الإعلام‭ ‬التفاعلي‭ ‬والعمل‭ ‬التطوعي

يحتفل العالم في الخامس من شهر ديسمبر من كل عام باليوم العالمي للتطوع، والحديث عن التطوع يعني حديثـًا عن عمل حضاري وإنساني ومسؤولية جماعية مشتركة فهو يعكس تكافلاً بين مختلف فئات المجتمع، وتراحمـًا وتآخيًا بين أفراده، ويأتي دور الإعلام في العمل التطوعي في مقدمة الأدوار الفاعلة في ترسيخ مفهوم العمل التطوعي وأهميته، وذلك من خلال قدرته على إحكام السيطرة على الأفراد عبر قناعات فكرية وثقافية واجتماعية بضرورة العمل التطوعي.

ولقد أصبح الإعلام التفاعلي مشاركـًا للإعلام التقليدي كونه يحتوي في مضمونه على كافة الفنون الإعلامية والتقنيات الحديثة لمواقع التواصل الاجتماعي، مثل: «الفيسبوك، وتويتر» وغير ذلك من المواقع التي تتسم بعناصر الفورية، والتفاعلية، وتعدد الوسائط.

ويقصد بالإعلام التفاعلي مجموعة من الخصائص والوسائط والخدمات الملحقة بأي وسيلة إعلامية مطبوعة أو مرئية أو إلكترونية تتيح للجمهور أن يتفاعل معها عن طريق المشاركة برأيه، إضافة إلى مشاركات الجمهور في البرامج المرئية والإذاعية، ومداخلاتهم في قاعات المحاضرات والندوات، وهي منتديات إلكترونية ملحقة بمواقع النشر الإلكتروني، أو مستقله بذاتها، وكثير من الفاعليات الإعلامية تدخل تحت هذه العناوين. 

ويُعدُّ العمل التطوعي من الوسائل المهمة في تنمية الولاء والانتماء للوطن، حيث يوثق علاقة الفرد بدينه ووطنه وينمي بداخله مبادئ وقيم إسلامية ووطنية وإنسانية نبيلة، فالعمل التطوعي هو المعيار الذي نقيس به مستوى التكافل والتعاون في المجتمع، فمن المعروف أن العطاء بلا مقابل سواء كان علمـًا أو جهدًا أو مالاً يعكس مدى ارتباط الفرد بمجتمعه وقضاياه وهمومه.

كما أن العمل التطوعي هو ما يبذله الفرد بعيدًا عن الفروض والواجبات والأعمال الوظيفية التي يحصل على مقابل لها، وهو بذلك من الأعمال المستحـّبة في الإسلام، والمستحـّب في الشريعة هو ما طلب الشرع فعله لا على سبيل الإلزام وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. إن العمل التطوعي قرار فردي ورائه دافع ذاتي لا يكون الفرد مجبرًا فيه على أمر بحد ذاته مما يشعر المتطوع بالنجاح مع كل خطوة يخطوها.

ولقد أسهم غياب الدور الإعلامي عن التوعية بأهمية التطوع وبمؤسساته وبالأدوار التي يمكن أن يقدمها للمجتمع في قلة الإقبال على التطوع، حيث نجد قلة البرامج والفعاليات الخاصة بالتطوع مما يحد من تفاعل وسائل الإعلام، كما نجد قلة مصادر المعلومات عن برامج التطوع ومجالاته وغيرها من المعلومات التي يمكن صياغتها على شكل مواد إخبارية إعلامية. في حين يعطي الإعلام التفاعلي فرصة اطلاع أكبر، ففي جلسة واحدة أمام الكمبيوتر يستطيع القارئ مطالعة عشرات المصادر الإعلامية من جميع أنحاء العالم، ومن دون تكلفة مالية، وهذا غير ممكن مع الإعلام التقليدي من حيث الوقت والتكلفة، وللمستخدم حرية الانتقاء والمقارنة من خلال الاطلاع السريع على العديد من المصادر متعددة الرؤى والخلفيات، ثم يستخلص لنفسه النتيجة التي يراها أقرب إلى الحقيقة من دون أن يتعرض لرؤية محددة تفرضها الحكومات أو الشركات المالكة لوسائل الإعلام.

   أن الاهتمام الإعلامي بالعمل التطوعي واجب وطني، ولا يمكن الاستغناء عن الإعلام التفاعلي في صوره المختلفة؛ فقد أصبح جزءًا أصيلاً من حياة قطاع عريض من المجتمع العربي، ولا بد من القيام بحملات إعلامية للتوعية بما تتضمن عناصر العمل التطوعي بداية من المفهوم والأهمية وإبراز قيم العمل التطوعي، ومرورًا بكيفية العمل التطوعي ومجالاته، وأخيرًا التجارب الناجحة في هذا المجال.

دور‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬تنشئة‭ ‬الطفل

إعلام الطفل، هو من أنواع الإعلام المعاصر المهمة، فعالم الطفل قابل للتشكيل بحسب الرغبات والأهداف المقصودة، وهو رهان كبير على المستقبل والحاضر إذ بامتلاكه والسيطرة على وعيه والتحكم في ميولاته يمكن امتلاك المستقبل والسيطرة عليه، فالطفل هو الغد القادم، وما يرسم هذا الغد هو نوعية التربية والتلقين لهذا الطفل في الحاضر، وما تتسم به البرامج الموجهة للطفل هو محاولة قضاء وقت الفراغ لدى الأطفال من دون تخطيط ودراسة كافية لكيفية الربط بين قضاء وقت الفراغ وتحقيق الاستفادة المرجوة، فتشبع الكثير من رغباته أي أنها وسيلة لتزويد الطفل بالمعلومات والأفكار والقيم ليس ذلك فحسب، بل تـُسهم في تشكيل لون من ألوان السلوك فتحدث تجاوب مع الوعي الحسي والحركي لديه، وتحدث استجابات معينة في إداركه، تُسهم فيما بعد في تشكيل وعيه وتصوره للأشياء من حوله؛ لأنه يختزنها وتصبح رصيده الثقافي والوجداني والشعوري.

ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة سحرها يفوق أي أداة إعلامية أخرى، وبخاصة في فنون العرض واستخدام المؤثرات السينمائية لأنها تجمع بين حاستي السمع والبصر والتي تُسهم في تدعيم الفكرة وتثبيتها في ذهن الطفل، فكلما زاد عدد الحواس التي تستخدم في تلقي فكرة معينة أدى ذلك إلى دعمها وتثبيتها في ذهن الطفل حسب الإتقان التقني والإبهار البصري الذي يتحول مع الوقت إلى إبهار معرفي وثقافي يجعل الطفل يتفاعل مع جل ما يصاحب المادة التلفزيونية من توجيهات وسلوكات التي لا يملك فيها رقابة ذاتية من وعيه وإدراكه وشعوره؛ لأنه في طور تكوين فكره عن الحياة وعمره لا يسمح له إلا حدود يسيرة التمييز بين الغثِّ والسمين والجميل والقبيح، فتراه أمام التلفزيون يتابع الأحداث بكل اهتمام وانتباه، ويكاد نفسه ينقطع إذا ما تأزم الموقف، ثم تنطلق صيحاته وتتحرك يداه بعفوية عند أي موقف مثير ناسيـًّا ما حوله ومـَن حوله، فتنمي الحسّ الجمالي إحساسـًا باللون والشكل والإيقاع الصوتي الجميل، وتناسق الحركة وملائمة أجزاء الصورة بعضها البعض، وتنمي الخيال بأنواعه القصصي والدرامي بالخروج عن الواقع إلى شخصيات لا تجدها في عالمنا، وأحداث لا يمكن أن تقع شرط ألا يكون مغرقـــًا سلبيـًّا لا يحمل قيمة، ولا يغرس فضيلة، فهو الذي يعطي الطفل الرؤى بعيدة المدى، وهو الذي يجعله يحلل ما يدور حوله من أحداث ومواقف، ويفعل عمليات التفكير العليا لديه، كالاستدلال والمقارنة والاستنتاج والتحليل والتركيب، والذي نفقده غالبـًا بسبب التركيز على مهارة واحدة وهي مهارة التذكر، وإهمال الفصحى إهمالاً كاملاً في البرامج المباشر منها وغير المباشرة سواء كان في ضعف إعداد المذيعين لغويـًّا، أو الرسوم المتحركة التي يتلقها الطفل بالعامية، وهو ما يصعب عليه اللغة الفصحى الصافية ويحجزه عن التجاوب الشعوري معها، فضلاً عن إنه يقلل من فـَهمه واستيعابه لما يقال ويكتب بها. 

إن البرامج الموجهة للأطفال يجب أن يخطط لها، وأن تكون هادفة، وإجراء تنسيق بين كافة الأجهزة والمؤسسات المسؤولة عن رعاية الطفل، مثل: «الأسرة والمدرسة والقائمين على إعداد البرامج التلفزيونية»، حيث إن هناك ندرة في المادة الكرتونية الهادفة المناسبة للأطفال، والقلة العددية في عدد ساعات البثّ، والتي تعتمد على النمطية وقلة التشويق والتوجيه المباشر في أغلب الأحيان، أضف إلى ذلك البرامج المستوردة وما تحتويه من مشاهد لا تليق بالطفل وتؤثر في سلوكه وأخلاقه، واحتوائها على مشاهد وإيحاءات جنسية، وانحرافات عقائدية، ومشاهد العنف والتي بدورها تثير العنف في سلوك بعض الأطفال، حيث إن تكرار أعمال العنف الجسمانية والأدوار التي تتصل بالجريمة تؤدي إلى تبلد الإحساس بالخطر وإلى قبول العنف كوسيلة استجابة تلقائية، ما يؤدي ذلك إلى اكتساب الأطفال سلوكات عدوانية مخيفة وإلى انحراف الأطفال، فبرامج الرسوم المتحركة لا يتمّ عرضها بمجرد وصفها رسومًا ملونة، بل بما تحويه من قيم ومفاهيم وأدوات درامية اختزنتها المسلسلات الكرتونية ويتقبلها الطفل كما هي، فالأقوى تعليمـًا والأكثر رسوخـًا في ذهن الطفل هو التعليم عبر الترفيه، فهو يعيش لحظات ممتعة بالنسبة له أمام شاشة صغيرة أجادت وتفننت بذلك. 

مصداقية‭ ‬الإعلام

في أوقات الأزمات والحروب كثيرًا ما تلتصق تهمة الكذب بالإعلام، وقد بدأ ذلك منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا ما جعل الخبراء يبحثون عن دور الإعلام في الأزمات، لأن دوره في الأوقات العادية يقتصر على مهمات واضحة ومحددة، منها: التثقيف والتوعية والتوجيه، لكن مجرد حدوث أزمة، فإن الإعلام يقع في المحظور ما بين التزامه بالمعايير الأخلاقية والمهنية التي تتطلب حرفية من وسائل الإعلام والقائمين عليها، وما بين تنفيذ الأجندات والأولويات لمالكي وسائله والقائمين على الاتصال.

ولرئيس الحكومة البريطانية «ونستون تشريشل» مقولة مبهرة، وهي: «إن الحقيقة في وقت الحرب ثمينة جدًّا لدرجة أن يتطلب حمايتها بحرس شخصي من الأكاذيب».

لكن الحقيقة لديها مقاييس عند مـَن يملكها، ويعتقد ما يجب أن يوّجه إلى الناس على أنه حقيقة، وبالتالي هو يعمل على بتر أجزاء من الحقيقة لإيصالها إلى الناس كما يريد، ومتى ما بُتر جزء من الحقيقة فهذا يؤثر في مصداقية القائم بالاتصال. 

وأهم أدوات الحروب الإعلامية، هي «الأخبار الزائفة»، حيث إن استخدام الأخبار الكاذبة بنيّة معينة من أجل تحقيق هدف محدد قديم العهد في الاجتماع السياسي للبشرية، ومن المهم التوقف عند النيـّة والغاية خلف الأخبار الكاذبة، ذلك أنه في بعض الحالات ما يبدو أخبار كاذبة قد يكون في الواقع «سخرية إخبارية»، وهذا النوع من السخرية يلجأ إلى المبالغة ويُدخل عناصر غير واقعية، وهدفه التسلية أو إيصال رسالة ما، وليس الخداع.

وهناك المضمون التدجيلي، ويعني اختلاق مصادر كاذبة أو انتحال صفة مصادر حقيقية.

ومن أنماط الأخبار الزائفة تلك التي تتعمد الربط الخاطئ بين مضمونها والعنوان الذي يتصدرها، فلا تكون هناك علاقة بينهما أبدًا. 

وتنشر المعلومات المضللة الخادعة من خلال الصحافة الورقية التقليدية ووسائل الإعلام الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، بقصد التضليل وإلحاق الضرر بجهة ما أو شخص ما وتحقيق مكاسب معينة.

ولإبعاد الشك عن الأخبار الكاذبة يلجأ صانعوها إلى ظاهرة «غسل الأخبار» وهي ظاهرة تشبه ظاهرة «غسل الأموال» التي تكون قائمة على أموال غير مشروعة المصدر ومحرمة، مثل: أموال السرقة والمخدرات والفدية، التي يتم تدويرها من خلال الاستثمار في مشاريع تجارية وعقارات كي تودع بعد ذلك في المصارف بصورة مشروعة.

من هنا فإن ظاهرة «غسل الأخبار» تقوم أولاً على صناعة أخبار زائفة يتم نشرها في وسائل إعلامية محدودة الانتشار وتدويرها بينها، إلى أن تتلقفها الوسائل الإعلامية الرسمية من خلال عملية إعادة النشر والنقل فتصبح معتمدة.

ويلجا صانعو الأخبار الكاذبة إلى هذا الأسلوب لإبعاد الشبهة عن المسائلة في حالة التحقيق معهم عن مدى صحة المعلومات والمصادر.

وعملية «غسل الأخبار» تستدعي تكوين خلايا عمل كبيرة يعهد إليها بتدوير الأخبار الزائفة، وهذه الخلايا تتكون من عدة أشخاص يمتلكون حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، غايتهم تضليل الرأي العام.

وهذا ما يفسر ملاحظة القارئ لأخبار تذاع وتنشر على الوسائل الإعلامية الرسمية تبدأ بعبارة «تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تويتر …».

ومما يفاقم من ظاهرة الأخبار الزائفة الاعتماد على شهود عيان وهميين، يبنى عليهم جلّ الخبر إن لم يكن كله، على الرغم من أن الشهود يجب أن يكونوا جزءًا من الخبر فقط. 

ولهذا نجد الإعلاميين يعارضون الاعتماد المكثف على الشهود، مشددين على ضرورة الفصل بين المراسلين والمندوبين الصحفيين، وبين الشهود، لأنهم يختلفون على مستوى المهنية والحرفية في نقل الحدث وسرد تفاصيله من موقعه.  

وشيء آخر لا يقل أهمية في موضوع الأخبار الزائفة، هي تلك المصادر التي يطلق عليها مجازًا «مصادر الشبح»، إذ يشمل هذا المفهوم كل خبر خال من اسم مصدر صريح  سواءً كان فردًا أو مؤسسة، ونقل أية معلومة من دون إرجاعها إلى مصدر صريح الاسم، وتندرج تحت ذلك إشارات من قبيل «مصدر موثوق» أو عبارات تقوم على البناء المجهول للفعل، مثل: «عُلِم أن»؛ لكن المصادر المجهولة كثيرًا ما تكون المفتاح الوحيد للكشف عن قصة كبيرة يقف خلفها الفساد، لا يفطن إليها سوى الصحفيين الأكفاء  مهنيـًّا وأخلاقيـًّا.

وإزاء تلك الظواهر الدخيلة على الإعلام الحر النزيه لا بد من تكثيف الوعي الإعلامي، واستخدام مهارة التفكير الناقد، وتدريب المتلقي على مهارة حـُسن الاختيار للمضامين الإعلامية والتفاعل والمشاركة في صياغة المحتويات الإعلامية الهادفة بما هو متاح أمامه اليوم من وسائل تكنولوجية واسعة الانتشار والتأثير. 

إنترنت‭ ‬الأشياء‭ .. ‬مؤسسات‭ ‬الإعلام‭ ‬والترفيه‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المستفيدين

تكنولوجيا «إنترنت الأشياء» (Internet of Things) التي يطلق عليها الاسم المختصر (IOT) أو الجيل الجديد من الإنترنت الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها وهو عبارة عن شبكة للأجهزة المادية، مضمنة فيها البرمجيات، وأجهزة الاستشعار، والمحركات، والوصلات التي تمكن هذه الأجهزة والمعدات من الاتصال وتبادل البيانات والتفاعل داخل البنية التحتية الحالية للإنترنت، فضلاً عن عمليات التحكم عن بُعد في عمل كافة الأجهزة وبكل أحجامها وأنواعها.

وبعبارة أخرى فإن إنترنت الأشياء، هي عبارة عن مزيج من أنواع مختلفة من الأجهزة الذكية التي يمكن التواصل فيما بينها، باستخدام عدة تقنيات، منها: «شبكة الاستشعار اللاسلكية (Wireless sensor network  WSN)، ومعرف الترددات الراديوية (Radio-frequency identification RFID)»، فضلاً عن البروتوكولات المعروفة مثل: «الواي فاي، والبلوتوث» وغيرها. 

هذه الشبكة ترسِل وتستقبل المعلومات فيما بينها، من دون الاعتماد على البشر في إمدادها بهذه المعلومات، بل يتم الحصول عليها من الوسط الخارجي عبر الحواس الاصطناعية أو ما يعرف بـ»المستشعرات الرقمية»، حيث يتم بناء عملية الاتصال عن طريق منصات معدّة باستخدام الحوسبة السحابية، حيث تستقبل المنصات البرمجية طلبات الأجهزة عن طريق الإنترنت وتتعامل معها، ويتم الاعتماد − أيضًا − على البيانات التي يتم جمعها لتسهيل عمليات اتخاذ القرار.

الأشياء مقصود بها مجموعة واسعة من الأنظمة، مثل: «أجهزة تشغيل الأجهزة المنزلية من تلفزيونات، وترفيه منزلي، وغسالات، وثلاجات، ومكيفات، وأدوات تأمين، وتصوير، وكاميرا رصد تحركات الحيوانات البرية والطيور، وأنظمة التحكم في السيارات وغيرها من المتحركات، وأجهزة التشغيل الميدانية التي تساعد رجال الإطفاء في عمليات البحث والإنقاذ وغير ذلك كثير», وتعتمد آلية عمل الشبكات بقيام الأدوات المدمجة في  الأجهزة بجمع بيانات التوجيه والإدارة ومن ثم تتدفق البيانات بشكل مستقل بين الأجهزة المختلفة.

وتمكن إنترنت الأشياء الإنسان من التحكّم بشكل فعاّل وسهل بالأشياء عن قرب وعن بُعد, فيستطيع المستخدم مثلاً تشغيل محرّك سيارته والتحكم فيها من بُعد من خلال أجهزته المحمولة، مثل الهاتف الجوال وغيره وبإمكان الأجهزة المتصلة بهذه السيارة  التنبيه للأعطال واستدعاء متخصص من ورشة صيانة السيارات والتراسل معه  عن بُعد للكشف عن المشكلة من دون حاجة لزيارة الورشة. كما تستطيع ربة المنزل التحكم في معدات المطبخ والتعرّف على محتويات الثلاجة عن بُعد، حيث يمكن لهذه الثلاجة التراسل مع مركز التسوق وشراء المستلزمات وتوصيلها بلا تدخل بشري.

تاريخيًا نوقش مفهوم شبكة الأجهزة الذكية في وقت مبكر منذ عام 1982م، في جامعة «كارنيجي ميلون» الأمريكية (Carnegie Mellon University) بتطوير ثلاجة بيع إحدى مشروبات الصودا المعروفة لتصبح بذلك أول أداة قادرة على الإبلاغ عن مخزونها وما إذا كانت المشروبات المحملة حديثــًا باردة, كذلك أسهمت ورقة «لمارك فايسر» (Mark Weiser) عام 1991م، بعنوان: «الكمبيوتر في القرن 21»، فضلاً عن جهات  أكاديمية، مثل: (UbiComp) و(PerCom) في طرح الرؤى المختلفة حول إنترنت الأشياء.

بين أعوام (1993 و1996م) اقترحت العديد من الشركات حلولاً تصب في تطور مفهوم إنترنت الأشياء قبل أن يظهر في شكله الحالي، مثل: ( Microsoft’s at Work أو Novell’s NEST) ومع ذلك، فقط في عام 1999م، بدأ هذا الحقل التكنولوجي الجديد في جذب الزخم إليه, ففي نفس العام طرح عالم الحاسوب الأمريكي  «بيل جوي» (Bill Joy) نظام الاتصال من جهاز لجهاز (Device to Device) كجزء من فكرة أطلق عليها (Six Webs) قدمها في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

مع ذلك يتفق كثيرون بأن مصطلح «إنترنت الأشياء» الذي صاغه العالم البريطاني «كيفن أشتون» (Kevin Ashton) أصبح شائعًا في عام 1999م، من خلال «مركز التعريف التلقائي» (Auto-ID Center) في معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا، وذلك لوصف نظام يتم فيه اتصال الإنترنت بالعالم المادي عبر مستشعرات موجودة في كل مكان. وكان «اشتون» شارك في تأسيس المركز المشار إليه، وكانت فكرته أن يتم ربط بعض الأجهزة الرقمية التي توجد حولنا كـالأدوات الكهرومنزلية بطريقة تسمح لنا بتعرّف حالاتها ومعلوماتها الدقيقة من دون الحاجة إلى أن نكون بالقرب منها.

في السنوات الأخيرة تطورت الرؤية حول تكنولوجيا إنترنت الأشياء بسبب تقارب التقنيات المتعددة، بما في ذلك الاتصالات اللاسلكية، وتقنيات التحليل الآني، وأجهزة الاستشعار، وتطور الأنظمة المدمجة، وغيرها من مستحدثات تصب في تطوير  عمليات التعرف والتواصل بين الأشياء المتقاربة بعضها البعض ومع غيرها، حيث يوجد اليوم عددًا غير محدودة من الأشياء والأجهزة المتصلة بالإنترنت، كل منها يتوقع ويستجيب ويتجاوب مع كل تفاعل ويجمع البيانات لتوفير رؤى قابلة للتنفيذ.

من خلال تطبيقات وتقنيات إنترنت الأشياء يمكن أن تعمل أجهزة التلفزيون مع أنظمة الصوت الذكية، ونظم المحتوى المتعدد (Over-the-top content OTT)، ونظم الإضاءة الذكية، ووحدات التحكم في الألعاب، على سبيل المثال، دخلت شبكة (Syfy TV) الأمريكية التي تملكها «إن بي سي يونفريسال» (NBC Universal) في شراكة مع شركة «فليبس للإلكترونيات» (Philips Elctoronic) لتطوير تقنية للإضاءة التزامنية الذكية, حيث يتيح تطبيق (Syfy Sync) للمستخدمين تنسيق ألوان الإضاءة مع مشاهد الأفلام التي يتابعونها على التلفزيون.

فضلاً عن ذلك، فإن تكنولوجيا إنترنت الأشياء  أحدثت  ثورة كبيرة في الألعاب الافتراضية وغيرها عبر الإنترنت، وذلك من خلال سد الفجوة المادية بين المنصة التي تنطلق منها الألعاب من جهة واللاعبين من جهة أخرى، فضلاً عن دمج المنصات الافتراضية عبر الإنترنت مع المنصات المادية على الأرض، مثل: أندية الألعاب وغيرها.

وواحدة من أهم استخدامات وسائل الإعلام لإنترنت الأشياء تتركز في عمليات التسويق بدراسة عادات المستهلكين، وذلك من خلال ما يطلق عليه الاستهداف السلوكي، حيث تقوم  الأجهزة بجمع  المعلومات عن ملايين الأشخاص المستهدفين, وباستخدام ملفات التعريف التي يتم إنشاؤها من خلال عملية الاستهداف يتم عرض الإعلانات بما يتماشى مع العادات المعروفة للمستهلك في الوقت والمكان المناسبين، وذلك لتحقيق أعلى تأثير عليه, كما يتم جمع مزيد من المعلومات عن طريق تتبع كيفية تفاعل المستهلكين مع المحتوى من خلال المتابعة الدقيقة لتصرفاتهم.

وقد بدأت بعض مؤسسات الإعلام بالفعل في تعزيز الرؤي تجاه جمهورها، وهي تعمل على دمج سلوك الاستهلاك والأذواق وردود الفعل مع المحتوى الإعلامي الذي تقدمه, فعلى سبيل المثال تستخدم مختبرات هيئة الإذاعة البريطانية (BBC Worldwide Labs) مع «كراوداموشن» (CrowdEmotion10)، وهي شركة ناشئة مقرها في لندن تقنية مسح الوجه لتتبع التغيرات التي تحدث في تعبيرات وجوه المشاهدين في الوقت الحقيقي, حيث تساعد التقنيات التي باتت متوافرة حاليًا على جمع ردود الفعل العاطفية الواعية واللاواعية، ومن خلال ذلك يقوم قسم الإعلانات في «بي بي سي» باستنتاج رؤى واضحة حول اتجاهات السوق، ليتم وفقًا لها بناء مقاييس الإعلانات وتوجيهه الوجهة الصحيحة.

لقد كانت وسائل كشف مقاييس استهلاك المحتوى المستندة إلى النماذج التقليدية التي تستخدمها المحطات التلفزيونية وشركات الإعلانات لتحديد مستوى المشاهدية (Viewership) لا تكشف إلا من يشاهد البرامج، ومتى تحدث المشاهدة؟ ولكن التطورات من خلال المستشعرات المتقدمة أصبحت تقترب رويدًا من الإجابة عن سؤال مهم، وهو: الكيفية التي بها تتم المشاهدة؟ حيث يمكن لأجهزة الاستشعار المتطورة  قياس التفاعلات المختلفة للمشاهد أو المستمع مع أنواع مختلفة من المحتوى والسياق الذي يتم فيه استهلاكه من برامج أو إعلانات أو غيرهما.

على ذلك ذهبت بعض شركات الإعلام إلى أبعد من ذلك وأسست معايير جديدة لاستغلال تحليل بياناتها بغرض تقديم خدمات إعلامية إضافية ومخصصة بناءً عليها,  على سبيل المثال، تعمل شركة الترفيه الإعلامي والموسيقي السويدية «سبتوفاي» (Spotify) على تحليل أوجه واتجاهات ومدى استهلاك المحتوى الخاص بها بناءً على مجموعة من  المقاييس، مثل: «طول وعمق الاستماع»، وذلك لتحديد المستمعين الذين يمكن أن  يكونوا أكثر عرضة بخمس مرات من المستمعين العاديين لإنفاق الأموال على الحفلات الموسيقية, ومع «سبتوفاي» تعمل شركة «نيتفليكس» العملاقة (Netflix) كخيول طروادة لإنترنت الأشياء، فهما تعملان عبر الأجهزة − من أجهزة التلفزيون والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والقابلة للارتداء. 

التوقعات تقول إنه في الشرق الأوسط وحده ستوجد إنترنت الأشياء سوقــًا بقيمة (100) مليار دولار، وتُسهم بنسبة تصل إلى (4%) من إجمالي الناتج المحلي سنوياً، وفقــًا لتقرير حديث أعدته شركة «مايكروماركت مونيتر» الأمريكية، فبحلول عام 2020م، سيكون حجم سوق إنترنت الأشياء أكبر من سوق الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب والأجهزة اللوحية مجتمعين بمقدار الضعفين، وسيستثمر قطاع الأعمال (250) مليار دولار في تقنيات إنترنت الأشياء خلال السنوات الخمس القادمة، وستذهب (90%) منها للاستثمار في الأنظمة والبرمجيات التي تشغل هذه الأجهزة.

هذا التقرير يدعمه آخر  من  «موبيليتي إريكسون» لمنطقة الشرق الأوسط يؤكد دور تقنيات إنترنت الأشياء في تعزيز عملية التحول الرقمي عبر كافة القطاعات والصناعات وإتاحة الإمكانات الهائلة لمشغلي خدمات الهاتف المتحرك في الشرق الأوسط وإفريقيا لتعزيز مصادر إيراداتها. 

فمن المتوقع أن ينمو عدد الاتصالات الخلوية بتقنية إنترنت الأشياء في الشرق الأوسط وإفريقيا من (35) مليون إلى (159) مليون خلال الفترة من (2017 − 2023م) بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي (30%). ما سيمكن المشغلين لاكتشاف فرص رقمية جديدة بما أن العالم بات اكثر اتصالاً، كما تشهد القطاعات المختلفة تحولاً جذريًا باتجاه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكذلك من المتوقع أن تبلغ عائدات قطاع الرقمنة بالارتكاز على تقنية الجيل الخامس في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا حوالي (242) مليار دولار خلال الفترة من (2016 − 2026م)، ما يعني بأن تكنولوجيا المعلومات والاتصال ستؤدي دورًا مهمًا في تبني تقنيات الرقمنة ودمجها في قطاعات محددة لتحقيق المزيد من الإيرادات.

هذه التوقعات تقول − أيضًا − إنه سيكون للتكنولوجيا الرقمية تأثير لا رجعة فيه على الشركات وستؤثر في القدرة التنافسية الإقليمية، حيث من المقرر أن تكون منطقة الخليج  في طليعة هذا التغيير, في الإمكانات التي ستوفرها إنترنت الأشياء تشمل توسيع الفرص وتعزيز سلسلة القيمة، حيث ستصبح في نهاية المطاف كل شركة هي في واقع الأمر عبارة عن شركة خدمات. 

أخيرًا يجب أن ننبه إلى أن فوائد التعامل مع إنترنت الأشياء لا يجب أن ينسينا مخاطرها، فعملية تبادل البيانات بين الأجهزة الذكية قد تؤثر في خصوصية الأفراد، وكذلك يمكن أن تؤثر في قضايا أخرى حساسة لها علاقة بالأمن والحماية؛ من الناحية التكنولوجية بشكل عام، وبأمن المستخدمين ومعلوماتهم الشخصية بشكل خاص، ومن هذه القضايا؛ عدم مراقبة الأجهزة التي تحتوي على مستشعرات بالشكل الصحيح، وكذلك عمليات التشويش المتعمَّدة، والتي يقوم بها بعض الأشخاص بهدف تعطيل أنظمة التواصل بين هذه الأجهزة الذكية بطريقة غير قانونية وبدوافع التخريب والعبث، وكذلك دراسة التهديدات التي تتعرض لها إنترنت الأشياء، وكذلك الآليات والتقنيات المتبعة لإحداث خلل والبحث عن الثغرات الموجودة في طبقات إنترنت الأشياء، وكذلك سيتم دراسة البنية التحتية وسجلات الملفات في إنترت الأشياء.

‮«‬فايس‮»‬‭ ‬عملاق‭ ‬جديد‭ ‬يصنع‭ ‬محتوى‭ ‬مختلف‭ ‬ويتمدد‭ ‬عالميًا‭ ‬وسط‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة

لزمن طويل ساد الإعلام الدولي أسماء امبراطوريات معروفة، مثل: «تايم وارنر، واكسل شبرنغر، وبرتلزمان، وديزني وغيرهم»، الآن دخلت وجوه جديدة تصنع محتوى جديدًا كليًا ويعرفها جيل الشباب، أسماء مثل: «فايس ميديا، ووبزفيد إنسايد إديشن، وفوكس وإم إي سي ميديا»، هم عمالقة جدد في الإعلام الدولي وبأحجام وتأثيرات واتجاهات مختلفة.

«فايس ميديا» (Vice Media) هي شركة كندية للإعلام الرقمي والبث، نشأت من مجلة «فايس» التي يوجد مقرها في مونتريال الكندية، وقد شارك في تأسيسها كل من: «سوروش الفي، وشين سميث، وغيفن ماكلين» الذي غادرها في عام 2008م، وكان اسم المجلة في الأصل (Voice of Montreal in) تأسست في عام 1994م، بدعم حكومي، وفي عام 1996م غير مؤسسوها اسمها إلى «فايس»، ثم انتقلت إلى نيويورك مع مالك جديد، إلى أن قام مؤسسوها باستعادتها في عام 2001م، ونقلوا مكتبها إلى بروكلين، ثم سرعان ما توسعت المجلة على الصعيد الدولي لتتمدد عبر القارات الخمس.

تنتشر «فايس ميديا» بشكل أساسي وسط الأجيال الشابة وتنشر موادها المختلفة في وسائل الإعلام الرقمية بخاصة عبر الإنترنت، وتركز على والوثائقيات والتقارير الاستقصائية المعمقة، فضلاً عن نشرات الأخبار، كما تملك الشركة استديو لإنتاج الأفلام، وعلامة تسجيل تجارية.

وتتنوع أعمال «فايس ميديا» عمومًا بين المنصات الإعلامية الرقمية والمحمولة والتلفزيونية وصناعة الأفلام مع التركيز على محتوى الأخبار والثقافة عمومًا، كما تُعد منتجًا رائدًا لمحتوى الفيديو الحائز على الجوائز، مما يجعلها تصل إلى الشباب عبر مختلف منصاتها الإعلامية المتاحة ضمن شبكة عالمية متنامية.

فضلاً عن ذلك، تركز «فايس» على مسلسلات الويب (Web series)، التي  ظهرت لأول مرة في أواخر التسعينيات من القرن الماضي وأصبحت أكثر بروزًا في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وهي تتطور بشكل واسع ويحصل بعضها على شهرة كبيرة، ومنها: «هاوس أوف كاردس» (House of Cards) و»أريستد ديفلوبمنت» (Arrested Development) و»هيلموك غروف» (Hemlock Grove)، وقد عرضت جميعها من خلال «نتفليكس».

فيما يخص النشاط الإخباري تبث «فايس ميديا» برنامجين إخباريين، أحدهما «أخبار فايس» (Vice News) الذي ينشط على قناة «فايس ميديا» في موقع «يوتيوب»، أما الثاني فهو باسم (Vice News Tonight) الذي يتم تقديمه من خلال تلفزيون «إتش بي» أو (HBO)، وقد بادرت به «فايس ميديا» لأول مرة في 10 أكتوبر 2016م، كعرض مسائي للأخبار العالمية والتكنولوجيا والبيئة والاقتصاد وغيرها من الاهتمامات العامة.

تركز «فايس نيوز» على تغطية الأحداث التي قد لا تكون مغطاة بواسطة مصادر الأخبار الأخرى، وتقوم بتحديث المحتوى الإخباري يوميًا، وتنشر مقالات وتقارير متنوعة في القضايا المختلفة، وتبث مقاطع فيديو على موقعها عبر شبكة الإنترنت وقناتها في «يوتيوب».

فضلاً عن ذلك، تبث «إتش بي» منذ 5 أبريل 2013م، سلسلة «فايس الوثائقية» التي أسسها «شين سميث» وينتجها «بيل ماهر»، مع الصحافي المعروف في «سي إن إن» فريد زكريا كمستشار، وهذه السلسلة التي تعرض على تلفزيون «إتش بي» تغطي مواضيع متنوعة ومثيرة للجدل من أنحاء العالم المختلفة وتستخدم أسلوبًا مبتكرًا في صناعة الأفلام الوثائقية، وقد حصلت في عام 2014م على واحدة من جوائز «إيمي» الأمريكية (Emmy Award) التي تُمنح للمسلسلات والبرامج التلفزيونية المختلفة.

في عام 2006م، وبناءً على نصيحة المخرج المبدع «سبايك جونز»، بدأت «فايس ميديا» بالتوسع في مجال الفيديو الرقمي، فقامت بإطلاق خدمة جديدة باسم تلفزيون «في بي إس» (VBS.tv) كمشروع مشترك مع شبكة «إم تي في» (MTV Networks)، وقد اكتسبت هذه الخدمة الرقمية شعبية واسعة وقاعدة معجبين عريضة بعروض، مثل: (Vice Guide To Travel) و(Toxic).

بعد ذلك بعام، بدأت «فايس ميديا» في التوسع بقوة في تشغيل الفيديو الرقمي، وإطلاق قنوات جديدة، مثل: قناة (Motherboard) المتخصصة في مجال التكنولوجيا، وقناة (Noisey) التي تركز على الموسيقى، فضلاً عن مشروع المبدعين (The Creators Project)، وهو موقع للفنون والتكنولوجيا تأسست بالشراكة مع شركة «إنتل» العملاقة في مجال تقنيات وشرائح الكمبيوتر، ثم أُلحقت هذه القنوات بمجموعة آخرى لاحقة، مثل: (Thump) المتخصصة في ثقافة الموسيقى الإلكترونية، و(Munchies) القناة المتخصصة في الطعام، وقناة الرياضة (Vice Sports) فضلاً عن قناة الأخبار التي أشرنا إليها.

عملت «فايس ميديا» كذلك على تطوير منظومتها التلفزيونية، فأسست «فايس لاند» (Viceland) وهي شبكة كيبل لقنوات تلفزيونية تتميز بالبرامج الوثائقية  الموجهة إلى جيل الألفية، وعلى الرغم من هذا التوجه إلا أن هذه الخدمة تم إيقافها في مارس 2018م، بسبب انخفاض نسبة المشاهدة.

وتعمل «فايس ميديا» على تطوير أفلامها الوثائقية وغيرها، من خلال شركتها «أفلام فايس» (Vice Films)، حيث وجد عدد من إنتاجها اهتمامًا من قبل المهرجانات السينمائية الأمريكية والدولية الكبرى،  فقد حصل «كاتر هوديرن» (Cutter Hodierne) على جائزة أفضل مخرج في مهرجان «صاندانس» السينمائي عام 2014م، عن فيلم «صيد بدون شباك»، كما حصل فيلم الخيال العلمي «الدفعة السيئة»، على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2016م.

تسعى «فايس ميديا» بشكل مستمر للاستحواذ على شركات الإعلام، كما ترتبط بعلاقات شراكة مع شركات إقليمية من أجل توسيع عملياتها العالمية، وهي تعمل على الانتشار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقامت بتوقيع شراكة في عام  2017م مع «مجموعة موبي» الإعلامية (Moby Group) حتى تؤسس حضورها في المنطقة العربية.

وتعتبر «فايس ميديا» توسعها نحو منطقتنا العربية الخطوة الأحدث ضمن إطار جهودها المستمرة للنمو العالمي، والتي تتواصل مع إطلاقها شبكات «فايس لاند» وغيرها من الشراكات الآخرى متعددة المنصات مع العديد من الشركات العالمية الرائدة في مجال الخدمات الإعلامية الرقمية وعبر الهواتف المحمولة حول العالم. 

وتقول «فايس»: «إن هذا التوسع المنطلق من دبي إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يأتي في الوقت الأمثل بالتزامن مع توجه العلامات التجارية وشركات الإعلام والحكومات في العالم العربي للتواصل بشكل أفضل مع الشباب العربي المتمرس باستخدام التكنولوجيا»، فقد كشف تقرير «نظرة على الإعلام العربي» في عام 2016م، أن سوق الإعلام الرقمي العربي تنمو بمعدل (17%) سنويًا، وأن الأفراد من دون سن (24) يشكلون قرابة (50%) من سكان المنطقة.

وتنشط «فايس» في المنطقة العربية، من خلال الاسم (VICE Arabia)، وعدد من القنوات، منها:  «أخبار فايس عربية الصباحية» التي تنشر  في موقع القناة (vice.com./ar) مع التقارير الاستقصائية والوثائقيات والآراء واستطلاعات الرأي، وهي تعمل على توسيع عملياتها في جميع أنحاء المنطقة، وهي توفر مزيجًا من برامج الفيديو المنتجة محليًا ودوليًا، فضلاً عن المحتوى التحريري والاجتماعي الذي يستهدف الشباب من سكان المنطقة.

وبالعودة إلى وثائقياتها، تعتبر تجربة «فايس» في كوريا الشمالية واحدة من أهم التجارب التي مر بها منتجوها, فعندما وصل مراسلها ريان دوفي إلى العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ في مارس من عام 2013م، لم يتم استقباله هو وطاقمه بحرارة بل بفتور واضح، فهذه البلاد لا تحب الكاميرات الغريبة، يقول دوفي: «كنا في الحافلة من المطار إلى الفندق، وجلس أحد المراقبين بجواري ومعي منتج فايس، وقال لنا:  أعرف من أنتم، أنا لا أحبكم، ولا أحب شركتكم»، مع ذلك ومع كل الصعوبات التي واجهت الفريق خرجت «فايس» بواحد من أهم الوثائقيات عن هذا البلد.

تجربة آخرى هامة خاضتها «فايس» في معاقل كارتيلات المخدرات، ولعدة سنوات ظلت ترسل مراسليها للتحدث مع خبراء السياسة، والتجار، والمتعاطين، والمصنعين، وكل شخص آخر لديه علاقة بهذا العالم السري الذي تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد والمخابرات، المراسلون لم يكتفوا بالشهادات التي يسهل الحصول عليها، بل جازفوا بالوصول إلى أماكن خطرة للغاية وعايشوا الحياة كما هي في أفغانستان وكولومبيا في المزارع والمصانع الخفية التي يتم فيها تصنيع وتعبئة السموم البيضاء، هذه هي الصحافة الجديدة.

تهديد‭ ‬للصحافيين‭ ‬التقليديين‭ ‬أم‭ ‬دعم‭ ‬تكنولوجي‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد؟

في «الصحافة الروبوتية» (Robot journalism) أو «صحافة الروبو» (Robo journalism)، أو «الصحافة المؤتمتة» (Automated journalism) والمعروفة − أيضًا − باسم «الصحافة الخوارزمية» (Algorithmic journalism) تنتج الأخبار بوساطة برامج الذكاء الصناعي، بمعنى أن ذلك يتم تلقائيًّا بوساطة الآلات بدلاً من المراسلين البشريين، حيث تقوم هذه البرامج بتفسير البيانات وتنظيمها وعرضها بطرق يمكن قراءتها بوساطة الإنسان.

في العادة تتضمن عملية الأتمتة الصحفية خوارزمية تقوم بمسح كميات كبيرة من البيانات المتوافرة، وتختار من مجموعة متنوعة من تراكيب المقالات المبرمجة مسبقًا والنقاط الرئيسية للأوامر، ثم تقوم بإدراج التفاصيل، مثل: «الأسماء، والأماكن، والمبالغ، والتصنيفات، والإحصاءات وغيرها من معطيات»، كما يمكن
− أيضًا − تخصيص العرض الصوتي ليلائم صوتـًا أو نغمة أو أسلوبًا معينـًا للقراءة.

ويعمل عدد من شركات علوم البيانات والذكاء الصناعي، مثل:
(Automated Insights)، و( Narrative Science، وYseop) بتطوير هذه الخوارزميات وتقديمها إلى المؤسسات الإعلامية التي أصبح بعضها يعتمد إلى حدٍّ كبير على هذه التكنولوجيا في إنتاج التقارير والقصص الإخبارية. 

في عام 2006م، أعلنت «طومسون رويترز» عن تحولها إلى التشغيل الآلي لإنتاج قصص إخبارية مالية على نظامها الإخباري عبر الإنترنت، ومنذ عام 2016م، برز عدد من المؤسسات الإعلامية العملاقة التي أدخلت تكنولوجيا الصحافة الروبوتية في عمليات الإنتاج وعلى رأسها وكالة «أسوشيتد برس» وصحف «لوس أنجلوس تايمز «، و»نيويورك تايمز»، و»واشنطن بوست»، و»هيئة الإذاعة البريطانية»، ومجلة «فوربس» وغيرها.

ومن النجاحات المثيرة في هذا المجال أن صحيفة «تشاينا دايلي» الصينية استخدمت روبوت أطلقت عليه اسم «شياو نان» (Xiao Nan)، وأنتجت به  أول مقالة صحافية ليصبح أول صحافي روبوت رسميًّا في العالم يتمكن من إنجاز المهمة الموكلة إليه، وهو قادر على كتابة مقالات صحافية بمعدل (300) رمز كتابي في ظرف ثانية واحدة فقط.

ووفقـًا للبروفسيور «لوان شياو جون»، الأستاذ بجامعة بكين الذي قاد فريق دراسة هذا الروبوت وتطويره، فإن «شياو» قادر على كتابة القصص القصيرة والتقارير الطويلة, وأنه  بالمقارنة مع المراسلين البشريين، فإنه يمتلك القدرة على تحليل البيانات بشكل أقوى، فضلاً عن تفوقه عليهم في سرعة كتابة القصص الإخبارية.

وقد بدأت وكالة «الأسوشيتد برس» الأمريكية للأنباء في أتمتة صناعة المحتوى الأخباري في عام 2013م، بجمع المعلومات، وإنتاج القصص الصحفية، وهي تستخدم حاليًا نظام الأخبار (News Whip) لاستباق القصص الإخبارية التي تنشرها وسائل الإعلام الاجتماعية.

شركة «غوغل» من جانبها تعمل على دفع مشروعها الخاص بصحافة الروبوت إلى الأمام, ففي يونيو 2017م أعلنت وكالة الأنباء الوطنية في المملكة المتحدة «برس أسوسيشين» (Press Association) أنها تلقت مبلغ (706) ألف يورو لمبادرتها التي أطلقت عليها اسم «رادار» (RADAR) (Reporters And Data And Robots) من مبادرة «غوغل للأخبار الرقمية» (DNI) (Google’s Digital News Initiative) حيث ستتولى أجهزة الكمبيوتر مهمة كتابة (30) ألف قصة صحفية شهريًّا لوسائل الإعلام المحلية في إنجلترا وإيرلندا في إطار برامج دعم مشاريع تطوير رقمنة الصحافة في أوروبا.

وتقول «كورينا أندروود» في مقال نشرته بموقع «تكنوايمرجنس» في مطلع هذا العام 2018م: إن موقع «ياهو» العملاق اعتمد في تغطيته لأخبار الرياضة على الصحافة المؤتمتة، لذلك كانت صحافة الروبوتر تركز على أخبار الرياضة والتمويل. 

وعلى الرغم من تراجع الشركة خلال العشر سنوات الأخيرة وبيعها لشركة الاتصالات العملاقة «فيريزون» (Verizon)، إلا أن موقع «ياهو» مازال يحظى بمتابعة هائلة، وهو يدعي بأنه من خلال توليد محتوى من المقالات والتقارير ورسائل البريد الإلكتروني مع معلومات عن فرق رياضية معينة أو فرق رياضية خيالية، فإنه قادر على إصابة عصفورين بحجر واحد كما يلي:

أولاً: تجذب «ياهو» القراء للبقاء لوقت أطول مع مادة إعلامية غنية تعتمد على المعلومات الرياضية.

ثانيًا: يبحث المعلنون بفارغ الصبر عن المواد الجاذبة، ويرغبون في إنفاق مزيد من الأموال على الإعلانات التي ستزيد من عدد المشاهدين. 

في اليابان تعاونت صحيفة «شينانو ماينيتشي شيمبون» (The Shinano Mainichi Shimbun) مع شركة «فوجيتسو» (Fujitsu)، أكبر شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات في اليابان لتطوير نظام روبوتي ينتج تلقائيًّا مئات الملخصات لمقالات إخبارية، وذلك في وقت وجيز جدًّا لنشرها عبر مجموعة من المنصات الإعلامية، وهي مهمة كانت تستغرق ما يصل إلى خمس دقائق لكل مقالة.

تطبيق آخر تستخدمه هيئة الإذاعة البريطانية منذ عام 2012م، وهو عبارة عن  أداة لاستخلاص البيانات باسم (Juicer) تقوم بمراقبة خلاصات الأخبار (RSS) من حوالي (850) منفذ إخباري عالمي ومقتطفات من مقالات إخبارية من الـ»بي بي سي» نفسها, ثم تقوم الأداة بتحديد العلامات الدلالية إلى القصص الإخبارية وتنظمها في واحدة من أربع فئات: «المنظمات، والمواقع، والأشخاص والأشياء», وهي بذلك تساعد الصحفي الذي يبحث عن أحدث القصص، على سبيل المثال عن الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» أو المقالات المرتبطة، بعدها تقوم  الأداة الروبوتوية بالبحث السريع في شبكة الإنترنت لتقدم قائمة بالمحتويات ذات الصلة بموضوع البحث.

في عام 2015م، طبقت «نيويورك تايمز» مشروعها التجريبي للذكاء الصناعي المعروف باسم المحرر (Editor) وقد كان الهدف من المشروع تبسيط العمل الصحفي، فعند كتابة مقالة مثلاً: يمكن للصحفي استخدام علامات الدلالية لتمييز عبارة ما، أو عنوان، أو نقاط رئيسية في النص، وبمرور الوقت يمكن للكمبيوتر التعرف على هذه العلامات، وبالتالي تعرّف الأجزاء الأكثر أهمية من أي مقال، وذلك من خلال البحث في البيانات المختلفة واستخراج المعلومات استنادًا إلى الفئات المطلوبة، مثل: «الأحداث والأشخاص والمواقع والتواريخ»، بحيث يمكن للمحرر تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتبسيط عملية البحث وتوفير الفحص السريع والدقيق للحقائق.

كذلك استخدمت صحيفة «واشنطن بوست» الروبوت مبكرًا في إنتاج الأخبار  وتوزيعها عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في  دورة الألعاب الأولمبية في «ريودي جانيرو» عام  2016م، بوساطة نظام «هليوغراف» (Heliograf)، الذي تم تطويره داخليًا، وهو ينتج تلقائيًّا تحديثات قصيرة للأخبار، وقد استمرت الصحيفة في استخدام النظام الروبوتي في صناعة الأخبار في مواضيع مختلفة. 

في نفس عام 2016م، عملت «رويترز» مع شركة «غرافيك للتكنولوجيا الدلالية» لتزويد ناشري الأخبار بمجموعة واسعة من بيانات «الإنفوغرافيك» التفاعلية المجانية لمجموعة متنوعة من الموضوعات بما في ذلك الترفيه والرياضة والأخبار، وهذه المواد التفاعلية يتم تحديثها في الوقت الفعلي، حيث يمكن الوصول إليها عبر منصة «رويترز» (Open Media Express). 

كذلك أطلقت صحيفة «الغارديان»، في العام 2016م نفسه، برنامجًا روبوتيًّا باسم «شاتبوت» (Chatbot) يعمل من خلال منصات «فيسبوك» لتوفير الوقت للاطلاع على المقالات الإخبارية أو البحث عنها، وهو يسمح للمستخدمين بالاختيار من النسخة الأمريكية والبريطانية والأسترالية لمتابعة الأخبار وعناوين الموضوعات المختلفة في الرياضة والفنون والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث يُعدُّ تمثيل البيانات طريقة فعالة لتقديم معلومات معقدة في شكل سريع القراءة وسهل الفهم.

وينظر إلى الصحافة الروبوتية في بعض الأحيان على أنها فرصة لتحرير الصحفيين من عمليات إنتاج التقارير الروتينية، مما يوفر لهم مزيدًا من الوقت للقيام بالمهام المعقدة، كما أنها  تخفض التكاليف وبعض الأعباء المالية التي تواجهها العديد من المؤسسات الإخبارية، وبعض هذه المؤسسات كأنه يرسل رسالة للصحفيين يقول لهم فيها: إن أولئك الذين لم يطوروا أنفسهم سوف ينتهون، وسيسحقهم الروبوت، فهو أكثر إنتاجية وأكثر دقة، كما أنه لن يمرض، ولن يطالب بإجازات سنوية، ولن يضيع الوقت في الأكل والشرب والثرثرة مع زملاء العمل.

مع ذلك هناك مَن ينتقد جودة الأخبار التي تنتجها الروبوتات من ناحية الدقة والمصداقية، فعلى سبيل المثال؛ فقد نشرت صحيفة «لوس انجليس تايمز» عام 2014م تقريرًا روبوتيًّا عن زلزال وقع بالقرب من ساحل كاليفورنيا بقوة (6.8) درجة، وكان ذلك ليس دقيقًا تمامًا، فقد سجله الماسح الجيولوجي الأميركي عن طريق الخطأ.

في ذلك أوضح «أليكسيس أوهانيان»، المؤسس المشارك لموقع «ريدت» (Reddit) المتخصص في الأخبار، خلال قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب التي عُقدت في دبي خلال شهر مارس 2015م، أن الروبوت يمكنه كتابة الخبر العادي الذي تكون معلوماته محددة، لكن بالنسبة للموضوعات التي تحتاج إلى استكشاف وتقصي فإن الأمر يتطلب عقلاً بشريًّا ذكيًّا يكون قادرًا على التقاط التفاصيل. 

ونظرًا للطبيعة المركبة للأتمتة، فإنه يتم استخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة بشكل أساسي في معالجة القصص المبنية على الإحصائيات والأرقام، مثل: «خلاصات الرياضة، وأخبار الطقس، والتقارير المالية، والتحليل العقاري، وأخبار الأسهم وغير ذلك».

أخيرًا، ومع أن صحافة الربوت تحمل في طياتها كثيرًا من التهديد للصحافيين، إلا أنها تحمل − أيضًا − آفاق الأمل للصحفيين محدودي المهارة الذين يعتمدون بشكل كبير على الأجهزة التكنولوجية في إكمال مهامهم الصحفية، حيث سيعمل هؤلاء في مساعدة الروبوتات داخل غرف الأخبار، فيما سيتولى الأكفاء من الصحفيين الأعمال الصحفية الميدانية وغيرها التي تحتاج إلى مهارات وخبرات عالية.

فرص‭ ‬جديدة‭ ‬وتغير‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الإعلان‭ ‬والترويج‭ ‬والتسويق

يبحث المعلنون عن أفضل الطرق لحملاتهم التسويقية وتطوير المعرفة المتعمقة عن اتجاهات السوق والعملاء، مـَن هم؟ وما احتياجاتهم المختلفة؟ وهذه المعرفة تؤدي بلا شك إلى فهم عميق لمحفزات الشراء, فضلاً عن تطوير طرق الإعلان، ومؤخرًا برزت تطبيقات الواقعين الافتراضي والمعزز كأفضل الوسائل المستحدثة التي تقود هذا المجال إلى الأمام وتحقق له مزيدًا من التطور غير المسبوق.

ويوفر الواقع المعزز على وجه الخصوص فرصة فريدة للتواصل مع العملاء بطرق لا يمكن للوسائل التقليدية، مثل: «الصحف، والإذاعة، والتلفزيون» وغيرها إنجازها، حيث يمكن للعلامات التجارية التي تستثمر في الحملات التفاعلية أن تصل بسرعة إلى عدد كبير من المستهلكين، وتتواصل بقوة مع المشترين المحتملين، وتحفز المستخدمين بسهولة أكبر على التفاعل مع علاماتهم التجارية وبشكل متكرر.

يمكن فـَهم الواقع الافتراضي بشكل أولي بأنه بيئة محاكاة تفاعلية تحدث فيها حالة استغراق كاملة لمستخدمها لتمثل تجسيدًا للواقع غير الحقيقي الذي يكون فيه المستخدم محاطـًا بشكل تام بعالم مصطنع متعدد الأبعاد من خلال برامج الكمبيوتر. أما مفهومه فيستند إلى الأفكار والأدبيات المختلفة حول رغبة الإنسان في الهروب من حدود العالم الحقيقي إلى آخر خيالي، وطالما كان الإنسان قادرًا على أن يندمج في بيئة افتراضية يتخيلها أو تصنعها له الآلة، فسيجد نفسه منساقـًا تمامـًا إلى عوالم خيالية وغارقـًا في مكوناتها المختلفة ومندمجـًا معها في كافة حركاتها وسكناتها.

الواقع المعزز يحاكي الكائنات الاصطناعية في البيئة الحقيقية، حيث يستخدم الكمبيوتر أجهزة الاستشعار والخوارزميات لتحديد موقف وتوجه الكاميرا. أما الواقع الافتراضي فهو يستلزم حدوث الاستغراق الكامل في البيئة الافتراضية، وفي حين أن الواقع الافتراضي يضع المستخدم داخل بيئة الكمبيوتر المصنوعة تمامـًا، فإن الواقع المعزز يعمل على تقديم المعلومات التي يتمُّ تسجيلها مباشرة في البيئة المادية.

وأقرب نموذج لـِفـَهم الواقع المعزز هو لعبة «بوكيمون غو» (Pokémon Go) التي تمَّ تطويرها من قبل شركة «نيانتيك» التي تستخدم نظام التموضع العالمي وتسمح لمستخدميها بالتقاط وقتال وتدريب كائنات افتراضية تدعى البوكيمونات، والتي تظهر على شاشات الأجهزة وكأنها موجودة في العالم الواقعي. 

وللواقع الافتراضي والمعزز مجموعة واسعة من التطبيقات مثل: «الألعاب، والتعليم، والإعلام، والترفيه، والفنون، والإعلان، والسياحة، والرياضة، والطب والرعاية الصحية، والهندسة بتطبيقاتها المختلفة بخاصة المعمارية والتصميم الداخلي، والتطبيقات العسكرية»، وغيرها كثير.

ويتطور توظيف استخدام الواقع الافتراضي والواقع المعزز في مجالي الإعلان والترويج التجاري للسلع والخدمات، فواحدة من المزايا الرئيسية لهذه التكنولوجيا الجاذبة في هذا المجال، قدرتها على وضع المشاهد في أماكن من غير المرجح أن يكون قادرًا على زيارتها بجسده، إما لأنها بعيدة جدًّا، خيالية ولا توجد في الواقع، مكلفة للغاية، خطرة، خارج الحدود، أو لمجرد أنه لا يحب السفر بالطيران أو بغيره.

هذا التطور في استخدامات التطبيقين أتاح لشركات الإعلان أن تمكن أي شخص من تسلق جبال «إيفرست»، واستكشاف الصحراء الكبرى في إفريقيا، وركوب جندول في مدينة البندقية الإيطالية، بل وأن يجرب المبيت في غرفة فندقية، قبل ان يقدم على قرار السفر إلى هذه الجهة أو تلك، فمنح أي شخص فرصة استكشاف تجربة جديدة قبل أي قرار للسفر أو الانتقال من مكان إلى آخر، يمثل قيمة عالية بالنسبة لقطاع السياحة والنقل والضيافة، على سبيل المثال لا الحصر.

ويتضمن جانب كبير من القوة التفاعلية للواقع المعزز «الاستهداف الجغرافي» (Geotargeting), وهذه الإمكانية أصبحت ممكنة بفضل توافر بيانات (GPS) التي يتمُّ جمعها من الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة الأخرى، يطلق عليها − أيضـًا − التسويق الجغرافي والتسويق عبر الإنترنت وهي طريقة تحديد الموقع الجغرافي لزائر موقع الويب وتقديم محتوى مختلف إلى ذلك الزائر استنادًا إلى موقعه، ويشمل هذا البلد أو المنطقة الولاية أو المدينة أو الرمز البريدي أو المنظمة أو عنوان (IP) أو (ISP) أو معايير أخرى.

مثال آخر يتصل بالتسوق، فقبل إجراء أي عملية شراء، يمكن للمشترين استخدام الواقع المعزز للحصول على فكرة أفضل عن المنتج قبل شرائه، كما يمكنهم الاطلاع على تعليقات عن نفس المنتج والعلامة التجارية التي يحملها، حيث يضيف الواقع الافتراضي بـُعدًا إضافيـًّا للاختيار بين المنتجات، وذلك من خلال تعزيز المحتوى الإعلاني المرئي الذي يوفر معلومات عن المنتج بطريقة تمنح العلامات التجارية مزيدًا من الطرق للتواصل مع المشترين.

وقد دفعت ميزات الواقع المعزز في مجال الإعلان شركات، مثل: «أيكيا» (IKEA)، و»واي فير» (WAYFAIR)، وغيرها إلى تطوير أنظمة متقدمة للترويج تسمح للمستهلك باستكشاف تفاصل منتجاتها، وذلك بتقديم فكرة أفضل عن مدى تناسب المنتج من حيث الحجم واللون وغير ذلك مع منازل المستهلكين، فضلاً عن إمكانية حصول المستهلك على نظرة تفصيلية للمنتج عن بُعد.

كذلك طورت العديد من شركات التصميم العقاري تطبيقات تسمح للمشترين، أو المؤجرين المحتملين بالقيام بجولة افتراضية في نماذج لتصاميم بناء مقترحة أو جاهزة، وهو ما يمكن المعماريين وغيرهم من اختبار التصاميم التي يعملون عليها قبل أن يتمَّ بناؤها، حيث إن رؤية التصميم في الواقع المعزز يمكن أن يقدم للمعماري رؤية مقربة للمساحة والإضاءة وغيرها. 

وفضلاً عن التكاليف الهائلة التي يدفعها المنتجون ومقدمو الخدمات في التعريف بمنتجاتهم والترويج لخدماتهم من خلال المنشورات والمطويات التي ترسل إلى البيوت، أصبح بالإمكان تصميم نسخة افتراضية لمركز تجاري أو عيادة طبية أو معرض إنتاجي ليتجول المشترون في أركانه المختلفة، كما يمكنهم إجراء عروض إعلانية تفاعلية للسلع والخدمات المختلفة. 

كذلك تسمح تطبيقات الواقع الافتراضي والمعزز للشركات المنتجة للعلامات التجارية بتغيير المحتوى الإعلاني بشكل مستمر، وهذا الأمر يؤدي إلى أن يصبح المنتج أو السلعة أو الخدمة قناة اتصال حية ومتجددة المحتوى في حد ذاتها، وهو ما قد يشجع المستهلكين على العودة إلى نفس المنتج مرة أخرى، بخاصة إذا كان هذا التجديد يتم بشكل أكثر جاذبية وتفاعلية وقدرة على إبقاء المستهلك على اطلاع دائم على التحديثات أو الإضافات التي حدثت للمنتج أو السلعة والخدمات، ويتم ذلك وفق مبادئ الإدارة التفاعلية لمحتوى المنتج (Interactive Product Content Management) والتي تطور طريقة عرض أي منتج صناعي أو خدمة أو سلعة بطريقة تفاعلية بنقل فكرة «كتالوغ» عرض البضائع التقليدي من النسخة الورقية إلى «كتالوغ إلكتروني» تفاعلي ومدعم بالروابط التشعبية، بحيث يسمح بعرض خواص المنتج بطريقة ثلاثية الأبعاد.

فضلاً عن ذلك فإن تجربة الاستغراق الكاملة في العالم الخيالي تمنح المنتجين فرصـًا غير مسبوقة للترويج لمنتجاتهم  بطريقة جديدة، فقد استخدمت شركة سيارات «بي إم دبليو» (BMW) فيديو بالواقع الافتراضي لسباقات سيارات يمرُّ أثناء متابعته بحالة استغراقية تامة في أجواء السباقات، كما أنتجت شركة الاتصالات الأمريكية «أيه تي أند تي» (AT & T) شريط فيديو يحاكي بشكل تفاعلي حادث سيارة بكل تفاصيله المؤلمة كرسالة توعوية توضح خطورة استخدام الهواتف المحمولة أثناء قيادة السيارة.

ومن الشركات التي بادرت مبكرًا باستخدام الواقع الافتراضي والمعزز في الإعلانات عن منتجاتها شركة «جنرال إلكتريك الأمريكية»، وذلك من خلال التطبيق الخاص بصحيفة «نيويورك تايمز» (New York Times VR App) − أيضـًا − فعلت ذلك شركة «نايك» (Nike) للمنتجات الرياضية التي قدمت لاعب كرة القدم البرازيلي «نيمار دا سيلفا»، وهو يقوم بعرض بالواقع الافتراضي ويسجل هدفـًا لفريقه الوطني، أما شركة «تويوتا» اليابانية لصناعة السيارات إذ كانت عرضت فيديو بالواقع الافتراضي لتنبيه الشباب إلى خطورة عدم التركيز أثناء القيادة ضمن حملة بعنوان: (Teen Drive 365).

وتستخدم المنظمات الدولية، مثل: «منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، واليونيسيف (UNICEF)، والصندوق العالمي للطبيعة (World Fund for Nature)» تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز في دعم القضايا والمشاريع الاجتماعية والسياسية والبيئية، وذلك بغرض جعلها أكثر قربـًا إلى الجمهور وبطرق تفاعلية استغراقية ليس من الممكن إنجازها بوسائل الإعلام التقليدية.

ويتطلب الإعلان الناجح بتقنيات وفنيات ووفق مفاهيم الواقع الافتراضي والمعزز فـَهما دقيقـًا، حيث يكون بحاجة لعمليات تخطيط مسبقة متعددة الجوانب، وذلك بسبب تعقيدات إنتاج المواد الفيلمية وتعدد عمليات ما بعد الإنتاج، فضلاً عن  ضرورة النظر بعناية فائقة لفكرة الإعلان التي يجب أن تستوعب كيفية وضع المشاهد في حالة استغراق في العالم الافتراضي والمعزز ودمجه في أجوائه، فإذا كانت هذه الأجواء غير مريحة، فإن المستهلك لن يكون مع الإعلان الرديء والسلعة أو الخدمة التي يقدمها، فتجربة الواقع الافتراضي السيئة ستعود بنتائج أكثر سوءًا حتى لو كان المنتج ذات جودة عالية.

فواحدة من الطرق المهمة لربط الأشخاص بالعلامات التجارية تتم من خلال بناء تجربة لا تنسى بينهم وبين المنتج أو الخدمة المعلن عنها، فإستراتيجيات الإعلان التي تستخدم الواقع المعزز  على وجه الخصوص لديها القدرة على إنشاء مثل هذه التجربة من خلال جعل التفاعل الشخصي للمستهلك في أفضل حالاته، فالاتصال المباشر القائم على الحواس بين العلامة التجارية والمستهلكين من خلال الواقع المعزز  يجعل التفاعل عاطفيـًّا تمامـًا، فعندما يتمكن المستهلكون من رؤية ولمس وتحسس الأشياء ذات الصلة في النسخة المعززة من عالمهم الخاص، فإنهم يطورون اتصالاً عميقـًا بالعلامة التجارية موضوع الإعلان.

حملات‭ ‬الـ‭(‬FAKE NEWS‭) .. ‬نوايا‭ ‬مبيته‭ ‬لأهداف‭ ‬مشبوهة

حماسٌ شديدٌ وتركيزٌ عالٍ قاد مجموعة من الباحثين من مختلف تخصصات العلوم الإنسانية إلى تحليل إحدى الأساليب التي مكّنت أفرادًا بعينهم من إقناع الآخرين والحصول على القبول منهم والتأكيد، إلى جانب المشاركة الواسعة في قضية الرابح فيها طرف واحد فقط، بينما الضحية جماهير لم تكن تدرك لماذا وكيف تفاعلت عقولها التي تساق من دون هوادة نحو مصير مجهول، فالماكينات تعمل ليل نهار، والأساليب تتغير، والرابط المشترك بين مـَن يدير هذه الماكينات هو «الكذب». 

اكذب أكثر حتّى تُصدّق نفسك

«اكذب، اكذب، ثمّ اكذب حتّى يصدقك الناس، ثم اكذب أكثر حتّى تصدق نفسك» تلك الحسنة الوحيدة التي خلّفها الوزير الألمانيّ «جوزيف غوبلز» لكلّ من تصدى لإدارة ماكينات التضليل الإعلامي في وقتنا الحاضر، كيف لا وهو مهندس الدعاية الألمانية ووزير الدعاية السياسية في عهد «أدولف هتلر»، وقبل ذلك هو مؤسس صحيفة (The Attack) «الهجوم» الأسبوعية في عام 1927م، والتي كانت تمثل الحزب النازي آنذاك، ليشغل بعدها منصب الوزير العام للدعاية في عام 1933م، في حين كان هتلر المستشار. 

و»غوبلز» الذي استخدم منصبه الرسمي ليشرف على محتويات الصحف، والمجلات، والكتب، والراديو، والأفلام، لم يقف عند هذا الحد؛ بل إنه تصدّى لكلّ فن جميل، فعاث في استخدامات الموسيقى والمسرحيات؛ وهدفه الوحيد كان يتمثّل في ترسيخ فلسفة هتلر العدائية وإثارة الكراهية.   

وحماس الباحثين لعله قاد إلى أسطورة «رجل الدعاية»، فكان من اللازم أن يتساءلوا عن مكامن قوته في استخدام وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وكيف استطاع التأثير والسيطرة في مواقف وأفكار وسلوكات الجماهير. 

فـ»هارولد لاسويل» (Harold Dwight Lasswell) على سبيل المثال لا الحصر، وهو عالم الاجتماع الأمريكي الذي كتب في عام 1927م، حول تكتيكات الدعاية في الحرب العالمية الأولى، قال: «ما كان في السابق يتمُّ تحقيقه بالعنف والقهر، فإنه الآن يمكن أن يتمَّ عن طريق الجدل والإقناع»، فعن أيّ جدل وعن أيّ إقناع كان «لاسويل» يتحدث؟.  

أعطني إعلامـًا من دون ضمير أُعطيك شعبـًا من دون وعي

عندما بدأت الحرب العالمية الثانية عام 1939م، استطاع «غوبلز» أن يدير وسائل الإعلام بفاعلية، بحسب ما سطـّرته الروايات التاريخية، والتي أشارت إلى أن هذا الرجل كان يقول: «ليست مهمّة الدعاية أن تكون دعايةً جيدة، بل أن تحقق النجاح»، إلى جانب أنه كان يقول: «أعطني إعلامـًا من دون ضمير، أُعطيك شعبـًا من دون وعي»؛ إلا أنه وفي نهاية المطاف أقدم على الانتحار مع زوجته وأطفاله الستة الذين كانت تتراوح أعمارهم بين الرابعة والحادية عشرة عامـًا، ليُخلّف لـمـَن أراد استخدام ماكينات التضليل مقولته الشهيرة «اكذب اكذب حتـّى يصدقك الناس وحتـّى تصّدق نفسك أيضًا». 

اليوم، وفي ظلّ بيئة الإعلام الجديد، يبدو أن مقولة «غوبلز» تـُستخدم على نطاق واسع، وبطرق حديثة تفرضها البيئة الجديدة لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ بخاصة أن أخلاقيات ومبادئ الاتصال أصبح من اليسير انتهاكها أو حتـّى عدم الالتزام بها؛ وهو الأمر الذي يطالب من أجله كثيرون بإيجاد ميثاق شرفيٍّ وأخلاقيٍّ لاستخدامات شبكات وقنوات الاتصال الجماهيري. 

ولعلنا نشير في هذا السياق إلى ما نشرته وكالة «فرانس برس» على يد «سفيتكوفسكا ساسكا»، حينما كتبت قصة خبرية تحت عنوان: «الأيدي الخفيّة وراء صناعة التضليل الإعلامي في مقدونيا»، إذ تقول: «إن طالبًا يبلغ من العمر (20) عامـًا استطاع أن يحجز لنفسه إجازة في اليونان بعدما تمكّن من كسب (200) يورو في الشهر للمساهمة في تدفق سيل الأخبار الكاذبة على شبكة الإنترنت»، وبحسب رواية الوكالة، فإن هذا الطالب الذي يعيش في بلد فقير في البلقان، تمكّن في عام 2016م، وهو المتخصص في التكنولوجيا، من خوض غمار السباق لكسب الأموال عن كلّ نقرة لخبر يـُروِّج لأقوال عنصرية أو حتـّى يورد معلومة ملفقة عن أشخاص بعينهم في مواقع المشاهير والسيارات ونصائح التجميل، وعلى الرغم من أن هذا الطالب يرفض الكشف عن هويته، إلا أن الوكالة أوردت تعليقـًا لشخصٍ يدعى «بورتزي بيتزيف»، وهو مصمم مواقع على شبكة الإنترنت يقول فيه: «لقد أدرك الناس أنه يمكن تحقيق الأموال من السياسة أيضـًا». 

والمسألة هنا يبدو أنها تعتمد إلى درجة كبيرة على أساليب الدعايات المعروفة، فهناك مـَن يستأجر الآخرين، وهناك مـَن يدير ويتحكم بالآلة الإعلامية، وهناك مـَن بحاجة إلى الأموال فلا رادع يمنعهم طالما أن المسألة لا تتجاوز نشر الأخبار والتعليقات الرسمية، والتي يتمُّ «تكييفها أو تعديلها قليلاً، ويُضاف لها عنوانــًا يشدُ القارئ»؛ لأغراض شتّـى.     

وإذا كنّا اليوم أمام إستراتيجية جديدة تعتمد على أسلوب النشر، النشر، ثم النشر حتّى يُصدّق الناس، فليس مهمـًا بالنسبة للقائمين بالنشر إن كانوا يميلون لدول أو لأشخاص بعينهم، فالمهمّ بالنسبة لهم هو كسب ما يكفي من الأموال من خلال إيجاد آلية متجددة للوصول للجماهير.  

وإذا كانت تلك حسنة بالنسبة لمسيّري ماكينات التضليل، فهي سيئة بالنسبة للمتخصصين في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري، فهم الذين يدركون مختلف التأثيرات التي تحدثها وسائل الإعلام ورسائله، ومن هذا المنطلق فهم يشيرون إلى أن الوسيلة الإعلامية إذا كان البعض يعتبرها سلاحـًا وأداة من أدوات الحروب الباردة، فيمكن القياس على ذلك باعتبارها أداة للسلم في الجانب الآخر. 

في هذا السياق، يقول الدكتور علي بن دبكل العنزي، رئيس قسم الإعلام في جامعة الملك سعود وأستاذ الإعلام السياسي: «الدعاية وجدت منذ أن وجد الاتصال والتجمع البشري، ودائمـًا ما كانت تحاط بسؤال بارز مفاده: ما الهدف منها؟ ولو نظرنا اليوم إلى وسائل الإعلام، لوجدنا أن البعض يستخدمها كسلاح فتّاك يفوق قدرات الأسلحة الحربية، وكانت تستخدم في أوقات الحروب، وبرزت بشكلها المعروف اليوم منذ الحرب العالمية الثانية، وكان يستخدمها «جوزيف غوبلز» مهندس الدعاية النازية على نطاقين، ففي النطاق الأول كان يتبع أسلوب المنافسة، وفي النطاق الثاني كان يتبع أسلوب المواجهة، وفي حالة «غوبلز» مع وسائل الإعلام، كانت المواجهة تعني تقويض الروح المعنوية للعدو ومحاولة هزيمته نفسيـًّّا، واليوم يمكن أن نرى أسلوب النطاق القائم على الدعاية باتباع أسلوب للمنافسة». 

ويضيف الدكتور العنزي على حديثه بالقول: «البيئة الإعلامية اليوم، هي بيئة تفاعلية، ولابد للعاملين فيها من أن يحاكوا وأن يتفاعلوا مع واقعها، فكثير من المواقع الإخبارية في وقتنا الحاضر تهدف إلى التضليل وهي آخذة في الانتشار طالما أن جمهور وسائل وشبكات الإعلام الاجتماعي يبحث عن المعلومة، فالأهم أن تكون حاضرًا أولاً بأول بالمعلومة الصحيحة».

 وحول آلية مواجهة ماكينة الدعاية المضلِّلة، يشير الدكتور علي العنزي إلى أن السيطرة الكاملة على المعلومة في زمننا هذا لم تعدّْ ممكنة، فوسائل الاتصال ليست تحت السيطرة؛ لذا لابد من العمل على جانبين، الأول يتمثل في التوعية، والثاني يتمثل في توفير المعلومات. 

مـَن؟ يقول ماذا؟ بأية وسيلة؟ لـمـّن؟ وبأي قصد؟

المتخصصون في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري يطرحون السؤال التالي في أكاديميات الإعلام: مـَن يتحكم في الآخر .. التقنية أم الإنسان؟ وهم يشيرون في هذه المسألة إلى العلاقة ما بين وسائل الإعلام والتقنية من جانب، ومن جانبٍ آخر إلى العلاقة ما بين الوسيلة والقائم بالرسالة؛ ليتضح لنا من آنف الذكر أن العلاقة ما بين الإنسان والتكنولوجيا تحظى باهتمام متزايد نظرًا لتأثيرات وسائل الاتصال على الفرد والمجتمع. 

و»لاسويل» الذي حدد ثلاث وظائف للإعلام: مراقبة البيئة، العمل على ترابط أجزاء المجتمع، الاهتمام بنقل التراث الثقافي عبر الأجيال، لعله كان يشير إلى أننا إذا ما تفاعلنا مع الرسائل التي تصل إلينا عن طريق وسائل الإعلام، فالأسئلة الخمسة جديرة بفكِّ شفرات هذه الرسائل والهدف منها.  

فوسائل الإعلام، والتي ينبغي على القائمين عليها أن يشاركوا الجمهور من خلالها بالمعلومات والبيانات حول مختلف الحوادث والمشكلات والقضايا التي تمثل أهمية بالنسبة لهم، بإمكانها أن تؤدي دورًا كبيرًا في مسألة التأثير في الرأي العام وفي الجانب الإخباري الذي يعذُ واحدًا من نشاطات الاتصال الجماهيري الأساسية المهمة، وهذا ما تجيد ماكينات التضليل العمل من خلاله، وذلك بإيراد معلومات صحيحة وتغليفها بأخرى كاذبة ومُزيفة للواقع. 

وهنا لا يمكن أن تنجح مسألة تغييب الوعي الجماهيري في كلّ الأحوال؛ إذ لابد من أن تكون المعلومة حاضرة؛ فالمضلل يخاطب الوعي المغيّب بحسب ما يذكره الدكتور مطلق بن سعود المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بقسم الإعلام في جامعة الملك سعود، حيث يقول الدكتور المطيري في هذا السياق: «التضليل الإعلامي والدعاية السياسية كلاهما مصطلحين غير أخلاقييْن في العمل الإعلامي، وهناك التباس في المفاهيم حول هاتيْن المسألتيْن، فالدعاية يُمكن قياسها حينما يكون هناك حدثــًا صحيحًـا ويُضاف له معلومات أخرى بنوايا مسبقة، وأما التضليل فلا يوجد فيه لا حدث ولا معلومة صحيحة، وأساس التضليل هو الكذب، والقائم عليه يحاول أن يجابه الصدق والموضوعية بالكذب والخداع وتزييف الواقع». 

ويستطرد الدكتور مطلق المطيري أستاذ الإعلام السياسي حديثه بالقول: «الدعاية السياسية تختلف عن التضليل الإعلامي، وقد يكون مقبولاً استخدام الدعاية في أوقات الحروب؛ فهي حملة منظمة بنوايا مسبقة هدفها خدمة مصالح القائم بالرسالة. أما في مسألة التضليل الإعلامي، فهذا الأمر يقوم به طرفٌ على حساب آخر، وهذا الأمر لا يحدث إلا إذا وُجد الطرف الآخر موضوعيـًّا، والطرف الأول يريد التقليل منه، وعلى سبيل المثال؛ تكون هناك دولة تعمل بشكل جيد وأخلاقي، وأخرى ترى بأن هذا التحرك إيجابي ويهدد المصالح، من هنا تبدأ الشائعات التي تنتشر وتأخذ في الانتشار في ظل وجود عاملي الغموض والأهمية؛ لذا لابد من أن تتوافر المعلومات وبشكل دائم للجماهير، حتى لا تحدث الفجوة في مسألة الوعي المغيّب، وهي المسألة التي نعاني منها في عالمنا العربي؛ فالعقلية العربية لا تقبل بالموضوعية، والإعلام التعبوي يبحث عنها ويتفاعل معها، ومن هنا تقبل العقلية غير الموضوعية الدعاية السياسية أكثر من قبولها للموضوعية». 

وفي السياق ذاته، وعبر سلسلة من المقالات العلمية المنشورة في صحيفة أخبار اليوم المصرية، شخّص الأستاذ الدكتور حسن عماد مكاوي مفهوم الشائعات ودوافعها وكيفية مواجهتها، بالقول: «الشائعة عبارة عن سلوك اجتماعي – لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات −  فهي ظاهرة بشرية، وهي لكل سلوك تصدر عن دافع، وتهدف إلى غاية، وهي لصيقة بالمجتمع الذي تظهر فيه، تعكس ظروفه الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية، وعادةً ما يزيد انتشار الشائعات في أوقات الأزمات والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وحيث إن الشائعات توجد في كل المجتمعات بدرجاتٍ متفاوتة، إلا أن هناك علاقة وثيقة بين انتشار الشائعات وحجب المعلومات من الجهات المسؤولة». 

كما يشير عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة، إلى أن الشائعات كانت محط أنظار الدراسات العلمية والتحليل من جانب علماء النفس والاجتماع والسياسة والإعلام على حدٍ سواء، حتى جاء تعريفها على النحو التالي: «هي معلومة أو فكرة أو رأي حول شخص أو موضوع أو جهة أو قضية ما، يتم تداولها بين الأفراد عن طريق الاتصال المباشر، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عبر شبكة الويب، من دون أن يتطلب ذلك قدرًا من البرهان أو الدليل». 

ويفسّر الدكتور مكاوي النقطة الأخيرة بالقول: «القصد من ترديد الشائعة هو الاعتقاد بصحة المعلومات الواردة من دون توافر الأدلة اللازمة للتأكد من حقيقتها». ومن الأساليب المساعدة على انتشار الشائعات، اختلاق الأخبار والمبالغة في سردها وإن كانت تحوي جزء من الحقيقة، فهي «سوق سوداء للمعلومات» يلجأ إليها الجمهور طواعيةً متى ما غابت المعلومة حسب ما يذكر الدكتور مكاوي، وهي إذ تختفي متى ما زالت الظروف المحيطة بالمجتمع، خاصةً في أوقات الحروب والأزمات.     

مـَن يتحكم في الآخر؟

يُستخدم الإعلام − أيضـًا − لغرض إيجاد آليات تنمي داخل الجمهور وعي الاستجابة للرسائل، كالحملات الإعلامية، وهذه الحملات قد تستخدم لأغراض توعوية مصممة لأغراض محددة، وأهداف موضوعة سلفـًا، يمكن قياسها وتحديد مدى الاستجابة لها من خلال مؤشرات يمكن رصدها، وقد تكون − أيضـًا − تضليلية، وذلك ما يعيدنا إلى نقطة البداية والتساؤل من جديد: ما الهدف من الحملات الإعلامية والتضليل، ومـَن يتحكم في الآخر .. التقنية أم الإنسان؟. 

هنا يتفق المتخصصون في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري على أنه لا توجد نظرية واحدة يمكن الاتفاق عليها حول كيفية عمل وسائل الإعلام وعن تأثرها وتأثيراتها في الفرد والمجتمع؛ وأن النظريات الاجتماعية يمكن أن نصل من خلالها لتصورات مختلفة عن العملية الإعلامية وعن آثارها الاجتماعية. فمؤسسات الإعلام وإن كانت تتولى مهام الإنتاج المستمر كعمل أساسي، فهي تـُسهم − أيضـًا − في تكوين المخزون المعرفي للأفراد، والمؤسسة الإعلامية التي تقوم بوظيفة نقل المعرفة ويصل إليها الفرد بكل سهولة ويسر، يتكون على إثر وظيفتها علاقة افتراضية ما بين مرسل ومستقبل، ويـُفترض أن تكون هذه العلاقة توازنية، إلا أن هذه العلاقة ونظرًا لانتشار وسائل الإعلام، من شأنها أن تؤدي دورًا كبيرًا في الخبرات والتصور والإدراك، وكلّ ذلك يأتي بشكل تدريجي وغير محسوس. 

ووسائل الإعلام التي تقوم بدور الوسيط في مجالات عدّة، هي وسيط بيننا وبين كثير من المؤسسات التي نتعامل معها، إذ تمثل قنوات اتصال بين أفراد المجتمع؛ عن طريقها نشكّل تصوراتنا عن الجماعات والمؤسسات والأحداث المختلفة؛ ومن خلالها تصورات الآخرين لنا تتأثر، والوساطة هنا نعني بها تمثيل أطراف مختلفة، والتحكم في طرف على حساب آخر؛ فهي إذًا مرآة عاكسة للمجتمع ولـمـَن يتحكم فيها أيضًا، وهي كذلك وسيلة للعرض وستار لمن يمارس من خلالها الدعاية. 

لذا، يشير الدكتور حمود القشعان، عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت، إلى أنه كلـّما زاد الإسراف في استخدام شبكة الإنترنت كلـّما قلت اللمسة الإنسانية والتواصل الحضاري بين المستخدمين، ويشدد الدكتور القشعان على أهمية اتباع أسلوب الشفافية لمواجهة التضليل الإعلامي: «بالشفافية تذوب كلّ الشبهات، لذا علينا جميعـًا أن نرفع شعار الشفافية والموضوعية، ومحاربة الفكر بالفكر». 

أساليب جديدة للتضليل الإعلامي

تستخدم ماكينات التضليل أساليب الاتصال والإعلام اللازمة للتأثير في السلوك السياسي للجماهير في الدول الأخرى، وهذا الأمر يمكن قياسه على النشاطات الدعائية والإعلامية على حدٍ سواء، وهذا ما يعرف بالدعاية السياسية التي تدل على الجهود الواعية والمقصودة التي تستهدف نشر الأفكار والآراء والمعتقدات إلى جانب الأخبار المضللة، والهدف بالتأكيد التأثير في الرأي العام والسلوك الاجتماعي للجماهير.   

ولذلك يشير الأستاذ نايف الضيط، وهو كاتب صحفي وأكاديمي متخصص في مجال الاتصال الإستراتيجي إلى أن «المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي هو أبرز من تحدث عن إستراتيجيات الخداع التي تمارسها وسائل الإعلام، فهو حدد عشرة أساليب تمارسها بعض وسائل الإعلام لتضليل الجمهور كسياسة الإلهاء، وتشتيت الجمهور وتجهيله، وصناعة الخوف الخارجي لتركه في حالة من الترقب المستمر، وافتعال المشكلات ومن ثم إيجاد الحلول لها». 

ويضيف الضيط في مقالته التي نشرها في صحيفة «مكة» بالقول: «التجاهل نوع آخر من التضليل، حيث تعمد وسائل الإعلام المضللة إلى تجاهل أخبار مهمة، بينما تركز على أحداث أخرى ليست ذات أهمية بهدف توجيه الرأي العام، مثل السكوت عن المشكلات الاجتماعية والقضايا الأساسية والتطرق لموضوعات هامشية، وصنع المصطلحات الإعلامية ونشرها في التقارير والأخبار بهدف تشويه الآخر، وبما يتوافق مع توجه الوسيلة الإعلامية والقائمين عليها، كما تمارس دس السم في العسل بنشر الأخبار والتقارير، حيث تنشر المعلومات والأخبار لتشويه الحقائق وقولبتها، وتتعمد الاعتماد على مصادر مجهولة والتظاهر بأنها حقائق ومصادر موثوقة أو مطلعة لإثبات رأي معين وتجاهل الرأي الآخر والمصادر الأخرى.

ويرى نايف الضيط أن تطور تقنيات الإعلام أدى إلى بروز أشكال جديدة من التضليل والخداع الإعلامي، مثل: نشر الأخبار الكاذبة في المنصات الرقمية ومواقع الإنترنت، منوهًا بأن من أخطر أنواع التضليل في وقتنا الحالي، ما يسمى بتقنية الخداع العميق (Deepfake) وهي استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي وخوارزميات تعلم الآلة والشبكات العصبية، مشيرًا إلى أن هذه التقنية وهذا الاستخدام دعا وكالة البحوث الدفاعية المتقدمة (DOPRA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية إلى تطوير منصة تكشف التلاعب لتعرّف الصور والفيديو المشكوك فيها». 

هذه المسألة تعدُّ تهديدًا خطيرًا للأفراد والأمن، فهل يقع اللوم على عاتق برمجيات الإنترنت في التضليل الإعلامي؟، أم أنه يقع على عاتق مـَن يدير هذه البرمجيات؟ فاليوم «يُسلـّط الضوء على الخوارزميات الـمـُستخدمة في محركات البحث ومواقع وشبكات التواصل الاجتماعي، والـمـُتّهمة في أكثر الأحيان بإبراز المعلومات الـمـُلفّقة أو الخادعة بغض النظر عن عواقب ذلك»، وذلك بحسب ما نشره «جرنكس تيماز» في وكالة «فرانس برس»، والذي يشير إلى أن «البرمجيات تقوم باتخاذ قرارات من تلقاء نفسها، وتقوم بترتيب النتائج على محركات البحث، وتدير تغذية الأخبار في الشبكات الاجتماعية، وتوصي بمتابعة مواد بعينها، وهكذا توكل مهام معقدة وحساسة أحيانـًا إلى هذه الأنظمة التي تعمل بصورة مستقلة على نحو متزايد، وتتصرف بما يشبه (صناديق سوداء) تطور ذكاءها الاصطناعي من خلال البيانات التي نغذيها بها، والهدف الرئيس لـمـَن يقومون بتوظيف هذه الخوارزميات في الشبكات الاجتماعية، هو تعميم المحتوى الأكثر شعبية من دون الحكم على صحته، ولهذا السبب تتسبب في تضخيم تأثير الأخبار الملفقة”.

وتقنيات الإعلام المتطورة، إذا كانت تمثل تهديدًا خطيرًا للجماهير التي لا تدرك خطورة تعاطيها وتفاعلها مع المعلومات المضللة، فذاك نتاج طبيعي، بخاصةً وأن هناك مـَن يستخدم كلّ أدوات التضليل حتى يصل إلى مرحلة لا تتمكن فيها الجماهير من التفكير في الأسباب التي دفعتها لتبني آراء ومعتقدات معينة أو حتى البحث عن منطقيتها، فإذا كانت مثالية الإعلام تشير إلى أن الوسائل تستخدم بهدف نقل الحقائق والمعلومات للجماهير، فالدعاية شأنها شأن التضليل تهدف إلى غايات محددة، أبرزها يتمثل في قيادة الجماهير ودفعهم للاعتقاد بفكرة معينة أو مذهب سياسي معين، ولذلك نجد أن مـَن يستخدم الدعاية للوصول إلى أهدافه المرسومة مسبقـًا، فهو يستخدم بعض الحقائق وينطلق منها إلى تفسير ما يريده للوصول إلى نقطة التأثير الانفعالي في الجماهير, فأساليبهم هي الاستهواء والإغراء بصرف النظر عن منطقية الموضوعات المطروحة.  

إذًا، فكلّ ما نراه اليوم من تضليل وخداع إعلامي، ما هي إلا حروب نفسية تُمارس في بيئة الإعلام الجديد، وهي شكل من أشكال الدعاية الهادفة إلى تثبيط الروح المعنوية من دون قتال فعلي بالتحام السلاح للقضاء على روح المقاومة والإقناع بالهزيمة. 

لذا، تواجه وسائل وشبكات الإعلام الاجتماعية اتهامات من جهات عدّة، والأهمّ هنا هو أن نتساءل: مـَن يديرها؟ وماذا يقولون فيها؟ ولـمـَن يوجهون رسالتهم؟ وبأي قصد؟ وعلى الرغم من أن بعض الدول سنـَّت قوانينها لمحاربة الأخبار الكاذبة والمضللة، إلا أن «عليها أن تنشئ أجهزة قوية للعلاقات العامة الرسمية، إذا ما أرادت أن تقضي على الأخبار المضللة والكاذبة والشائعات». 

ويرى الأستاذ الدكتور حسن عماد مكاوي في سلسلة مقالاته العلمية حول: مفهوم الشائعات:»إن تداول المعلومات على نطاق واسع ضرورة، ويمكن تنظيم ذلك وفق الضوابط والقوانين، ما يكفل حقّ المعرفة الذي يساعد على اتخاذ القرارات، وأن عرض الحقائق بوضوح وتجرد، وتحقيق العدالة والمساواة، وعدم التمييز والمحاباة والمحسوبية، من شأنه أن يكفل اكتساب ثقة الجمهور، والذي بات بحاجة إلى التوعية أكثر بمخاطر الجيل الرابع من الحروب، بخاصة وأن الجيل الرابع من الحروب يستخدم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الهادفة إلى هدم الدولة وإفشالها وتفتيها من الداخل، إما من خلال زرع عدد من العملاء تكون مهمتهم افتعال الأزمات، وزعزعة الاستقرار، وإثارة المواطنين للخروج ضد الأنظمة الحاكمة وإسقاطها، والعمل على هدم الثقة في المؤسسات الأمنية للدولة بدعوى تجاوزاتها في مجال حقوق الإنسان». 

إذًا، شخصيات وأساليب المضللين في كلّ لحظة تتجدد؛ والمهم يكمن في مسألة الإدراك بأن وسائل الاتصال الجماهيري، تلك القادرة على نقل رسالة إلى جمهور واسع ومتنوع وفي آن واحد، يستطيع مـَن يديرها أن ينقل إلينا ما يريد في مضامين متنوعة؛ فإذا كان البعض يعتبرها سلاحـًا والبعض الآخر يراها سلطة فهي
− أيضًا − مرآة وأداة للسلم، فكيف يمكن لنا أن نوظف الرسائل الإعلامية والاتصالية بفاعلية مستفيدين من نظريات الإعلام والاتصال في الجانب الحسن لا السيء كما فعل من اتخذ «غوبلز» أبـًّا روحيـًّا وأسطورة يحتذى بها من أجل الكذب، ونشر الكذب، ومن ثمّ تصديق الكذب.

وما بين فترة وزير الدعاية النازي «غوبلز» في الثلاثينيات من القرن الماضي وبين حرب الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» مع وسائل إعلامية محددة في بلاده، نتيجة مواقف سياسية وحزبية، زادت وتيرة مصطلحات، مثل: «الأخبار الكاذبة» و»الوسيلة الإعلامية الكاذبة» وأصبح الجميع يطلقون مجازًا عبارة (Fake News) للدلالة واتخاذ موقف محدد، وهو ما برز مع الرئيس ترمب خصوصـًا، حتى لو تعدّى ذلك العرف والنسق الإعلامي الأمريكي المعتاد، والذي ربما يراه كثيرون قدوة في الشفافية والاستقلالية، لكن الأحداث والمواقف أظهرت العديد من التناقضات التي أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيجها وانتشارها بشكل واسع وعلى نطاق عالمي غير مسبوق، وبالتالي تبديل كثير من القناعات وكشف كثير من الأقنعة.