من يصنع الآخر

مجرّي بن مبارك القحطاني

تسارعت الأحداث والمتغيرات المتلاحقة لتلقي بظلالها على الساحة الإعلامية التقليدية والجديدة، وتعددت المبتكرات الإعلامية الحديثة فتنامت النظريات والمصطلحات الإعلامية القديمة الجديدة، وبرز للمتابع المتخصص العديد من الموضوعات المؤثرة والمهمة في واقع ومستقبل الإعلام، مثيرة لكثير من التساؤلات!.

فمن ظهور «أول مذيع «روبوت» قارئ للنشرات الإخبارية مستنسخـًا لصوت وصورة المشاهير من المذيعين، إلى بروز نظرية «الضخ الإعلامي المكثف» بهدف التأثير في الرأي العام وتكريس حقائق محددة، إلى مصطلح «غسل الأخبار» الذي تقوم فيه خلايا عديدة بتدوير الأخبار والإشاعات بين وسائل إعلامية محددة معتمدة على النقل والإسناد لمصادر غير معروفة بهدف التضليل والتأثير والإضرار، إلى تزايد اعتماد الأخبار الزائفة (Fake News) بشكل متزايد في الصراع بين السياسيين والإعلاميين بعد أن رددها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في صراعه مع وسائل إعلامية لها أجندات حزبية.

هذه المتغيرات المتلاحقة تركتنا نسبح في دهشة سؤال كبيرة .. «مـَن يصنع الآخر..الأزمة أم الإعلام؟».

عبر التاريخ القريب كان الحدث الأبرز هو تسيد شبكة (CNN) الأمريكية للمشهد الإعلامي العالمي بعد أن أبرزتها أزمة احتلال العراق لدولة الكويت وحرب تحريرها عام 1991م، لتتحول إلى إمبراطورية الصوت والصورة والبث المباشر من خلال استغلالها لهذه الأزمة الدولية الكبرى.

المتغيرات الجديدة وتطورات الاتصال الجماهيري المتسارعة ووسائل التواصل الاجتماعي قلبت هذه المعطيات وحولتها إلى واقع معاكس، بمعنى أن الوسيلة الإعلامية قد يكون لها دورًا مؤثرًا في صناعة الأزمات وتعزيزها وانتشارها على نطاق أوسع من دون النظر لأي معايير أو محددات، ومعه أصبح المتابع يمسي على معلومة ويصبح على واقع آخر، بمعنى أن الدقيقة ثابتة والحقيقة متغيرة!!!

ولعل الأخطر في هذه العملية الاتصالية مشاركة وتأثير أي متلقي في المحتوى والرسالة وتعزيز الانتشار، مما جعل الرأي العام داخل الدول وخارجها يتشكل ويتبدل بشكل سريع ودائم وفق المجموعات الإلكترونية من دون قيود أو حدود، مما صنع ميادين جديدة للصراع.

تأثير التقنية من خلال التواصل الاجتماعي حولت الإعلام الجديد إلى مسرح إعلامي افتراضي، مما أثر في الحقيقة وعزز من النجومية الفردية الباحثة عن المتابعة والشعبوية.

الوسيلة التقليدية قد تتجاوز بعض الحقائق، ولكن مستخدمي التواصل الاجتماعي أصبحوا يؤثرون في القرار والمشهد الإعلامي بأكمله، مما سيوجد مزيدًا من الأزمات ووسائل الإعلام، لتستمر المطاردة من دون توقف ويبقى السؤال: 

من يصنع الآخر .. الإعلام أم الأزمة ؟!!.