قمة قابوس وصباح .. تاريخية .. توافقية

عقد قادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الدورة (41) للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، الثلاثاء الخامس من يناير 2021م، وذلك بمركز مرايا في محافظة العلا، وترأس الاجتماع، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع.

وفي بداية أعمال القمة رحب ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، بالحضور مؤكدًا افتقاد قمة هذا العام لقائدين كبيرين كان لهما دور كبير في دعم العمل الخليجي المشترك وهذه المسيرة المباركة، وهما جلالة السلطان قابوس بن سعيد وصاحب السمو الشيخ صباح الأحمد ـ رحمهما الله ـ، مشيرًا إلى أن خادم الحرمين الشريفين وجه بتسمية هذه القمة بمسمى (قمة السلطان قابوس والشيخ صباح)؛ عرفاناً لما قدماه من أعمال جليلة عبر عقود من الزمن في دعم مسيرة المجلس المباركة؛ داعيًا المولى ـ عز وجل ـ لهما بالرحمة والمغفرة، ولصاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، وصاحب السمو الشيخ نواف الأحمد الصباح، بالتوفيق والسداد لمواصلة مسيرة الخير والنمو والازدهار في بلديهما الشقيقين، ودعم العمل الخليجي المشترك.

وأكد الأمير محمد بن سلمان أن السعودية تنظر ببالغ الشكر والتقدير لجهود رأب الصدع التي سبق أن قادها صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد ـ رحمه الله ـ واستمر بمتابعتها صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد، والإشادة في هذا الشأن بمساعي الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة، وجميع الأطراف التي أسهمت في ذلك، حيث أدت هذه الجهود بحمد الله ثم بتعاون الجميع، للوصول إلى اتفاق بيان العلا، والذي جرى التأكيد فيه على التضامن والاستقرار الخليجي والعربي والإسلامي، وتعزيز أواصر الود والتآخي بين دول وشعوب مجلس التعاون، بما يخدم آمالها وتطلعاتها.

وقال ولي العهد السعودي: “نحن اليوم أحوج ما نكون لتوحيد جهودنا للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا، وخاصة التهديدات التي يمثلها البرنامج النووي للنظام الإيراني وبرنامجه للصواريخ البالستية ومشاريعه التخريبية الهدامة التي يتبناها ووكلاؤه من أنشطة إرهابية وطائفية هدفها زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، مما يضعنا أمام مسؤولية دعوة المجتمع الدولي للعمل بشكل جدي لوقف تلك البرامج والمشاريع المهددة للسلم والأمن الإقليمي والدولي”، مضيفًا: “لقد تم تأسيس هذا الكيان استناداً إلى ما يربط بين دولنا من علاقة خاصة وقواسم مشتركة متمثلة بأواصر العقيدة والقربى والمصير المشترك بين شعوبنا، ومن هذا المنطلق علينا جميعاً أن نستدرك الأهداف السامية والمقومات التي يقوم عليها المجلس؛ لاستكمال المسيرة، وتحقيق التكامل في جميع المجالات، وفي هذا الخصوص نشير إلى رؤية سيدي خادم الحرمين الشريفين بشأن تعزيز التكامل بين دول المجلس، التي وافق عليها المجلس الأعلى في الدورة السادسة والثلاثين، وما شهدته من تقدم مُحرَز في تنفيذ مضامينها خلال الأعوام الماضية، ونؤكد على أهمية مضاعفة الجهود لاستكمال ما تبقى من خطوات في سبيل تحقيق تلك الرؤية”.

وأكد ولي العهد أن سياسة المملكة العربية السعودية الثابتة والمستمرة، وخططها المستقبلية ورؤيتها التنموية الطموحة (رؤية 2030) تضع في مقدمة أولوياتها مجلس تعاون خليجي موحد وقوي، إضافة إلى تعزيز التعاون العربي والإسلامي بما يخدم أمن واستقرار وازدهار دول المجلس والمنطقة.

في زمن التباعد .. العلا تحقق التقارب

من جانبه أعرب صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، عن شكره الجزيل لأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – ولحكومة وشعب المملكة على حسن الاستقبال وكرم الضيافة والإعداد والتنظيم المتميز لهذه القمة، مشيدًا بحرص القادة كافة على عقد هذا اللقاء لدعم العمل الخليجي والعربي المشترك، والحفاظ على المكاسب وتحقيق ما تتطلع إليه الشعوب من آمال وطموحات.

وأشاد سموه بالإنجاز التاريخي بالتوقيع على (بيان العلا) مستذكرًا الدور المخلص والبناء الذي بذله في هذا الصدد الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – رحمه الله – الذي أسهم بشكل كبير في نجاح هذا الاتفاق.

وعبّر أمير الكويت عن بالغ الثناء والتقدير للمملكة وقيادتها الحكيمة على مبادرتها الكريمة بإطلاق اسم (قمة السلطان قابوس والشيخ صباح) على القمة الحالية تقديرًا لمسيرة الراحلين العطرة وسنوات عطائهما في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية والقضايا الدولية والإنسانية، وما تعكسه تلك المبادرة من لمسة وفاء غير مستغربة من لدن خادم الحرمين الشريفين.

وأعرب سموه عن بالغ التقدير عن الجهود الخيرة التي بذلت لتحقيق الهدف السامي من جانب الإخوة الأشقاء كافة وفخامة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب والمستشار جاريد كوشنر، مشيدًا بجهودهم الداعمة لهذا الاتفاق، ومثمنًا حرص الأشقاء قادة دول مجلس التعاون وجمهورية مصر العربية على بذل المزيد من الجهود لتحقيق كل ما فيه الخير لشعوب مجلس التعاون.

وقدر سمو أمير دولة الكويت الدور البارز لجمهورية مصر العربية ومواقفها الداعمة للقضايا التي تهم أمن المنطقة واستقرارها.

وقال سموه: إن تسمية إعلاننا اليوم باتفاق التضامن إنما يجسد حرصنا عليه وقناعتنا بأهميته، كما أنه يعكس في جانب آخر يقيننا أن حفاظنا عليه يعد استكمالا واستمرارا لحرصنا على تماسك ووحدة أمتنا العربية.

تلى ذلك توقيع قادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون الخليجي على البيان الختامي للقمة وبيان العلا.

إعلاء المصالح والتصالح

وعقب انتهاء أعمال القمة، أكد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام لمجلس التعاون، الدكتور نايف الحجرف، أكد أن الدورة الحادية والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية اكتسبت أهمية بالغة كونها أعلت المصالح العليا لمنظومة مجلس التعاون الخليجي والأمن القومي العربي، لترسل رسالة إلى العالم أجمع أنه مهما بلغت الخلافات في البيت الواحد إلا أن حكمة قادة دول المجلس قادرة بعد مشيئة الله تعالى على تجاوز كل ذلك، والعبور بالمنطقة ودولها وشعوبها إلى بر الأمان.

وأعرب سموه عن تطلعه أن يكون ما تحقق اليوم بتوقيع بيان العلا صفحة جديدة في سبيل تحقيق أمن واستقرار المنطقة وشعوبها، بعيدًا عن كل المسببات والمنغصات الماضية، مشيرًا إلى أن بيان العلا أكد على الروابط والعلاقات الوثيقة والراسخة لدول المجلس التي قوامها العقيدة الإسلامية والمصير المشترك، مما يدعوها لمزيد من توطيد تلك العلاقات وتغليب مصالحها العليا، بما يعزز أواصر الود والتآخي بين شعوبها، ويرسخ مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل، ويحقق أعلى أوجه التعاون بينها في مختلف المجالات, ويجنبها أي عراقيل قد تحول دون تكاتفها وتعاونها.

وأشار سمو وزير الخارجية إلى أن الدول الأطراف أكدت تضامنها في عدم المساس بسيادة أي منها أو تهديد أمنها، أو استهداف اللحمة الوطنية لشعوبها ونسيجها الاجتماعي بأي شكل من الأشكال, ووقوفها التام في مواجهة ما يخل بالأمن الوطني والإقليمي لأي منها, وتكاتفها في وجه أي تدخلات مباشرة أو غير مباشرة في الشؤون الداخلية لأي منها, وتعزيز التعاون لمكافحة الكيانات والتيارات والتنظيمات الإرهابية التي تمس أمنها وتستهدف استقرارها.

وأفاد سمو الأمير فيصل بن فرحان أن بيان العلا تضمن التزام الدول الأطراف بإنهاء جميع الموضوعات ذات الصلة، وذلك انطلاقا من حرصها على ديمومة ما تضمنه البيان, وأن يُعزز التعاون من خلال المباحثات الثنائية والتنسيق فيما بينها، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والجرائم المنظمة بجميع صوره.

وأضاف: “إن سمو ولي العهد التقى اليوم بأشقائه في قمة كان عنوانها المصارحة والمصالحة، وأفضت إلى طي صفحة الماضي والتطلع إلى مستقبل يسوده التعاون والاحترام بين جميع الدول المشاركة بما يحفظ أمنها واستقرارها.

أهداف سامية

من جانبه أكد معالي الأمين العام لمجلس التعاون أن ما كان لهذا الإنجاز أن يتحقق لولا حرص أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس – حفظهم الله – على تماسك وتدعيم هذا الكيان العزيز الشامخ الذي كان قدره أن يخرج من وسط التحديات.

وقال الدكتور الحجرف: “لعلنا اليوم من العلا نرتقي إلى العلا في مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ترعاها عين الله سبحانه وتدفعها قادة دول مجلس التعاون، بما يبذلونه من حرص كبير على لم الشمل وتوحيد الصفوف، والعمل بكل ما من شأنه خير ونماء واستقرار هذه المنظومة وشعوبها والعمل الجماعي لمواجهة تحديات المستقبل”، لافتًا الانتباه إلى أن قمة قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورتها 41 “قمة السلطان القابوس والشيخ صباح” أكدت الأهداف السامية لمجلس التعاون التي نص عليها النظام الأساسي بتحقيق التعاون والترابط والتكامل بين دول المجلس في جميع المجالات، وصولاً إلى وحدتها وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، والعمل كمجموعة اقتصادية وسياسية واحدة، للمساهمة في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والرخاء في المنطقة.

وأوضح معاليه أن مواطني دول المنطقة يعقدون الأمل بأن يعيد “بيان العلا” العمل الخليجي المشترك لمساره الطبيعي، وأن تعزز القمة أواصر الود والتآخي بين شعوب المنطقة.

وقال الدكتور الحجرف: “إن توقيع جمهورية مصر العربية على بيان العلا يوثق العلاقات الأخوية التي تربط جمهورية مصر العربية بدول المجلس، وانطلاقاً مما نص عليه النظام الأساسي “بأن التنسيق والتعاون والتكامل بين دول المجلس إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية”.

وأشار الأمين العام لمجلس التعاون إلى أن مجموعة العشرين تمكنت من تحقيق إنجازات غير مسبوقة خلال فترة رئاسة المملكة العربية السعودية في مجال مكافحة جائحة كورونا، وأن مواجهة تلك الجائحة ومعالجة تداعياتها تتطلب تعزيز العمل الخليجي المشترك، خاصة في التنفيذ الكامل والدقيق لرؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود التي أقرها المجلس الأعلى في دورته (36) في ديسمبر 2015م، وفق جدول زمني محدد، ومتابعة دقيقة.

إعلان العُلا الصادر في الدورة (41) للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية “قمة السلطان قابوس والشيخ صباح”

أكدت قمة قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورتها الحادية والأربعين، “قمة السلطان قابوس والشيخ صباح”، على الأهداف السامية لمجلس التعاون، التي نص عليها النظام الأساسي، بتحقيق التعاون والترابط والتكامل بين دول المجلس في جميع المجالات، وصولاً إلى وحدتها، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، والعمل كمجموعة اقتصادية وسياسية واحدة للمساهمة في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والرخاء في المنطقة.

ويعقد مواطنو دول المنطقة الأمل بأن يعيد “بيان العُلا”، الذي تم التوصل إليه في هذه القمة، العمل المشترك إلى مساره الطبيعي، وتعزيز أواصر الود والتآخي بين شعوب المنطقة.

ويؤكد توقيع جمهورية مصر العربية على بيان العُلا، توثيق العلاقات الأخوية التي تربط مصر الشقيقة بدول المجلس، انطلاقاً مما نص عليه النظام الأساسي بأن التنسيق والتعاون والتكامل بين دول المجلس إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية.

لقد أظهر تحدي جائحة كورونا المستجد ما يمكن تحقيقه من خلال التعاون بين دول العالم في مواجهة هذا الوباء، حيث تمكنت مجموعة العشرين من تحقيق إنجازات غير مسبوقة خلال فترة رئاسة المملكة العربية السعودية في هذا المجال. ولا شك أن مواجهة الجائحة ومعالجة تداعياتها تتطلب تعزيز العمل الخليجي المشترك وعلى وجه الخصوص ما يلي:

–       التنفيذ الكامل والدقيق لرؤية خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، ملك المملكة العربية السعودية، التي أقرها المجلس الأعلى في دورته (36) في ديسمبر 2015، وفق جدول زمني محدد ومتابعة دقيقة، بما في ذلك استكمال مقومات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة وبلورة سياسية خارجية موحدة.

–       تفعيل دور “المركز الخليجي للوقاية من الأمراض ومكافحتها” الذي تم تأسيسه في هذه القمة، انطلاقاً مما تضمنته رؤية خادم الحرمين الشريفين، وتمكينه بشكل سريع من تنسيق العمل الخليجي المشترك لمواجهة جائحة كورونا وغيرها من الأوبئة.

–       استكمال متطلبات الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة، وتحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة، بما في ذلك منح مواطني دول المجلس الحرية في العمل والتنقل والاستثمار والمساواة في تلقي التعليم والرعاية الصحية، وبناء شبكة سكة الحديد الخليجية، ومنظومة الأمن الغذائي والمائي، وتشجيع المشاريع المشتركة، وتوطين الاستثمار الخليجي.

–       الاستفادة مما تم تطويره من أدوات متقدمة للتعاون في إطار مجموعة العشرين، خلال فترة رئاسة المملكة العربية السعودية، في جميع المجالات، بما في ذلك تحفيز الاقتصاد، وإشراك قطاع الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني وتمكين المرأة والشباب بشكل أكبر في التنمية الاقتصادية، وتشجيع المبادرات المتعلقة بالاقتصاد الرقمي، وتكليف الأمانة العامة للمجلس بالمتابعة ووضع الخطط والبرامج لتنفيذ ذلك بالتعاون مع بيوت الخبرة المتخصصة.

–       تنمية القدرات التقنية في الأجهزة الحكومية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ضماناً لسرعة وكفاءة تنفيذ الخدمات والإجراءات، وتطوير المناهج التعليمية والرعاية الصحية والتجارة الرقمية. وتعزيز التعاون بين مؤسسات المجلس ومنظمة التعاون الرقمي التي تأسست عام 2020م، بما يحقق مصالح دول المجلس.

–       تعزيز أدوات الحوكمة والشفافية والمساءلة والنزاهة ومكافحة الفساد من خلال العمل الخليجي المشترك وفي كافة أجهزة مجلس التعاون ومكاتبه ومنظماته المتخصصة، والاستفادة مما تم الاتفاق عليه في إطار مجموعة العشرين و”مبادرة الرياض” بشأن التعاون في التحقيقات في قضايا الفساد العابرة للحدود وملاحقة مرتكبيها، لما يشكله الفساد من تأثير كبير على النمو الاقتصادي، والتنمية المستدامة، والثقة المتبادلة بين الحكومات والشعوب.

–       تعزيز التكامل العسكري بين دول المجلس تحت إشراف مجلس الدفاع المشترك واللجنة العسكرية العليا والقيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون، لمواجهة التحديات المستجدة، انطلاقاً من اتفاقية الدفاع المشترك، ومبدأ الأمن الجماعي لدول المجلس.

–       استمرار الخطوات التي قامت بها دول المجلس، ومجموعة العشرين برئاسة المملكة العربية السعودية، لمواجهة الجائحة وتخفيف آثارها محلياً وإقليمياً ودولياً، بما في ذلك مساعدة الدول الأقل نمواً في المجالات الصحية والاقتصادية.

–       تعزيز الدور الإقليمي والدولي للمجلس من خلال توحيد المواقف السياسية وتطوير الشراكات الاستراتيجية بين مجلس التعاون والدول والمجموعات والمنظمات الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح المشتركة.

وقد أكدت قمة “السلطان قابوس والشيخ صباح” ما يوليه قادة دول مجلس التعاون من حرص على تعزيز مكتسبات المجلس، وتحقيق تطلعات المواطن الخليجي، وتذليل كافة العقبات التي تعترض مسيرة العمل المشترك.

  صدر في مدينة العُلا- المملكة العربية السعودية

يوم الثلاثاء 21 جمادى الأول 1442هـ الموافق 5 يناير 2021م 

البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى في دورته الحادية والأربعين قمة السلطان قابوس والشيخ صباح 5 يناير 2021 م

-التأكيد على قوة وتماسك مجلس التعاون، ووحدة الصف بين أعضائه، ووقوف دوله صفاً واحداً في مواجهة أي تهديد تتعرض له أي من دول المجلس.

-الإشادة بالجهود التي بذلها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، رحمه الله، لرأب الصدع بين الدول الأعضاء.

-الترحيب بالتوقيع على “بيان العلا” الهادف إلى عودة العمل الخليجي المشترك إلى مساره الطبيعي، والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

-تهنئة المملكة العربية السعودية بنجاح قمة العشرين التي عقدت افتراضياً برئاسة خادم الحرمين الشريفين.

-أكّد المجلس الأعلى دعمه الكامل لإنجاح استضافة الإمارات العربية المتحدة لمعرض إكسبو 2020 دبي.

-الإشادة بالاستعدادات التي تقوم بها دولة قطر لاستضافة كأس العالم 2022م.

-تهنئة الرئيس الأمريكي المنتخب جوزيف بايدن، بالفوز في الانتخابات الرئاسية.

-الإشادة بالجهود الكبيرة التي بذلتها الأجهزة المعنية بدول المجلس لاحتواء جائحة كورونا، وتثمين التزام المواطنين والمقيمين وتجاوبهم مع التعليمات والإجراءات الاحترازية، وتأكيد أهمية تكثيف الجهود الجماعية لدول المجلس.

-أبدى المجلس ارتياحه لما تم إحرازه من تقدم في تنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين لتعزيز وتفعيل العمل الخليجي المشترك، ودعا إلى مضاعفة الجهود لاستكمال ما تبقى من خطوات وفق جدول زمني محدد.

-التوجيه بالاستمرار في مواصلة الجهود للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد.

-التأكيد على أهمية الحفاظ على مكتسبات المجلس ومنجزاته.

-الإشادة بجهود دول المجلس لتعزيز آليات النزاهة والكفاءة، والحوكمة والشفافية والمساءلة في الأجهزة الحكومية، ومحاربة الفساد.

-التأكيد على ضرورة تنفيذ كافة القرارات والاتفاقيات.

-اعتماد الإطار العام الخليجي لخطة الصحة العامة للتأهب والاستجابة في حالات الطوارئ.

-اعتماد دليل نظام الإنذار الصحي المبكر.

-اعتماد إنشاء المركز الخليجي للوقاية من الأمراض ومكافحتها.

-التشديد على أهمية التركيز على المشاريع ذات البعد الاستراتيجي التكاملي في المجال الاقتصادي والتنموي.

-وافق المجلس الأعلى على تعديل المادة السادسة في اتفاقية الدفاع المشترك، وذلك بتغيير مسمى قيادة “قوات درع الجزيرة المشتركة” إلى “القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون”.

-أكد على دعم جهود التكامل العسكري المشترك لتحقيق الأمن الجماعي لدول المجلس.

-أكد أهمية تعزيز العمل الأمني الخليجي المشترك لضمان أمن واستقرار دول المجلس.

-أكد المجلس الأعلى على مواقف وقرارات مجلس التعاون الثابتة تجاه الإرهاب والتطرف.

-الإدانة الشديدة لنشر أية رسوم مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، معتبراً ذلك إساءة لمشاعر المسلمين كافة وتعبيراً صارخاً عن الكراهية، وشكلاً من أشكال التمييز العنصري، مؤكدًا أهمية تعزيز ثقافة التسامح والتعايش والحوار.

-الإشادة بجهود التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في ملاحقة قيادات ما يُسمى بتنظيم داعش الإرهابي، الذي عمل على تشويه الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين، مؤكداً استمرار دول المجلس في جهودها الحثيثة مع حلفائها في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه والتصدي للفكر الإرهابي.

-الترحيب بالقرار الأمريكي بتصنيف ما يسمى بسرايا الأشتر وسرايا المختار الإرهابية في مملكة البحرين والمدعومتين من إيران كمنظمات إرهابية.

-الإشادة بقرارات الدول التي صنفت حزب الله كمنظمة إرهابية.

-أكد المجلس الأعلى الحرص على الحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة ودعم رخاء شعوبها.

-أكد المجلس الأعلى على مواقف مجلس التعاون الرافضة للتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للدول العربية من أي جهة كانت.

-أكد المجلس الأعلى على مواقف دول المجلس الثابتة من القضية الفلسطينية، وأعرب المجلس عن إدانته قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلية بهدم عشرات المنازل شرق القدس، واستهداف الوجود الفلسطيني والتهجير القسري للمواطنين من مدينة القدس. 

-أعرب المجلس عن رفضه أي توجه لضم المستوطنات في الضفة الغربية إلى إسرائيل.

-أكد المجلس الأعلى أن سياسة إسرائيل المتعلقة بهدم المنازل وتهجير وطرد السكان والمواطنين الفلسطينيين تقوض إمكانية تحقيق حل الدولتين والسلام الدائم.

-أكد المجلس الأعلى مواقفه الثابتة وقراراته السابقة بشأن إدانة استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).

-أكد المجلس الأعلى ضرورة التزام إيران بالأسس والمبادئ الأساسية المبنية على ميثاق الأمم المتحدة ومواثيق القانون الدولي، ومبادئ حُسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل الخلافات بالطرق السلمية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، ونبذ الطائفية.

-أعرب المجلس الأعلى عن رفضه التام لاستمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المجلس والمنطقة، وإدانته لجميع الأعمال الإرهابية الإيرانية، وتغذيتها للنزاعات الطائفية والمذهبية، مؤكداً على ضرورة الكف والامتناع عن دعم الجماعات التي تؤجج هذه النزاعات، وإيقاف دعم وتمويل وتسليح الميليشيات الطائفية والتنظيمات الإرهابية، بما في ذلك تزويدها بالصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار لاستهداف المدنيين، وتهديد خطوط الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي.

-أكد المجلس الأعلى ضرورة أن تشتمل أية عملية تفاوضية مع إيران معالجة سلوك إيران المزعزع لاستقرار المنطقة، وبرنامج الصواريخ الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني في سلة واحدة، مؤكدًا ضرورة إشراك دول مجلس التعاون في مثل هذه العملية، وعلى ضرورة مشاركة دول المجلس في المفاوضات الدولية المستقبلية التي تخص البرنامج النووي الإيراني.

-رحب المجلس الأعلى بالقرار الأمريكي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية.

-أدان المجلس الأعمال التي تستهدف أمن وسلامة الملاحة والمنشآت البحرية وإمدادات الطاقة وأنابيب النفط، والمنشآت النفطية في الخليج العربي والممرات المائية.

-أكد المجلس الأعلى على مواقف وقرارات مجلس التعاون الثابتة بشأن دعم الشرعية في اليمن ممثلة بفخامة الرئيس عبدربه منصور هادي، وحكومته، لإنهاء الأزمة اليمنية والتوصل إلى حل سياسي، وفقاً للمرجعيات المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن 2216.

-الإشادة بالجهود المخلصة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة التي أثـمرت عن التوقيع على آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض، ورحب المجلس الأعلى بتنفيذ الأطراف اليمنية ممثلة بالحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي لاتفاق الرياض.

-أكد المجلس الأعلى أن مواصلة الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران للأعمال العدائية والعمليات الإرهابية بإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المفخخة لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، ومخالفة القانون الدولي والإنساني يمثل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي والدولي.

-أدان المجلس الأعلى استمرار تهريب الأسلحة الإيرانية إلى ميليشيات الحوثي.

-أكد المجلس الأعلى على مواقفه وقراراته الثابتة بشأن العراق، مشيدًا بما قامت به الدول الأعضاء من جهود لتعزيز التعاون مع العراق في جميع المجالات.

-أكد المجلس الأعلى على مواقفه وقراراته الثابتة بشأن الأزمة السورية.

-تابع المجلس الأعلى تطورات الأوضاع في لبنان، مؤكداً على مواقف مجلس التعاون وقراراته الثابتة بشأنه.

-أكّد المجلس الأعلى على دعم أمن واستقرار جمهورية مصر العربية.

-أكد المجلس الأعلى على دعم الأمن والاستقرار وتعزيز التنمية بالمملكة الأردنية الهاشمية، ووجه بتكثيف الجهود لتنفيذ خطط العمل المشترك التي تم الاتفاق عليها في إطار الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والأردن.

-أكد المجلس الأعلى على مواقفه وقراراته الثابتة بشأن الأزمة الليبية.

-أكد المجلس على مواقفه الثابتة تجاه جمهورية السودان ودعمه المتواصل لكل ما يسهم في تعزيز أمنها واستقرارها.

-أكد المجلس الأعلى أهمية الشراكة الاستراتيجية الخاصة بين مجلس التعاون والمملكة المغربية، ووجه بتكثيف الجهود لتنفيذ خطط العمل المشترك التي تم الاتفاق عليها في إطار الشراكة الاستراتيجية بينهما.

-أكد المجلس الأعلى أهمية استعادة الأمن والاستقرار في أفغانستان.

-دعا المجلس الأعلى المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته لوقف أعمال العنف والتهجير وإعطاء أقلية الروهنجيا المسلمة في ميانمار.

-وجه المجلس الأعلى بتعزيز علاقات التعاون والشراكة القائمة بين مجلس التعاون والدول والمنظمات الإقليمية والمنظمات الدولية الفاعلة.

-وجه المجلس الأعلى بتعزيز الشراكات الاستراتيجية القائمة مع الدول الشقيقة، بما في ذلك الأردن والمغرب والسودان والعراق.

-وجه المجلس الأعلى بتكثيف الجهود لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية.  

-وجه المجلس الأعلى باستكمال تنفيذ خطط العمل المشترك، في إطار الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة في كافة المجالات.

-وجه المجلس الأعلى باتخاذ الإجراءات اللازمة لاستكمال تنفيذ خطة التحرك في القارة الإفريقية.

-الترحيب بأن تكون دورته الثانية والأربعون للمملكة العربية السعودية.

ربحية وسائل الإعلام.. معادلة دخل الإعلان وأمن الأوطان!

يخطئ مـَن يقيس ربح وسائل الإعلام بحجم إيرادات الدخل الإعلاني الذي تحققه؛ فهذا البـُعد، الذي ينحصر في تطلعات الوسائل، لا يعدو أن يكون في حقيقة أمره سوى هدف هامشي أمام مطلب أعمق وأشمل يرتبط بكينونة دول الوسائل وتعول عليه من دون استثناء، بوصف الإعلام أحد معززات استقرارها ونمائها وازدهارها التي قد لا تستتب عندما يضعف: إخبارًا وتعريفـًا، ورقابة، وتصحيحـًا لمغالطات أو إشاعات كيدية تربك الجهود وتحبط المعنويات، وتقوض الآمال والطموحات.

من هذا المنطلق، فإن الخط الفاصل في تقسيم المتخصصين لوسائل الإعلام، من حيث ملكيتها، إلى نوعين: حكومي وخاص، يتحول في هذا السياق إلى خط وهمي خاصة في أثناء الأزمات وفي إطار التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات.

صحيح أن هناك اختلافـًا في سمات كل نوع؛ حيث تغلب على طابع الإعلام الحكومي الرسمية، ويمثل في كثير من أشكاله سياسات الدول وشخصيتها، بل إنه يتسم بخضوعه التـّام لتحكّمها مباشرة أو عبر وسيط يتناغم في تشغيله لها مع تلك السياسات، في حين إن الإعلام الخاص يبدو – عيانـًا – لجمهوره بأنه متفرد تمامـًا في إدارته، ومنعتق من القيود التي تطوق النوع الأول، كما أنه – على الرغم من وجود خيوط خفية وعلاقات وثيقة بين قياداته وحكومات الدول التي تنتمي لها الوسائل – يحظى بمرونة أعلى تمكن من إخفاء الصلة، ليتمكن من خلال ممارسته المهنية التي يفضلها الجمهور ويثق في معلوماتها، وبفضل التوازن الأقرب للمهنية في تغطيته للأحداث، من الانسياب بسلاسة إلى عقول الناس، ومن القدرة على إقناعهم بدقة المضامين وموضوعية الطرح، وبخاصة فيما يتعلق بالأخبار، وبالتالي يستطيع تشكيل المواقف، والسيطرة على ما يسمى بالرأي العام، الذي يـُعدُّ قوة حاسمة في التماهي مع القرارات والتفاعل معها إيجابـًا أو سلبـًا.

إن قدرة بعض وسائل الإعلام المهارية في إخفاء انتماءاتها، عبر تجنبها للألوان الرسمية، هي السبب الرئيس في إبقاء فكرة الفوارق بين النوعين جلية ومقنعة، وظهور الحدود والحواجز، وبخاصة في الدول التي تحمل لواء حرية التعبير، وهو ما جعل الأهداف الإستراتيجية الموحدة بين النوعين ومقاصدهما الحقيقة غير بائنة، ولا تظهر إلى السطح إلا حينما يتعرض الأمن الوطني للتهديد، فيصبح توحد المواقف أمرًا حتميـًّا إما طوعـًا أو كرهـًا، ولا عذر حينها لمن يتأخر أو يتغيب عن الساحة، إذ تبرز الخطوط الحمراء بشكل تلقائي لا يمكن للحكومات أن تقبل بالاقتراب منها؛ بل إن الشعوب نفسها ترفض وقتها مبدأ الحيادية المهنية الإعلامية في هذا الأمر.

في هذا الجانب تحضر بقوة قصة تسريح قناة الـ(NBC) الأمريكية لمراسلها الأمريكي الشهير، النيوزلندي الأصل، “بيتر أرنيت” (Peter Arnett)، الحاصل على جائزة بوليتزر، التي تـُعدُّ أعلى جائزة عالمية في مجال الصحافة نظير تغطيته النوعية لحرب فيتنام بسبب نوعية تقاريره، وذلك حين وافق في عام 2003م على طلب التلفزيون العراقي بمقابلته، فعلى الرغم من دعم القناة لموقفه ابتداءً بحجة أنها كانت مجاملة مقبولة منه، إلا أنها غيرت موقفها بشكل مفاجئ، وتخلت عنه لأنه، كما قالت القناة، وفقـًا لما نشرته الجارديان البريطانية: “صرح للعراقيين في وقت حرب، وكان خطأً أن يعبر عن ملاحظاته وآرائه الشخصية حينها”.

هذه الخطوة، التي كانت ستُعدُّ تعسفيةً، ومخالفةً لحقوق الإنسان، لو أقدمت عليها وسيلة إعلامية تنتمي للدول النامية، لم تكن الأولى مع الصحفي نفسه، بل سبقها تصرف مماثل من محطة (CNN)، في إجراءين غريبين يُلقيان بظلال الشك القريب إلى الثبوت على دور الحكومة الأمريكية، وتحديدًا وزارة الدفاع، في إقصائه وتنصل القناتين منه.

فقد كان بيتر أرنيت مراسلاً للمحطة العالمية الإخبارية إبان حرب تحرير الكويت عام 1991م، ولتميزه في تغطية الحروب والصراعات، وحرصـًا منها على توحيد الرسالة التي تصدر من الوسائل الإعلامية عبر مصدر واحد لكافة القنوات ولملايين المشاهدين حول العالم ويكون تحت أنظارها، رأت الحكومة العراقية أن تطرد جميع الإعلاميين الأجانب والإبقاء على أرنيت فقط، الذي وجد في ذلك فرصة ذهبية ليكون المصدر الحصري لأخبار يتعطش إليها الجميع، فآثر أن يبقى النزيل الإعلامي الوحيد في فندق الرشيد في بغداد في يناير من عام 1991م، فحظي حينها بتسهيلات استثنائية من الجانب العراقي، حتى أنه مُنِح مفاجأة لم يتوقعها، حين نـُقل مكمم العينين إلى إحدى ضواحي العاصمة، ليجد نفسه في أحد المخابئ، وجهـًا لوجه مع الرئيس صدام حسين ليُجريَ مقابلة تاريخية تـُعدُّ من أهم المواد الإعلامية التي وثقت أحداث الحروب، وربما الحروب أجمع.

استمر أرنيت في موافاة العالم بتغطياته لآثار الضربات الموجهة للداخل العراقي، إلى أن جاءت القشة التي أججت غضب الحكومة الأمريكية؛ يوم كشف بالأدلة عن حقيقة ادعاء جيشها ضرب أحد مصانع الأسلحة الكيماوية، الذي برهن المراسل على أنه لم يعدو عن كونه مصنعـًا لبودرة حليب الأطفال، ولم تتسبب هذه المعلومة في ردّة فعل عنيفة من الجهات الرسمية فحسب؛ بل نال صاحبها انتقادات حادة من كافة الأطراف مؤسساتٍ وأفرادًا؛ بما في ذلك أشهر الصحف العالمية “نيويورك تايمز” التي وصفت تواجده في العراق بأنه “خدمة لبغداد أكثر من واشنطن”، وهذا التعبير الصريح بحدِّ ذاته يؤكد بقوة أن قيم “الموضوعية” و”الحيادية” المطلقة، حتى لدى أعتى الوسائل الإعلامية، حكومية أو خاصة، لا تَصدُق إلا لدى المنظرين.

مثل هذا الإجراء يكشف بجلاء عن خيوط العلاقة بين الحكومات ووسائل الإعلام، وهو ما يجعل الأولى تتدخل لصالح الأخيرة عندما تتعرض للتحديات التي قد تتسبب في إضعافها، بغض النظر عن طبيعة ملكيتها، فاستقلالية الوسائل ومؤسساتيتها لا يعني تخلي الحكومات عنها في حال الأزمات التي قد تعتريها، حتى لدى أكثر الدول مناداة ببقاء الوسائل سلطة رابعة، ذات وظيفة رقابية على كافة السلطات، ليس في أمريكا فحسب؛ بل حتى في القارة الأوروبية، ففي السنوات الأخيرة، لم تقف كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا – على سبيل المثال لا الحصر – مكتوفة الأيدي تجاه تهديد طوفان شركات الاتصال والمعلومات الرقمية العملاقة وأدواتها، لمكانة وسائل إعلامها المؤسساتية المحلية ومقوماتها، فكان أن تدخلت بقوة لمعالجة تراجع إيراداتها الإعلانية عبر فرض جملة من التشريعات الصارمة التي تلزم الشركات الكبرى، بخاصة قوقل والفيسبوك وتويتر، بدفع مقابل لوسائلها المحلية عن أية مواد إعلامية مستقاة منها، بوصفها المصدر الرئيس، كجزء من حقوقها الفكرية.  

ولم ينحصر هذ التدخل في تلك الدول، بل إن الاتحاد الأوروبي بأكمله اتخذ خطوات مماثله، كما أن بريطانيا هي الأخرى استشعرت خطورة الأضرار التي طالت وسائل إعلامها، وطالبت بشكل رسمي بالحفاظ على مكانة وسائل الإعلام، في خطوة من شأنها أن تمنع مسخ إعلامها الوطني العريق، وقدمت اعتراضها في صيغة دعوة لتدخل الحكومات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد صرح وزير الثقافة والخدمات الرقمية أوليفر داودن، بجملة تـُعدُّ مؤشرًا على أهمية إعادة النظر في الفوضى الراهنة بما يضبطها، حين قال: نحن ندخل عصرًا جديدًا يملي على الشركات الرقمية أهمية استشعارها لمسؤولياتها وضرورة الالتزام بها تجاه الأطفال ومستخدمي منصاتها، لإعادة الثقة في نشاط النشر الإعلامي.

هذه الدعوة لإعادة الثقة في نشاط النشر الإعلامي هو ليس فقط مجرد الانتصار للوسائل المحلية لتواصل وظيفتها المعتادة، وإنما لأهمية أدوارها الرصينة للدول والحكومات، فلم يكن لدول أوروبا أن تسمح لأحد أن يتعرض بالتعطيل لمكائنها الإعلامية ذات الدور السيادي المهم، وما من شك في أن هذا التصدي لأي تهديد خارجي لأذرعها الإعلامية سيقابله تصدي مواز لأي تهديد داخلي، مهما كان نوعه، بما في ذلك الضعف الذي قد يعتري أساليب أداء الإدارة العليا وكوادرها البشرية والفنية، في حال عجزت عن مواكبة التطور المذهل في تقنيات الاتصال، فالأخذ بيدها في الحالات التي تنتكس فيها أوضاعها، هو في واقع الأمر جزء من الحفاظ على الأمن الوطني نفسه.

ولنا كلمة..

مثلما كانت في العهد القديم رابطًا بين الشرق والغرب، ومكانًا لتلاقي الثقافات واحتضان الحضارات، عادت مدينة “العلا” لتؤدي دورها “التاريخي” بصناعة سعودية، موثّقة لروابط الأخوّة، وجامعة للأشقاء.

لسان حال “العلا” كان يقول للعالم: مجلس التعاون راسخٌ كجبالي..

ونخيلها يشير إلى “هامات” الخليجيين التي إنْ اهتزت أو هُزّت أسقطت رطبًا.. وبقيت شامخة.

وعلى طريق “البخور”، حيث العلا، فاحت عطور المَحبّة

لتنتشي القلوب المُحبة الخير للخليج العربي وأهله..

بعد أن تحقق النجاح .. في قمة قابوس وصباح

شؤون كثيرة ناقشها المجلس الأعلى في القمة الواحدة والأربعين، وقرارات شتّى صدرت في ختامها..

كانت طموحات المواطن الخليجي بوصلة القادة..

وحكمتهم هي العدّة والعتاد..

لتستمر رحلة مجلس التعاون –بإذن الله- متوجهة نحو “العلا” باقتدار، مهما واجهها من رياح.

ولأنها قمّة تاريخية استثنائية، فقد كان تأخير صدور هذا العدد من “إذاعة وتلفزيون الخليج” موفقًا، حيث واكب هذا الحدث المميز، لتحمل صفحاته الأولى باقات من زهور “التعاون” التي قطفناها من بستان “الخليج العربي” لـ”ننشرها” بين الأهل والأحباب.

ولم نغفل أيضًا عن حقول أخرى زُرعت خلال الثلاثة أشهر الماضية، كان فيها العمل الخليجي المشترك متواصلاً بالرغم من الجائحة، وكانت أنشطة الجهاز مستمرة ومضاعفة، ليأتي الحصاد تباعًا.

ولأصحاب الرأي والمتخصصين مساحات مُلئت بما يسهم في تطوير المحتوى الإعلامي الخليجي والعربي..

وعلى دروب “العلا” نلتقيكم دائمًا..

إستراتيجيات مستحدثة لإنقاذ الصحافة الورقية من الفناء

جائحة كورونا المستجد أدت لتوقف الكثير منها 

جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) لتعمق أزمة الصحافة الورقية، التي اضطر كثير منها في وقت سابق إلى التوقف بعد خسارة التحدي مع الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية، وهو ما يزيد من التساؤلات حول مستقبل هذه الصحف، وإذا ما كانت في طريقها إلى الاندثار بشكل تام.

وبحسب نشرة “أخبار الساعة” التي يصدرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية أنه إذا كانت بعض الصحف الورقية قد استطاعت الصمود بحكم ما لديها من موارد مالية، أو بحكم نجاحها في الجمع بين الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني، أو بحكم ما حققته من مكاسب من عملية التوزيع أو الإعلان، فإن هذا النوع الأخير من الصحف على وجه التحديد واجه تحديات جديدة مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) التي غزت العالم بشكل مفاجئ، وحولته إلى جزر منعزلة بين عشية وضحاها، حيث أحجم القراء عن شراء الصحافة الورقية خوفـًا من العدوى، وبادر كثير من ناشري هذه الصحف إلى وقف صدور صحفهم.

وتحت وطأة هذه الظروف الصحية العالمية وتأثيرها السيئ في الاقتصاد، اضطرت بعض المؤسسات الصحفية لتعليق العمل تمامًا أو تسريح العمالة في أفضل الأحوال، بينما نجحت مؤسسات أخرى في تخطي الأزمة، واللافت أن المؤسسات التي تمكنت من تخطي الأزمة، كانت تتبع إستراتيجية اقتصادية تعتمد على تنوع مصادر التمويل.

ووفق العديد من الخبراء، وعلى رأسهم “جانين وارنر” (Janine Warner)، المؤسس المشارك لمؤسسة (Sembra Media)، المختصة بتقديم استشارات بشأن استدامة وسائل الإعلام، تمثل هذه الإستراتيجية مفتاح الاستدامة للمؤسسات الصحفية في أوقات الأزمات، فإذا بدأ مصدر ما بالشح، تتولى المصادر الأخرى توفير التمويل المطلوب.

في ذلك يقدم أحمد العطار من شبكة الصحفيين الدوليين قائمة بأهم مصادر التمويل المبتكرة والمستخدمة، التي يرشحها الخبراء من أجل بقاء المؤسسات على قيد الحياة، كما يلي:

المحتوى المدفوع

في نهاية عام 2018م، أعلنت صيحفتا “نيويورك تايمز الأمريكية” و”الغارديان البريطانية” أن لديهما مئات الآلاف من القراء الذين يدفعون مقابل المحتوى، والأمر ينتشر بسرعة ويحقق نجاحًا ملفتـًا، ذلك ما ذكره التقرير السنوي لمعهد “رويترز لدراسات الصحافة 2020م”، مؤكدًا أنه من المقرر خلال العام الجاري أن تصبح عائدات القراء مصدرًا رئيسًا للدخل بالنسبة لنصف الناشرين.

ويقول الصحفي السابق في الـ”بي بي سي” نيك نيومان (Nic Newman): “إن الناشرين الذين راهنوا مبكرًا على الاشتراكات والعضويات مقابل رسوم معقولة، يجنون الأرباح الآن من إيرادات القراء، وذلك مقابل محتوى حصري أو نشرات للأخبار وغيرهما من خدمات.

ويُعدّ نموذج “فريميوم” (Freemium) وهو نظام تسعير، الأكثر شعبية بين نماذج الدفع مقابل المحتوى، ويوفر هذا النوع المحتوى العادي مجانـًا، لكنه يشترط الاشتراك للوصول إلى المحتوى الإضافي أو الحصري، حيث يعتمد موقع “ذا ديلي بيست” الأميركي هذا النموذج، ويسمح للمشتركين فقط بالوصول للمحتوى الحصري مقابل (100) دولار سنويـًّا.

وهناك نموذج آخر تعتمده مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، حيث تعرض جزءًا محددًا من المحتوى مجانــًا، وتشترط الاشتراك للوصول إلى باقي المحتوى، ويمكن –أيضـًا– الجمع بين هذين النموذجين فيما يعرف بالنظام “الهجين”.

أما صحيفة “الغارديان” البريطانية، فقدمت محتواها كله مجانـًا، لكنها وفرت للمشتركين والأعضاء خصومات وحجوزات ذات أولوية للأحداث والفعاليات الخاصة بها، أو التي تشارك فيها بعلاماتها التجارية .

مدخلات المنتجات الرقمية

لا يزال ثلثا عائدات الصحيفة السويدية (Dagens Nyheter) “أخبار اليوم” يأتي من الطباعة، لكن قيادتها قررت التركيز على تصميم المنتجات الرقمية وبيعها، وقد استدعت الصحيفة مطوري الويب والجوال، لإنشاء مواقع مشاريع خاصة وتطبيقات جوال وتجارب تفاعلية للمستخدم، وتنسيقات مبتكرة مثل الواقع الافتراضي والكتب الصوتية. ونشرت الصحيفة إصدارات صوتية لجميع قصصها الصحفية الطويلة، وأطلقت تطبيقـًا جديدًا للتسلية واختبارات الذكاء والكلمات المتقاطعة بجانب تطبيقها الإخباري، وفرضت رسومًا مقابل الاشتراك الشهري.

توازيًا، كان لصحيفة “التليغراف هيرالد(The Telegraph Herald) الأمريكية تجربة مختلفة، حيث قررت تنويع إيراداتها بتأسيس لعبة رقمية بعنوان: (Escape Room Dubuque)، ينخرط فيها اللاعبون داخل سلسلة من التحديات والألغاز التي يجب عليهم حلـّها من أجل الخروج من الغرفة المغلقة، وحقق المشروع أرباحًـا خيالية بعد ستة أشهر فقط.

خطط مبتكرة لجذب الإعلانات

استطاع “رولي بروني” (Rowly Bourne)، المؤسس والشريك في مؤسسة “ريزونينس” (Rezonence) لتمويل الصحافة في بريطانيا، ابتكار آلية بسيطة لجذب المعلنين وإقناعهم بدفع مبلغ معقول مقابل ضخ إعلاناتهم في المواقع الإلكترونية، وذلك عبر تزويدهم بإثباتات أن إعلاناتهم قد تمـَّت قراءتها وفـَهمها، وتعتمد الآلية التي طرحها من خلال منتج يسمى “فري وول” (Free Wall)، على ربط إعلان واحد بقراءة المقال كاملاً، وذلك بوضع سؤال بسيط نسبيًّا أسفل الإعلان، وبعد الإجابة عن السؤال يظهر المقال كاملاً، وهذا يثبت للمعلن أن علامته التجارية لفتت انتباه القراء، ولا يزال الإعلان  واحدًا من مصادر التمويل التي يجب الاعتماد عليها، لكن مع بعض التغيير في الإستراتيجيات.

وفي تصور مواز، يرى البعض أن الاعتماد على الإعلان الأصلي (Native Advertising) هو الحل، وهو إعلان يأخذ شكل القصص الإخبارية الحقيقية، ويحمل رواية مقنعة حول منتج ما بهدف تسويقه، حيث تعتمد “نيويورك تايمز” بشكل كبير على الإعلانات الأصلية لتحقيق الأرباح، وأبرزها كانت مجموعة قصص لصالح شركة “ديل” (Dell) للكمبيوتر.  

وعلى الرغم من انتشار هذا النوع من  الإعلانات مؤخرًا، وتفضيل المعلن والناشر له، إلا أن “إيرك كورس” (Eric Goers) مدير الابتكار بمجلة “تايم”، يحذر من أنه قد تقوض ثقة القارئ، إذا لم يتبع الناشر معايير وقواعد واضحة لضمان عدم خداع الجمهور.

الفعاليات مصدر للتمويل

في أعقاب الجائحة، نجحت بعض المؤسسات في تحويل جميع فعالياتها إلى الفضاء الافتراضي، وفرضت رسومًا عليها وحققت أرباحـًا، ويمكن –أيضًا– أن تكون الفعاليات التعليمية، مثل تدريب الصحفيين والطلاب على العمل الصحفي مقابل رسوم معقولة، مصدرًا مهمًا للدخل.

فصحيفة “شاتنوغا تايمز فري برس” (Chattanooga Times Free Press) التي تصدر بولاية تينسي الأمريكية، تعتمد على تنظيم وبيع الفعاليات كمصدر رئيس لإيراداتها، وقد بدأت تجربتها تلك قبل أعوام قليلة، ووضعت شعارها على الندوات والمؤتمرات والمهرجانات والمعارض التجارية والمسابقات ومعارض التوظيف، وروجت لها داخليًّا وخارجيًّا ونظمتها بشكل جيد، ثم جمعت ملايين الدولارات.

التمويل الجماعي يساعد أيضًا

تضع بعض الصحف البريطانية، خاصة “الغارديان” نصـًّا مثبتـًا على كل صفحات الموقع، تطلب فيه الجريدة من قرائها التبرع من أجل الإسهام في ضمان مستقبلها، هذه الرسالة تحيلنا إلى مسألة “التمويل الجماعي” (Crowd funding)، حيث يدعم الجمهور المشاريع الإعلامية بالمال اللازم لأجل إطلاقها أو ضمان استمرارها، وقد نجحت الصحيفة البريطانية في الاعتماد على هذه التبرعات كمصدر مهم للدخل، كما دخلت في شراكة مع موقع “التمويل الجماعي” (Kick starter) لتقديم نفسها للمتبرعين عبر منصته الشهيرة.

هنا يرى خبير التسويق “سيث غودين” (Seth Godin) أن نجاح حملات التمويل الجماعي مرتبط بتصميم إستراتيجية متطورة لإشراك الجمهور عبر التواصل معه بشكل أفضل وإعادة تقييم احتياجاته، ففي أعقاب الجائحة وضعت بعض الصحف إستراتيجية مكنتها من توسيع قاعدتها الجماهيرية عبر قصص تراعي الشرائح المختلفة، والعمل بشكل تعاوني، وتقديم المساعدة لمن يحتاجها، وهناك صحف مكنت القراء من الوصول مجانـًا للمحتوى المدفوع الخاص بالجائحة، وأخرى أطلقت قناة على تليغرام لضخ محتوى مجاني عن الفيروس، فيما أطلق أحد المواقع الأمريكية خدمة لربط الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة مع أولئك الذين يمكنهم تقديمها.

صحافة الحلول المجتمعية

كان لـ”جيل غوردين سبتز” (Jill Jorden Spitz) المحررة في صحيفة “أريزونا ديلي ستار” (Arizona Daily Star)، تجربة مميزة في جمع التمويلات المتعلقة بـ”صحافة الحلول”، وتقول: “إنها حظت بتمويلات أكثر عندما طلبت من الممولين أصحاب الأهداف الاجتماعية دعم مشروع يتماشى مع أهدافهم من مجرد مطالبتهم بدعم الصحافة”، ويؤكد خبراء أن الرهان على “صحافة الحلول” التي توجد الحلول لمشكلات المجتمع تضمن تمويلاً سخيًّا.

خمسة أبطال لكؤوس القادة في موسم كروي استثنائي

حماس وترقب واحتراز شهدتها كرة القدم الخليجية

ألقت جائحة الفيروس التاجي بظلالها على بطولات كرة القدم الخليجية هذا العام 2020م، منذ أن أوقفت الأنشطة الرياضية وحتى عادت في معظم دول الخليج، وفي مقدمتها ومن أهمها بطولات الكؤوس، والتي تصفها جماهير كرة القدم في الخليج “أغلى الكؤوس”؛ لارتباطها بأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون، ومع ما للدوريات المحلية من شغف ومنافسات لها حماسها وإثارتها إلا أن كؤوس القادة في كلٍ من الدول الخليجية تشهد أيضًا تنافسًا محمومًا وتشكل حلمًا لكل نادٍ ولاعبٍ أن يدون اسمه ضمن أبطال الكأس الأغلى في وطنه.

ومتابعة لما استؤنف من منافسات كرة القدم في الخليج منذ تفشي فيروس كورونا، شهدت الأشهر الماضية عودة أغلب البطولات التي توجت بها فرق خليجية، واجهت الجائحة وأمتعت جماهيرها وظفرت بالألقاب في موسم استثنائي على كل المستويات.

الإمارات .. لا أبطال

أوقفت بطولات كرة القدم في دولة الإمارات لعربية المتحدة في موسم 2019 – 2020، قبل نهايتها، بحسب قرار اتحاد الكرة الإماراتي في يونيو الماضي، والذي تضمن عدم استكمال نسخة هذا العام من بطولة كأس رئيس الدولة، بسبب انتشار فيروس “كورونا” المستجد في حينها.

المحرق بطل كأس ملك البحرين للمرة (19)

أما في مملكة البحرين فقد توّج فريق نادي المحرق الأول لكرة القدم بلقب مسابقة كأس ملك البحرين للموسم الرياضي 2019-2020، وللمرة “19” في تاريخ مشاركاته في هذه المسابقة، وذلك بعد فوزه على فريق نادي الحد بهدف وحيد توجه بطلاً للمسابقة، في المباراة النهائية التي جمعت الفريقين في 11 أكتوبر 2020م على ملعب استاد مدينة خليفة الرياضية، واستعاد المحرق بهذا الفوز اللقب الغائب عن خزائنه منذ موسم 2015-2016م، وحرم منافسه نادي الحد من الثنائية بعد تتويج الأخير بطلاً لدوري ناصر بن حمد الممتاز لكرة القدم مطلع أكتوبر الماضي.

كأس الملك يتوّج الهلال بثلاثية تاريخية

في المملكة العربية السعودية، حقق فريق كرة القدم الأول بنادي الهلال الثلاثية التاريخية في موسم استثنائي أمتع من خلاله جماهيره، بعد تتويجه في 28 نوفمبر 2020 بلقب كأس خادم الحرمين الشريفين للمرة التاسعة في تاريخه، وعلى حساب منافسه التقليدي نادي النصر، إثر تغلبه عليه بنتيجة هدفين لهدف، خلال المباراة التي جمعت بينهما على ملعب الملك فهد الدولي، في المباراة النهائية لمسابقة كأس خادم الحرمين الشريفين.

ويعد الموسم 2019 -2020 موسمًا تاريخيًا للبطل الآسيوي، إذ تمكن خلاله الهلال من الظفر بلقب دوري أبطال آسيا في 24 نوفمبر 2019 على حساب نادي “أوراوا” الياباني، ثم الفوز بدوري الأمير محمد بن سلمان للمحترفين في أغسطس الماضي، وأخيرًا الفوز بلقب كأس الملك.

ظفار يخطف لقبه التاسع في كأس جلالة السلطان

أما في سلطنة عمان، فقد توج فريق كرة القدم الأول بنادي ظفار بلقب كأس جلالة السلطان للمرة التاسعة في تاريخه، عقب فوزه على نادي العروبة بنتيجة (5-4) في اللقاء النهائي للمسابقة الذي أقيم على ملعب مجمع الرستاق الرياضي، في 29 نوفمبر 2020، حيث شهد اللقاء منافسة استمرت نتيجتها السلبية للأشواط الإضافية؛ ليبتسم بعدها الحظ لظفار، ويحقق البطولة بالركلات الترجيحية.

وكان أول ألقاب ظفار بكأس جلالة السلطان في 1976، فيما حقق هذا الموسم 2019-2020 المركز الثالث في الدوري العماني لكرة القدم بعد عودة المنافسات الرياضية العمانية في أواخر أكتوبر الماضي، والتي توقفت احترازًا منذ مارس 2020 بسبب جائحة “كورونا”.

السد يظفر بكأس أمير قطر للمرة 17

استعاد الفريق الكروي بنادي السد القطري لقبه بطلاً لكأس أمير قطر لكرة القدم بتحقيقه البطولة للمرة (17) في مسيرته بعد أن غابت عنه لعامين، حيث توج بنسختها (48) بعد فوزه على نادي العربي (2-1) في المباراة النهائية للبطولة في 18 ديسمبر 2020 والتي أقيمت على استاد الريان.

ويعد السد أكثر الفرق القطرية فوزًا باللقب، في حين لازمه منافسه الريان وصيفًا (11) مرة، أما العربي فبخسارته اللقب هذا الموسم 2019 -2020 يكتفي بثمان نسخ سابقة له من البطولة، كان آخرها 1992م.

للمرة (16) العربي يتوج بكأس أمير الكويت

وفي دولة الكويت حقق فريق كرة القدم بنادي العربي كأس أمير الكويت للمرة (16) في تاريخه عقب فوزه على نادي الكويت، بطل الدوري هذا الموسم 2019 – 2020، بنتيجة (2-1) في الوقت الإضافي من المباراة النهائية للمسابقة، والتي جمعت الفريقين في سبتمبر الماضي.

ويتساوى العربي بهذا الفوز مع نادي القادسية كأكثر الفرق الكويتية تحقيقًا لبطولة كأس أمير الكويت، بينما حقق العربي (14) نسخة سابقة من البطولة.

الرقمنة في الدول العربية ورهانات توظيفها في سياق جائحة (كوفيد-19)

مقدمة:

شكلت الرقمنة منذ ظهورها في بعض المجتمعات المتقدمة مقياسـًا موضوعيـًّا للتمييز بين مستويات الأمم ودرجة تحولها من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد المعرفة، ومن الدولة القطرية إلى العولمة.

وقد أدّت هذه الرؤية الإيديولوجية الحداثية للتكنولوجيا كآلية للتقدم الاجتماعي إلى تنافس أقطاب المجموعات الدولية للاستثمار في تطويع ممكنات تكنولوجيات المعلومات والاتصال لخدمة كل القطاعات الحيوية، بما يضمن بلوغ الطموحات الاحتفائية للعولمة القاضية بتحقيق: اللا مركزية، الفعالية والتفاعلية، الفورية والدقة التنظيمية.

وكنتيجة لذلك، نشأت مقاربات جديدة ومغايرة في فَهم العوالم الثقافية والأبعاد التاريخية والاقتصادية والتكنولوجية، وحتى الجغرافية، التي اضمحلت فاسحة المجال لمفاهيم أخرى ذات العلاقة بالهويات الرقمية والجماعات الافتراضية والكفاءات التقنية(1).

وبالحديث عن المتغيرات المحددة للفضاء السيبرنطيقي تعززت معالم “الفجوة الرقمية” كمؤشر على نوع جديد من التهميش في إطار “التراتبية” الإنسانية والتفاوت بين المجتمعات المبتكرة للتكنولوجيا والشعوب المستخدمة لها.

ضمن هذه المفارقة، برزت جملة من الإشكالات المعرفية المتعلقة بفَهم الرقمنة وآليات تملكها والنفاذ إليها، وكذا توظيفها واستخدامها، فما المقصود بالرقمنة؟ وكيف تمَّ تبنيها عربيـًّا؟ وكيف استغلت في سياق جائحة كورونا؟

1- الرقمنة: المفهوم والأبعاد الدلالية

يحيل مصطلح “الرقمنة” في بُعده التقني والوسائطي والثقافي إلى جملة من النقاشات النقدية ذات الصلة باستيعاب معنى الرقمنة وحدودها الدلالية، فهل الرقمنة مواد إلكترونية تختزل تحويل البيانات التناظرية إلى معطيات رقمية؟

أم أن عوالم الرقمنة هي أوسع من أن تُعرض في مجرد برمجيات وأنظمة حاسوبية، وأنها تتعلق بالثقافة برمتها وبالآليات المحايطة لإنتاجها؟

إن تجاوز إشكالية التقني والثقافي في فـَهم الرقمنة يقتضي إعادة النظر في البـُعد الدلالي لتوصيف هذا المصطلح الجديد الوافد على اللغة العربية والمتشكل في سياقات معرفية وثقافية مختلفة.                 

رقمنة في اللغة العربية على وزن “فعللة” يقابلها في الإنجليزية  Digitalization أو ترقيمية على وزن “تفعيلية” Digitalisation  الفرنسية التي تدل على “التحول إلى النظام الرقمي” Numirisation  أو Digital transformation، وهو المصطلح الرائج في السنوات الأخيرة.

ويراد بهذا المصطلح لغة: “تحويل البيانات التناظرية الموجودة في المستجدات والرسومات والميكروفيلم والصور الفوتوغرافية والإشارات الإلكترونية والصوتية والسجلات الصحية والمواقع، وبطاقات الهوية والبيانات الحكومية والبنكية إلى سلسلة رقمية من “البيانات” المعالجة بنظام الخوارزميات الحاسوبية(2).

ويؤدي السعي إلى تغيير نماذج الأعمال والعمليات وتوفير فرص جديدة لتوليد الثروة والتنمية المستدامة باستخدام التقنيات الرقمية إلى التأكيد على أن هذه الأنظمة ذات الطابع التقني تحيل على عالم الأشياء، وهي في نفس الوقت ذات طبيعة تداولية تحيل على عالم العلاقات الإنسانية والتبني الثقافي لهذه الوسائط الجديدة(3).

والإقرار بأن الرقمنة مرتبطة في مدلولها بالسياق الاجتماعي والثقافي للبيئة الموظفة لها يقودنا إلى إثبات الطرح الداعي إلى أن الفـَهم الصحيح لهذا المصطلح لا يقوم على منطق المعلوماتية (الكمبيوتر) والالتزام بوظائف البرمجيات فحسب، وإنما على ما تستلزمه هذه الممارسات من انتقالات حضارية مصاحبة(4).

وتتضمن هذه الانتقالات العمل على اكتساب كل التجهيزات المعلوماتية الجديدة، إضافة إلى الاستثمار الجيد الفعلي والكامل في متطلبات الثقافة الإلكترونية والمجتمع السيبرنطيقي Cyber Society(5).

وفي مستوى هذا التحدي يتعين على الدول المستخدمة لهذه التقنيات، ومنها الحكومات العربية، توفير البنى التحتية الرقمية اللازمة وتأهيل الطاقات البشرية من أجل توسيع مواهبهم في مجال الرقمنة، ورفع قدراتهم على التكيف مع مقتضيات الاقتصاد الرقمي.

هنا تفاوتت مستويات الدول العربية في تصنيفها وفق مؤشر التنافسية الرقمية، الذي يصدر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية بمدينة “لوسان” السويسرية، في مراتب أعادت للواجهة حقيقة جوهرية مفادها أن التطوير والتحديث التكنولوجي، وتشكل استخداماته لدى الأفراد والمجتمعات سيكون مستقبلاً علامة فارقة بعيدًا عن الثروات الطبيعية التقليدية التي سادت عقودًا من الزمن.

من هذه الزاوية تحديدًا، يمكن معاينة مكانة الرقمنة في برامج الدول العربية، ودرجات تبنيها، و العمل بها في أوقات السّلم والأزمات.

2-التحول الرقمي في الدول العربية: الإستراتيجيات والرؤى الاستشرافية

على الرغم مما أسهمت به الرقمنة في بناء منظومة قيم جديدة في التفكير العربي من خلال تجديد ملامح انفتاح أفراده على كوكبة الخدمات التي تقترحها هذه التكنولوجيات الجديدة، فإنه لا يزال يسجل تعثرًا في ميادين عديدة، ومرد هذا القصور إلى إهمال فكرة الاستثمار في مفهوم “رأس المال الاجتماعي” الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu للتمييز بين التملك والنفاذ بشكل عام، إذ يحتاج الفرد لامتلاك الأجهزة إلى رأس مال اقتصادي، لكن استخدامها يقتضي رأسمالاً ثقافيـًّا.

وعلى هذا النحو، فإن فـَهم استخدام التكنولوجيا يستند بالضرورة إلى سياقها الاجتماعي والثقافي، ذلك أن التكنولوجيا لا تحوي سوى جملة الخيارات الممكنة، يتفاعل معها أو يغفلها المستخدم وفق محددات عديدة، فالاستخدامات لا تحددها التكنولوجيا فقط، ولكنها تتشكل كذلك وفق تفاعلات مركبة بين الإنسان والآلة، وبتعبير أدق بين الذهنيات والتكنولوجيات(6).

وبالنظر إلى جهود الدول العربية في تحقيق المعادلة السابقة ومسايرة التطورات المتسارعة التي شهدها الاقتصاد العالمي، تبنت المملكة العربية السعودية إستراتيجيات وطنية للتحول الرقمي بالتعاون مع الجهات الحكومية، من أبرز مرتكزاتها: الصحة الرقمية، التعليم الرقمي، التجارة الرقمية، والمدن الذكية.

وتجسيدًا لمسعى تعميم الرقمنة في جميع المرافق الحكومية وتزويدها بشبكة الأجيال الجديدة لنقل البيانات الضخمة ومعالجتها في أسرع وقت، سعت المملكة العربية السعودية إلى هندسة مشروعات التحول الرقمي المضمّنة في “رؤية المملكة العربية السعودية 2030م”، والهادفة إلى تحقيق وثبة نوعية في مجال التحول نحو الاقتصاد الرقمي.

وقد حذت حذو المملكة دول عربية كثيرة، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي سارعت إلى وضع وتنفيذ سياسات متقدمة في مجال الإدارة الإلكترونية والتعليم عن بـُعد ورقمنة قطاعات التجارة والبنوك، وتوسيع عمليات الدفع الإلكتروني للأشخاص والمؤسسات، واعتماد نظام الحوسبة السحابية لزيادة معدل الانخراط في مفهوم “مجتمع المعلومات”(7).

هكذا أضحى حضور الرقمنة ضرورة ملحة في برامج وسياسات الحكومات العربية، وهو ما أدى إلى تبني إستراتيجيات مدروسة وفق مقاربات متباينة وجهت كلها نحو تعميم النفاذ إلى الرقمنة والإفادة من خدماتها، وتحويل مجتمعاتها إلى ما أسماه “مانويل كاستالس” Manuel Castells “مجتمعات شبكية” حيث تؤدي فيها المعلومات دورًا مركزيـًّا وبنيويـًّا(8).

ضمن هذا التصور قامت جمهورية مصر العربية بصياغة إستراتجية بما يتوافق وإستراتجية التنمية المستدامة التي تضمنتها رؤية مصر 2030م، وعلى ذات النهج سار كثير من حكومات مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كدولة الكويت التي تبنت إستراتيجية رؤية الكويت 2035م، والبحرين التي اعتمدت إستراتيجية الحكومة الرقمية (2020/2022م) إضافة إلى “إستراتجية عمان الرقمية” القائمة على تنمية قدرات المجتمع ومهارات الأفراد، ونشر تطبيقات الحكومة الإلكترونية والخدمات الذكية، وتوفير منظومة متكاملة لصناعة تقنية المعلومات والاتصالات الحوكمة، وتطوير المعايير القياسية والسياسات والجيل الجديد من البنية الأساسية الرقمية وتعزيز الوعي المعرفي لدى الأفراد(9).

ولأن تبني التحولات الرقمية يقتضي لزامـًا تعزيز الأطر التشريعية والمؤسسية المنظمة لهذا الانتقال، اجتهدت دول المنطقة في سنِّ القوانين والتشريعات واستحداث الهيئات والوزارات التي تسهر على إرساء ودعم هذا التحول الرقمي.

وفي هذا الإطار أوكلت الأردن مهمة رفع هذا التحدي لوزارة الاقتصاد الرقمي التي عملت على رقمنة الخدمات المالية والمصرفية وتطوير أنظمة الدفع الالكتروني، وتشجيع عمليات التسويق الالكتروني… وهي ذات المهام التي اضطلعت بها شركات وطنية تعمل في مجال الاقتصاد الرقمي كما هو الشأن في عمان وفلسطين.

ومواكبة لهذه التطورات التي عرفتها دول المشرق العربي على اختلاف مستوياتها، لم تبق حكومات المغرب العربي بمنأى عن هذا العالم الجديد الذي تؤسسه التكنولوجيا وتفرض فيه شروط الانخراط في سياق المنطق الإلكتروني وضوابط تبني المبتكرات والمستحدثات.

لهذه الاعتبارات، عمل المغرب على تبني إستراتيجية ضمنها الأهداف التي تخول له تسريع تحوله الرقمي وتحسين موقعة الإقليمي في المنطقة، وهي الاستراتيجية التي أنشأ بمقتضاها “وكالة للتنمية الرقمية” مهمتها الأساسية إنجاح تطبيق محاور إستراتيجية “المغرب الرقمي”(10).

وعلى نفس الشاكلة مضت تونس على درب الرقمنة من خلال تبني الخطة الإستراتيجية الخماسية (2021/2025م)، التي تضمنت محاور أساسية تتعلق بالاندماج الرقمي والمالي، والعمل على جعل تونس أرضـًا للرقمنة والتجديد من خلال تطوير مشروع “تونس الذكية”(11).

وقد استطاعت تونس بفضل هذه المساعي حل العديد من الإشكاليات التي كانت تعرقل حياة المواطن والمؤسسة والإدارة، وأن ترتقي بمكانتها في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

واستنادًا إلى ذات التخطيط استحدثت الجزائر وزارة منتدبة لاقتصاد المعرفة مهمتها تطبيق إستراتيجية الدولة في مجال رقمنة القطاعات الحيوية، وتشجيع مطوري المنصات والتطبيقات، وهو ما أدى إلى تحفيز المبادرات الفردية والمؤسسات الناشئة للاستثمار في هذا المجال(12).

هكذا ساعدت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الدول العربية على النهوض بجودة كثير من الخدمات القطاعية محدثة قطيعة مع أساليب التسيير القديمة، واضعة أمام حكومات هذه الدول فرصًا وتحديات غير مسبوقة لاحتضان التكنولوجيا بنجاح، والتمكن من إتقان العمل بها في وقت الرخاء والشدة.

وبالحديث عن فترات الشدة، نتحدث عن جائحة كورونا وما أنتجته من شلل شبه كلي في جميع مناحي الحياة، وكيف استطاعت التكنولوجيا في سياق هذه الأزمة الصحية أن تحافظ على الحدِّ الأدنى لسير المرافق العـامة.

فبزحف فيروس كورونا واجتياحه كل أمــصار العالم، وجدت الحكومات ومنها العربية نفسها أمـام حتمية الاعتماد على الرقمنة من أجل استمرارية بعض القطاعات الحيوية ولو عن بـُعد.

فكيف استثمرت هذه الدول في ممكنـــات الرقمنة؟ وكيف وظفتها في تسيير الحياة عن بـُعد؟

3- الرقمنة في الوطن العربي… أي دور في سيــاق الجائحة؟

نظرًا للأرقام القياسية التي سجلها انتشار الفيروس في المنطقة العربية وما تسبب فيه من أعداد كبيرة من الضحايا، اضطرت الحكومات إلى غلق المدارس والجامعات، وفرض حالات الطوارئ الصحية، وإجراءات التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي، وفي ظلِّ هذه الأوضاع تحول التعليم والعمل والتجارة والخدمات وحتى الثقافة إلى أنشطة عن بـُعد من أجل تحقيق التوازن وتخفيف حدة الأعباء التي فرضتها الجائحة.

وفي هذا الإطار، تكرست طرائق فرضت نفسها في الثقافة العربية مثل:

أ- التعليم الإلكتروني: يعدُّ التعليم الإلكتروني من الطرائق الحديثة التي عرفها العالم والتي أعطت نتائج ملموسة خاصة في الدول الأوروبية، وهو يتطلب من النـــاحية التقنـــية توفير شبكة الإنترنت والحواسيب والهواتف الذكية لتتبع الدروس عن بـُعد.

ويقوم هذا التعليم على اعتماد منصات رقمية تتيح إنشاء حصص افتراضية كما تسمح للطلاب بالمشاركة في النقاش وإجراء الامتحانات(13).

وعملاً بهذه التقنيات، قامت العديد من الدول العربية بتطوير منصات التعليم الإلكتروني، وفي هذا المجال أصبحت بوابة التعليم الوطني “عين” القناة الرئيسة للتعليم لأكثر من ستة ملايين مستخدم في المملكة العربية السعودية، ولإنجاح هذه العملية عملت المملكة على تدريب المعلمين في مجال استعمال تقنيات التعليم عن بـُعد، ورفع تدفق الإنترنت، وهو ما مكّن من تعميم التعليم على نطاق واسع بالنسبة للمدارس والجامعات، وهي الجهود التي تدعمت بشكل أكبر بعد إطلاق تطبيقي: “مدرستي” و“توكلنا” الذي صنفه «Google» ضمن أكثر التطبيقات استخدامـًا في المملكة السعودية خلال عام 2020م(14).

على هذا النحو حلّت الرقمنة مشكلة تعليق التعليم في كل الدول العربية، ففي تونس والمغرب والبحرين والكويت وقطر ومصر قدمت الحكومات الإنترنت مجانـًا لأساتذة الجامعات، وسهلت الوصول إلى المنصات، الأمر الذي أتاح إمكانية التحضير الجيد للتلاميذ من أجل اجتياز الامتحانات والمسابقات في ظروف جيدة.

كما عملت الأردن في هذا السياق على تطوير منصات جديدة لاستضافة مواد التدريس مثل “درسك” و“إدراك” و“جو أكاديمي” و“أبواب”… وغيرها من المنصات التي عززت مبادرات التعليم الإلكتروني.

ومهما تكن طبيعة الجهود المبذولة في زمن أزمة كورونا، فإنه يجب الاعتراف بأن الرقمنة قد كانت بالنسبة للجميع بمثابة طوق النجاة لاستكمال الموسم الدراسي وإنقاذ الطلاب من شبح السنة البيضاء.

وعلاوة على مشكلة تعليق الدراسة، كان لابد من ضمان الحدِّ الأدنى من خدمات الوظيف العمومي وهو ما تأتى بـ:

ب- العمل عن بـُعد:

وهو العمل المنزلي الذي يتضمن تأدية النشاطات المعهودة للموظف بالإضافة إلى المشاركة في الاجتماعات عبر الفيديو أو بطريقة الحضور عن بـُعد التي من شأنها الحفاظ على أجواء العمل المعتادة، وتحقيق التواصل البصري مع الزملاء، وهي المشاركة الوجدانية التي تحفز على العمل، وتشعر الموظف بانتمائه، وتواصله مع الآخرين(15).

من هذا المنطلق أصبحت الرقمنة سلاحـًا لا مناص منه لمواجهة الأزمات، والتخلص من الروتين، والتوجه نحو الإبداع والتطوير لبلوغ آفاق أرحب في مجال اختصاص الفرد أو المؤسسة.

الهوامش:

(1) Daniel Silver : Internet, Cyberculture, Fill in the blank studies, New media society, New York, 2004, P52

(2) Bernard Latour : La numerisation : concept et enjeux, edition la découverte, Paris, 2012, P13

(3) Regis debray, introduction à la médiologie, P.U.F, Paris, 2000, 125

(4) Bernard Latour, op, cit, P22

(5) Louis Strate, R.Jacobson ; communication and cyberspac : social interaction in an environment, Hampton Press, New York, 2003, P68

(6) Ibid, P71

(7) التقرير الاقتصادي و الاجتماعي للصندوق العربي للإنماء.

(8) Manuel Castells : The rise of the network society; Wiley Blackwell, 2009, P43

(9) تقرير صندوق النقد العربي، 2020م.

(10) المملكة المغربية: وزارة الاتصال، 2020م.

(11) الجمهورية التونسية: وزارة تكنولوجيا الاتصال و التحول الرقمي، 2020م.

(12) الجمهورية الجزائرية: وزارة الاتصال، 2020م.

(13) Ruth C.Clarck, Richard E. Mayer : E learning and the science of instruction, Wiley, Michigan, 2010, P43

(14) تقرير الجزيرة نت، ديسمبر 2020م.

(15) Philippe Palanterose : Télétravail : travailler en vivant mieux, Eyerolles,Paris, 2014, P56

إعلام الأزمات بين الحرية والمسؤولية

لا يزال السؤال قائمًا عن الدور الذي يتعين أن تؤديه وسائل الإعلام إبان الأزمات التي تمثل تحديًّا لوسائل الإعلام، وهو ما أكدته جائحة كورونا التي عصفت بالعالم وغيرت الكثير من أوجه الاستقرار، وجعلت من الإعلام أحد الفاعلين الرئيسين في تلك الأزمة بظروفها الاستثنائية.

لقد كانت هناك معضلة أمام الإعلام بمختلف أنواعه في كل دول العالم من حيث التوازن بين توخي الدقة والموضوعية وتحقيق السـّبق، بل الجدل حول كيفية العمل في ظل سرعة الأزمة وتعدد جوانبها: هل يجب أن يكون إعلامًا تقريريًّا يكتفي بسرد المعلومات وتحديثها أولاً بأول؟ أم يجب أن تكون التوعية هي هدفه؟

ولا نستطيع أن نجزم بأن هناك مسارًا واحدًا اتخذته كل وسائل الإعلام في دول العالم، إذ لا يرتبط ذلك بطبيعة الأزمة فحسب بل بأمور أخرى عديدة، منها القوانين التي تنظم العمل الإعلامي في كل دولة، والقدرات الاحترافية لممارسي مهنة الإعلام، ومدى تطور وسائل الاتصال، وجميعها عناصر مهمة للأداء الإعلامي، إلا أن الأمر الذي بدا واضحًا من دون ريبة هو التحام وسائل الإعلام مع الجهود الرسمية للدول، بل تجاوز الأمر ذلك في محاولة لتوظيف وسائل الإعلام ضمن الحروب الكلامية إبان احتدام أزمة كورونا، ويثير ذلك تساؤلاً مهمـًا مؤداه، كيف تـُسهم وسائل الإعلام في تعزيز المصالح الحيوية للدول إبان الأزمات؟

فعلى الرغم من أن كل الدول، حتى تلك التي تضع ضوابط على أداء وسائل الإعلام، ليس بإمكانها السيطرة بشكل كامل على تدفق الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تُعدُّ منافسة لوسائل الإعلام، فإن هناك حالات تمَّ خلالها توظيف الإعلام لتعزيز المصالح الحيوية للدول.

ويعكس ذلك أمرًا مهمًا هو أنه مهما بلغت درجة الحرية الممنوحة لوسائل الإعلام في أي دولة في العالم إلا أنه خلال الأزمات التي تهدد الأمن القومي للدولة فإن وسائل الإعلام تتماهى مع التوجهات الرسمية للدولة، وتصبح مهمتها تفسير وتبرير توجه الدولة في هذا الاتجاه أو ذاك.

وتأسيسًا على ما سبق فإن بعض الدول قد أولت دور الإعلام خلال الأزمات اهتمامًا كبيرًا فيما عُرف بـ”إعلام الأزمات”، وهو المصطلح الذي حظي باهتمام كثير من الباحثين والأكاديميين المهتمين بحقل دراسة الأزمات عمومًا، وقد سعى بعضهم للربط بين الإعلام وطبيعة الأزمة كالقول “الإعلام الأمني” أو “الإعلام الحربي”، وما تعنيه تلك المصطلحات من تخصص ومهنية لممارسي الإعلام في هذين المجالين، بالإضافة إلى حرص كثير من الدول على تعيين متحدث إعلامي خلال الأزمات على أن يكون ذا مؤهلات متميزة ولديه قدرات علمية وعملية للعمل في ظلِّ  الظروف الضاغطة للأزمات والتي لا تتيح الكثير من الوقت وتتطلب تحديثـًا سريعًا للتطورات بأسلوب علمي يتسم بالإقناع والارتكاز على معلومات موثقة.

ومع أهمية ما سبق ففي اعتقادي أن دور الإعلام خلال الأزمات يحتاج إلى صياغة إستراتيجية مسبقة من خلال دورات تدريبية بدأتها الدول بشأن إعلام الأزمات.

وما أعنيه هنا بتلك الإستراتيجية التي بالطبع سوف تتباين من دولة إلى أخرى وفقـًا لظروفها هي أنها يجب أن تتضمن ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: “ما قبل الأزمة”

من خلال تسليط الضوء على المخاطر التي من شأنها أن تؤدي إلى أزمات، وذلك بشكل دائم وليس بشكل موسمي مؤقت، فقبل جائحة كورونا كانت القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية هي محور اهتمام وسائل الإعلام في كل دول العالم مع اهتمام ضئيل بالقضايا الطبية سوى نشر معلومات طبية بشكل أسبوعي، إلا أن تلك الجائحة قد أظهرت مدى الحاجة إلى الإعلام الطبي لما له من دور توعوي مهم.

المرحلة الثانية: “خلال الأزمة ذاتها”

 من خلال صياغة إستراتيجية متكاملة لعمل وسائل الإعلام الرسمية للدولة في أثناء الأزمات، سواء من خلال تحديد المتحدث الرسمي في كل المجالات أو كيفية إدارة الأزمة في ظل التنافس المحتدم مع وسائل التواصل الاجتماعي التي ربما تروج شائعات قد تزيد من حدة الأزمة بما يزيد العبء على وسائل الإعلام سواءً لمتابعة مستجدات الأزمة وتقديمها للجمهور أو التصدي للشائعات التي أضحت جزءًا من الحروب النفسية بين الدول، بل إن هناك دولاً تخصص قنوات وميزانيات لتلك الحروب.

المرحلة الثالثة: “ما بعد الأزمة”

لوحظ أن وسائل الإعلام في بعض الدول ينتهي عملها بانتهاء الأزمات، وإذا كان ذلك يُعدُّ أمرًا جيدًا لأنه من مهام الإعلام عدم التهويل، فإن ما أقصده هو كيفية استثمار وسائل الإعلام لنتائج الأزمة، وربما قدمت وسائل الإعلام الصينية نموذجًا لذلك من خلال الترويج للمساعدات التي قدمتها لكثير من دول العالم خلال جائحة كورونا، بل حتى على مستوى الرأي العام الداخلي في الصين من خلال إرسال صور وشهادات موثقة وتقارير شاملة عن وحدة الشعب الصيني في مواجهة تلك الجائحة.

ملخص القول؛ إن التطور الذي طرأ على طبيعة الأزمات وتداعياتها يتطلب إستراتيجيات وخططًا إعلامية في الدول كافة تتوازى مع ذلك التطور ومتطلباته.

هل يكون الذكاء الاصطناعي طوق النجاة للإعلام؟

الذكاء الاصطناعي هو بوصلة الحياة، وهو علامة التفوق والنمو والاقتصاد والريادة، وعلى مدى عقود تمَّ توظيفه في قطاعات متنوعة وكانت آثاره عظيمة في تحقيق وثبات نوعية على أصعدة مختلفة تشمل المبيعات والتوقعات المستقبلية والتعرف على الاهتمامات والشرائح المستهدفة، لكن ماذا عن الإعلام؟!

قبل الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام لا بد من الإشارة إلى أن من المتوقع أن تضيف التقنية للاقتصاد العالمي أكثر من (15,7) ترليون دولار بحلول عام 2030م، ما يشير إلى مساهمة التقنية واستخداماتها في المستقبل ودخولها في مختلف القطاعات.

إعلاميًّا استخدمت أغلب وسائل الإعلام العالمية تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات محدودة جدًّا للآن مثل تجربة وكالة “أسوشيتد برس” في إنتاج أكثر من ثلاثة آلاف مادة وبالمثل صحيفة “النيويورك تايمز”، والتي تستخدم التقنية في تعرّف شرائح القراء وتطلعاتهم ومن ثم إعداد محتوى بناء على ذلك، فضلاً عن وجود تطبيقات تتيح كتابة نص إبداعي بالكامل ككتابة نص فيلم ورواية وتقارير صحفية وغيرها من أنماط الكتابة الإبداعية من دون تدخل بشري.

 والحقيقة أن كل ما ذكر أعلاه لا يعدّ سوى جزء محدود جدًّا من أهمية التقنية وما يمكن أن تقدمه؛ لأنها قادرة على أن تكون في عمق عمليات إنتاج المحتوى وتسويقه وتقدير تطلعات الشرائح الحالية والمستقبلية، ولعل أحد أهم وأنجح تجارب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام تجربة منصة نتفليكس والتي سنتناولها في هذا المقال بالتفصيل لإبراز أهمية التقنية وكيف نجحت قيادة نتفليكس في توظيف التقنية لتحقيق نمو ضخم في عدد المشتركين من ستة ملايين وثلاثمائة ألف  مشترك في العام 2006م لحوالي (200) مليون مشترك في العام الحالي.

يـُعدُّ الذكاء الاصطناعي العامود الفقري لعمل نتفليكس وهو أحد أسباب تقدم ونمو المنصة وزيادة عدد مشتركيها باستمرار، فالمنصة متاحة في أكثر من (190) دولة حول العالم ولدى الشركة أكثر من (100) مليون منتج إعلامي من أفلام ومسلسلات وغيرها، فوجود هذا العدد الكبير من المشتركين بلغات مختلفة في أقطار مختلفة يجعل من إنتاج وإدارة المحتوى وتقديمه لكل شريحة من شرائح المشتركين بما يلائمهم تحديـًّا ضخمـًا جدًّا من الناحية المالية والإدارية والتقنية ولولا توظيف حلول الذكاء الاصطناعي لكان من الصعب إن لم يكن المستحيل النمو والتواجد حول العالم بأكثر من (20) لغة يشكل المحتوى باللغة الإنجليزية قرابة (55%) من إجمالي المحتوى فقط، وفي نفس الوقت تبلغ تكاليف إنتاج بعض الأعمال مئات الملايين فمسلسل (The Crown) على سبيل المثال بلغت تكلفة إنتاج الحلقة الواحدة (13) مليون دولار ومسلسل (House Of Cards)، وتبلغ تكلفة إنتاج الحلقة الواحدة (4) ملايين دولار ونجح في استقطاب أكثر من ثلاثة ملايين مشترك (مليوني مشترك من الولايات المتحدة ومليون مشترك من حول العالم)، كل ذلك يطرح تساؤل مهم وهو أن المنصة لا يمكن أن تغامر باستثمار مثل هذه التكاليف الضخمة في أعمال قد لا تحقق النجاح المطلوب فكيف نجحت المنصة في اتخاذ القرار في إنتاج مثل هذه الأعمال الضخمة والمحافظة على تواجدها العالمي؟

بلغت تكلفت إنتاج المحتوى بنيتفليكس أكثر من (6) مليار دولار سنويًّا وتوفر المنصة أكثر من مليار دولار سنويًّا باستخدام حلول الذكاء الاصطناعي وهو ما مكنها من تحقيق تفوق نوعي من خلال معرفة كل شريحة من شرائح المتابعين وتقديم محتوى يتناغم مع تطلعاتهم، ويمكن إيجاز استخدام المنصة للذكاء الاصطناعي في خمسة مسارات رئيسية على النحو التالي:

المسار الأول: الإنتاج

باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن لنتفليكس اختيار الممثل الأنسب للفيلم أوالمسلسل والمدينة والموقع الذي يتمُّ التصوير فيه والطقس والوقت الأنسب (ليلاً أو نهارًا) وأكثر من ذلك ليشمل تحديد الميزانية التقديرية للعمل وفريق العمل الأنسب ويمتد إلى ما بعد الإنتاج كاستخدام طريقة المونتاج الأفضل والمؤثرات كل ذلك يعطي تصورات واضحة عن العمل ومسارات الإنتاج بما يتوافق مع تطلعات المشتركين ويقلل من إمكانية إهدار موارد مالية في أعمال قد لا تناسب الجمهور.

المسار الثاني: الإعلان

تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد الوسائل الإعلانية الأنسب للترويج للمحتوى الإعلامي والشرائح المستهدفة ليضمن تواجد المحتوى أمام الشرائح المستهدفة بدلاً من الاعتماد على خبرات فريق التسويق والتي قد لا تتطور بنفس مقدار التغير في سلوك المشتركين، أو أنهم لا يمثلون مختلف شرائح المشاهدين فكريًّا.

المسار الثالث: الغلاف

ويتمثل في تحديد تصميم الغلاف الأنسب للفيلم، ويتم اختياره باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال تحليل آلاف اللقطات في الفيلم أو المسلسل للحصول على أنسب لقطة لتكون الغلاف ضمن قائمة الأفلام والمسلسلات وأهمية ذلك تكمن في أن الغلاف سواء للفيلم أو المسلسل يؤدي دورًا رئيسـًا في اختيار المشتركين لمشاهدة المحتوى بنسبة تزيد على (80%) وأن عملية بحث المستخدم عن الفيلم تستغرق قرابة دقيقتين، وبالتالي يعدُّ الغلاف أحد أهم أسباب مشاهدة المحتوى، فالاختيار الدقيق للغلاف ينتج عنه مئات الملايين من ساعات المشاهدة يوميًّا.  

المسار الرابع: قائمة التوصيات

بدأ العمل على حلول للتوصيات في العام 2006م عندما طرحت الشركة مسابقة بقيمة مليون دولار للأفراد والمجموعات لتطوير لوغارتميات تسهل على المنصة تحديد قائمة المنتجات والمسلسلات الأنسب وإضافة تصنيفات جديدة للأفلام، ونتج عن هذه اللوغارتميات توفير أكثر من مليار دولار سنويًّا وتطوير أكثر من (75) ألف تصنيف ووضع قائمة بالأفلام المناسبة للمشتركين من خلال تحليل نتائج المشاهدين الذين سبق أن شاهدوا نفس الفيلم مما يسهل على المستخدمين مشاهدة المحتوى الأنسب لهم، وكنتيجة لاستخدام التقنية فنسبة دقة التوصيات تصل لأكثر من (75%) وهي نسبة تُعدُّ عالية جدًّا وتسعى المنصة لرفع المعدل لضمان مناسبة التوصيات للمستخدمين وفي نفس الوقت فإن هذا ما يفسر أحد أسباب اختلاف نسخة المحتوى المقدم في كل منطقة في العالم، ومن أهم أهداف توظيف حلول الذكاء الاصطناعي في هذا المسار هو زيادة دقائق المشاهدة وزيادة عمليات البحث عن عناوين الأفلام والمسلسلات الأنسب وزيادة ولاء المشتركين للمنصة والمحتوى المقدم كل ذلك من خلال تحليل نوع المحتوى ووقت المشاهدة والجهاز المستخدم في المشاهدة وطريقة تفاعل الجمهور مع خلال تبني تصورات واضحة عن مدى مناسبة المحتوى للمشتركين، ولذلك من باب المبالغة يقال: إنهيوجد أكثر من (190) مليون نسخة من نتفليكس في إشارة إلى قدرات المنصة على تقديم توصيات مناسبة لكل مستخدم.

المسار الخامس: جودة الصورة

من خلال تحليل البيانات لجميع المناطق يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي معرفة الخوادم الأكثر استخدامًا وقت الذروة ليتم تحويل بعض المشتركين لخوادم بديلة مما يسهم في المحافظة على جودة الصورة والحصول على تجربة مشاهدة مميزة.

الخلاصة: تُعدُّ نتفليكس اليوم أكبر منصة مشاهدة محتوى في العالم ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تنجح نتفليكس في اكتساح أسواق جديدة وضمان توافر المحتوى المناسب لمختلف شرائح المتابعين من دون استثمارات ضخمة في حلول الذكاء الاصطناعي، وهذا ما يوضح كيف أن صناعة الأفلام في هوليود لم تتطور بشكل كبير خلال العقود الماضية بينما الوضع مختلف بالنسبة لنتفليكس، والسبب في ذلك أن نتفليكس تستثمر قرابة (10%) من إيراداتها في حلول الذكاء الاصطناعي والتي بدورها ترفع من جودة المحتوى المقدم ومناسبته لمختلف شرائح المشتركين، ولا تقف النتائج على ذكر أعلاه على الرغم من أهميته، بل يتعدى ذلك لقياس نسبة مشاهدة الأفلام وعدد الدقائق في كل محتوى ومعدل إتمام مشاهدة المحتوى ومعدل الرضى العام عن المحتوى وغيرها الكثير من المؤشرات التي تعطي تصورات واضحة لتقييم الإنتاج وفي نفس الوقت تمكن المنصة من تجاوز أكبر تحدي يواجهها والمتمثل في المحافظة على ملايين المشتركين شهريًّا من خلال تلبية احتياجاتهم من المحتوى واستقطاب الشرائح الجديدة وليس أقدر من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقدير وتنفيذ الأهداف لا سيما أن التقنيات متوافرة عبر خدمات أمازون للإنترنت، ما يعطي مساحة أكبر لنتفليكس في التركيز على تطوير وابتكار المنتجات، وتعزيز إنتاج محتوى يناسب المشتركين، كل ذلك يمثل طوق النجاة للإعلام مع انخفاض معدلات المشاهدة لضمان استمرار الصناعة في تقديم رسالتها.

شعبوية إعلامية

لا شك في أن الشعبوية كانت موجودة منذ القدم، ولكن استخدامها كمفهوم ومصطلح بدأ في أواخر القرن التاسع عشر بهدف تعزيز الديموقراطية في أمريكا ودعم الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، قبل أن يتطور المفهوم كأداة من أدوات الليبرالية.

ومن المؤكد أن الخطاب الشعبوي يستغل الناس العاديين من أجل الوصول إلى الشهرة والهيمنة تحت ذريعة حماية المصالح، كما أن الشعبوية تستخدم للهجوم والتلاعب باهتمامات الناس لغايات محددة.

كل هذه التعريفات والأنماط يعكسها الإعلام ويستغلها الساسة و”عابرو سبيل المشهد الإعلامي”؛ بحثــًا عن النفوذ والشهرة والاهتمام والمال ولفت الانتباه.

في الإعلام بكافة أنواعه هناك نماذج تستخدم الشعبوية للبروز والشهرة والثروة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقائق والأحداث والمبادئ.

ومن المؤكد – أيضًا – أن الإعلام الرقمي وسّع من دائرة هذه النماذج لأهداف تسويقية لا تهتم بالمحددات والمعايير؛ لأن الهدف المرسوم هو الشهرة والأضواء ومن بعدها (الطوفان)!!.

مـَنْ يتابع الإعلام يعرف أن هناك أسماء تتسلق على أي شأن؛ لأنها لا يهتم بالتخصص أو المعرفة أو معايير المهنة وأخلاقياتها، ولهذا ترى كثير من هؤلاء يقلب هواه وفقًا للطلب أو المرحلة أو (وين ما مال الهواء مالي)، فاليوم هو إعلامي سياسي وغدًا رياضي ثم اقتصادي ثم خبير فضاء ومحلل طقس وصولاً إلى أن يكون إعلاميًّا مؤثرًا في الشأن العام.

هذا التنقل الزائف والعجيب يوصله إلى تنوع الشرائح وازدياد المتابعة، والأخطر أن يكون تأثير مثل هذه النماذج سلبيًّا في الحقائق والتاريخ والجغرافيا.

“ويكيبيديا” وعاء إعلامي متسع لكل معرفة، لكن الوصول للحقائق الثابتة أصبح سهلاً مثل سهولة تغييرها.

إن التخصص يعزز المعرفة وينميها ويجددها، أما إذا كان الهدف هو دغدغة المشاعر وزيادة الأرصدة وارتفاع عدد المتابعين فهذا شأن آخر يضمن استمرار ولادة نماذج “ويكيبيديا الشهيرة”.

المشكلة الكبرى أن غالبية الباحثين عن الشهرة والشعبوية هم الأكثر تبديلاً للمواقف وتبريرًا للأخطاء وتسويقـًا للخطايا، وكأنهم يمتثلون قول إبليس كما ورد في القرآن الكريم { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }(سورة الحشر، آية 16)، ولهذا كان إبليس أكثر الشعبويين  وعوداً وغروراً وشهرة ونزغًا للقلوب وتغييرًا ورفضًًا للحقِّ والعلم والثوابت.

“جوبلز” وزير الدعاية الألماني الشهير، صاحب مقولة “إكذب إكذب حتى يصدقك الناس”، لو كان حيًا لخجل من الكذب والافتراء والتهافت على الأضواء؛ على الرغم من أن “جوبلز” ومبدلي الحقائق وجوه متعددة لخطوات الشيطان.

المؤكد أن يقول الشعبوي مجازًا: “كلّ الطرق تؤدي إلى الشهرة”، وإذا ضاقت الدروب فما أوسع فسحه (الروغان)؛ لأن رأس مالها اعتذار عن محطات التشويه والدجل قبل الوصول إلى رحاب الشهرة والمال.. وتستمر الحياة!!!