رئيسة جمعية الصحفيين البحرينية “عهدية أحمد”: إعلامنا الخليجي يعكس بمصداقية واقع المرأة

نتطلع لمركز تدريبي شامل للصحفيين الخليجيين
الذكاء الاصطناعي لن ينال من مكانة الإعلامي

لم يكن خبر رئاستها لواحدة من منارات الإعلام في مملكة البحرين أمرًا عابرًا، بل وصفته الأوساط الإعلامية المحلية والإقليمية بأنه إنجاز يضاف لرصيد المرأة البحرينية التي حققت تفوقـًا ملحوظـًا وبصمات مشهودة منذ بداية ولوجها دهاليز العمل الإعلامي الإذاعي والمرئي والصحافة، كما أنه يعكس مدى الثقة التي تحظى بها المرأة البحرينية على مستوى الكفاءة والأداء لاسيما وقد سبق خبر فوزها، خبر آخر لافت عن فوز امرأة بحرينية أخرى كانت تعمل في مجال الإعلام أيضًا، وهي السيدة فوزية زينل برئاسة مجلس النواب.

لقد فازت الإعلامية البحرينية عهدية أحمد في انتخابات جمعية الصحفيين البحرينية مطلع العام الجاري وهي تحمل خبرة ربع قرن في السلطة الرابعة، إذ بدأت مشوارها الصحفي في عام 1991م محررة صحفية في صحيفة “جولف ديلي نيوز”، وكانت من أوائل الصحفيات البحرينيات اللاتي عملن بالصحافة الإنجليزية، ثم انضمت إلى صحيفة “ديلي تريبيون” في عام 1997م، وكانت من ضمن الطاقم التحريري المؤسس للتريبيون.

كما كانت عهدية أحمد مراسلة لقناة “السي إن إن” وصحيفتي “عرب نيوز” و”سعودي جازيت، وعملت ‒ أيضـًا ‒ كمحللة سياسية ومستشارة إعلامية في وزارة شؤون مجلس الوزراء ومستشارة أخبار دولية في وزارة شؤون الإعلام، وكاتبة عمود في عدد من الصحف المحلية والخليجية والدولية.

“إذاعة وتلفزيون الخليج” التقت برئيسة جمعية الصحفيين البحرينية عهدية أحمد،  وسلّطت الضوء على آرائها حول عدد من الموضوعات المتعلقة بالساحة الإعلامية الخليجية، فكان الحوار كالتالي:

-بداية نهنئكم برئاسة جمعية الصحفيين البحرينية، وبودنا أن تصفي لنا كيف وجدتي تجربة الرئاسة بعد مضي عدة أشهر على وجودك في هذا المنصب الجديد؟

أعدُّ تجربتي بعد سبعة أشهر على رئاسة جمعية الصحفيين تجربة جديدة ومتميزة، فعلى الرغم من قصرها  إلا أنني استطعت مع بقية أعضاء مجلس إدارة الجمعية أن نخطو نحو التقدم في إنجاز عدة مبادرات تخدم الإعلاميين البحرينيين على مستوى التدريب والأنشطة والفعاليات، لكن  هدفنا الأول يتركز على تطوير النظام الأساسي للجمعية.

لكن هذا لا يعني أنني لم أواجه تحديات، أبرزها متابعة إصدار قانون الصحافة الجديد الذي نأمل أن يحقق الحماية المهنية للصحفي ويضمن ممارسات حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور، وكذلك متابعة قضايا بعض الصحفيين الذين يواجهون مصاعب شتى بسبب فقدان وظائفهم.

-ما ابرز المشاريع والخطط التي تسعين لتحقيقها فترة رئاستك للجمعية؟

من أبرز المشاريع التي وضعناها كمجلس إدارة جديد للجمعية إنشاء صندوق لدعم الصحفيين، وذلك لسد احتياجات الزملاء عند الأزمات والإشكالات التي قد تواجههم في مسيرتهم المهنية، وصندوق الدعم هو أشبه بالحلم أتمنى وقبل انتهاء فترتي أن يكون قد رأى النور وتحقق فعليـًّا، كما أن من خططنا الأخرى التي تصب في خانة دعم الزملاء الصحفيين أن نوجد حلولاً عاجلة لأي صحفي فُصِل من عمله ولأي سبب من الأسباب، فالهدف الكلي لهذه الخطط هو توفير الأمن النفسي والاستقرار المهني والاجتماعي لكافة أعضاء جمعية الصحفيين حتى يقومون بدورهم على الوجه الأكمل.

-كيف تصفين صورة المرأة في الإعلام الخليجي؟

لا شك في أن الصورة النمطية للمرأة في محيط خليجنا العربي قد تغيرت كثيرًا، فالنظرة السابقة كانت ترى أن المرأة مكانها فقط البيت وتربية الأطفال، الآن تغيرت المفاهيم هذه وانتقلت مجتمعاتنا الخليجية إلى عالم رحب من الفهم لأهمية دور المرأة، الآن أرى أن المرأة في الإعلام الخليجي صورتها جميلة جدًّا وواقعية لأنها وصلت لأعلى المراتب، والرجل بأمانة وقف إلى جانبها ودفعها للأمام كما حدث معي عند فوزي برئاسة جمعية الصحفيين، الذي لم يكن ليحدث لولا دعم زملائي الإعلاميين من الرجال والنساء معًا.

إن  المجتمعات الخليجية مثقفة وعلى قدر كبير من الوعي، والرجل الخليجي مثقف جدًّا ويؤمن بالدور المهم والكبير الذي تؤديه المرأة في تطور الحياة، وكما تعلمون أن السنوات العشر الفائتة ومن خلال التطورات المعرفية والاجتماعية والثقافية والإعلامية التي حدثت في عالمنا أسهمت في تقدم المجتمعات الخليجية كثيرًا بالمقارنة مع العقود الماضية.

 وأبرز مثال على ديناميكية المجتمعات الخليجية ما يحدث حاليـًا في المملكة العربية السعودية وخصوصًا التمكين الذي تحظى به المرأة السعودية على كافة الأصعدة من نيل الحقوق وتكافؤ الفرص وتمثيل المملكة في مختلف المحافل، تمامـًا مثلما حدث ولا يزال مع المرأة البحرينية التي حققت الريادة في مجالات التعليم والصحة والعمل الدبلوماسي والإعلامي حتى وصلت لمواقع صنع القرار كوزيرة وسفيرة ورئيسة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذه السنة تكلل مشوارها برئاسة مجلس النواب.

-ما أبرز التحديات التي تقف عائقـًا أمام الإعلامية الخليجية؟

لا اعتقد أن لدينا عوائق تقف أمام المرأة الإعلامية حاليـًا، إنما في السابق نعم كان لدينا مجتمع لا يتقبل ظهور المرأة على الشاشة كثيرًا، لكن بفضل إرادة وإصرار المرأة على العمل ونيل فرصتها استطاع المجتمع نفسه أن يتجاوز هذه المسألة، وكما ذكرت أن المجتمعات الخليجية حدثت فيها نقلة كبيرة في العقود الماضية على مستوى الوعي والإدراك لدور المرأة وطبيعتها الفاعلة مما أدى إلى زيادة الثقة في قدراتها ومضاعفة حجم التقدير والاحترام الذي تحظى به جهودها في مختلف الميادين، بما في ذلك العمل الإعلامي.

واعتقد أن المرأة الإعلامية وإن واجهت  تحديات مهنية أو مالية أو غيرها،  فهي تمتلك القدرة لتجاوزها بما لديها من إمكانات، لذلك نجد أن الأوساط الإعلامية الخليجية تزخر بوجود الإعلاميات الناجحات المتميزات ويشهد لهن بالكفاءة، ويجدن الترحيب والاحترام والتقدير من الجميع.

-برأيك هل استطاع الإعلام الخليجي أن يبرز جهود تمكين المرأة في المجتمع وما تحظى به من اهتمام رسمي على مستوى التكافؤ في منحها للفرص وإيصالها لمواقع صنع القرار؟

بالطبع إعلامنا نجح في إبراز جهود تمكين المرأة في المجتمعات الخليجية، وإبراز الاهتمام الذي توليه القيادات السياسية ومنظمات المجتمع المدني لهذه الجهود وتحقيق التكافؤ في منحها للفرص والوصول بها إلى مواقع القرار، ولقد قامت الصحافة بدور كبير في إبراز صورة المرأة بالشكل الجميل والواقعي حقيقة.

لقد استطاع إعلامنا الخليجي أن يعكس ما تقوم به المرأة من أدوار في تنمية ونهضة بلدانها، لاسيما وإننا في الخليج  ليس لدينا حواجز مع الإعلام لذا تقدمنا أكثر وأصبح العنصر النسائي هو مَن يقود العمل الإعلامي والصحفي، ولذلك نحن نتفاءل كثيرًا بالمستقبل وإسهامات المرأة في رسم ملامحه.

-ماذا عن مشاركتك في الملتقيات الإعلامية وكيف تقييمين تأثيرها في إبراز المرأة ومناقشة قضاياها واهتماماتها؟

أجد أن الملتقيات الإعلامية ممتازة، لكنني ضد التكرار فيما تطرحه من موضوعات وقضايا، فهناك قضايا يجب أن تطرح وهي في غاية الأهمية، لكن للأسف غائبة، على الرغم من أنه يجب الحديث عنها علنـًا لأنها قضايا تهم المرأة وحياتها ومستقبلها، وعلينا التفاعل مع ما يجري من قضايا وطرحها في الملتقيات الإعلامية حفاظـًا على مجتمعاتنا الخليجية ونمائها.

-هل تعتقدين أن الصحفي الخليجي يحظى بحصته الكافية من التدريب الإعلامي في ظل الطفرة التكنولوجية الهائلة وتسارع وتيرة العمل الإعلامي وتحدياته؟

الصحفي الخليجي لا يحظى بحصته الكافية والمستمرة من التدريب الإعلامي، وأنا أتمنى أن يكون لدينا مركز خليجي للتدريب الإعلامي معني بتوصيل الصحفي إلى أعلى مستوى في المهنية، فالصحفي الخليجي يحتاج للتدريب المتواصل من أجل مواكبة التطورات السريعة في الوسائط الإعلامية الجديدة.

إن منطقتنا الخليجية لديها تحديات كثيرة أمنية واجتماعية واقتصادية … إلخ، وبالتالي يجب أن يكون الإعلامي الخليجي على قدر هذه التحديات، حتى يقوم بدوره بالشكل المطلوب، ومن هنا تكمن أهمية استمرارية عملية التدريب للإعلامي الخليجي وإيجاد تلك المراكز والحاضنات التدريبية.

-مع مواكبة التطورات الإعلامية والحديث عن توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ماذا تتوقعين للعنصر البشري الذي يعمل في المجال الإعلامي هل سيتأثر دوره ويتلاشى؟

نعم أتوقع تأثر دور الإعلامي بخاصة في البرامج غير الحوارية مثل نشرات الأخبار، لكن في برامج اخرى لن يغيب عنها العنصر البشري، فالبرامج الحوارية والسياسية والتحليل والثقافة تستلزم وجود العنصر البشري الذي لديه القدرة على التفاعل مع الأحداث وإدراكها وتحليلها، وقبل ذلك مهارات التواصل والتخاطب والتبادل الشعوري بين المذيع وضيفه في نطاق المقابلات والحوارات المباشرة.

-أخيرًا ما نصيحتك للإعلاميين الجدد للنجاح في العمل الإعلامي والتميّز فيه؟

الإعلاميون الجدد لابد من أن يكونوا إعلاميين بمعنى الكلمة، فللإعلامي شروط معينة ومعايير تميزه عن الآخرين من حيث الدور الذي يؤديه في المجتمع خدمة لوطنه، وللنجاح والتميز في العمل الإعلامي لابد من أن يكون له شخصية متفردة بحيث لا يقلد الآخرين، كما يجب أن تكون لديه رسالة وهدف من كونه إعلاميًا.

فالإعلامي في نظري هو الشخص المتميز شكلاً ومضمونـًا وذو شخصية متفردة ومعرفة وثقافة عالية تُسهم في الارتقاء بالمجتمع.

بزفيد .. خطوات النجاح والتطور للشبكة الإعلامية متعددة المنصات

لزمن طويل ساد الإعلام الدولي أسماء إمبراطوريات معروفة، مثل “تايم وارنر واكسل شبرنغر وبرتلزمان وديزني وغيرهم”، الآن دخلت وجوه جديدة تصنع محتوى جديد كليًا ويعرفها جيل الشباب، أسماء مثل “فايس ميديا وبزفيد وإنسايد إديشن وفوكس وإم أي سي ميديا”، هم عمالقة جدد في الإعلام الدولي وبأحجام وتأثيرات واتجاهات مختلفة.

تصف (BuzzFeed) نفسها بأنها “شركة الإعلام الرقمي الأمريكية المستقلة الرائدة في العالم”، والتي تستفيد من  الابتكار والتطور في نظم  البيانات للوصول إلى مئات الملايين من الناس على مستوى العالم بشبكة متعددة المنصات تضم: منصة (BuzzFeed Originals)، المتخصصة في المقالات والقوائم والمسابقات ومقاطع الفيديو، ومؤسسة إخبارية عالمية مقرها في نيويورك، وستديو ترفيهي في لوس أنجلوس
(BuzzFeed Studios)، ومكاتب في بلدان حول العالم.

تأسست ((BuzzFeed بواسطة “جونا بريتي” و”جون إس جونسون” وذلك في عام 2006م، وقد بدأ معها “كينيث ليرر”، المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة (Huffington Post)، كمساهم ومشارك ثم أصبح رئيسًا تنفيذيـًّا لها، وقد بدأت شركة صغيرة في نيويورك لتوفير “الأخبار العاجلة الأكثر مشاركة، والتقارير الإخبارية، وموضوعات التسلية، ومقاطع الفيديو”، واشتهرت في الأصل بمسابقاتها عبر الإنترنت، وتركيزها على ثقافة البوب​​، وقوائم المقالات (listicles) التي اشتهرت بها مدونات الإنترنت، ثم نمت لتصبح شركة عالمية للإعلام والتكنولوجيا، توفر تغطية لمجموعة متنوعة من المواضيع، بما في ذلك السياسة.

وقبل تأسيس ((BuzzFeed كان “بريتي” مديرًا للبحوث والتطوير في إحدى المؤسسات في  نيويورك، حيث جرب التعامل مع وسائط الإعلام التشاركية،  التي تعمل بمبدأ يطلق عليه محتوى الإنترنت سريع الانتشار (Viral content)، والمقصود ذلك النوع من النصوص والصور ومقاطع الفيديو التي تنتشر بسرعة عبر الإنترنت من خلال روابط المواقع والمشاركة الاجتماعية.

وهذا النوع من النشر يتمُّ بواسطة برمجيات جمع الأخبار (News Aggregator) التي تعمل على تسهيل عملية المشاركة في العناوين والأخبار ومختلف محتويات مواقع الإنترنت، وجمعها في مكان واحد فور نشرها،  ليتسنى للمتصفح الاطلاع عليها من دون التنقل بين المواقع التي تنشرها.

وتتداخل كثير من الأدوات الجديدة مع نظم تجميع الأخبار، مثل نظم التنبيه إلى المحتوى (News alerts)، وتكنولوجيا دفع المعلومات (Push-technology) التي تعمل بمبدأ مختلف عن التقاليد المعروفة في قراءة الصحف في الإنترنت وخارجها، فبدلاً من البحث عن الخبر مكان الاهتمام ونقله من مكانه (Pull) ينتقل الخبر بمجرد بثـّه في الشبكة إلى القارئ في منصات الإنترنت (Push).

في البداية، لم توظف (BuzzFeed) أي كتـّاب أو محررين، بل ظلّ الموقع يعمل بواسطة خوارزمية لاستكشاف القصص في  الإنترنت، والتي كانت تُظهِر انتشارًا ومشاركة واسعة، وقد ظلّ يركز في بداياته وبشكل حصري على هذا النوع من المحتوى، إلا أنه بدأ لاحقـًا في إضافة الأخبار العاجلة والمقالات المتعمقة، وقد أطلق وقتها عميل مراسلة فورية باسم (BuzzBot)، حيث يقوم بإرسال روابط المحتويات الشائعة للمستخدمين، ويتمُّ إرسال الرسائل بناءً على الخوارزميات التي تقوم بعملية تتبع عنكبوتية واسعة في أرجاء الإنترنت للبحث عن روابط الموضوعات من مئات المدونات، ليتمَّ نشرها بسرعة عبر الشبكة.

بعد ذلك حدث نوع من التدخل التحريري، حيث بدأ الموقع بتسليط الضوء على روابط الموضوعات الأكثر شعبية التي عثر عليها “بزبوت”، وذلك بواسطة منسقين للمساعدة في وصف المحتوى الشائع في شبكة الإنترنت، لتتطور عمليات الاستفادة من الجهد البشري من أنحاء مختلفة من دول العالم، حيث أصبح لـ(BuzzFeed) في عام 2016م مراسلين من (12) دولة، مع إصدارات في أستراليا والبرازيل وفرنسا وألمانيا والهند واليابان والمكسيك وأسبانيا والمملكة المتحدة.

وقد بدأ قسم الأخبار (BuzzFeed News) العمل في ديسمبر 2011م بتعيين “بن سميث” كرئيس تحرير، وفي عام 2013م تمَّ تعيين “مارك شوفس” الحائز على جائزة “بوليتزر” من (ProPublica) كمسؤول عن  التقارير والتحقيقات المتعمقة والاستقصائية، وهذا الجانب هو أحد مميزات (BuzzFeed) إخباريـًّا، فقد نشرت عددًا من الملفات الاستقصائية البارزة، بما في ذلك ملف ترامب ‒ روسيا، ((Russia dossier.

وتتلقى (BuzzFeed) معظم زياراتها لمحتويات يتمُّ مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم استخدام المقالات والنصوص الإخبارية ومقاطع الفيديو الخاصة به كمدخلات لعملية أتمتة معقدة خاصة به، ليواصل الموقع اختبار وتعقب المحتويات المخصصة بواسطة فريق داخلي من خبراء البيانات، وتستخدم الشبكة تقنية تستطيع من خلالها إبلاغ شركائها بما يتابعه عملاؤهم عبر عدد لا يحصى من منصات النشر الرقمي.

وعلى الرغم من  نجاحها في مجال الأخبار، إلا أن الشبكة لم تحقق الكثير في بعض التطبيقات، مثل البودكاست، وتجارب (BuzzFeed) فيه لم تكن ناجحة، فقد بدأت بفريق للإنتاج الداخلي في عام 2015م، تمَّ من خلاله تطوير وإطلاق عدد من القنوات، لكن في سبتمبر  2018م أغلقت قسم البودكاست الخاص بها واستغنت عن الموظفين بسبب نقص إيرادات الإعلانات المطلوبة.

مع ذلك تشتهر الشبكة بمنتجات الفيديو المتنوعة من خلال “بزفيد فيديو” (BuzzFeed Video) التي تعمل في عدة منصات على شبكة الإنترنت، فضلاً عن قناة (BuzzFeed Motion Picture) الرئيسة والتي تعمل على “يوتيوب”، وقد حصلت هذه القناة منذ 2014م على أكثر من (13.8) مليار مشاهدة وأكثر من (17.2) مليون مشترك، وهي تنتج محتوى أصليـًّا يمرُّ عبر فريق الإنتاج في لوس أنجلوس،  وقد أنتجت منذ عام 2012م العديد من مسلسلات الفيديو التي لقي بعضها شعبية واضحة.

أما أهم هذه المنتجات فهي ((Tasty التي تعدُّ أكبر شبكة اجتماعية متخصصة في المطبخ والوصفات في العالم، حيث تشتهر بتقديم عروض لآلاف الوصفات السريعة والمتمهلة التي يتم بثـّها في مختلف المنصات، كما تقدم بعضها بواسطة المشاهير الذين يقومون بعمل ومناقشة وصفات الطعام الخاصة بهم، فضلاً عن عروض المنتجات ومستلزمات الطبخ مثل: الملاعق والأطباق؛ لتجتذب ملايين المتابعين.

وعلى سبيل المثال تم عرض برنامج (Night In/ Night Out) الذي قدمه زوجان في تاريخين مختلفين، أحدهما في المنزل يقدم وجبة منزلية باستخدام وصفات (Tasty) والآخر في مطعم في لوس أنجلوس، وتركز كل حلقة على وجبة واحدة معينة، مثل سمك السلمون المخبوز أو الهامبرغر، حيث يقررا في نهايتها ما إذا كانا يفضلان الوجبة المطبوخة في المنزل أم الوجبة التي قدمها المطعم.

كذلك ومنذ عام 2016م، ظلت (Tasty) ترعى برنامجًا باسم (Worth It) يقدمه ثلاثة مذيعين، وفي كل حلقة، يزور الثلاثي ثلاثة أماكن طعام مختلفة مع ثلاثة أسعار مختلفة بشكل كبير في فئة طعام واحدة، ومن هذه السلسلة انطلقت سلسلة أخرى  باسم (Worth It – Lifestyle)، وفيها  يتمُّ تقديم ثلاثة عناصر أو خبرات من شركات مختلفة، كل منها بسعر مختلف، مثل مقاعد الطائرات وغرف الفنادق وغيرها.

على أن واحدة من أكثر سلاسل فيديو الإنترنت نجاحـًا لـ(BuzzFeed) هي (BuzzFeed Unsolved)، وتركز على بعض الألغاز والروايات الشعبية التاريخية التي لم يتم حلـّها حتى الآن، حيث يتم عرضها مع الحكايات التي تحيط بها بطريقة كوميدية، وفي بعض الحلقات يقوم المقدمون بزيارة الأماكن ذات العلاقة بالحكاية بما في ذلك البحث عن الأشباح وغيرها.

وعلى الرغم من تنوع منتجات الفيديو لـ(BuzzFeed) إلا أن مديرها  التنفيذي “جون بيريتي” يقول: إن مستقبل العروض التلفزيونية تحدده شركتا “فيسبوك” و”نتلفيكس” اللتان تتشاركان نفس النهج فيما يتعلق بمحتوى البثّ والفيديو، وهذه الرؤية تعبر عن الواقع الرقمي الذي تحدده إيرادات الإعلانات والاشتراكات، وهو أمر يثير الجدل في صناعة العروض التلفزيونية، فهذه الصناعة تتحول إلى شكل رقمي يبثُّ محتويات عبر الجوال والحواسب والتلفاز الذكي.

وفي السنوات الأخيرة عانت (BuzzFeed)، مع غيرها من مؤسسات الإعلام الرقمي، بخاصة في ظل برود هذا القطاع الذي كان في يوم من الأيام ساخنًا ومثيرًا، وأصبحت الشركات التي تمـَّت الإشادة بها في السابق باعتبارها مستقبل صناعة الأخبار، تستغني الآن عن موظفيها وتخفض التكاليف كي تتجنب الإفلاس. فقد فشلت (BuzzFeed) في بلوغ إيراداتها المستهدفة في عام 2017م، لكنها حققت هدفها المتمثل في تحقيق نحو (300) مليون دولار من المبيعات عام 2018م، أي بزيادة (15%) عن العام السابق، مع ذلك، فإن الشركة التي أسست في عام 2006م، تعدُّ خاسرة، وفي ذلك قال “بيريتي” في مطلع هذا العام: “إن نمو الإيرادات في حد ذاته لا يكفي لتحقيق النجاح على المدى الطويل، وأن عملية إعادة هيكلة الشركة ستقلل من تكاليفنا وتحسن من أنموذج التشغيل الخاص بنا حتى نتمكن من الازدهار والتحكم في مصيرنا، من دون الحاجة إلى زيادة التمويل مرة أخرى”، وأبلغت الشركة جميع الموظفين بأنه سيكون هناك تخفيض قادم بنسبة (15%) في القوى العاملة التي تؤثر في الأقسام الدولية ومحتوى الويب والأخبار.

السينما والطفل في الوطن العربي

سينما الطفل لا تعني برامج الرسوم المتحركة بل هي أعمال فنية متكاملة منتجة خصيصًا لهم.
الفيلم الموجه للطفل هو رسالة تربوية قبل أن يكون مضمونـًا ترفيهيًّا.
اتجه القائمون على قطاع الثقافة في الحكومات العربية إلى تنظيم المهرجانات الدولية للطفل لتعويض غياب ثقافة “سينما الطفل”.

مقدمة
إن الحديث عن علاقة السينما بعالم الطفولة في المنطقة العربية يعني التأكيد على إحدى أوجه النقد الثقافي البارزة في الساحة الفنية العربية والمتعلقة أساسًا بالمفارقة والهوة الماثلة بين نموذج فني غير متحقق عربيًّا، وهو سينما الأطفال بوصفها نوع خاص يحتاج إلى كتابة سيناريو ومعالجة فنية متخصصة، وبين السينما التي تتطلب حضور الطفل، كطرف فاعل أو ثانوي ضمن طاقم التمثيل.

وضمن هذا التضارب في إنتاج الواقعة السينمائية المتعلقة بالطفل، يتأكد قصور السينما العربية في إنتاج أفلام توعوية للصغار، وتتأكد معه المصادفة التي أدت دورًا في إيجاد أفلام وظف فيها أطفال صغار لجذب المشاهد وإحداث الطفرة السينمائية، وهو ما أسفر عن ظهور أبطال متميزين استطاعوا ترسيخ أدوارهم في أذهان الناس بما قدموه من أعمال إبداعية متفردة.

إن هذا الإسهام المتميز للطفل في السينما العربية يضعنا أمام إشكال جوهري ومنهجي: إذ كيف لهؤلاء الصغار الذين اثبتوا وجودهم في عالم السينما، بل وأسندت إليهم أدوار البطولة المطلقة، ألا يكون لهم سينما خاصة توافق نموهم النفسي والعقلي والخُلقي وتحوز الشروط التي يتطلبها مستقبلهم؟

-سينما الطفل: المفهوم وخصوصيات النوع الفني:
يجمع المهتمون بمجال سينما الأطفال في العالم على أن التحديد الدقيق لخصوصيات هذا النوع الفني إنما ينبع من فـَهم المصطلح ذاته، فسينما الأطفال خلافـًا لما هو رائج لا تعني برامج الرسوم المتحركة ولا العروض التي تستهوي الأطفال من حوارات أو كرتون أو عرائس تشخيصية أو مهرجانات سينمائية يتم فيها عرض أفلام سينمائية على الأطفال، بل هي أعمال فنية متكاملة منتجة خصيصًا لجمهور الأطفال.

إن التأكيد على جمهور الأطفال يعني التركيز على متطلبات هذه الشريحة، وهو ما يستلزم كتَّاب سيناريو متخصصين في إعداد نصوص درامية مواتية لهم([i])، نصوص يفترض أن تتضمن كل مقومات العمل السينمائي من حبكة، صراع، وشخصيات، ثم النهاية التي تأتي لختام الأحداث بشكل منطقي قادر على تمكين الطفل من مهارات التفكير النقدي المبدع([ii]).

يتضح مما سبق أن الفيلم الموجه للطفل هو رسالة تربوية قبل أن يكون مضمونـًا ترفيهيًّا، وهو إسهامًا فنيًّا جماليًّا على تزويد الطفل بأسباب وممكنات تحمل أعباء الحياة الشخصية والعامة بنفسه من دون مساعدة الآخرين، وأن يكون قادرًا على اتخاذ القرارات المهمة في الأوقات اللازمة([iii]).

لهذه الاعتبارات يفترض في الفيلم الموجه للطفل أن يكون حاملاً لقيم اجتماعية وعرفية وإنسانية سامية كفيلة بتنشئة رجل الغد القادر على التمييز بين الأمور والحكم عليها،  وألا يكون الفيلم مجالاً لإلهاء الطفل بمجرد لقطات استعراضية مشحونة بأطياف الخيال المقوض لمداركه العقلية والذهنية، وذلك هو جوهر التوصيات التي ألحَّ عليه أول مؤتمر دولي لأفلام الطفل المنعقد في فنيسيا عام 1950م، والذي عرّف سينما الطفل: “بأنها تلك الظاهرة الفنية التي تنشأ من خلال دراسة ومراعاة نفسية وسلوك الطفل وكذا مراحله العمرية، فأفلام الطفولة العادية والتي تخصُّ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (7 ‒ 12) سنة تختلف في مضامينها ومواضيعها المعالجة عن أفلام سنِّ المراهقة الموجهة لفئة من يزيد سنها على (12) سنة، حيث يبدأ نمو مداركهم الفكرية وتبدأ مشاكل الحياة تنفتح أمامهم، وأمام هذا الوضع لا يجب على هذه الأفلام أن تكون أداة لإثارة أحاسيسهم الجنسية والعاطفية، بل عليها أن تكون مقياسًا للتمييز بين السلبي والإيجابي، القبيح والجميل، النافع والضار، وهو ما من شأنه إعداد النشء إعدادًا سليمًا من جميع النواحي: النفسية والعقلية والفكرية بالإضافة إلى تنمية مهاراته وقدراته وإشباع حاجاته وصقل مواهبه وتشجيعه على ممارسة النقد في مختلف الوضعيات والأوقات”([iv]).

من هنا ترسخ معنى “سينما الأطفال” في المشهد الثقافي والفكري دالاً على عمل فني إبداعي موجه للطفل، سواء كان من الكرتون المعالج بطرق بالغة الحداثة من فن الجرافيك أو كان من الدمى المقلدة لصور شخصيات حقيقية، أو كان فيلمًا عاديًا بطله طفل مثل ثلاثية “وحدي في المنزل” الشهيرة([v]).

2-واقع سينما الطفل في العالم العربي:
إن مصطلح – سينما الطفل ‒ كما حددناه آنفـًاا غير موجود في الوطن العربي، على الرغم من ظهور مبادرات فردية لتكريسه، مثل مسلسل “بكار” للمخرجة الدكتورة منى أبو نصر، والذي لم يلق الرواج المنتظر.

على هذا النحو غيبت سينما الطفل في العالم العربي، وغاب معها كل مشروع للنهوض بأحلام الطفل وما يتطلع إليه مستقبلاً، وفي هذا الإطار أصبح الطفل ملزمًا بأحد الخيارين:

إما أن يتجه لمشاهدة أفلام الكبار – الكوميدية ‒ غالبًا، أو انتظار فيلم أجنبي تعرضه صالات السينما العربية، حيث تلقى الأفلام الأجنبية من مختلف الجنسيات اقبالاً كبيرًا لفئة الصغار.

ويرجع النقاد والمشتغلون في قطاع السينما غياب الفيلم الموجه إلى الطفل في العالم العربي إلى جملة من الأسباب، من أهمها:

-أزمة نصوص درامية، على الرغم مما يزخر به التراث العربي من كلاسيكيات الأدب والقصص القديم الهادف.

-عدم وجود مؤسسات متخصصة لعمل هذه الأفلام، بالإضافة إلى ندرة الكوادر المدربة على صناعة هذا النوع من الأفلام.

-غياب سياسة تشجيعية لتحفيز إنتاج هذا النوع من الأفلام في ظلّ منافسة الإنتاج الأجنبي الذي يتسم بأنه متوافر ورخيص، لذا أضحى شراء الفيلم أسهل من إنتاجه.

-عدم وجود جهاز مختص لتمويل وتسويق هذه الأفلام على الرغم من أن دراسات السوق أثبتت وجود عائدات هائلة في هذا المجال.

-قلة الأماكن المخصصة لعرض أفلام الطفل، ويعدُّ فيلم “الأميرة والأقزام السبعة” الذي لم يدم عرضه أكثر من أسبوعين في القاهرة خير مثال على ذلك.

ونظرًا لغياب ثقافة “سينما الطفل” في الوطن العربي، اتجه القائمون على قطاع الثقافة في الحكومات العربية إلى تعويض هذا النقص بتنظيم المهرجانات الدولية لسينما الأطفال، مثل مهرجان القاهرة لسينما الأطفال الذي تمَّ تأسيسه لأول مرة عام 1990م واستمر إلى عام 2011م، وفيه تمَّ عرض أكثر من (37) فيلمـًا كان معظمها أجنبيـًّا.

وفضلاً عن هذه الاحتفاليات الخاصة بالأطفال فقد تمَّ تكريس هذا الاتجاه الفني بتكثيف حضور الطفل في السينما، وهو الوضع الذي صنفه النقاد ضمن مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي كان فيها الطفل بطلاً للفيلم ومحركـًا رئيسـًا لأحداثه، ويمكن التأريخ لها باكتشاف اللبناني إلياس مؤدب “النجمة فيروز” وتقديمها إلى المنتج أنور وجدي الذي صنع منها “نجمة شباك” في العديد من الأفلام مثل: “ياسمين” و”فيروز هانم” و”ذهب”، ثم تلتها أفلام أخرى شارك فيها أطفال مثل: “نيللي”، “لبلبة”، “إيناس عبد الله”، “دينا عبد الله”… وغيرهم.

وما يميز أفلام هذه الحقبة هو أن الطفل الممثل بقي طفلاً بكل ملامح الطفولة وبراءتها وشقاوتها، وهو ما أوجد الاستثناء الفني لأفلام تلك المرحلة.

المرحلة الثانية: وفيها لجأت السينما إلى تقديم الطفل بمنظور جديد ومغاير، حيث تمَّ إلزامه بتقليد عالم الكبار على الرغم من صغر سنه مثل ما حدث مع الطفلة “مها عمار” في أفلام “خالتي فرنسا” و”سيب وأنا سيب” والطفلة “جنا نصرت” في أفلام “سامي أكسيد الكربون” و”حصل خير”، حيث تمَّ في كل هذه الأعمال إهدار الطفولة من خلال إرغامها على تقليد حركات الكبار واستخدام ألفاظهم وتفاصيلهم، وهو مظهر من مظاهر التجني على الطفولة([i]).

وهكذا عادت السينما العربية والمصرية تحديدًا إلى الخلف، فبعد أن كانت “سينما الطفل المعجزة” أصبحت “سينما الأطفال المبتزة”([ii]).

فمع كل ما أنتجته السينما العربية من أعمال، فإننا لا نكاد نجد فيلمًا كاملاً للأطفال، وهو ما يعني عدم وجود منتج فني واحد يدخل عالم الأطفال ويتحاور مع أحلامهم ويغذي خيالهم ويطعّم سلوكاتهم بالقيم التي تحثـّهم على النقد والتمحيص وتحمل المسؤولية في ظل القيم التنافسية للعولمة والغزو الثقافي.

تأسيسًا على ما سبق، تتعرض سينما الطفل في الوطن العربي لكثير من السجال والمساءلة، لأنها لا تستجيب في توجهاتها لخصوصيات النوع الفني الذي يميز هذا الضرب من السينما([iii]).

فمجمل القول إن سينما الأطفال لا تعني أفلام عن الأطفال، بل أفلام للأطفال بكل ما يتضمن هذا المبدأ من اطلاع على عوالم الطفل السيكولوجية والاجتماعية والمعرفية والأخلاقية، وهذا ما يبرر نجاح بعض الأفلام الأجنبية، مثل: (Harry Potter وPeter Pan)، وقد حققت سلسلة هذه الأفلام نجاحات تجارية كبيرة جدًّا في أمريكا والعالم، حيث بلغت إيرادات الجزء الأول من سلسلة “هاري بوتر” والذي حمل عنوان: “هاري بوتر وغرفة الأسرار” مبلغ (318) مليون دولار أمريكي، وذلك في أمريكا وحدها، ما وضع “راد كليف” على قائمة أغنى الشباب في بريطانيا([iv]).

خاتمة
نخلص مما سبق إلى أن سينما الطفل هي ذلك الموقف الفني الإبداعي الذي يتوجه إلى فئة النشء فيصوغ همومها ويبلور تطلعاتها ويعكس آمالها في غد واعد، فهي إذن ليست مجرد أداة لإعادة إنتاج واقع الطفل من خلال استغلال ظهوره على الشاشة، بل هي آلية مثلى لكيفيات استلهام القيم التراثية في التعامل مع معطيات العصر لغاية فضلى سامية تروم إعداد الإنسان الذي هو الركيزة الأساسية في إحداث النهوض والتنمية في أي مجتمع.

الهوامش

([1]) René Gardies: l’enfant et le cinéma; édition Armand Colin, Paris, 2010, p39.

([1]) Ibid., p40.

([1]) Jacques Roncière : les genres cinématographiques, Seuil, Paris, 2013, p49.

([1]) سمير فريد، سينما الأطفال، المجلس العربي للطفولة والتنمية، القاهرة، 1994م، ص177.

([1]) Jacques Roncière: les genres cinématographiques, Op,Cit, p56.

([1]) يعقوب الشاروني، سينما الأطفال في مصر والعالم العربي، المركز القومي المصري لثقافة الطفل، القاهرة، 2017م، ص25.

([1]) محمد برهوم، سينما الطفل بين الماضي والحاضر، دار الشرق للنشر والتوزيع، 2012م، ص11.

([1]) نفس المرجع، ص12. ([1]) René Gardies: l’enfant et le cinéma; Op. Cit, p52.




نحو مجتمع رقمي .. مبادرة المعرفة الرقمية تدعم المبتكر السعودي

أطلقت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة العربية السعودية، الأربعاء 4 سبتمبر 2019م، مبادرة المعرفة الرقمية (ThinkTech) برعاية وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبد الله السواحه.

وتهدف المبادرة إلى استشراف مستقبل التقنيات الناشئة وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، وبناء جيل مبدع يتمتع بمهارات القرن الواحد والعشرين، وقادر على تغطية الاحتياج المعرفي التقني، والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، وستتبنى المبادرة آليات عمل جديدة تعزز دور قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في بناء مجتمع رقمي وحكومة رقمية واقتصاد رقمي مزدهر، وتُسهم في تحقيق التحول الرقمي والوصول لرؤية المملكة 2030م.

وأعلنت وزارة الاتصالات أن هذه المبادرة تُحفز روح الإبداع العلمي ونشر الثقافة الرقمية، وتدعم جهود الابتكار والاختراع، إضافةً إلى نشر الوعي في مجال التقنيات الناشئة، وإيجاد بيئة جاذبة لأصحاب الأفكار المبدعة، علاوةً على بناء جيل منتج وباحث في مجال التصنيع المبني على معارف الثورة الصناعية الرابعة.

وتعتبر المبادرة فرصة مهمة لالتقاء المبدعين وإبراز أعمالهم الإبداعية؛ لإيجاد حلول للمشكلات، وتقديم مشاريع وابتكارات في مجال الروبوت والذكاء الاصطناعي بما يُسهم في المسيرة التنموية.

وأوضح وكيل وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات لتنمية التقنية والقدرات الرقمية الدكتور أحمد الثنيان، أن المبادرة ستعمل على ابتكار مستقبل واعد عن طريق نشر الثقافة الرقمية، وتكوين مجتمع واع ومتعلم عبر استضافة كثير من الخبراء العالميين والمحليين في جلسات حوارية مفتوحة، بالإضافة إلى إقامة ورش عمل ودورات تدريبية لتزويد المهتمين التقنيين بكل ما يلزم من معرفة ومهارات وخبرات رقمية، مبينـًا أنها ستعمل على نشر الوعي في مجالات التقنيات الناشئة من خلال برامجها التي سيتم اطلاقها تباعـًا والمتمثلة في: “قوافل المستقبل، حلقات النقاش، المعامل الافتراضية، الأولمبياد الوطني للروبوت”، التي ستدفع جميعها جهود المبادرة عبر دعم عملية البحث العلمي في المجالات الرقمية ونشر المعرفة.

مليوني مستفيد من مبادرة (ThinkTech)
وقد أطلقت الوزارة فعليًا من خلال مبادرة (ThinkTech) هذه البرامج والتي تحمل كل واحدة منها توجهـًا وآلية مختلفة تصب جميعها في هدف واحد هو صناعة جيل رقمي قادر على تحقيق صناعة رقمية منافسة تخدم الوطن وتنمي قدراته الرقمية من خلال توعية النشء ودعم المبدعين والمبتكرين، لتكون المبادرة حاضنة أعمال رقمية مختلفة، حيث بلغ عدد المستفيدين الإجمالي أكثر من مليوني مستفيد عبر وسائل التواصل المختلفة.

قوافل المستقبل .. جذب وتمكين المبدعين
وتتضح المبادرة بشكل أكبر في برنامج “قوافل المستقبل”، والذي يقدّم علوم التصنيع الرقمي الناشئة بطريقة جاذبة وممتعة، وهي من النجاحات التي حققتها المبادرة، حيث وصلت قوافل المستقبل إلى (16.062) مستفيدًا في مناطق مختلفة في المملكة، حيث تواجدت قوافل المعرفة في العاصمة السعودية الرياض، وجدة، والجبيل، واهتمت المبادرة بتمكين المرأة في المجالات التقنية، حيث شاركت في “ملتقى السيدات في علم البيانات” بجامعة الأمير سلطان بن عبد العزيز، والذي يهدف إلى تمكين ودعم العلماء والباحثين في هذا المجال.

المعامل الافتراضية .. أحدث تقنيات التعليم
توفر المعامل الافتراضية التي تقدمها مبادرة المعرفة الرقمية بيئة افتراضية مبرمجة تحاكي المعامل الحقيقية وتدعم البحث العلمي، لتشكل حاضنة للتدريب والابتكار والتصنيع، يتقاسم فيها المبدعون أفكارهم، قبل تحويلها إلى نماذج ملموسة، حيث تمكن بوابة المعمل الافتراضي المشاركين، عبر الموقع الإلكتروني للمبادرة على الإنترنت، من تسجيل حسابات شخصية لهم تمكنهم من اختيار أحد الخدمات المتوافرة مثل: “الطباعة ثلاثية الأبعاد، والقص والنحت بالليزر، وقص الفينيل (الاستكرات) وتقنية (CNC) للنحت”، ثم ترفع من خلال الموقع.

وتعدُّ المعامل الافتراضية (Virtual Labs) أحد تطبيقات ما يسمى بالواقع الافتراضي (Virtual Reality) وهو أحدث تقنيات تكنولوجيا التعليم، والذي يعدُّ بيئة تعليم مصطنعة أو خيالية بديلة عن الواقع الحقيقي وتحاكيه، ويعيش المبتكر أو المتعلم فيها بيئة تخيلية يتفاعل ويشارك ويتعامل معها من خلال حواسه وبمساعدة جهاز الكمبيوتر وبعض الأجهزة المساعدة.

واستهدفت المبادرة حقل المعامل الافتراضية كونها تصنع بيئة منفتحة يتم من خلالها محاكاة مختبر العلوم الحقيقي والقيام بربط الجانب العملي بالجانب النظري، ويكون لدى المستهدفين مطلق الحرية في اتخاذ القرارات بأنفسهم دون أن يكون لذلك أي آثار سلبية على مشاريعهم.

حلقات النقاش .. تجمع الخبراء بالمبتدئين
تقدم حلقات النقاش عدد من الجلسات الحوارية المفتوحة وورش العمل والدورات التدريبية، وكان لهذه المبادرة دور فعّال في نشر الوعي لجميع شرائح المجتمع حول التقنيات الناشئة عن طريق تقديم مادة علمية يقدمها خبراء متخصصين محليين وعالميين، حيث بلغ عدد المستفيدين قرابة (1550) مستفيدًا، فيما تسعى المبادرة لنشر محتويات تعليمية مبسطة بطريقة إبداعية تتضمن معلومات عن التقنيات الناشئة.

الأولمبياد الوطني للروبوت .. تأهيل للعالمية
أطلقت مبادرة (ThinkTech) مسابقة الأولمبياد العالمي للروبوت (WRO)، بالشراكة مع وزارتي الطاقة والتعليم، ووحدة التحول الرقمي، والاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، والاتحاد السعودي للرياضات اللاسلكية والتحكم عن بـُعد، وجمعية إنسان؛ بهَدف تطوير مهارات الطلاب من خلال منهجية دمج العلوم والتكنولوجيا (STEAM)، وريادة الأعمال لتطوير مهارات القرن الـ(21) للشباب السعودي، وتأهيله للوظائف المستحدثة في عصر الثورة الصناعية الرابعة.

وتهدف المسابقة إلى تكوين أكثر من (1000) فريق للتأهيل لمسابقة الأولمبياد العالمي للروبوت، فيما ستقدم وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (100) ألف فرصة تدريب إلكترونية عبر منصة (BE-STEAM)؛ لتأهيل المشاركين للدخول في التصفيات المحلية والتي ستقام في مدينة الرياض في أكتوبر 2019م؛ حيث ستتأهل الفرق الفائزة إلى التصفيات النهائية، بعد ذلك ستعرض الابتكارات المقدمة لترشيح الفرق الفائزة ليتم خلال هذه الفترة رعايتها لتأهيل دخولها في التصفيات العالمية.

شراكات “المعرفة الرقمية” تعزز أهدافها
وتعدُّ مبادرة المعرفة الرقمية (ThinkTech) جزء من جهود وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات للنهوض بمستوى الوعي وبناء مجتمعات مهتمة بتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، التي تتمحور حول (الحوسبة السحابية، الذكاء الاصطناعي، تقنية الروبوت، البلوك تشين (BLOCKCHAIN)، الواقع الافتراضي والمعزز، إنترنت الأشياء)، كما ستعمل المبادرة على بناء شراكات قوية مع الجهات ذات الصلة بالشكل الذي يضمن تسريع الابتكار في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، وتعزيز الأبحاث التقنية والتعليم الرقمي، ورعاية منظومتي الابتكار وريادة الأعمال الرقميين، بما من شأنه ترسيخ انتقال اقتصاد المملكة إلى اقتصاد معرفي متكامل.

صحافة البيانات عربيـًّا وخليجيـًّا .. متى تكتمل البدايات؟

صحافة البيانات لها جذور منذ عام 1950م، وقد عرفت بما يسمى بـ: “كتابة التقارير بمساعدة الحاسوب (CAR)” ثم تطور العمل الصحفي ليواكب تطورات العصر، مما أسهم في ظهور ما نطلق عليه الآن مصطلح “صحافة البيانات”.

وفي العالم العربي تحديدًا ظهرت صحافة البيانات في عام 2016م، على يد الصحفي المصري “عمرو العراقي” وهو مؤسس أول موقع متخصص في صحافة البيانات، وناشر لأكثر من (300) قصة صحفية مدفوعة بالبيانات، وقد كانت صحافة البيانات تظهر بشكل متكرر في المؤتمرات وفي الصحف الأكاديمية بدءًا من النصف الثاني من عام 2010م.

ويُعدُّ موقع “إنفوتايمز” لمؤسسه عمرو العراقي الأشهر في منطقة الشرق الأوسط، حيث ينشر أكثر من (300) رسم بياني غرافيكي و(29) رسم تفاعلي و(25) فيديو في (16) اختصاصـًا معرفيـًّا من مجالات الحياة العامة والعلوم، ويُعدُّ موقع “إنفوتايمز” وكالة حديثة في مصر لتصميم البيانات وعرضها في صورة بصرية تقوم على فلسفة واحدة وهي أن البيانات خُلقت للنشر.

وتتمثل مهام موقع “إنفوتايمز” في الوقت الراهن في تحسين مهارات الصحفيين العرب، ورفع وعي الصحافة العربية بأهمية صحافة البيانات، وكيف يمكن للصحفيين استخدام مجموعات البيانات وجداول البيانات، وقد أطلق هذا الموقع المتخصص في صحافة البيانات قسمـًا خاصـًّا يتيح من خلاله لمصممي وصحفيي البيانات أن ينشروا موضوعاتهم، إن كانت بصيغة تصاميم الإنفوجرافيك، أو ملفات وخرائط تفاعلية.

وفي الخليج تعتبر صحيفة “أبعاد” الإلكترونية (www.abaadnews.com) الأولى في استخدام صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي، إذ بدأت مشوارها في 26 مايو 2019م، بحيث تستخدم تحليل البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى الصحيفة.

في كثير من الأحيان يتمُّ استخدام مصطلح البيانات والمعلومات بالتبادل كمترادفين على الرغم من اختلاف معنى كل منهما، فالبيانات هي المادة الخام لأي عمل صحفي وتأخذ عادة شكل أرقام أو معطيات أولية يمكن جمعها حول موضوع محدد وهي نادرًا ما تكون مفيدة بمفردها، أما المعلومات فتختلف كليـًا عن البيانات إذ هي نتاج عملية تحليل وهي المرحلة التي يصل إليها الصحفي بعد الاطلاع على البيانات وتنظيمها وتحليلها.

يقول “فيليب ماير” الأستاذ غير المتفرغ بجامعة “شابل هيل” بأمريكا عن صحافة البيانات: “إنها مهمة لتصفية تدفق البيانات، فعندما كانت المعلومات شحيحة كانت كل جهودنا مكرسة لصيد الخبر وجمعه، أما الآن ومع وفرة المعلومات أصبحت معالجة الخبر نفسه أمر أكثر أهمية، ويتمُّ معالجة الخبر على مستويين: الأول تحليل لإيجاد معنى ووضع هيكلة لسيل البيانات غير المتناهي، والثاني عرض الخبر للحصول على ما هو مهم وذو صلة بالمستهلك، تشبه صحافة المعلومات العلوم، فهي تكشف أساليب عملها وتعرض استنتاجاتها بطريقة يمكن التحقق منها عن طريق تكرار الأساليب نفسها”.

وقد تم عقد مؤتمرين عربيين تحت عنوان: “من أجل صحافة بيانات متعمقة”، في مقر الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2018م، و”صحافة البيانات في غرف الأخبار العربية عام 2019م” بمقر الجامعة البريطانية في القاهرة.

وتُعدُّ صحيفة “الجارديان” البريطانية التي أطلقت في 2009م، ما أسمته “مدونة البيانات” أول مؤسسة إخبارية كبرى تبنت هذا المفهوم، ومع ذلك يحيط الغموض اسم أول من استخدمه، علمـًا أنه استخدم على نطاق واسع منذ كشف موقع “ويكيليكس” عن الوثائق الأمريكية المتعلقة بحرب أفغانستان.

خارطة عمل صحافي البيانات
تتسم خطوات العمل الصحفي لإعداد قصة صحفية مدفوعة بالبيانات سلسلة متتابعة من الخطوات المترابطة بدءًا من اختيار الفكرة ثم تصميمها حتى نشرها للقراء، وتحتاج كل مرحلة إلى مهارات محددة من الصحفي، منها:

1-اختيار الفكرة، وتحديد الرسالة الرئيسة، فجلسات العصف الذهني مع فريق العمل تساعد في تحديد الأفكار الجيدة، وتحديد الجمهور المستهدف، فكلما تمكنت من تحديد القارئ المستهدف كلما تمكنت من تحديد حجم البيانات وطبيعتها.

2- جمع البيانات وتحليلها، كلما كانت الفكرة أكثر تحديدًا والجمهور المستهدف أدق تفصيلاً كلما ساعد ذلك في عملية البحث عن البيانات وتحليلها من خلال البحث عن الترابط والعلاقات بين البيانات لجعلها أكثر تشويقـًا، كما أن ترتيب سياق القصة الصحفية بتسلسل يُسهم في إيصال الرسالة المحددة.

3-تصميم البيانات، رسم الهيكل الأساسي من خلال جمع البيانات ذات الصلة ووضع هيكل لعرضها باستخدام الأسهم وتحديد الاتجاهات وتوضيح علاقة بعضها البعض، وانتقاء الألوان يساعد في تسليط الضوء على النقاط المهمة، والخطوط – أيضـًا – في تصنيف المعلومات لأجزاء سهلة القراءة، مع الحذر من كثرة استخدامها لتجنب إرباك القارئ، واخيرًا الرموز أو العناصر البصرية لابد من اختيارها بعناية، فمن المهم أن تكون الرموز واضحة وتتناسب مع ثقافة الجمهور المستهدف.

4-مرحلة النشر؛ وهي المرحلة الأخيرة من القصة الصحفية، فالعنصر التشويقي مهم في العنوان أو مقدمة القصة الصحفية، لأنها تكشف للقارئ مدى أهميتها، وتوقيت النشر عنصر مهم لجذب القارئ فكلما ارتبطت القصة بالأحداث الجارية كلما ارتفعت نسبة مشاهدتها.

وهناك جدل كبير أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي مصادر موثوقة من عدمه، لكنها بطبيعة الحال هي مساحة يمكنك من خلالها الاطلاع على آراء الناس، لكن لا تعتمد على أرقام تمَّ تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن تعود لأصلها، مهما كان منصب الشخص الذي نشر المعلومة، فالدور الذي يمكن أن تؤديه مواقع التواصل الاجتماعي  يسهل عليك الالتقاء بأشخاص لديهم الاهتمام  بالمجال نفسه الذي تكتب عنه، أو أشخاص لديهم اطلاع على مستجدات كثيرة قد تطلب التواصل معهم وتستفيد من خبرتهم، وبعضهم قد يكون أكاديمي لديه  أبحاثه الخاصة التي قد تفيدك.

صحافة البيانات .. مـَن يعلق الجرس؟
عمرو العراقي: لابد للصحفيين من مطالبة مؤسساتهم باستخدام صحافة البيانات
عمرو العراقي صحافي مصري عمل على نشر أكثر من (300) قصة صحفية مدعومة بالبيانات، وفي عام 2012م، انطلق للعمل الحر وأسس أول موقع متخصص في صحافة البيانات في العالم العربي (Infotimes)، عمل العراقي لأكثر من عشر سنوات في غرف الأخبار الكبرى في موقع (MBC) وموقع (yahoo)، كما أسهم في تدريب عدد من الصحفيين على تصميم البيانات بالتعاون مع (BBC Media Action) وشبكة (Internews Europe). . !

وبادئ ذي بدء سألنا عمرو العراقي .. كل هذا الشغف توجته بمؤتمر دولي يقام سنويــًّا في القاهرة تمَّ إلى الآن إقامة دورتين منه، ما مدى استفادة الصحفيين من هذه اللقاءات السنوية؟

 أجاب: المؤتمر العربي لصحافة البيانات في دورتيه الأولى والثانية، والذي نظمناه بشكل متتابع حيث أقيم المؤتمر الأول في مارس عام 2018م، وتبعه المؤتمر الثاني في مارس عام 2019م، ما نطمح إليه في الدورة الثالثة من المؤتمر المزمع انعقاده في مارس 2020م، هو أن يضم المؤتمر مجموعة من المتخصصين بحجم أكبر من العالم العربي، ونسعى أن يكون هناك عامل تأثير للمؤتمر.

لقد عُقد المؤتمر في  دورتين سابقتين، وكان الهدف منهما إيجاد حالة من الوعي بأهمية صحافة البيانات، لذا فإن خطتنا ورؤيتنا للمؤتمر القادم أن نصنع تأثيرًا أكبر يتخطى إطار الوعي ويصل بنا إلى مرحلة الإنتاج والتنفيذ، وأيضـًا يسعى المؤتمر القادم إلى عقد جلسات عملية وحوارية، وإعطاء مساحة للتطبيق، وإنتاج قصص صحافية مدفوعة بالبيانات في العالم العربي، كما نأمل أن ينضم إلينا شركاء من المنطقة العربية سواء كانوا غرف أخبار أو مؤسسات شريكة تقدم خدمات لها علاقة بالتعامل مع البيانات أو إنتاج أدوات تسهل عملية تحليل البيانات ومعالجتها للصحفيين والباحثين.

هناك نقطة جدلية أخرى نتطلع إلى تعرّف رأيك حولها، وهي وجود تشابه بين صحافة البيانات والصحافة الاستقصائية.
في رأيي لا يوجد فرق بين أنواع الصحافة، أنا من الأشخاص الذين يميلون إلى أن تكون هناك مصطلحات كثيرة منشقة من الصحافة، مثل: “صحافة الموبايل، صحافة الفيديو، صحافة البيانات، صحافة الإنسان، والصحافة الاستقصائية”، في النهاية أنا أنظر إلى أن العمل الصحفي هو عمل صحفي مهما كانت الآلية والوسيلة التي يتمُّ من خلالها نشر هذا العمل.

ثم أن الصحافة مهمتها العثور على القصة ثم سردها للجمهور، وليس هناك اختلاف بين صحافة البيانات والصحافة الاستقصائية، كلاهما يتّبعان نفس المنهجية بوضع فرضية للتحقق منها، لكن ما يجعل صحافة البيانات مختلفة قليلاً أو نسبيـًّا هو أن المصدر الأساس للقصة الصحفية هو البيانات، والصحفي الاستقصائي يتبع منهجية بالبحث للوصول إلى أدلة تثبت فرضيته، وأيضـًا صحفي البيانات يتبع منهجية تقوم على البحث، لكن كلاهما يتبع مصدرين مختلفين الصحفي الاستقصائي يعتمد على العنصر البشري أكثر من صحفي البيانات الذي يتعامل مع الجداول والأرقام، وهناك دمج كبير بينهما بخاصة أن كل القصص العالمية الاستقصائية التي تمـَّت خلال الأعوام الثلاث الماضية قائمة على البيانات (وثائق بنما) وغيرها من التسريبات أو القصص الصحافية الاستقصائية التي كانت مبنية في الأساس على حجم ضخم من البيانات.

تلفزيون دبي يحتفي بمرور (50) عامًا على إنشائه

أسهمت الكويت في إنشائه ومرَّ بقفزات تاريخية

وافق يوم التاسع من سبتمبر الماضي ذكرى انطلاق أول بثِّ تلفزيوني في دبي قبل خمسين عامًا، وبالتحديد في التاسع من سبتمبر 1969م، حيث احتفت مؤسسة دبي للإعلام بهذه المناسبة التي تمثل أول انطلاق لرحلة دبي مع “الشاشة الفضية”، وبهذه المناسبة قال نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عبر حسابه في تويتر: “قبل خمسين عامًا في مثل هذا اليوم وقف معنا رجل وقفة تاريخية لإطلاق أول قناة تلفزيونية من دبي، رجل نحبه ويحبنا، أمير الإنسانية، الشيخ صباح الأحمد، آثار إنجازاته وإنسانيته وحكمته ستبقى طويلاً..”.

وكانت تغريدة الشيخ محمد بن راشد إشارة تاريخية لهذه المناسبة، حيث أنشئ “تلفزيون الكويت من دبي” وسمي بهذا الاسم بتوجيه من الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ‒ رحمه الله ‒ وكان حفل إطلاقه بحضور الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، الذي كان حينها وزيرًا للخارجية، وبحضور الشيخ جابر العلي الصباح ‒ رحمه الله ‒ الذي كان وزير الإرشاد والأنباء.

وهو ما أشار له ‒ أيضًا ‒ نائب حاكم دبي الشيخ مكتوم بن محمد في تغريدة قال فيها: “من قناة واحدة أطلقها أمير الإنسانية صباح الأحمد قبل خمسين عامًا، لأكثر من (٨٠) قناة تحتضنها دبي اليوم، بالمحبة والتعاون والتعاضد ننجح معًا كدول ومؤسسات، شكرًا لأميرنا ووالدنا وحكيمنا صباح الأحمد”.

بوادر العمل الخليجي المشترك والدور السعودي
وكانت دولة الإمارات قبل ذلك، بحسب ما أورده مدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام علي عبيد الهاملي، تستقبل البثّ التلفزيوني من مدينة الظهران السعودية، حيث كانت قناة الظهران توصل بثها خليجيـًّا وهي أول قناة تلفزيونية على مستوى الخليج والسعودية.

جهود الكويت صنعت الرواد
كان للكويت دورًا مهمًا في إطلاق “تلفزيون دبي” الذي كانت نواته “تلفزيون الكويت من دبي”، وكان ثمرة لجهود كبيرة بذلتها الكويت لتجهيز المحطة بالمعدات والأجهزة، ثم تشغيلها ورفدها بالمواد التلفزيونية، إضافةً لاختيار وتدريب فريق عمل إماراتي لتشغيل “تلفزيون الكويت من دبي”، ما جعل “التلفزيون” منصة لظهور إعلاميين إماراتيين رواد، منهم: أحمد قاسم العلي، وسعيد الغيث، وحصة العسيلي.

بدأ “تلفزيون الكويت من دبي” ذلك الوقت بثه بالأبيض والأسود، واستمر كذلك لمدة، وخلال تلك الفترة أداره طاقم إداري وفني من الكويتيين والإماراتيين والعرب، بقيادة الإعلامي الكويتي محمد المهنا، وكانت مدة البث اليومي أربع ساعات مسائية، ثم صارت ست ساعات، ومع قيام الاتحاد الإماراتي أصبح البث ثماني ساعات مسائية، وفي الفترة الصيفية كان هناك بث صباحي.

وتذكر المعلومات التاريخية أن مقر “تلفزيون الكويت من دبي” كان في منطقة “القصيص”، كما أن عدد العاملين فيه حينها بلغ (63) موظفـًا، وتزايدت أعداد الموظفين حتى أصبح أبناء الإمارات ممن جذبهم العمل في الحقل الإعلامي يشكلون نسبة (90%)، مع نسبة إنتاج محلي إماراتي موازٍ لما كانت تقدمه دولة الكويت، بالإضافة إلى ما يعرض من إنتاجات أخرى لبرامج عربية وأجنبية.

وتوالت قفزات “تلفزيون الكويت من دبي”، الذي قام بدور ريادي في قيادة التوجه نحو التحديث واللحاق بركب العصرنة، وإشاعة أنماط حياة حديثة، الأمر الذي ظهر في الدور الذي لعبه في إسناد التوجه العام نحو التعليم، وتمكين المرأة، وإثراء الحياة الثقافية والفنية، وإعلاء قيم العمل، والاحتفاء بالابتكار، وغير ذلك.

مسؤولية أخوية وتحول تاريخي
في مساء يوم الثاني من ديسمبر 1971م، أعلن في قصر دبي للضيافة قيام دولة دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم تمَّ افتتاح بثِّ المحطة التلفزيونية المعروفة للجميع باسم “تلفزيون الكويت من دبي”، بالنشيد الوطني وعلم دولة الإمارات، وباسم “تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي”.

وبذلك التحول أتمَّ “تلفزيون الكويت من دبي” سنتين ونصف السنة من عمله باسمه هذا، ليواصل دوره سبع سنوات ونصف أخرى، باسمه الجديد: “تلفزيون دولة الإمارات العربية المتحدة من دبي”، حيث دخل مرحلة جديدة من عمره، الذي وصل غايته في العام 1979م، لكنه كان قبل ذلك بسنوات قد أرسى أرضية موضوعية لنشوء “تلفزيون دبي” بشكل مستقل بعد أن استمر البثَّ التلفزيوني في دولة الإمارات بالأبيض والأسود حتى 4 ديسمبر 1974م حينما أصبح تلفزيونـًا ملونـًا؛ ليكمل “تلفزيون دبي” قصته التي قادها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ‒ رحمه الله ‒ من خلال اهتمامه بتأسيس المؤسسات الإعلامية، حيث أسس “أخبار دبي” في الستينيات، وراكم عليه بتجربة “تلفزيون الكويت من دبي”، فزاد بتأسيس الإذاعات، ثم في العام 1973م قرر إنشاء “تلفزيون دبي”، الذي انطلق بثـّه الملون بعد سنة تمامًا، وتحديدًا في الأول من سبتمبر عام 1974م، غير أنه افتتح رسميـًّا في 1 ديسمبر 1974م أثناء الاحتفالات بذكرى اليوم الوطني الثالث للاتحاد.

جلباب الإعلام وجلبة الأضواء ..!

عندما كتب الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس، عام 1982م، روايته الشهيرة “لن أعيش في جلباب أبي”، والتي تحولت إلى أحد المسلسلات العربية التلفزيونية المهمة وأطولها، لم يدر بخلده أنها ستكون قاعدة إعلامية ربطت
‒ أيضًا ‒ بين الجلباب والجلبة.

الرواية بشكلها “الدرامي” اهتمت بالبحث عن النجاح والتحدي والقفز على الصعاب.

لكن ما الرابط بين الرواية والإعلام؟!

وتحديدًا بين الجلباب والإعلام ..!

الروائي الكبير، وهو مَن بيت إعلامي يتمثل في والدته الإعلامية
“روز اليوسف”، ركز في روايته على اهتمام البطل بجذب انتباه الآخرين لتغطية عجزه المادي والاجتماعي والتعليمي.

ومن هنا استخدم عدد من إعلامي “راكبي الموجة” هذا المحور للبحث عن الأضواء والانتشار بسهولة حتى ولو تطلب الأمر مخالفة الواقع والحق وعكس الوقائع والحقيقة، ولتحقيق هذا الهدف اتبعوا قاعدة “لنلبس جلباب الإعلام ونخلع رداء الحقائق” لأن الأمر يحتاج مراحل تبدأ بالتكوين ورسم الهالة ثم الانتشار ولفت الانتباه وعند انكشاف الحقيقة يعودون إلى الاعتذار والتبرؤ من مرحلة ما قبل الشهرة والجلبة.

منذ مدّة أصرّ أحد المتقدمين على تجربة مذيع أن يعرف رأيي وتقييم تجربته
– على الرغم من عدم اختصاصي ‒ فسألته: لماذا ترغب في أن تكون مذيعًا تلفزيونيًّا؟ إجابته كانت صادمة، لكنها صادقة، قال لي: أريد أن أصبح شخصًا معروفـًا، بخاصة عندما أدخل الأسواق برفقة زوجتي وحتى يعرفني الناس ويتحدثون عنّي!!.

المفترض ألا تكون الشهرة على حساب المبادئ وأسس مهنة الإعلام، لكن هناك عدد من إعلاميي “راكبي الموجة” لديهم القدرة على الجمع بين المتناقضات وتغيير المواقف وصولاً إلى المنفعة والأضواء.

إذًا فالجلباب أصبح فضفاضًا أمام المهنة والفكرة والحقيقة والمبدأ، حتى ولو من منطلق “خالف تعرف”.

وحتى لا يتحول الإعلام من مهنة ورسالة سامية ومرآة أمة إلى مهنة من لا مهنة له لابد من التدقيق والتنظيم والمحاسبة.

أخيرًا .. تابع المشهد الإعلامي التقليدي والجديد ووسائط التواصل الاجتماعي، ثم ردد كلمات الشاعر السعودي الكبير إبراهيم خفاجي (مالي ومال الناس .. ومالك ومال الناس .. لما حبيتك ما خذت رأي الناس .. خلينا في الحاضر .. ننسى اللي كان).

أما أصحاب الجلباب والجلبة فسيكملون بالقول:

ويا من يحاسبنا .. يلقى الجواب أصعب!!.