الإعلام‭ ‬التفاعلي‭ ‬والعمل‭ ‬التطوعي

يحتفل العالم في الخامس من شهر ديسمبر من كل عام باليوم العالمي للتطوع، والحديث عن التطوع يعني حديثـًا عن عمل حضاري وإنساني ومسؤولية جماعية مشتركة فهو يعكس تكافلاً بين مختلف فئات المجتمع، وتراحمـًا وتآخيًا بين أفراده، ويأتي دور الإعلام في العمل التطوعي في مقدمة الأدوار الفاعلة في ترسيخ مفهوم العمل التطوعي وأهميته، وذلك من خلال قدرته على إحكام السيطرة على الأفراد عبر قناعات فكرية وثقافية واجتماعية بضرورة العمل التطوعي.

ولقد أصبح الإعلام التفاعلي مشاركـًا للإعلام التقليدي كونه يحتوي في مضمونه على كافة الفنون الإعلامية والتقنيات الحديثة لمواقع التواصل الاجتماعي، مثل: «الفيسبوك، وتويتر» وغير ذلك من المواقع التي تتسم بعناصر الفورية، والتفاعلية، وتعدد الوسائط.

ويقصد بالإعلام التفاعلي مجموعة من الخصائص والوسائط والخدمات الملحقة بأي وسيلة إعلامية مطبوعة أو مرئية أو إلكترونية تتيح للجمهور أن يتفاعل معها عن طريق المشاركة برأيه، إضافة إلى مشاركات الجمهور في البرامج المرئية والإذاعية، ومداخلاتهم في قاعات المحاضرات والندوات، وهي منتديات إلكترونية ملحقة بمواقع النشر الإلكتروني، أو مستقله بذاتها، وكثير من الفاعليات الإعلامية تدخل تحت هذه العناوين. 

ويُعدُّ العمل التطوعي من الوسائل المهمة في تنمية الولاء والانتماء للوطن، حيث يوثق علاقة الفرد بدينه ووطنه وينمي بداخله مبادئ وقيم إسلامية ووطنية وإنسانية نبيلة، فالعمل التطوعي هو المعيار الذي نقيس به مستوى التكافل والتعاون في المجتمع، فمن المعروف أن العطاء بلا مقابل سواء كان علمـًا أو جهدًا أو مالاً يعكس مدى ارتباط الفرد بمجتمعه وقضاياه وهمومه.

كما أن العمل التطوعي هو ما يبذله الفرد بعيدًا عن الفروض والواجبات والأعمال الوظيفية التي يحصل على مقابل لها، وهو بذلك من الأعمال المستحـّبة في الإسلام، والمستحـّب في الشريعة هو ما طلب الشرع فعله لا على سبيل الإلزام وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. إن العمل التطوعي قرار فردي ورائه دافع ذاتي لا يكون الفرد مجبرًا فيه على أمر بحد ذاته مما يشعر المتطوع بالنجاح مع كل خطوة يخطوها.

ولقد أسهم غياب الدور الإعلامي عن التوعية بأهمية التطوع وبمؤسساته وبالأدوار التي يمكن أن يقدمها للمجتمع في قلة الإقبال على التطوع، حيث نجد قلة البرامج والفعاليات الخاصة بالتطوع مما يحد من تفاعل وسائل الإعلام، كما نجد قلة مصادر المعلومات عن برامج التطوع ومجالاته وغيرها من المعلومات التي يمكن صياغتها على شكل مواد إخبارية إعلامية. في حين يعطي الإعلام التفاعلي فرصة اطلاع أكبر، ففي جلسة واحدة أمام الكمبيوتر يستطيع القارئ مطالعة عشرات المصادر الإعلامية من جميع أنحاء العالم، ومن دون تكلفة مالية، وهذا غير ممكن مع الإعلام التقليدي من حيث الوقت والتكلفة، وللمستخدم حرية الانتقاء والمقارنة من خلال الاطلاع السريع على العديد من المصادر متعددة الرؤى والخلفيات، ثم يستخلص لنفسه النتيجة التي يراها أقرب إلى الحقيقة من دون أن يتعرض لرؤية محددة تفرضها الحكومات أو الشركات المالكة لوسائل الإعلام.

   أن الاهتمام الإعلامي بالعمل التطوعي واجب وطني، ولا يمكن الاستغناء عن الإعلام التفاعلي في صوره المختلفة؛ فقد أصبح جزءًا أصيلاً من حياة قطاع عريض من المجتمع العربي، ولا بد من القيام بحملات إعلامية للتوعية بما تتضمن عناصر العمل التطوعي بداية من المفهوم والأهمية وإبراز قيم العمل التطوعي، ومرورًا بكيفية العمل التطوعي ومجالاته، وأخيرًا التجارب الناجحة في هذا المجال.

دور‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬تنشئة‭ ‬الطفل

إعلام الطفل، هو من أنواع الإعلام المعاصر المهمة، فعالم الطفل قابل للتشكيل بحسب الرغبات والأهداف المقصودة، وهو رهان كبير على المستقبل والحاضر إذ بامتلاكه والسيطرة على وعيه والتحكم في ميولاته يمكن امتلاك المستقبل والسيطرة عليه، فالطفل هو الغد القادم، وما يرسم هذا الغد هو نوعية التربية والتلقين لهذا الطفل في الحاضر، وما تتسم به البرامج الموجهة للطفل هو محاولة قضاء وقت الفراغ لدى الأطفال من دون تخطيط ودراسة كافية لكيفية الربط بين قضاء وقت الفراغ وتحقيق الاستفادة المرجوة، فتشبع الكثير من رغباته أي أنها وسيلة لتزويد الطفل بالمعلومات والأفكار والقيم ليس ذلك فحسب، بل تـُسهم في تشكيل لون من ألوان السلوك فتحدث تجاوب مع الوعي الحسي والحركي لديه، وتحدث استجابات معينة في إداركه، تُسهم فيما بعد في تشكيل وعيه وتصوره للأشياء من حوله؛ لأنه يختزنها وتصبح رصيده الثقافي والوجداني والشعوري.

ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة سحرها يفوق أي أداة إعلامية أخرى، وبخاصة في فنون العرض واستخدام المؤثرات السينمائية لأنها تجمع بين حاستي السمع والبصر والتي تُسهم في تدعيم الفكرة وتثبيتها في ذهن الطفل، فكلما زاد عدد الحواس التي تستخدم في تلقي فكرة معينة أدى ذلك إلى دعمها وتثبيتها في ذهن الطفل حسب الإتقان التقني والإبهار البصري الذي يتحول مع الوقت إلى إبهار معرفي وثقافي يجعل الطفل يتفاعل مع جل ما يصاحب المادة التلفزيونية من توجيهات وسلوكات التي لا يملك فيها رقابة ذاتية من وعيه وإدراكه وشعوره؛ لأنه في طور تكوين فكره عن الحياة وعمره لا يسمح له إلا حدود يسيرة التمييز بين الغثِّ والسمين والجميل والقبيح، فتراه أمام التلفزيون يتابع الأحداث بكل اهتمام وانتباه، ويكاد نفسه ينقطع إذا ما تأزم الموقف، ثم تنطلق صيحاته وتتحرك يداه بعفوية عند أي موقف مثير ناسيـًّا ما حوله ومـَن حوله، فتنمي الحسّ الجمالي إحساسـًا باللون والشكل والإيقاع الصوتي الجميل، وتناسق الحركة وملائمة أجزاء الصورة بعضها البعض، وتنمي الخيال بأنواعه القصصي والدرامي بالخروج عن الواقع إلى شخصيات لا تجدها في عالمنا، وأحداث لا يمكن أن تقع شرط ألا يكون مغرقـــًا سلبيـًّا لا يحمل قيمة، ولا يغرس فضيلة، فهو الذي يعطي الطفل الرؤى بعيدة المدى، وهو الذي يجعله يحلل ما يدور حوله من أحداث ومواقف، ويفعل عمليات التفكير العليا لديه، كالاستدلال والمقارنة والاستنتاج والتحليل والتركيب، والذي نفقده غالبـًا بسبب التركيز على مهارة واحدة وهي مهارة التذكر، وإهمال الفصحى إهمالاً كاملاً في البرامج المباشر منها وغير المباشرة سواء كان في ضعف إعداد المذيعين لغويـًّا، أو الرسوم المتحركة التي يتلقها الطفل بالعامية، وهو ما يصعب عليه اللغة الفصحى الصافية ويحجزه عن التجاوب الشعوري معها، فضلاً عن إنه يقلل من فـَهمه واستيعابه لما يقال ويكتب بها. 

إن البرامج الموجهة للأطفال يجب أن يخطط لها، وأن تكون هادفة، وإجراء تنسيق بين كافة الأجهزة والمؤسسات المسؤولة عن رعاية الطفل، مثل: «الأسرة والمدرسة والقائمين على إعداد البرامج التلفزيونية»، حيث إن هناك ندرة في المادة الكرتونية الهادفة المناسبة للأطفال، والقلة العددية في عدد ساعات البثّ، والتي تعتمد على النمطية وقلة التشويق والتوجيه المباشر في أغلب الأحيان، أضف إلى ذلك البرامج المستوردة وما تحتويه من مشاهد لا تليق بالطفل وتؤثر في سلوكه وأخلاقه، واحتوائها على مشاهد وإيحاءات جنسية، وانحرافات عقائدية، ومشاهد العنف والتي بدورها تثير العنف في سلوك بعض الأطفال، حيث إن تكرار أعمال العنف الجسمانية والأدوار التي تتصل بالجريمة تؤدي إلى تبلد الإحساس بالخطر وإلى قبول العنف كوسيلة استجابة تلقائية، ما يؤدي ذلك إلى اكتساب الأطفال سلوكات عدوانية مخيفة وإلى انحراف الأطفال، فبرامج الرسوم المتحركة لا يتمّ عرضها بمجرد وصفها رسومًا ملونة، بل بما تحويه من قيم ومفاهيم وأدوات درامية اختزنتها المسلسلات الكرتونية ويتقبلها الطفل كما هي، فالأقوى تعليمـًا والأكثر رسوخـًا في ذهن الطفل هو التعليم عبر الترفيه، فهو يعيش لحظات ممتعة بالنسبة له أمام شاشة صغيرة أجادت وتفننت بذلك. 

مصداقية‭ ‬الإعلام

في أوقات الأزمات والحروب كثيرًا ما تلتصق تهمة الكذب بالإعلام، وقد بدأ ذلك منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا ما جعل الخبراء يبحثون عن دور الإعلام في الأزمات، لأن دوره في الأوقات العادية يقتصر على مهمات واضحة ومحددة، منها: التثقيف والتوعية والتوجيه، لكن مجرد حدوث أزمة، فإن الإعلام يقع في المحظور ما بين التزامه بالمعايير الأخلاقية والمهنية التي تتطلب حرفية من وسائل الإعلام والقائمين عليها، وما بين تنفيذ الأجندات والأولويات لمالكي وسائله والقائمين على الاتصال.

ولرئيس الحكومة البريطانية «ونستون تشريشل» مقولة مبهرة، وهي: «إن الحقيقة في وقت الحرب ثمينة جدًّا لدرجة أن يتطلب حمايتها بحرس شخصي من الأكاذيب».

لكن الحقيقة لديها مقاييس عند مـَن يملكها، ويعتقد ما يجب أن يوّجه إلى الناس على أنه حقيقة، وبالتالي هو يعمل على بتر أجزاء من الحقيقة لإيصالها إلى الناس كما يريد، ومتى ما بُتر جزء من الحقيقة فهذا يؤثر في مصداقية القائم بالاتصال. 

وأهم أدوات الحروب الإعلامية، هي «الأخبار الزائفة»، حيث إن استخدام الأخبار الكاذبة بنيّة معينة من أجل تحقيق هدف محدد قديم العهد في الاجتماع السياسي للبشرية، ومن المهم التوقف عند النيـّة والغاية خلف الأخبار الكاذبة، ذلك أنه في بعض الحالات ما يبدو أخبار كاذبة قد يكون في الواقع «سخرية إخبارية»، وهذا النوع من السخرية يلجأ إلى المبالغة ويُدخل عناصر غير واقعية، وهدفه التسلية أو إيصال رسالة ما، وليس الخداع.

وهناك المضمون التدجيلي، ويعني اختلاق مصادر كاذبة أو انتحال صفة مصادر حقيقية.

ومن أنماط الأخبار الزائفة تلك التي تتعمد الربط الخاطئ بين مضمونها والعنوان الذي يتصدرها، فلا تكون هناك علاقة بينهما أبدًا. 

وتنشر المعلومات المضللة الخادعة من خلال الصحافة الورقية التقليدية ووسائل الإعلام الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، بقصد التضليل وإلحاق الضرر بجهة ما أو شخص ما وتحقيق مكاسب معينة.

ولإبعاد الشك عن الأخبار الكاذبة يلجأ صانعوها إلى ظاهرة «غسل الأخبار» وهي ظاهرة تشبه ظاهرة «غسل الأموال» التي تكون قائمة على أموال غير مشروعة المصدر ومحرمة، مثل: أموال السرقة والمخدرات والفدية، التي يتم تدويرها من خلال الاستثمار في مشاريع تجارية وعقارات كي تودع بعد ذلك في المصارف بصورة مشروعة.

من هنا فإن ظاهرة «غسل الأخبار» تقوم أولاً على صناعة أخبار زائفة يتم نشرها في وسائل إعلامية محدودة الانتشار وتدويرها بينها، إلى أن تتلقفها الوسائل الإعلامية الرسمية من خلال عملية إعادة النشر والنقل فتصبح معتمدة.

ويلجا صانعو الأخبار الكاذبة إلى هذا الأسلوب لإبعاد الشبهة عن المسائلة في حالة التحقيق معهم عن مدى صحة المعلومات والمصادر.

وعملية «غسل الأخبار» تستدعي تكوين خلايا عمل كبيرة يعهد إليها بتدوير الأخبار الزائفة، وهذه الخلايا تتكون من عدة أشخاص يمتلكون حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، غايتهم تضليل الرأي العام.

وهذا ما يفسر ملاحظة القارئ لأخبار تذاع وتنشر على الوسائل الإعلامية الرسمية تبدأ بعبارة «تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تويتر …».

ومما يفاقم من ظاهرة الأخبار الزائفة الاعتماد على شهود عيان وهميين، يبنى عليهم جلّ الخبر إن لم يكن كله، على الرغم من أن الشهود يجب أن يكونوا جزءًا من الخبر فقط. 

ولهذا نجد الإعلاميين يعارضون الاعتماد المكثف على الشهود، مشددين على ضرورة الفصل بين المراسلين والمندوبين الصحفيين، وبين الشهود، لأنهم يختلفون على مستوى المهنية والحرفية في نقل الحدث وسرد تفاصيله من موقعه.  

وشيء آخر لا يقل أهمية في موضوع الأخبار الزائفة، هي تلك المصادر التي يطلق عليها مجازًا «مصادر الشبح»، إذ يشمل هذا المفهوم كل خبر خال من اسم مصدر صريح  سواءً كان فردًا أو مؤسسة، ونقل أية معلومة من دون إرجاعها إلى مصدر صريح الاسم، وتندرج تحت ذلك إشارات من قبيل «مصدر موثوق» أو عبارات تقوم على البناء المجهول للفعل، مثل: «عُلِم أن»؛ لكن المصادر المجهولة كثيرًا ما تكون المفتاح الوحيد للكشف عن قصة كبيرة يقف خلفها الفساد، لا يفطن إليها سوى الصحفيين الأكفاء  مهنيـًّا وأخلاقيـًّا.

وإزاء تلك الظواهر الدخيلة على الإعلام الحر النزيه لا بد من تكثيف الوعي الإعلامي، واستخدام مهارة التفكير الناقد، وتدريب المتلقي على مهارة حـُسن الاختيار للمضامين الإعلامية والتفاعل والمشاركة في صياغة المحتويات الإعلامية الهادفة بما هو متاح أمامه اليوم من وسائل تكنولوجية واسعة الانتشار والتأثير. 

إنترنت‭ ‬الأشياء‭ .. ‬مؤسسات‭ ‬الإعلام‭ ‬والترفيه‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المستفيدين

تكنولوجيا «إنترنت الأشياء» (Internet of Things) التي يطلق عليها الاسم المختصر (IOT) أو الجيل الجديد من الإنترنت الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها وهو عبارة عن شبكة للأجهزة المادية، مضمنة فيها البرمجيات، وأجهزة الاستشعار، والمحركات، والوصلات التي تمكن هذه الأجهزة والمعدات من الاتصال وتبادل البيانات والتفاعل داخل البنية التحتية الحالية للإنترنت، فضلاً عن عمليات التحكم عن بُعد في عمل كافة الأجهزة وبكل أحجامها وأنواعها.

وبعبارة أخرى فإن إنترنت الأشياء، هي عبارة عن مزيج من أنواع مختلفة من الأجهزة الذكية التي يمكن التواصل فيما بينها، باستخدام عدة تقنيات، منها: «شبكة الاستشعار اللاسلكية (Wireless sensor network  WSN)، ومعرف الترددات الراديوية (Radio-frequency identification RFID)»، فضلاً عن البروتوكولات المعروفة مثل: «الواي فاي، والبلوتوث» وغيرها. 

هذه الشبكة ترسِل وتستقبل المعلومات فيما بينها، من دون الاعتماد على البشر في إمدادها بهذه المعلومات، بل يتم الحصول عليها من الوسط الخارجي عبر الحواس الاصطناعية أو ما يعرف بـ»المستشعرات الرقمية»، حيث يتم بناء عملية الاتصال عن طريق منصات معدّة باستخدام الحوسبة السحابية، حيث تستقبل المنصات البرمجية طلبات الأجهزة عن طريق الإنترنت وتتعامل معها، ويتم الاعتماد − أيضًا − على البيانات التي يتم جمعها لتسهيل عمليات اتخاذ القرار.

الأشياء مقصود بها مجموعة واسعة من الأنظمة، مثل: «أجهزة تشغيل الأجهزة المنزلية من تلفزيونات، وترفيه منزلي، وغسالات، وثلاجات، ومكيفات، وأدوات تأمين، وتصوير، وكاميرا رصد تحركات الحيوانات البرية والطيور، وأنظمة التحكم في السيارات وغيرها من المتحركات، وأجهزة التشغيل الميدانية التي تساعد رجال الإطفاء في عمليات البحث والإنقاذ وغير ذلك كثير», وتعتمد آلية عمل الشبكات بقيام الأدوات المدمجة في  الأجهزة بجمع بيانات التوجيه والإدارة ومن ثم تتدفق البيانات بشكل مستقل بين الأجهزة المختلفة.

وتمكن إنترنت الأشياء الإنسان من التحكّم بشكل فعاّل وسهل بالأشياء عن قرب وعن بُعد, فيستطيع المستخدم مثلاً تشغيل محرّك سيارته والتحكم فيها من بُعد من خلال أجهزته المحمولة، مثل الهاتف الجوال وغيره وبإمكان الأجهزة المتصلة بهذه السيارة  التنبيه للأعطال واستدعاء متخصص من ورشة صيانة السيارات والتراسل معه  عن بُعد للكشف عن المشكلة من دون حاجة لزيارة الورشة. كما تستطيع ربة المنزل التحكم في معدات المطبخ والتعرّف على محتويات الثلاجة عن بُعد، حيث يمكن لهذه الثلاجة التراسل مع مركز التسوق وشراء المستلزمات وتوصيلها بلا تدخل بشري.

تاريخيًا نوقش مفهوم شبكة الأجهزة الذكية في وقت مبكر منذ عام 1982م، في جامعة «كارنيجي ميلون» الأمريكية (Carnegie Mellon University) بتطوير ثلاجة بيع إحدى مشروبات الصودا المعروفة لتصبح بذلك أول أداة قادرة على الإبلاغ عن مخزونها وما إذا كانت المشروبات المحملة حديثــًا باردة, كذلك أسهمت ورقة «لمارك فايسر» (Mark Weiser) عام 1991م، بعنوان: «الكمبيوتر في القرن 21»، فضلاً عن جهات  أكاديمية، مثل: (UbiComp) و(PerCom) في طرح الرؤى المختلفة حول إنترنت الأشياء.

بين أعوام (1993 و1996م) اقترحت العديد من الشركات حلولاً تصب في تطور مفهوم إنترنت الأشياء قبل أن يظهر في شكله الحالي، مثل: ( Microsoft’s at Work أو Novell’s NEST) ومع ذلك، فقط في عام 1999م، بدأ هذا الحقل التكنولوجي الجديد في جذب الزخم إليه, ففي نفس العام طرح عالم الحاسوب الأمريكي  «بيل جوي» (Bill Joy) نظام الاتصال من جهاز لجهاز (Device to Device) كجزء من فكرة أطلق عليها (Six Webs) قدمها في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

مع ذلك يتفق كثيرون بأن مصطلح «إنترنت الأشياء» الذي صاغه العالم البريطاني «كيفن أشتون» (Kevin Ashton) أصبح شائعًا في عام 1999م، من خلال «مركز التعريف التلقائي» (Auto-ID Center) في معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا، وذلك لوصف نظام يتم فيه اتصال الإنترنت بالعالم المادي عبر مستشعرات موجودة في كل مكان. وكان «اشتون» شارك في تأسيس المركز المشار إليه، وكانت فكرته أن يتم ربط بعض الأجهزة الرقمية التي توجد حولنا كـالأدوات الكهرومنزلية بطريقة تسمح لنا بتعرّف حالاتها ومعلوماتها الدقيقة من دون الحاجة إلى أن نكون بالقرب منها.

في السنوات الأخيرة تطورت الرؤية حول تكنولوجيا إنترنت الأشياء بسبب تقارب التقنيات المتعددة، بما في ذلك الاتصالات اللاسلكية، وتقنيات التحليل الآني، وأجهزة الاستشعار، وتطور الأنظمة المدمجة، وغيرها من مستحدثات تصب في تطوير  عمليات التعرف والتواصل بين الأشياء المتقاربة بعضها البعض ومع غيرها، حيث يوجد اليوم عددًا غير محدودة من الأشياء والأجهزة المتصلة بالإنترنت، كل منها يتوقع ويستجيب ويتجاوب مع كل تفاعل ويجمع البيانات لتوفير رؤى قابلة للتنفيذ.

من خلال تطبيقات وتقنيات إنترنت الأشياء يمكن أن تعمل أجهزة التلفزيون مع أنظمة الصوت الذكية، ونظم المحتوى المتعدد (Over-the-top content OTT)، ونظم الإضاءة الذكية، ووحدات التحكم في الألعاب، على سبيل المثال، دخلت شبكة (Syfy TV) الأمريكية التي تملكها «إن بي سي يونفريسال» (NBC Universal) في شراكة مع شركة «فليبس للإلكترونيات» (Philips Elctoronic) لتطوير تقنية للإضاءة التزامنية الذكية, حيث يتيح تطبيق (Syfy Sync) للمستخدمين تنسيق ألوان الإضاءة مع مشاهد الأفلام التي يتابعونها على التلفزيون.

فضلاً عن ذلك، فإن تكنولوجيا إنترنت الأشياء  أحدثت  ثورة كبيرة في الألعاب الافتراضية وغيرها عبر الإنترنت، وذلك من خلال سد الفجوة المادية بين المنصة التي تنطلق منها الألعاب من جهة واللاعبين من جهة أخرى، فضلاً عن دمج المنصات الافتراضية عبر الإنترنت مع المنصات المادية على الأرض، مثل: أندية الألعاب وغيرها.

وواحدة من أهم استخدامات وسائل الإعلام لإنترنت الأشياء تتركز في عمليات التسويق بدراسة عادات المستهلكين، وذلك من خلال ما يطلق عليه الاستهداف السلوكي، حيث تقوم  الأجهزة بجمع  المعلومات عن ملايين الأشخاص المستهدفين, وباستخدام ملفات التعريف التي يتم إنشاؤها من خلال عملية الاستهداف يتم عرض الإعلانات بما يتماشى مع العادات المعروفة للمستهلك في الوقت والمكان المناسبين، وذلك لتحقيق أعلى تأثير عليه, كما يتم جمع مزيد من المعلومات عن طريق تتبع كيفية تفاعل المستهلكين مع المحتوى من خلال المتابعة الدقيقة لتصرفاتهم.

وقد بدأت بعض مؤسسات الإعلام بالفعل في تعزيز الرؤي تجاه جمهورها، وهي تعمل على دمج سلوك الاستهلاك والأذواق وردود الفعل مع المحتوى الإعلامي الذي تقدمه, فعلى سبيل المثال تستخدم مختبرات هيئة الإذاعة البريطانية (BBC Worldwide Labs) مع «كراوداموشن» (CrowdEmotion10)، وهي شركة ناشئة مقرها في لندن تقنية مسح الوجه لتتبع التغيرات التي تحدث في تعبيرات وجوه المشاهدين في الوقت الحقيقي, حيث تساعد التقنيات التي باتت متوافرة حاليًا على جمع ردود الفعل العاطفية الواعية واللاواعية، ومن خلال ذلك يقوم قسم الإعلانات في «بي بي سي» باستنتاج رؤى واضحة حول اتجاهات السوق، ليتم وفقًا لها بناء مقاييس الإعلانات وتوجيهه الوجهة الصحيحة.

لقد كانت وسائل كشف مقاييس استهلاك المحتوى المستندة إلى النماذج التقليدية التي تستخدمها المحطات التلفزيونية وشركات الإعلانات لتحديد مستوى المشاهدية (Viewership) لا تكشف إلا من يشاهد البرامج، ومتى تحدث المشاهدة؟ ولكن التطورات من خلال المستشعرات المتقدمة أصبحت تقترب رويدًا من الإجابة عن سؤال مهم، وهو: الكيفية التي بها تتم المشاهدة؟ حيث يمكن لأجهزة الاستشعار المتطورة  قياس التفاعلات المختلفة للمشاهد أو المستمع مع أنواع مختلفة من المحتوى والسياق الذي يتم فيه استهلاكه من برامج أو إعلانات أو غيرهما.

على ذلك ذهبت بعض شركات الإعلام إلى أبعد من ذلك وأسست معايير جديدة لاستغلال تحليل بياناتها بغرض تقديم خدمات إعلامية إضافية ومخصصة بناءً عليها,  على سبيل المثال، تعمل شركة الترفيه الإعلامي والموسيقي السويدية «سبتوفاي» (Spotify) على تحليل أوجه واتجاهات ومدى استهلاك المحتوى الخاص بها بناءً على مجموعة من  المقاييس، مثل: «طول وعمق الاستماع»، وذلك لتحديد المستمعين الذين يمكن أن  يكونوا أكثر عرضة بخمس مرات من المستمعين العاديين لإنفاق الأموال على الحفلات الموسيقية, ومع «سبتوفاي» تعمل شركة «نيتفليكس» العملاقة (Netflix) كخيول طروادة لإنترنت الأشياء، فهما تعملان عبر الأجهزة − من أجهزة التلفزيون والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والقابلة للارتداء. 

التوقعات تقول إنه في الشرق الأوسط وحده ستوجد إنترنت الأشياء سوقــًا بقيمة (100) مليار دولار، وتُسهم بنسبة تصل إلى (4%) من إجمالي الناتج المحلي سنوياً، وفقــًا لتقرير حديث أعدته شركة «مايكروماركت مونيتر» الأمريكية، فبحلول عام 2020م، سيكون حجم سوق إنترنت الأشياء أكبر من سوق الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب والأجهزة اللوحية مجتمعين بمقدار الضعفين، وسيستثمر قطاع الأعمال (250) مليار دولار في تقنيات إنترنت الأشياء خلال السنوات الخمس القادمة، وستذهب (90%) منها للاستثمار في الأنظمة والبرمجيات التي تشغل هذه الأجهزة.

هذا التقرير يدعمه آخر  من  «موبيليتي إريكسون» لمنطقة الشرق الأوسط يؤكد دور تقنيات إنترنت الأشياء في تعزيز عملية التحول الرقمي عبر كافة القطاعات والصناعات وإتاحة الإمكانات الهائلة لمشغلي خدمات الهاتف المتحرك في الشرق الأوسط وإفريقيا لتعزيز مصادر إيراداتها. 

فمن المتوقع أن ينمو عدد الاتصالات الخلوية بتقنية إنترنت الأشياء في الشرق الأوسط وإفريقيا من (35) مليون إلى (159) مليون خلال الفترة من (2017 − 2023م) بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي (30%). ما سيمكن المشغلين لاكتشاف فرص رقمية جديدة بما أن العالم بات اكثر اتصالاً، كما تشهد القطاعات المختلفة تحولاً جذريًا باتجاه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكذلك من المتوقع أن تبلغ عائدات قطاع الرقمنة بالارتكاز على تقنية الجيل الخامس في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا حوالي (242) مليار دولار خلال الفترة من (2016 − 2026م)، ما يعني بأن تكنولوجيا المعلومات والاتصال ستؤدي دورًا مهمًا في تبني تقنيات الرقمنة ودمجها في قطاعات محددة لتحقيق المزيد من الإيرادات.

هذه التوقعات تقول − أيضًا − إنه سيكون للتكنولوجيا الرقمية تأثير لا رجعة فيه على الشركات وستؤثر في القدرة التنافسية الإقليمية، حيث من المقرر أن تكون منطقة الخليج  في طليعة هذا التغيير, في الإمكانات التي ستوفرها إنترنت الأشياء تشمل توسيع الفرص وتعزيز سلسلة القيمة، حيث ستصبح في نهاية المطاف كل شركة هي في واقع الأمر عبارة عن شركة خدمات. 

أخيرًا يجب أن ننبه إلى أن فوائد التعامل مع إنترنت الأشياء لا يجب أن ينسينا مخاطرها، فعملية تبادل البيانات بين الأجهزة الذكية قد تؤثر في خصوصية الأفراد، وكذلك يمكن أن تؤثر في قضايا أخرى حساسة لها علاقة بالأمن والحماية؛ من الناحية التكنولوجية بشكل عام، وبأمن المستخدمين ومعلوماتهم الشخصية بشكل خاص، ومن هذه القضايا؛ عدم مراقبة الأجهزة التي تحتوي على مستشعرات بالشكل الصحيح، وكذلك عمليات التشويش المتعمَّدة، والتي يقوم بها بعض الأشخاص بهدف تعطيل أنظمة التواصل بين هذه الأجهزة الذكية بطريقة غير قانونية وبدوافع التخريب والعبث، وكذلك دراسة التهديدات التي تتعرض لها إنترنت الأشياء، وكذلك الآليات والتقنيات المتبعة لإحداث خلل والبحث عن الثغرات الموجودة في طبقات إنترنت الأشياء، وكذلك سيتم دراسة البنية التحتية وسجلات الملفات في إنترت الأشياء.