن الرئيس التنفيذي لفيسبوك “مارك زوكربيرج” أن تقنية الواقع الافتراضي والمعزز ستكون جزءًا من حياة الناس اليومية.

اليوم تُعدُّ شركة “أوكيولس” من أهم شركات إنتاج نظارات الواقع الافتراضي، حيث تصنع نوعين رئيسين من النظارات ذاتية لا تحتاج لهاتف أو حاسب لتشغيلها، وأخرى مرتبطة بالحاسب الآلي، فالنوع الأول مهم جدًّا ومناسب لأغلب مستخدمي التقنية لسهولة استخدامها، بينما النوع الآخر يستخدم بشكل رئيس في مجال الألعاب الاحترافية وفي قطاع الأعمال.

التاريخ يعيد نفسه

تقنية الواقع الافتراضي ستغير العالم مثلما فعل الحاسب قبل عقود من الزمن، ويدعم ذلك محورين رئيسين: الأول على مستوى الإنتاج، ويتمثل في الانخفاض التدريجي للتكلفة والتطوير المستمر، والذي يقلل من حجم النظارة ويزيد من مساحة المشاهدة، والمحور الثاني ما تملكه التقنية من عوامل تجعل من النظارة أكثر تأثيرًا من وسائط عرض المحتوى المتوافرة حاليًّا، ويتمثل ذلك في عدم وجود عنصر وسيط، وهو عادة ما يكون المحرر أو المصور الذي ينقل الحدث، ما يسهل على المشاهد أو المستخدم المشاهدة بمستوى (360) درجة، ما ينتج عنه تصور حقيقي للمشاهدة، وهي نقطة تحول كبيرة في صناعة المحتوى.

من ناحية أخرى، هناك عوامل عدة نجحت في تعزيز تجربة المستخدم للتقنية، تتمثل في وجود أكثر من (10) منصات لاستخدام الواقع الافتراضي، تحوي أكثر من (4) آلاف تطبيق في مجالات متعددة، تشمل التعليم والترفيه والإعلام والأفلام، فضلاً عن زيارة الفضاء وغيرها من المجالات، ما يعزز من تجربة المستخدم ودخول التقنية في مختلف القطاعات الاقتصادية لصناعة محتوى وتأثير لا يمكن إنتاجها عبر الوسائط المتاحة حاليًّا.

نماذج ناجحة

أما على مستوى تأثير التقنية، فيمكن الإشارة إلى عدد من الأمثلة التي توضح حجم تأثير التقنية على المشاهد أو المستخدم، وسأكتفي بشرح مثالين:

الأول: يتمثل في تجربة الأمم المتحدة في جمع تبرعات للاجئين السوريين من خلال إنتاج فيلم واقع افتراضي، حيث استعانت المنظمة بأحد بيوت الخبرة لإنتاج فيلم يحكي معاناة اللاجئين السوريين، وتمَّ عرضه على المانحين في منتدى “دافوس” الاقتصادي، وكانت النتيجة أن تمَّ جمع تبرعات بقيمة (3.8) مليار دولار، (60%) أعلى من المبلغ المستهدف.

الثاني: تجربة جمعية “تشيريت ووتر” غير الربحية في نيويورك، والمتخصصة في إيصال المياه الصالحة للشرب للدول النامية، حيث أنتجت المنظمة فيلم واقع افتراضي يجسد معاناة ملايين الأطفال حول العالم، من خلال قصة طفلة أثيوبية لا تستطيع الذهاب للمدرسة لانشغالها بتأمين مياه غير صالحة للشرب لأسرتها، وعُرض الفيلم في حفل جمع تبرعات بمتحف “ميتروبولتون” وكانت النتيجة جمع أكثر من (2) مليون دولار في ليلة واحدة من خلال (400) شخص، وهذه أمثلة توضح أهمية التقنية وتأثيرها.

على مستوى وسائل الإعلام يوجد العديد من التجارب لإعداد تطبيقات على منصات الواقع الافتراضي، ومن أبرزها تجربة صحيفة “نيويورك تايمز” حيث وزعت أكثر من نصف مليون نظارة “جوجل” الكرتونية في عام 2015م للمشتركين مع النسخة الورقية؛ حتى تتيح لهم مشاهدة المحتوى (360) درجة عبر تطبيقات الصحيفة في المنصات المختلفة، وأنتجت الصحيفة تجارب مختلفة من نقل فعاليات الموضة والألعاب الرياضية إلى المحتوى الإخباري المنوع.

وهنا يتبادر سؤال.. ما مستقبل التقنية وصناعة المحتوى في العالم؟

الواضح وبلا شك أن صناعة المحتوى على مستوى توظيف الحواس في المحتوى لم تتغير لعقود طويلة، فهي تستند على حاسة أو حاستين في أفضل الأحوال وهي السمع والبصر، لتأثير الحاستين على العقل، وهذا يوضح التطور المتسارع لشاشات العرض بدرجة أولى والسماعات بدرجة أقل، بينما تقنية الواقع الافتراضي قادرة على توظيف الحواس الثلاث المتبقية، اللمس، الشم، والتذوق، بحسب التجربة المستهدفة، وأهمية توظيف الحواس الثلاث المتبقية يتمثل في رفع مستوى التأثير في المستخدم، ومن الأمثلة على إنتاج محتوى بتوظيف حاسة اللمس، على سبيل المثال تجربة بعض شركات التوعية المرورية والتي تعطي المشاهد تجربة الركوب في مقصورة قيادة ثم تجربة افتراضية لحادث سير باستخدام حزام الأمان ومن دونه، ما يعطي للمشاهد تجربة افتراضية واقعية (مرعبة) لحاث سير من دون استخدام حزام الأمان، بينما توظيف حاسة الشم يتم استخدامه في المجالات الطبية العلاجية، وتوظيف الحواس الخمس يستخدم في إنتاج الأفلام بمختلف المجالات، لا سيما المجال السياحي، كعرض تجربة زيارة وجهة سياحية أو التجول في غابة أو منطقة بها مزارع للورود، مما يعزز من حجم الشعور بالتواجد في الموقع الافتراضي.

اتحاد التقنيات

من ناحية أخرى تتيح تقنية الواقع الافتراضي دمج تقنيات أخرى معها لصناعة المحتوى (التجربة)، فعلى سبيل المثال؛ يمكن دمج تقنية الذكاء الاصطناعي معها، مثل التحدث مع رجل آلي في الفضاء الإلكتروني، أو تنفيذ حجوزات السكن، أو شراء أسهم من خلال الطلب من الرجل الآلي افتراضيًّا بتنفيذ عملية الشراء.

كل ذلك يضعنا على أعتاب مرحلة جديدة في الحياة والتفاعل عبر تقنية الواقع الافتراضي والتي تتيح خيارات غير محدودة في ابتكار طريقة صناعة التجربة.

نقلت تقنية الواقع الافتراضي صناعة المحتوى من كونها مشاهدة لأن تكون تجربة (Experience) وهذا يعطي بُعدًا أكبر، حيث إن الشخص عند مشاهدة المحتوى يقترب ذهنيًّا من الإحساس بوجوده في ذات المكان الافتراضي، لذلك نشاهد اليوم نمو إنتاج نظارات الواقع الافتراضي والتوسع في استخدامها في مختلف المجالات، ما يعطي فرصة لتغيير العالم بالاستناد على حجم التأثير، لا سيما في المجال الإعلامي والرعاية الصحية، وغيرها من المجالات التي يمكن الاعتماد عليها في تحسين الصورة الذهنية.

أفلام الأطفال الكرتونية في الإعلام المرئي

الأطفال ثمرة، وكلما بذل الآباء مجهودًا في الرعاية والاعتناء بهم بطريقة سليمة وعلمية كانوا أفضل وأكثر ذكاء، وينبغي أن يدرك الآباء والمربين أن الأطفال أصبحوا أصعب في زماننا لأن ذكاءهم سابق لِسنـّهم ومصادر المعلومات المتوافرة لديهم كثيرة وغزيرة وخطيرة.

ويولد الطفل صفحة بيضاء نقية طاهرة بلا دوافع للشر أو العدوان، لكن هناك مجموعة من المؤثرات تُسهم في تكوين شخصية عدوانية عنيفة، فالطفل يقلد من دون أن يشعر حيث يخزن كل ما يراه، وهو يعشق المحاكاة بسذاجة وبلا وعي سواء كان ما يحاكيه خطأً أم صوابـًا، لذا يحلم بأن يكون مثل الشخصيات الكرتونية ذات القوة الخارقة التي يراها تضرب وتقتل وتطير وتفعل كل ما هو مستحيل.

وتشير الإحصاءات إلى أن الطفل في مجتمعاتنا العربية من أكثر أطفال العالم قضاء لوقته وحيدًا أمام التلفزيون، يشاهد الأفلام والمسلسلات الكرتونية، وأغلب هذا الكرتون مستورد وبعيد عن واقعنا ومغرق في الخيال السلبي الذي لا علاقة له بقيمنا وأخلاقنا الإسلامية، محملاً بالمشاهد العنيفة التي تنشئ طفلاً عصبيـًّا وعنيفًا يفتقد التركيز، مما يجعله غير قادر على استيعاب شرح المعلمين في المدرسة، ما يؤثر في تحصيله الدراسي.

ويرى مختصون أن الطفل يقلد ما يراه أمامه صورةً وصوتـًا وفكرةً، وهذا يُعدُّ إيجابيـًّا إذا كان ما يقدم له حسنًا، لكن المشكلة في تلك الأفلام والمسلسلات الكرتونية إنها تعتمد على الصورة المتحركة ذات  الألوان والمؤثرات الصوتية والموسيقية الجذابة التي تجذب وتؤثر في الإنسان العادي عمومًا، فما بالنا بهذا الطفل الضعيف، حيث تتسرب هذه المشاهد إلى وجدانه ومشاعره وتعيش في فكره ثم تتحول إلى سلوك عنيف في أي موقف يتعرض له الطفل.

كما نجد أن بعض المسلسلات والأفلام الكرتونية في إعلامنا المرئي تشتمل على أفكار خطيرة سلبية لا تلائم البيئة الإسلامية والعربية، حيث يُعرض للأطفال قصصًا اجتماعية فيها غرام وإثارة للغرائز في سنّ مبكرة، وبعضها ينمي لدى الأطفال الغلظة في المشاعر والبلادة في الأحاسيس، وهذا من شأنه أن ينعكس على علاقة الطفل وتصرفاته داخل الأسرة.

كذلك يرى الخبراء أن مسلسلات وأفلام الكرتون الموجهه للأطفال من الممكن أن تكون خطرًا حقيقيـًّا وتتحول إلى سموم قاتلة عندما تكون قادمة من مجتمعات غير إسلامية وعربية، فكل مجتمع له ثقافته وعاداته وتقاليده التي تميـّزه عن غيره من المجتمعات الأخرى، ثم يكون المتلقي هنا أطفال بيئة ومجتمع آخر وأبناء ثقافة وحضارة مغايرة تمامًا، وهنا تبرز أهمية الإعلام المرئي في التوعية الملتزمة بالأخلاق الحميدة والقيم والـمـُثل العليا والأعمال الصالحة الفضلى في المجتمع وفق منهجية وطريقة الإسلام والأصالة البشرية.

إن مرحلة الطفولة هي المرحلة التي نغرس فيها القيم والمبادئ، وكذلك التعاليم البسيطة للإسلام في قلوب أطفالنا، ومع الأسف نحن نهدر هذه المرحلة المهمة من خلال مشاهدة مسلسلات وأفلام الكرتون عبر القنوات الفضائية المختلفة والتي لها دور كبير في التأثير في  شخصية أطفالنا، فهي تمنعه من ممارسة الأنشطة الحركية والثقافية الأخرى، وكذلك تحرمه من التفاعل والتواصل الاجتماعي، ولهذا فعلى القائمين على إعلام الطفل أن يبتعدوا عن استيراد مثل هذه الأفلام والمسلسلات الكرتونية ويتوجهوا لعرض ما يفيد أطفالنا.

فصل المقال ما بين الصحة والإعلام

لم يتوقف النقد الموجه لوسائل الإعلام منذ أن أعلنت “سيلفي بريان”
(Sylvie Briand)، مديرة التحضير لمخاطر الأمراض المعدية في المنظمة العالمية للصحة بأن جائحة (كوفيد 19) تخفي وراءها جائحة أخرى، إنها الجائحة الإعلامية.
لقد تناوب على هذا النقد أهل مهنة الطب، والكتّاب والمثقفون، ورجال السياسة، والفاعلون في المجتمع المدني، وحتى الصحافيون ذاتهم!

اتفقوا كلهم تقريبًا على خطورة التّخمة الإعلامية التي أصبح الجمهور يعاني منها جراء التغطية الإخبارية المفرطة لجائحة (كوفيد 19) بكل اللغات، إذ يذكر على سبيل المثال أن القنوات التلفزيونية الإخبارية الفرنسية خصصت (74.9%) من وقت بثها لجائحة كورونا خلال أسبوع فقط من (16 – 22 مارس 2020م) وفق الدراسة التي أعدّها المعهد الوطني للسمعي –  البصري الفرنسي؛ بمعنى أن كل قناة تلفزيونية بثت ما يعادل (13) ساعة و(30) ثانية في اليوم عن هذه الجائحة!

لم يحدث في تاريخ التلفزيون أن حظي أي حدث بمثل هذه التغطية المباشرة والمتواصلة على مدار ثلاثة أشهر.

لقد كادت القنوات التلفزيونية الشاملة والعامة تتحول إلى قنوات متخصصة في الأخبار، نظرًا لتركيزها المكثف على التغطية الإعلامية للجائحة المذكورة، وأعادت القنوات التلفزيونية الإخبارية النظر في برامجها فاستغنت عن بعضها لصعوبة التصوير أو التسجيل في الاستوديوهات، نظرًا للتدابير الصحية المتخذة، وكيّفت بعضها الآخر مع الوضع الصحي العالمي لمواكبة تطور انتشار الجائحة محليًّا ودوليًّا.

إن الأمر لم يقتصر على التلفزيون الفرنسي، بل شمل مختلف القنوات التلفزيونية الدولية، وحتى المحطات الإذاعية والصحف والمواقع الإخبارية في شبكة الإنترنت، لقد وجدت المنصة الرقمية المختصة في الرصد الإعلامي: (تاغا داي Tagaday) أن ما نشرته عينة تتكون من ثلاثة آلاف صحيفة وموقع إعلامي فرنسي في شبكة الإنترنت عن الجائحة المذكورة، خلال الأسبوع الثالث من مارس الماضي، يزيد على (250) ألف مادة صحفية، وحتى وكالات الأنباء العالمية التي من المفروض أن توجه موادها الإعلامية إلى وسائل الإعلام المحلية والدولية وبعضًا من القطاعات الاقتصادية والمالية والعسكرية أصيبت هي الأخرى بــ”الوباء الإعلامي”، فوكالة الأنباء الفرنسية على سبيل المثال التي من المعروف أنها تنتج أقل عدد من برقيات الأنباء يوم الأحد، الموافق لإجازة نهاية الأسبوع، نشرت (1563) برقية يوم الأحد 15 مارس المنصرم، جلّها عن (كوفيد 19)، أي بمعدل زيادة يقدر بـ(130) برقية عمـّا تنشره يوميًا.

يعتقد البعض أن الإطناب في الحديث الإعلامي عن هذه الجائحة هو نتيجة منطقية للضغوط التي تمارس على وسائل الإعلام أثناء الأزمات من لدن السلطات العمومية، والمجتمع الطبي، والمجتمع المدني، وحتى الجمهور، ففي ظل الأزمات تتحول وسائل الإعلام إلى مشجب تعلق عليه كل المشاكل والصعوبات التي تعاني منها مختلف قطاعات المجتمع، فنادرًا ما تفلت من الاتهام سواء بالإطناب الذي يؤدي إلى المبالغة في الحدث ومنحه أكثر من حجمه، مثلما جرى مع وباء “أنفلونزا الخنازير”، أو الاهتمام الضعيف به مما يؤدي إلى الاستهانة به.

جائحة العصر

نظرًا لتصنيف (كوفيد 19) ضمن الأمراض الناشئة أو جائحة العصر، فإن التخمة الإعلامية التي رافقته أفرزت ظاهرتين: الظاهرة الأولى وتعتبر تقليدية، وتتمثل في أن التركيز على هذه الجائحة أفضى إلى تجاهل ما يحدث في العالم، إذ يبدو أن الزمن توقف فيها ولم يجر في الكون أي شيء غيرها، والأكثر من هذا أن السياق الذي تنشط فيه وسائل الإعلام في العديد من البلدان يتصدى لأي معارضة إعلامية لهذه التخمة.

يذكر في هذا الإطار “ستيفان جوردن”، رئيس تحرير المحطة الإذاعية الفرنسية “فرنس أنترن” أنه حاول أن ينجو من “الوباء الإعلامي” المذكور، فاقترح بثّ برنامج إخباري قصير بعنوان: “أخبار العالم باختصار بعيدًا عن كوفيد”، لقد نبع هذا المقترح من قناعته بأن المحطة الإذاعية التابعة للقطاع العام يجب أن تؤدي خدمة عمومية يستفيد منها الجميع، لكن لم يستطع هذا البرنامج الصمود أمام “الإنزال الإعلامي” المتضمن الأخبار عن فيروس الكورونا المستجد، حيث تراوح عدد متابعيه في الموقع الإلكتروني للقناة ما بين (10 – 20) ألف متابع، قد يقول البعض : إن هذا العدد مقبول جدًّا، لكنه متواضع إن قارناه بمليوني متصفح لبعض المواد الإعلامية التي نشرت في الموقع ذاته، أو بمشاهدي التلفزيون الذين بلغ عددهم عشرين مليون متابع للأخبار في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية التي استأثرت بالحديث عن الجائحة المذكورة.

ما وراء التخمة

يتساءل الفيلسوف الفرنسي (آلان كونت سبونفيل Alain Conte Sponville) عن عائد هذه التخمة الإعلامية إن علمنا أن القنوات التلفزيونية التي استحوذت على أكبر عدد من جمهور وسائل الإعلام قدمت الأخبار المتواترة عن عدد المصابين بالعدوى وضحاياها على الصعيد المحلي وفي العالم، واتجهت إلى بثِّ القصص الإخبارية ذات البـُعد الإنساني من خلال إجراء مجموعة من المقابلات التلفزيونية مع بعض المصابين بهذه الجائحة أو الذين تعافوا منها أو الذين فقدوا عزيزًا بسببها؟ ويؤكد بأن الإطناب في ذكر الإحصائيات أو بثـّها يجعلها فاقدة القيمة ما لم تطرح في سياقها ولا تقدم بنوع من النسبية، فلماذا لا نقارن بين عدد الفرنسيين الذين قضوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والمعدل الشهري للفرنسيين الذين غادروا عالم الأحياء نتيجة حوادث المرور أو بسبب الأمراض المزمنة؟  أو عدد ضحايا (كوفيد 19) مقارنة بعدد ضحايا (الأنفلونزا الإسبانية) التي أودت بحياة (50) مليون شخص أو ضحايا مرض (فقدان المناعة المكتسب) أو حتى (9) ملايين شخص الذين تحصد أرواحهم المجاعة سنويًّا منهم ثلاثة ملايين طفل!

إن إعلام الجمهور عن طريق هذه الإحصائيات المفصولة عن سياقها والمشحونة بالقصص ذات البـُعد الإنساني والدرامي رفع درجة القلق والخوف الذي يدفع إلى البحث عن مزيد من المعلومات والأخبار عن هذه الجائحة، لقد أصبح للخوف مفعول كرة الثلج وسط الجمهور يزداد عدده بتدحرجها.

إن أكبر “مكسب” حققته وسائل الإعلام المختلفة من جائحة كورونا هو استعادة ثقة جمهورها في بلدان الديموقراطيات، الثقة التي تآكلت تدريجيًّا منذ ما أصبح يُعرف بحادثة “تميشورا” في نهاية عام 1989م، لقد استغلت وسائل الإعلام الكبرى، خاصة القنوات التلفزيونية التي شرعت في البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، المظاهرات المعادية لنظام (تشاوتشيسكو) برومانيا، وأخرجت جثث الذين وافتهم المنية من مستشفى بوخارست وأظهرتهم كأنهم ضحايا رصاص المخابرات الرومانية، فشحنت حركة الاحتجاج والسخط على نظام (تشاوتشيسكو) التي لم تنته إلا بشنقه هو وزوجته، ونقلت هذا الحدث مباشرة عبر الأقمار الصناعية.

وبانكشاف هذه الحيلة أو الخديعة سحبت نسبة كبيرة من الجمهور ثقتها في وسائل الإعلام، وتراجعت هذه الثقة – أيضًا – بعد أحداث برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001م، حيث ازداد شك قطاع واسع من الجمهور فيما قدمته وسائل الإعلام من معلومات عنها، إذ كان يعتقد أنها كانت تخفي الكثير من المعلومات عن هذا الحدث المأساوي، ويرجح البعض أن ميلاد مفهوم صحافة المواطن ولد من رحم هذا الشك.

مـَن المستفيد؟

يعتقد البعض أن المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي هي أكبر مستفيد من هذه الجائحة، نظرًا للسيل الهائل من الأخبار المتدفقة فيها، وارتفاع عدد متابعيها، لكن ما يلاحظ أنها شكلت مشتلاً للأخبار المزيفة، ففي البداية كان رواد هذه المواقع ينشرون الأخبار غير الدقيقة عن مصدر هذه الجائحة، وطرق انتشارها، وكيفية الوقاية منها نظرًا لجدّتها، ولقلة المعلومات الطبية عنها الموثوق في صحتها أو لتضاربها، لكن هذا السبب المنفرد لا يفسر كثرة انتشار الأخبار الملفقة وسرعة انتشارها، لقد شكلت الصحة مثار جدل كبير، وساحة للنزاع، فمعارضة اللقاحات في العديد من بلدان العالم لازالت مستمرة منذ سنوات، والحديث عن الطب يشوبه القلق والخوف دائمًا، هذا إضافة إلى أن مختلف الجمعيات المعارضة أصبحت تتحكم في تقنيات الاتصال وأسراره، خاصة وأن العدة الرقمية أصبحت في متناول الجميع، ليس هذا فحسب، بل إن الشركات الكبرى المصنعة للأدوية وتسويقها انساقت عبر هذه المنصات والمواقع في صراع تجاري مغلف بالحديث الطبي عن ظهور أجيال جديدة من هذه الجائحة وفاعلية الأدوية لعلاجها، ومدى قدرة بعض الشرائح الاجتماعية على مقاومتها، مثل الأطفال والنساء، والزعم بمناعة أبناء القارة الإفريقية من ذوي البشرة الداكنة ضد هذه الجائحة.  

أمام وفرة الأخبار عن هذه الجائحة وسرعة انتشارها، اتجهت وسائل الإعلام إلى نقلها من مصادرها الموثقة عبر البيانات والمؤتمرات والمقابلات الصحفية وطورت قدرتها على التحري في صحتها.

تحوّل

لقد أعطت هذه الجائحة دفعة قوية لما أصبح يعرف بـ (الترنسميديا Transmedia) أي المادة الإعلامية التي تتجاوز الوسيلة الإعلامية الواحدة، بمعنى أنها تنشر وتعرض أو تُبثُّ عبر أكثر من وسيلة إعلامية، هذا ما بينه موقع صحيفة “لوموند” الفرنسية التي نشرت الكثير من المواد ذاتها عبر نشراتها الإخبارية التي ترسل إلى المشتركين على الساعة السابعة صباحًا، وفي الموقع الإلكتروني وفي الصحيفة الورقية.

وفرضت صحيفة “لوموند” الفرنسية أسلوب التغطية المباشرة والمتواصلة لجائحة (كوفيد 19) على مدار (24) ساعة لمدة (84) يومًا، وأنشأت صفحة خاصة لتساؤلات القراء عن كل ما يتعلق بهذه الجائحة في موقعها الإلكتروني، إذ يذكر أن صحافييها أجابوا على ما بين ألفين وثلاثة آلاف سؤال يوميًّا، وكلفهم البحث عنها ساعات طوال في فحص آلاف الصفحات والمواقع المتخصصة، وهكذا تحول الخبر الصحفي إلى حوار مع القراء.

لقد زعزعت جائحة (كوفيد 19) الاعتقاد الراسخ بهيمنة العولمة الإعلامية التي محت الحدود المحلية للإعلام، وعززت ما يعرف بــ”القرب الجغرافي” و”الوجداني”، على الرغم من أن هذه الجائحة ظهرت في الصين في آخر شهر من السنة الماضية إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تهتم بها إلا في 24 فبراير 2020م، وهو تاريخ سقوط أول ضحية أمريكية من ضحايا هذه الجائحة.

لقد تجاهلت وسائل الإعلام الفرنسية موت سائح صيني في فرنسا بسبب هذه الجائحة يوم 14 فبراير الماضي، ولم تهتم بها إلا بعد (12) يومًا من هذا التاريخ، أي بسقوط أول ضحاياها من الفرنسيين وبعد بداية انتشارها في إيطاليا الدولة المجاورة.

وكالعادة لم تنج الأخبار عن هذه الجائحة من التأطير المحلي الذي سيّس الموضوع الطبي، لقد استغلتها وسائل الإعلام الأمريكية لتأجيج الصراع الدائر بين الجمهوريين والديموقراطيين عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ووظفتها الأحزاب الفرنسية لتعزيز برامجها السياسية، فحزب اليمين المتطرف الفرنسي، على سبيل المثال؛ لم ير أي علاقة بين تزايد عدد الذين لقوا حتفهم بسبب هذه الجائحة، والسياسة الليبرالية الجديدة التي دعت إلى تقليص الميزانية المخصصة للرعاية الصحية التي تُعدُّ من صلب المسؤولية الاجتماعية للدولة.  

مؤسسات الإعلام الرقمي الجديدة (برايم فيديو) أو (أمازون) من بيع الكتب إلى عملاق التجارة الإلكترونية والبثّ عبر الإنترنت

لزمن طويل ساد الإعلام الدولي أسماء إمبراطوريات معروفة، مثل: “تايم وارنر، وإكسل شبرنغر، وبرتلزمان، وديزني وغيرهم”، الآن دخلت وجوه جديدة تصنع محتوى جديد كليًّا جذبت جيل الشباب، أسماء مثل: “نتفليكس، وفايس ميديا، وبزفيد، وإنسايد إديشن، وفوكس، وإم أي سي ميديا، وأمازون برايم فيديو”، وهم عمالقة جدد في الإعلام الدولي وبأحجام وتأثيرات واتجاهات مختلفة.

(برايم فيديو  Prime Video)، والتي يتمُّ تسويقها – أيضًا – باسم (Amazon Prime Video)، هي منصة أمريكية لبثِّ الفيديو عند الطلب من خلال شبكة الإنترنت،  بما في ذلك الأفلام والمسلسلات وغيرها، تملكها وتديرها شركة “أمازون” المعروفة التي أسسها “جيف بيسوس” عام 1996م، لبيع الكتب ثم تحولت لأكبر متجر إلكتروني في العالم.

توفر المنصة برامج تلفزيونية وأفلام سينمائية للإيجار أو الشراء، فضلاً عن  مواد “برايم فيديو”، وهي مجموعة مختارة من محتوى منتجات استوديوهات أمازون الأصلية، والتي تحصل عليها الشركة بالشراء والاستحواذ على رخص بثــّها.

وكأمثلة لما تقدمه الشبكة من مسلسلات، حلقات (ذا بويز The Boys)، الذي يتناول ما يحدث عندما يسيء الأبطال الخارقون المشهورون استعمال قواهم الخارقة بدلاً من استخدامها لصالح الخير، ومسلسل (جاك راين Jack Ryan)، الذي يدور حول عميل اسمه “ريان” المكلف بالذهاب إلى أمريكا الجنوبية للتحقيق والكشف عن خيوط مؤامرة خطيرة، فضلاً عن مسلسل (مودرن لوف Modern Love) الرومانسي  الذي يستكشف ماهية الحب.

تمَّ إطلاق الخدمة في 7 سبتمبر 2006م، باسم (Amazon Unbox) في الولايات المتحدة الأمريكية، ونمت الخدمة مع مكتبتها المتوسعة، وأضافت إليها عضوية  “برايم فيديو” بالتزامن مع تطوير برايم.

وفي 22 فبراير 2011م، غير الاسم مرة أخرى إلى “أمازون إنستانت فيديو” (Amazon Instant Video on Demand)، وأضيف ما يقارب من (5,000) فيلم وبرنامج تلفزيوني لمشتركي خدمة “أمازون برايم”.

في عام 2015م، أطلقت أمازون برنامج (Streaming Partners) المعروف الآن باسم (Amazon Channels)، وهو عبارة عن منصة تسمح بتقديم قنوات البثِّ وخدمات البثِّ إلى مشتركي “أمازون برايم” من خلال منصة “أمازون فيديو”.

هذه الخدمات منفصلة عن عروض أمازون فيديو، حيث يجب شراؤها بشكل منفصل، وقد تضمن الإطلاق في الولايات المتحدة الأمريكية خدمات، مثل: “(Curiosity Stream) و(Lifetime Movie Club) و(AMC’s Shudder) و(Showtime) و(Starz) وغيرها”، ثم أضافت الخدمة لاحقـًا شركاء آخرين، مثل: “(HBO) و(Cinemax) و(Fandor) و(PBS Kids) و(Seeso) و(Toku) و(Boomerang)”.

في سبتمبر 2015م، أسقطت أمازون كلمة (Instant) من عنوانها في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تمَّ تغيير اسمها إلى “أمازون فيديو” في نوفمبر 2016م، وقد ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الشركة سعت  للحصول على حقوق البثِّ في الدوريات الرياضية الأمريكية لتمييز الخدمة بشكل أكبر.

في نوفمبر 2016م، أعلنت أمازون أنها تخطط لبثِّ حلقات برنامج (The Grand Tour) على مستوى العالم، وفيه يقوم الثلاثي “جيريمي كلاركسون، وريتشارد هاموند وجيمس ماي”، بأخذ المشاهدين  إلى جولة حول عدد من مدن العالم المختلفة،  وقد أدى الإعلان إلى تكهنات حول ما إذا كانت خدمة “برايم فيديو” الكاملة ستبدأ عملية بث دولية أوسع للتنافس مع نتفليكس.

وبالفعل تحقق ذلك، ففي 14 ديسمبر 2016م، تمَّ إطلاق “برايم فيديو” حول العالم باستثناء “الصين، وإيران، وكوريا الشمالية، وسوريا”، ليتوسع نطاقها إلى ما وراء الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والنمسا، واليابان.

بالعودة إلى الرياضة، بدأت أمازون في أبريل 2017م بإجراء عمليات استحواذ على المحتوى المرتبط بالرياضة، فاكتسبت أولاً حقوقــًا غير حصرية لبثِّ أجزاء من مباريات كرة القدم المسائية ليوم الخميس في دوري كرة القدم الأمريكي (NFL) خلال موسم 2017م، لمشتركي برايم.

وفي أغسطس من نفس العام، حصلت على حقوق البثِّ التلفزيوني البريطاني لرابطة محترفي التنس في جولتهم العالمية بداية من عام 2019م، لتحل محل (Sky Sports) في صفقة تستمر حتى عام 2023م، وتشمل حصريًا كافة الأحداث المرتبطة بها.

كما تقدم الشبكة برامج رياضية من نوع سيرة الرياضيين وحوارات خاصة، ومؤخرًا قدمت البرنامج التلفزيوني (El Corzaon de Sergio Ramos)، والذي يتناول مسيرة “راموس” من بداياته مع نادي “إشبيلية” إلى قيادته للمنتخب الإسباني ونادي “ريال مدريد”.

 يمكن لمشتركي خدمة “أمازون فيديو” مشاهدة المحتوى المقدم لهم، الأفلام والبرامج التلفزيونية، عبر العديد من الأجهزة بما في ذلك أجهزة التلفزيون الذكية ومشغلات أقراص “البوراي”، وكذلك الإصدارات الحديثة من مشغلات الألعاب “بلاي، وإكس بوكس”، وأجهزة الهواتف الذكية، والأجهزة المحمولة “الآيباد”، والأجهزة التي تعمل بنظام “الأندرويد”، وأجهزة أمازون اللوحية “كيندل فابر”، وجهاز “فاير تي في”.

كما تدعم الخدمة كذلك البث عبر الإنترنت بوساطة عدد من مشغلات الفيديو، بالإضافة إلى التطبيقات على الأجهزة التي تحمل علامة أمازون فاير، والأجهزة المحمولة المعتمدة من جهات خارجية، ومشغلات الوسائط الرقمية الخاصة (Roku)، ووحدات التحكم في  ألعاب الفيديو (Video game consoles)، وأجهزة التلفزيون الذكية.

ويتوافر – أيضًا – تطبيق (Android TV)، حيث إنه كان حصريًا في البداية لأجهزة تلفزيون “سوني برافيا الذكية” التي تعمل بنظام (Android TV)
و(Nvidia Shield).

أما عن جودة الفيديو اعتمادًا على نوع الجهاز، فإن “أمازون فيديو” يدعم نوعية دقة فيديو (1080P) و(HDR) و(UHD)، كما يتوافر للشراء بمبلغ إضافي للأفلام والبرامج التلفزيونية بخيار الفيديو عالي الدقة (4K UHD)، مع صوت (5.1) “دولبي” “ودولبي ديجيتال بلس أوديو”  و”دولبي اتموس”.

في 18 مارس 2020م، حثَّ  “تيري بريتون”، المفوض الأوروبي المسؤول عن السياسة الرقمية للاتحاد الأوروبي، خدمات البثِّ بما في ذلك “أمازون برايم فيديو”  على تقليل خدماتها، وقد جاء الطلب لمنع شبكات أوروبا عريضة النطاق من الانهيار، حيث بدأ عشرات الملايين من الناس العمل من منازلهم، نتيجة لجائحة كورونا.

وقد ظلت أمازون تحجب دعم  تلفزيون (آبل  Apple TV) ونظام (Google Chromecast)،  وفي أكتوبر 2015م، حظرت الشركة بيع هذه الأجهزة في سوقها عبر الإنترنت؛ لأنها لا تدعم نظام “برايم فيديو”، وقد أدى هذا الوضع إلى انتقاد أمازون بأنها تفرض الحمائية ضد الأجهزة التي يمكن اعتبارها غير منافسة لمنتجات (Fire TV) الخاصة بها.

مع ذلك، وفي ديسمبر 2017م، أصدرت أمازون تطبيق “Apple TV” لبرايم فيديو، وأعلنت في أبريل 2019م، أنها ستضيف دعم “كرومكاست” ‒ أيضًا ‒ إلى تطبيق “برايم فيديو المحمول” مع التوسع في إصدار تطبيق “برايم تي في”  الخاص بـ” Android TV “، وقد جاء ذلك كجزء من امتيازات لاستعادة الوصول إلى موقع “يوتيوب” على أجهزة (Fire TV) بعد نزاع مع غوغل.

أخيرًا، يقارن محمود حسين، الكاتب المتخصص في متابعة صناعة المحتوى ونقد الأفلام، في تقرير نشره في شبكة “أراجيك” بين “نتفليكس” و”أمازون برايم فيديو”، ويرى أن الأولى هي صاحبة الريادة في هذا المجال، وبفضل ما حققته من نجاح ظهر العديد من الشبكات الأخرى التي تقدم خدمات مشابهة، مثل: شركة (Hulu) الأمريكية، لكن لم تلق “نتفليكس” منافسة حقيقية إلا بعدما أطلقت شركة “أمازون” العالمية خدمة “أمازون برايم فيديو”، التي استطاعت خلال فترة وجيزة من الحصول على حقوق العرض الحصري عبر الإنترنت لعدد كبير من الأفلام والمحتوى التلفزيوني، وصارت تقدم خدماتها بالعديد من الدول التي كانت تنفرد بها “نتفليكس” في الماضي.

ويرى حسين ‒ أيضًا ‒ أن  المحتوى الترفيهي المرئي المتوافر عبر شبكة “نتفليكس” وخدمة “أمازون برايم” على السواء يتسم بقدر كبير من التميز والتنوع، كما أن كل شبكة تتضمن كمًّا هائلاً من الأعمال الشهيرة والمميزة، وقد نالت معظم أعمال الإنتاج الأصلي للشبكتين تقييمات مرتفعة، وتلقت مراجعات نقدية إيجابية، بل إن بعضها نافس على العديد من الجوائز الفنية الرفيعة، لكن في النهاية تظلّ أعمال “نتفليكس” الأصلية هي الأضخم إنتاجـًا، والأفضل تقييمًا، والأكثر شعبية، خاصة فيما يتعلق بالمسلسلات التلفزيونية، حيث سجلت نسب مشاهدة مرتفعة، وهو ما أدى إلى تجديد أغلبها إلى مواسم جديدة.

الإعلام التلفزيوني العربي وأزمة كورونا

-الجائحة تهيمن على أغلب بث القنوات العربية.
-رؤساء الدول العربية يخاطبون الجماهير ويدقون ناقوس الخطر.
-القنوات العربية تتبنى إستراتيجيات اتصال المخاطر.
-تحديات كبيرة أمام وسائل الإعلام العربية لتتبع الأحداث وتناولها.
-التداخل المعقد بين “إعلام الأزمات “و”إدارة الأزمات” عامل مهم في تمييز مستويات التخطيط.
-الإعلام التلفزيوني العربي يسخر كل جهوده وطاقاته لمسايرة مساعي السلطات الرسمية في إدارة الأزمة.
-فعالية التغطيات الإعلامية – خاصة في فترة الأزمات –  مرهونة بتقديم الأخبار الموثقة من مصادرها الرسمية.

مقدمة

أظهرت الأزمات على اختلاف أنواعها وخاصة الصحية منها – الأمراض
والأوبئة – أن للإعلام دورًا محوريـًّا لا يقل أهمية عن دور اختصاصي الصحة في التوعية بخطورة هذه الأمراض وطرق ووسائل الوقاية منها للحد من انتشارها، والإخبار بكل جديد بخصوص تفشيها وآخر الإحصائيات الرسمية التي تسفر عنها.

وعلى غرار وسائل الإعلام العالمية التي تتبعت أخبار (كوفيد – 19) منذ ظهوره لأول مرة في “ووهان” الصينية، تجندت القنوات التلفزيونية العربية لرصد تطورات هذا الوباء الذي تخطى حدود الصين وأوروبا ليسجل انتشاره بدرجات متفاوتة في دول العالم العربي، فكيف تعاملت هذه الوسائل إعلاميًّا مع هذه الأزمة الصحية المستجدة؟ وإلى أي مدى سايرت الإجراءات الرسمية في إدارة هذه الأزمة؟ وكيف تصدت للأخبار الزائفة (FAKE NEWS) التي تنشط في ظروف الطوارئ لتقديم إعلام ملون موازي؟ وهل التزمت بالمعايير المهنية التي تؤدي إلى التعامل مع الأزمة بشكل احترافي بعيدًا عن السياسات الإعلامية الضيقة؟ وهل استطاعت فعلاً التعريف بالفيروس الجديد للتوعية بمخاطره؟

1-الإعلام التلفزيوني العربي … وبدايات التعبئة 

إبان تسجيل أولى الحالات المؤكدة لفيروس كورونا في بعض الدول ظهرت مقاربات إعلامية مختلفة لتعبئة الجماهير، ففي حين ركزت بعض القنوات على الحملات التوعوية التي تتخلل البرامج المبثة والتي تحثُّ في مجملها على النظافة, وغسل اليدين باستمرار بالماء والصابون أو بمطهر كحولي، بالإضافة إلى ضرورة تبني سلوكات وقائية تقوم على تفادي التجمعات والأماكن المكتظة واحترام مسافة الأمان بين الأشخاص، اكتفت بعض القنوات في بداية هذه الأزمة بتبني “هاشتاج” ملازم لصورة القناة، مثل “هاشتاج” قنوات السعودية # كلنا مسؤول، وقنوات النيل المصرية #احم _نفسك_احم _ بلدك، وفي القناة التونسية الأولى #سلامتك_ و_سلامتي_مسؤولية_الكل.

ولأن الأزمة كما يقول (روديفور Roux du fort): “ليست مجرد حادث عابر، وإنما هي مجموعة من التفاعلات المتشابكة والمتلاحقة عبر الزمان والمكان وفق منحنى متغير الاتجاه والأبعاد”([i])، اتخذت أزمة كورونا منعطف أكثر حدة، مما ألزم رؤساء الدول العربية التدخل لمخاطبة الجماهير ودق ناقوس الخطر، وقد أسفر هذا الاتصال الرسمي المباشر عن اتخاذ جملة من التدابير والإجراءات الاحترازية المتسارعة، بدأت بتقديم عطلة تلاميذ التعليم العام وطلاب الجامعات لمنع تفشي الوباء، بالإضافة إلى الإغلاق التدريجي للحدود البرية والجوية والبحرية بين دول الوطن العربي ومناطق بؤر الوباء.

هنا تحول فيروس “كورونا” إلى معضلة صحية عالمية (جائحة) أضحت تستوجب من الناحية الإجرائية حكمًا وقرارًا من شأنهما أن يؤديا إلى تغيير للأفضل أو للأسوأ([ii])، وضمن هذا التوجه المصيري الحاسم بدأ الإعلام التلفزيوني العربي بالانخراط في “إعلام الأزمة” من خلال مواكبة كل القرارات والإجراءات الرسمية المتخذة بتبني شريط (العاجل) وآخر الأخبار والأخبار المهمة.

وبهذا التوجه الإعلامي الجديد تمَّ إعلام شعوب الدول العربية بكل البلاغات الرسمية الجديدة, مثل تعليق صلاة الجماعة والجمعة في بعض الدول مع الإبقاء على شعيرة الأذان، وغلق الحدود ومنع التنقل بين المدن الداخلية، وغلق كل الأماكن العامة والمقاهي والمطاعم والمحلات الكبرى والمتاحف ودور العرض، والإبقاء فقط على الصيدليات والمتاجر التي تضمن توفير كافة السلع الغذائية اليومية للمواطنين والمقيمين.

في هذه المرحلة اتجهت القنوات العربية إلى تبني إستراتيجيات اتصال المخاطر (Risk communication) من خلال العمل على التقليل من الآثار السلبية للإجراءات المتخذة والتعامل مع تداعياتها بشكل إيجابي.

وخدمة لهذا الغرض كثفت أغلب القنوات العربية على غرار “MBC” و”العربية” وقناة “الحياة” المصرية من البرامج الحوارية (Talk shows) التي تعتمد على استضافة خبراء في الصحة وعلم الأوبئة للتأكيد على أهمية النظافة وملازمة البيوت، في إطار إجراءات الحجر الصحي؛ لما في ذلك من نفع على عدم انتشار الوباء.

وفي هذا الإطار استمرت معظم القنوات العربية في التذكير بحملاتها التوعوية الداعية إلى ضرورة اتباع نصائح وتوجيهات المصالح المختصة، وهو ما تكرس بشكل مكثف في القنوات الرسمية والخاصة، كما أكدت هذه القنوات على ملازمة التلاميذ والطلاب لبيوتهم ومواصلة دراستهم عن بُعد عن طريق المنصات الرقمية، أو عن طريق تخصيص قنوات تعليمية.

وبدخول الأزمة مرحلتها المزمنة، فرضت على الدول العربية تقييمًا آخر في إطار مراجعةٍ كلية للوضع؛ للوقوف على مواطن الخلل والقصور([iii])، وهو ما دفع رؤساء هذه الدول إلى فرض حالة الطوارئ الصحية، وهي التدابير التي اتخذتها السلطات في عدد من الدول العربية، مثل: دول مجلس التعاون، ومصر، والجزائر، والأردن وغيرها، كتدابير استثنائية لا محيد عنها؛ لإبقاء فيروس كورونا تحت السيطرة.

ولأن الطوارئ من الناحية الإجرائية “تدابير استثنائية يتم اللجوء إليها في حالة وجود أمر يهدد الأمن القومي”، فهذا يعني اعتراف الدول العربية بأنها في وضع حرب مع هذا الوباء، وأن هذا الوضع يفرض تخطيطًا إستراتيجيًّا محكمًا لإدارة هذه الأزمة والخروج منها بأقل التكاليف([iv])، ووعيًا منها بجسامة التهديدات التي تحاصر الأمن القومي للدول، يتعاظم دور وسائل الإعلام في تتبع الأحداث وتناولها بشكل غير مسبوق، من حيث السرعة والتكثيف والآنية([v])، وهو التحدي الذي رفعه الإعلام التلفزيوني العربي في هذه الظروف.

2-الإعلام التلفزيوني العربي وتحدي الحرب على الوجود 

يشكل التداخل المعقد بين “إعلام الأزمات و”إدارة الأزمات” عاملاً مهمًا في تمييز مستويات تخطيط الحكومات والدول، من أجل التغلب على الأزمة والتحكم في ضغطها ومسارها واتجاهها وتجنب سلبياتها([vi]).

وفي هذا السياق سخر الإعلام التلفزيوني العربي كل جهوده وطاقاته لمسايرة مساعي السلطات الرسمية في إدارة أزمة كورونا، فتبنت “هاشتاج” آخر ملازم لصورة قنواتها تحثُّ فيه الجماهير على ملازمة بيوتها، خاصة بعد ارتفاع عدد ضحايا هذا المرض وزيادة عدد المصابين به.

وعلى الرغم من اختلاف لغة “الهاشتاج” والصياغة التي تبنتها القنوات العربية في التوعية بضرورة الحجر الصحي باعتباره وقاية إلزامية لوباء لا علاج له، إلا أنها اتفقت كلها في كون أن الحل الوحيد يكمن في المكوث في البيت.

وتشير الدراسات الإعلامية الحديثة إلى أن تبني مثل هذه الصيغ التوعوية في وسائل الإعلام المرئية هو ضرب من ضروب اتصال الأزمة الموقفي الذي يسير في اتجاه موازي مع مساعي السلطات في إدارة الكوارث([vii]).

ولأن إدارة الكوارث تعني صناعة القرار في أثناء الأزمة، ركز الإعلام التلفزيوني العربي على جهود الحكومات العربية في إدارة هذا الحدث الاستثنائي الصعب، من خلال التنويه بمساعي السلطات في إنشاء لجان يقظة وبائية أو لجان وطنية، لرصد ومتابعة تطور انتشار فيروس كورونا.

وتعمل هذه اللجان، التي تضم خبراء في الصحة وكبار الأخصائيين ولا سيما في مجال الأمراض المعدية، على تنشيط ندوات صحفية يومية لإطلاع الرأي العام العربي على تطورات الوضع الصحي لوباء (كوفيد – 19).

وتفعيلاً لهذه المساعي انتهجت القنوات العربية نهج الآنية، من خلال تخصيص نشرات ومواجيز إخبارية استثنائية لتتبع مستجدات انتشار الوباء أولاً بأول، إضافة إلى تقديم الحصيلة اليومية لعدد الإصابات الجديدة وعدد المتعافين، وكذا عدد الوفيات.

كما ركزت هذه النشرات على الجهود الطبية المحلية وعلى بروتوكولات العلاج التي كانت تتبعها الحكومات العربية في إنقاذ مصابي هذه الجائحة، مع التأكيد على الجهود الرسمية في احتواء الأزمة، من خلال الاستعانة بالإمدادات الطبية التي تلقتها بعض الدول العربية لمساعدتها في معركتها ضد الفيروس. 

وحتى لا يكون المجال متروكًا لهامش الخطأ في تغطية هذه المرحلة الحرجة أفردت كل القنوات العربية مساحات شاسعة لإطلاع الرأي العام العربي عن مستجدات انتشار الوباء عالميًّا ومحليًّا.

وفي ظل هذه التغطية المكثفة عملت معظم القنوات العربية على تبني شبكة مراسلين من جميع نقاط العالم لتتبع أخبار (كوفيد – 19) وجهود الحكومات في مواجهته، كما خصصت برامج حوارية مع أطباء ومختصين في الأمراض المعدية من جميع دول العالم لتوضيح الرؤى حول هذا الفيروس وكيفية الوقاية منه.

وانطلاقــًا من أن فعالية كل تغطية إعلامية – خاصة في فترة الأزمات –  مرهونة بتقديم الأخبار الموثوقة الصادرة من الجهات الرسمية([viii])، واجه الإعلام العربي التلفزيوني عبئــًا آخر، وهو كيفية الحد من المعلومة المغلوطة والخبر الزائف الذي يكثر انتشاره في مثل هذه الأزمات والذي يؤدي إلى نشر الذعر والتهويل، فالخوف مثل المرض ومثل الأخبار الزائفة ينتشر بسرعة، وهنا تزداد مسؤولية وسائل الإعلام في التصدي لهذه الشائعات درءًا لخطورة صناعة المحتوى الإعلامي في مواقع التواصل الاجتماعي، كثف الإعلام التلفزيوني العربي من برامجه وحملاته التوعوية لمواجهة هذا الإعلام الملون الموازي باستخدام كل أنماط صناعة المحتوى البسيط والمقنع، بل وتوجيه الناس إلى اتباع المعلومات والنصائح والإرشادات الصادرة فقط عن الجهات الرسمية والطبية للدولة.

ومثلما أملت هذه المرحلة ضرورة التصدي الإعلامي لكل الشائعات، أجبرت القنوات العربية – أيضًا – على مواكبة تغطيتها للمرض بالحديث عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا الوباء.

وفي هذا الإطار خصصت هذه القنوات برامج تتناول إشكالية الكساد الاقتصادي وتراجع البورصات في العالم العربي، وما أسفر عنه هذا الوباء من بطالة حوالي (5) ملايين شخص جراء توقف كثير من المهن والحرف.

كما ناقشت هذه القنوات التبعات السياسية التي سيفرج عنها واقع ما بعد كورونا من إعادة ترتيب لموازين القوى، ومن سلوكات اجتماعية وسيكولوجية مترتبة عن هذه الأزمة الصحية.

وفي هذه المرحلة الحساسة ضاعف الإعلام التلفزيوني العربي من جهوده التوعوية، ليقرن حملات التوعية بخطورة عدوى المرض وسرعة انتشاره بحملات التكفل بالفئات الضعيفة والمعوزة التي تضررت اقتصاديًّا من هذا الوباء، وفي هذا المنعرج تباينت أساليب التغطية لهذا الوباء بين الإعلام الرسمي المحلي والإعلام المضاد.

3-(كوفيد – 19) بين الإعلام العربي الرسمي وإعلام التواصل الاجتماعي

يختص الخطاب الإعلامي العربي خلافًا لغيره بخضوع معلوماته بتجاذبات ثنائية القطب بين إعلام رسمي يسير في اتجاه خدمة الوطن والمواطن، وبين إعلام شعبي هدفه اقتناص بعض الحقائق لتعزيز رغبات شخصية وبحث عن الأضواء.

ومما لا شك فيه فإن الحديث عن” الجيش الأبيض” الذي كان في الصفوف الأولى في مواجهة هذا الوباء، قد ألهم وسائل التواصل الاجتماعي إلى لفت أنظار الحكومات العربية إلى ضرورة الارتقاء بمكانة الأطباء المهنية والسوسيولوجية، فهم لا يختلفون في شيء عن الجيوش المسلحة المرابطة في الحدود، ذلك أن الجوائح قد أثبتت على مرِّ الزمن أن الطب هو تحدّي بكل ما تعنيه الكلمة، وأنه يفترض أن يكون في صلب انشغالات الأمم فهو ركيزة الوجود، وهو مقياس تطور الحضارات، ولهذا ألفينا الكثير من الدول تسارع لكسب السبق في مجال إيجاد لقاح لهذا الداء المستعصي، والتركيز على البحوث، واتخاذ إجراءات وتضحيات كبيرة واستباقية لصالح الإنسان.

4-الإعلام التلفزيوني العربي وحقيقة فيروس كورونا

يؤكد الخبراء على أن مواكبة الإعلام لمراحل إدارة الأزمات إنما يرتكز بشكل أساسي على تبسيط وتوضيح جوهر الأزمة حتى يستوعبها الرأي العام بشكل فعال وألا ينتقل إلى مرحلة الوقاية والحد من الضرر المحتمل من دون المرور على ما يسميه (ميتروف Mitroff) بمرحلة التحري الهادف([ix]).

وفي هذا السياق وجدنا أن معظم القنوات التلفزيونية العربية قد ركزت على خطورة الفيروس كونه مفاجئ وغير مرئي وأنه ينتقل بشكل سريع، من دون موافاة المشاهد العربي بمعلومات علمية دقيقة حول الخطر الذي يداهمه.

وهكذا اتجهت التغطية الإعلامية العربية التلفزيونية إلى التذكير في كل مرة بأعراض المرض وسُبل الوقاية منه من دون التركيز على مكمن الخطورة في هذا الداء.

وقد كان لغياب المعلومة العلمية الدقيقة حول الفيروس تبعات كثيرة على فهم المرض، وسُبل الوقاية منه، وكذا تفهم حقيقة مصدره، فهل هو طبيعي شأنه في ذلك شأن فيروس (Sars.Cov) الذي ظهر عام 2003م، والمتسبب لمتلازمة “الالتهاب التنفسي الحاد”؟ أو فيروس (Mers.Cov) أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية؟  أم أنه نتاج صناعة مختبرية كما تروج له طروحات نظرية المؤامرة؟ 

هنا يتأكد الدور الإعلامي في إثبات الحقيقة العلمية للفيروس، وتفنيد أو تأكيد مزاعم أخرى يمكنها أن تؤثر في تعرّف هذا الوافد الجديد الذي أدى جهله إلى تكبد البشرية أكبر حصيلة الضحايا منذ الحرب العالمية الثانية.

خاتمة

مما سبق نخلص إلى أن التغطية الإعلامية التلفزيونية العربية لأزمة كورونا قد شابتها الكثير من الثغرات التي نجمت عن عدم الاستعداد والتأهب لمواجهة الجوائح، وهذا ما وضعها أمام تحديات متعددة راهنة واستشرافية.

أما الثغرات التي سُجلت على هذه التغطية، فيمكن إجمالها في أنها تغطية لم تستطع الحياد عن الإثارة والتهويل في مقابل تقديم الخبر والمعلومة التي تفيد المشاهد في استيعابه للأزمة وفي التعامل معها بكل مسؤولية وحكمة.

كما اتسمت هذه التغطية – أيضًا – بأنها لم تكن في مستوى معركة الأخبار الزائفة التي كانت أخطر من الفيروس ذاته.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق – أيضًا – إلى أن القنوات التلفزيونية العربية في هذه الظرفية الخاصة قد انفردت إعلاميًّا في التعامل مع الأزمة ولم تشرك إلا قليلاً الجهات المسؤولة على توضيح تطورات الأزمة وما ستؤول إليه لاحقــًا، وبهذا طغى على هذه التغطية طابع “الإبلاغ” و”الإخبار” عوضًا عن التحليل والمناقشة لإضاءة الجوانب المظلمة من الأزمة.

وبالمحصلة يمكن القول: إن معالجة بعض المنابر الإعلامية لهذه الجائحة كانت معالجة جانبية لأنها ركزت على تقديم الحقائق التي يريدها بعض المسؤولين وليست تلك التي تكفل خدمة عمومية محايدة.

وتأسيسًا على ما سبق يتوجب على وسائل الإعلام ألا تكون جزءًا من صناعة القرار وإنما طرفًا مشاركًا في إعطاء تصورات عن كيفية صناعة القرار، على اعتبار أن مهمة الإعلام اليوم لا تقتصر فقط على تغطية الأخبار ومتابعتها، ولكنها مطالبة – أيضًا – بإعطاء تصورات ضمن منظور قصير أو بعيد المدى لتخفيف آثار ومضاعفات الأزمة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

وضمن هذا الفهم يبرز التحدي الكبير للإعلام العربي الكامن في كيفية الرفع من قيمة المعلومة وجودتها، وكذا تغيير فكرة الحكومات العربية نحو التسابق للاهتمام بالصحة والبحوث العلمية لاكتشاف لقاحات كفيلة بمجابهة جوائح مستقبلية أخرى.

الهوامش      


([i]) Christophe Roux Dufort: Gérer et decider en situation de crise, 2e édition, Dunod, Paris, 2009, P15.

)[ii]) Ibid, P17.

([iii]) Seerger Sellnow: Effective crisis communication: Moving from crisis to opportunity, Sage Publications, New York 2007, P35.

([iv]) Ibid, P37.

([v]) Paul Paillé: L’information au temps des crises, édition Gallimard, Paris, 2016, P57.

([vi]) Ibit, P59.

([vii]) Ibit, P60.

([viii]) Thierry Libaert, La communication de crise, édition Payot, 2011, P321.

([ix]) Ion Mitroff: Challenging crisis communication rules, Routledge, London, 2017; P14

إعلام أزمة الأزمات… كورونا!

مصطلح “إعلام الأزمات”! هو مسمى معروف مهنيًّا وأكاديميًّا لنشاط ليس حديث النشأة، ارتبط في بداياته بالحروب والكوارث الجسام، إلى أن تدرج ليشمل بشكل عام الصعوبات المفاجئة التي تواجهها الجهات: مؤسسات وأفراد، مما لها صلة بالرأي العام، ولخصوصيته الطارئة والمتجددة، بات لا يستخدم إلا في فترات متقطعة، ووفقــًا لطبيعة الحدث، ومدته، وبالتالي فإن تطبيقه لا يدوم لفترة طويلة؛ وإنما يتوارى عن الأنظار بانتهاء الحالة التي أوجبته، ولعل هذا ما جعله من أقل المصطلحات تداولاً وحضورًا، ليس في ميدان الممارسة الإعلامية بالمؤسسات والإدارات المعنية فحسب، بل وفي أروقة الكليات والأقسام الأكاديمية المتخصصة، وذلك مقارنة بغيره من المجالات الأخرى.

ويُعدُّ إعلام الأزمات فريدًا في تشكله وتشكيله؛ فهو يتطلب تعاملاً مختلفًا في الأسلوب وكيفية صياغة مضامينه، وهو حين يظهر لا ينطلق من الغرض الرئيس في النشر ذي المغزى التسويقي في معظمه، المتمثل في إيصال مزيد من الرسائل الإيجابية، أو تعزيز آثار تراكماتها عبر مفردات شبه متكررة في المبنى أو المعنى، ووفق طرق تسير بانسيابية في اتجاه واحد، لكنه يُصاغ بعناية فائقة وحذرة من أجل إيقاف معول هدم محتمل لجميع ما تمَّ بناؤه في مجال صناعة الصورة الذهنية، وإن كان – وهذه من خصائصه – يتيح للمتمكن منه، والماهر في بحر الاتصال، استثمار المواقف على صعوبتها لصالح الجهات المعنية بها، ليقلب المعادلة ويحول الأزمة إلى نعمة، والمصائب إلى مكاسب.

يثور إعلام الأزمات مباغتـًا كما هو حال الأزمة نفسها التي توقظه بعنف، وذلك بالنظر إلى فجائيتها المروعة، وهو ما يحتم على مـَن قد يتعرض لها أن يكون في أقوى درجات جاهزيته، خاصة أن الأزمة تشكل كابوسًا يهزُّ، وفقـًا لدرجة تأثيرها، كيان الأطراف ذات العلاقة بأسبابها والمتأثرين بها، لذا ليس مستغربًا أن تهرع الإدارة العليا في الغالب إلى نفسها لتخطيط الكيفية الأنسب للتفاعل مع الأزمة بشكل مباشر، وهي – أي الإدارة العليا – إن تمنّعت عن الظهور في الصورة في بداية الأمر، إلا أنها خلف الكواليس، تستنفر كافة أذرعها وتعقد الاجتماعات وتوالي الاتصالات للتحقق من أنها ستتخذ الإجراء السليم، كل ذلك بهدف تقليل حدة الزلزال الذي لم يكن في الحسبان؛ بل إنها في حالات معينة تعلق البرنامج المعتاد الذي تعرض له أو تبطئه، لتصعد مهمة التعامل مع الحدث المربك في صدارة المهام، ذلك أن الجميع يدرك أنها لحظة استثنائية تتطلب تصرفـًا خاصًا مدروسًا كفيلاً بالتصدي لعاقبة نشوء كرة ثلج ثقيلة تعصف بالمقدرات، وتحدث الكثير من الخسائر، وتهدّد المصالح، ما يؤكد أن إدارة الأزمات إعلاميًّا، مشروع محوري يستحق أي جهد يبذل له، أو مال ينفق عليه، بما يضمن امتلاك جهاز مهني فعال، وكوادر بشرية مؤهلة.

لعل من المفارقات التي تحدث في تعاطي الدول أو المؤسسات أو الأفراد مع الإعلام من حيث نشر المعلومات وسرعة الإفصاح عنها، أن مرحلة الأزمة التي يمرُّ بها أي منها، تشكل في الواقع الحالة المثالية للكيفية التي من المفترض أن يتم بها التعامل مع الرأي العام بكافة أطيافه في بيئة العمل الاتصالي، وألا يكون الاهتمام بالإعلام عملية انتقائية؛ بل منظومة متكاملة يتناغم بعضها مع الآخر.

إن مما يؤزّم إعلام الأزمات، أنه على الرغم من عمق التجارب فيه، والعلم الأكيد بآثارها، ونتائجها، إلا أنه لا يقدم وصفة نموذجية موحدة لعلاج ناجع، وذلك لتفاوت المتغيرات فيه، وحساسيتها، والتي يجب أن تتمَّ قراءتها، والتحرك في فلكها وفقـًا لحسابات تتناسب مع طبيعتها، مما يعني أن كل أزمة تتطلب يقظة عالية لمراحل تطورها وتوجهها، ولكن مما يستفاد من ذلك كله، أن هناك جملة أسس وأطر عامة، تشكلت بشكل جيد، فأوجدت أركانـًا مهمة يُستأنس بها لاتخاذ خطوات سريعة عند وقوع أيه أزمة لإيجاد الحلول الفعالة للتصدي لها، وهو ما يجعل بعض الجهات تلجأ إلى تهيئة خطط استباقية، من شأنها أن تقصِّر حجم الوقت المطلوب للتدخل عند الحاجة، بوصفه عنصر التحدي الأبرز والأهم، ومن تلك الخطط إعداد سيناريوهات متنوعة لأزمات محتملة.  

هذه المقدمة، تقودنا إلى أزمة الأزمات التي اجتاحت العالم هذا العام، الذي ربما يلقب بها “جائحة كورونا”، فقد جسدت بحق أزمة غير اعتيادية في كثير من سماتها، بدءًا من المتضررين بها، فهي لم تستثن أحدًا: أفرادًا ومؤسسات، ودولاً بكافة مكوناتها، وعلى الرغم من أن القطاعات الصحية تبدو المعنية بها بالدرجة الأولى، إلا أن دائرتها أوسع من ذلك بكثير، فقد شكلت ظاهرة عريضة لأزمات متداخلة، سياسيًّا، واقتصاديًّا ومجتمعيًّا، وعلى ذلك لم يكن مستغربًا أن يتقدم قادة زعماء الدول إلى الصفوف الأمامية لإيجاد الوعي اللازم لتجنب مخاطرها ومحاولة معالجة آثارها الجسيمة، بما في ذلك بثّ الطمأنينة في نفوس شعوبهم، على نحو ما فعل خادم الحرمين الشريفين ملك المملكة العربية السعودية سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حفظه الله، حين وجه كلمة عميقة ووثيقة، ذات رسائل مباشرة وشفافة حول الإجراءات المتخذة لمواجهتها، وحول ما يجب على المجتمع القيام به لضمان تضافر الجهود ونجاحها، واكب ذلك كله طوفان نشر غير مسبوق من المعلومات القيمة أولاً بأول، سواء عبر مؤتمر صحفي للمتحدث الرسمي لوزارة الصحة تشاركه فيه مجموعة من متحدثي الجهات ذات العلاقة، وكذا إطلاق حملات متناغمة في هيئة حملة مكثفة شاركت بها المؤسسات الحكومية والخاصة؛ مما أبقى المجتمع على اطلاع تام على المستجدات، يساندهم في ذلك أفراد المجتمع النشطون اتصاليًّا، الذين شاركوا بكم هائل من الرسائل التوعوية عبر شبكات التواصل، ومن خلال النتائج الإيجابية، يمكن القول:إننهج الدولة في معالجة الأزمة شكل في تدرج خطواته وتناغمها، واستباقها لتطورات الأزمة، أسلوبًا استثنائيًّا أدى إلى تقليل الخسائر، وهو نجاح يمكن أن يعرف بـ”النموذج السعودي”.

بطبيعة الحال لم تكن النماذج الدولية متشابهة، بل كانت تتباين بناءً على معطيات مختلفة ومتنوعة، غير أن اللافت منها أن جمهور العالم أجمع أصبح على موعد يومي مع مؤتمر صحفي متلفز حول الجائحة، عبر العديد من المحطات، لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وربما اضطره إلى ذلك، من بين أسباب أخرى تتعلق بإدارة الأزمة، أنها باغتته في فترة تهيئه للترشح لفترة رئاسية ثانية.

كما أن من أبرز الأساليب الإعلامية التي استخدمت في التعامل مع أزمة الأزمات اللافتة، أسلوب (أندرو كومو)، حاكم ولاية نيويورك الأمريكية التي تفشى فيها فيروس الوباء بنسبة مخيفة مقارنة ببقية الولايات، فقد أقدم بذكاء على تكثيف حضوره الإعلامي عبر مؤتمر صحفي يومي، وحوارات متتالية مع أبرز نشرات الأخبار التلفزيونية، ليسلط الضوء على واقع الحالات في الولاية، ويستثمرها في ممارسة الضغط على الحكومة الفيدرالية بالتدخل الفوري لتدارك الوضع الصحي في ولايته قبل انهياره، وهي سياسة حقق من خلالها هدفه، ارتكزت في محورها الرئيس على وضع الدولة إعلاميًّا أمام الأمر الواقع، وتبرئة ساحة الولاية من أية تبعات.

خلاصة الأمر؛ إن جائحة كورونا لم تكن أزمة تقليدية، ولأنها طالت العالم أجمع، فقد عرّفت بنماذج مختلفة ومتعددة في طريقة التعامل معها إعلاميًّا، وهو ما يعني أن الظاهرة أوجدت كمـًّا هائلاً من التجارب التي ستنعكس إيجابًا في ميدان الممارسة، كما وفرت مخزونـًا ثريًا في ساحة البحث العلمي، يجب أن يفيد منه أصحاب الاختصاص الذين سيجدون في منجمه فرصًا وموضوعات عديدة، لدراستها وتحليل أبعادها ونتائجها لسنوات غير قصيرة، ليس هذا فحسب؛ بل إن الجائحة أسهمت بطريقة غير مباشرة في فتح أعين القائمين بالاتصال، وبخاصة مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي، على مسؤولياتهم الجسيمة في أهمية التحقق من دقة المعلومات، والاعتماد على مصادر موثوقة يعتد بها، وهو ما أعاد – في رأي
كثيرين – شيئـًا من الاعتبار إلى الوسائل التقليدية، التي شكلت في معظم الحالات مصدر المعلومات الرئيس لسائر المصادر الأخرى، وهو ما ساعد إلى حد كبير في تقليص الشائعات التي تترعرع عادة في أوقات الأزمات ومحيطها.

الأمين العام يجري اجتماعًا افتراضيًّا مع وزير الدولة البريطاني للتجارة الخارجية

اجتمع معالي الأمين العام لمجلس التعاون، الدكتور نايف الحجرف، عبر اتصال مرئي مع وزير الدولة للتجارة الدولية في المملكة المتحدة، “رانيل جاياواردينا”
في 15 يونيو 2020م.

وتضمن الاجتماع الافتراضي مناقشة آخر مستجدات الأبعاد الاقتصادية للشراكة الإستراتيجية بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، والتي انطلقت بعد انعقاد القمة بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة في ديسمبر 2016م بمملكة البحرين.

كما تمَّ بحث آليات تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري في إطار خطة العمل المشترك بين الجانبين، بما في ذلك بحث تشكيل فريق مشترك لدراسة سـُبل تعزيز التبادل التجاري والاستثماري، والتمهيد لمناقشة مفاوضات التجارة الحرة بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة.

وناقش الجانبان الجهود اللازمة لمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد (COVID-19).